وفيه بابان:
الباب الأول: في الفيء
وهو كل مال فاء للمسلمين من الكفار من خمس وجزية أهل العنوة، وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدية، وما يؤخذ من تجار الحربيين، وتجار أهل الذمة، وخمس الركاز، وخمس الغنائم.
وكيفية قسمته ما ذكر ابن حبيب أنها السيرة التي مضى عليها أئمة العدل في ذلك، وهي أن يبدأ بسد مخاوف المسلمين، وتثقيف حصونهم، واستعداد آلة الحرب، فإن فضل شيء أعطي قضاتهم وعمالهم، ومن للإسلام فيهم انتفاع، وتبني منه مساجدهم وقناطرهم إليه وما هم محتاجون، ثم يفرق على فقرائهم، فإن فضل شيء ورأى الإمام (تفرقته) على الأغنياء فرقه، وإن رأى حبسه لنوائب الإسلام فعل. قال: وذلك كبناء مساجد وقناطر وغزو، وفك أسير، وقضاء دين، ومعونة في عقل جراح، وتزويج عازب، وإعانة حاج، وإرزاق من يلي مصالحهم، وتدبير أمورهم.
والتفرقة فيه بقدر الحاجة، لا على الحرمة والسابقة والبلاء في الإسلام. وروي اعتبار ذلك. وروي أن الأمر موكول إلى اجتهاد الإمام، فيقسم (على) ما يراه من مساواة أو تفضيل، بحسب الفضائل التي ذكرناها.
ويعطي الإمام أقرباء رسول الله ﷺ على ما يراه، ولا يتعين لهم خمس ولا غيره، ويوفر سهمهم لأنهم يمنعون من الزكاة.
وإذا بلغ (الإمام) عن بلد حاجة، نقل من الفيء والخمس إلى ذلك الموضع بقدر
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الاجتهاد، ولا ينقل مالًا من بلد إلا بعد إزالة حاجته وحاجة أهله، ويشيد حصونه، ويزيد في كراعه وسلاحه، ويقطع منه رزق عمال ذلك البلد وقضائه والمؤذنين، ومن يلي شيئًا من مصالح المسلمين، ثم يخرج عطاء المقاتلة الذين يدونهم من أهل ذلك البلد لجهاد عدوهم، ثم يعطي العيال والذرية وسائر المسلمين على قدر المال، فإن كان فيه سعة، دفع إلى كل ما يحتاج إليه، ويبدأ بالفقراء، فما فضل من جميع ذلك حمله إلى بيت المال يقسمه على من عنده من المسلمين، فيبدأ فيه بمثل ما بدأ في البلد الذي حمل منه، وإن لم يكن فيه ما يعم الفقراء والأغنياء آثر الفقراء كما بدأ الله بهم، فقال (تعالى): ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾.
قال عبد الله بن عبد الحكم في قسم الفيء إذا صار في بيت المال: «يبدأ فيعطي الرجال المقاتلة من جميع البلدان، ويعد فيهم من بلغ خمس عشرة سنة، ويحصي ذرية المسلمين فمن بلغ دون السن، ودون المحتلم من ذكر أو أنثى ويحصي النساء، ويعلم ما يحتاج الجميع إليه في عامهم، (ويبدأ) بالمقاتلة، فيسد بهم الثغور والأطراف وعورات المسلمين، ويفاضل بينهم في العطاء على قدر المغزى ومؤنته، ثم يعطي النساء والذرية والمنفوس لقوام عامهم، ولا يعطي المماليك، وليعط الأعراب وأهل البوادي ممن له قرار أو لا قرار له، كما يعطي النساء والذرية والزمنى، لا كما يعطي المقاتلة لأنهم حشو الإسلام، فيعطون لحرمته، وبقدر المؤونة، وكذلك الزمنى من أهل الحاضرة.
وإنما العطاء للمقاتلة من أهل المدائن ممن تضرب عليهم البعوث».
الباب الثاني: في قسمة الغنائم
والغنيمة: كل مال تأخذه الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة، وخمسها مقسوم كخمس الفيء. وأربعة أخماسها للغانمين. ويتطرق إلى الخمس النفل والرضخ والسلب.
أما النفل فهو زيادة مال يخص به أمير الجيش من فعل فعلًا خطيرًا، كتقدمه طليعة، أو تهجمه على قلعة، أو من رأى منه زيادة غناء، وحسن بلاء، وهو موكول إلى اجتهاد الإمام.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
ومحله الخمس، لا أصل الغنيمة، وقدره ما يقتضيه الرأي بحسب اجتهاد الإمام.
وأما الرضخ، فهو مال تقديره إلى رأي الإمام أيضًا، يصرف إلى العبيد والصبيان والنساء على قول، حيث قلنا: لا يسهم لهم. ومذهب الكتاب: «أنه لا يسهم لهم، ولا يرضخ».
ومحله الخمس كالنفل.
ولو حضر الكافر بإذن الإمام وقاتل، ففي الإسهام له ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم، فلا يسهم له، أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته، فيسهم له، فإن لم يقاتل، لم يستحق شيئًا. وحكم العبد حكم الذمي.
وفي الصبي المطيق للقتال ثلاثة أقوال أيضًا: الإسهام، ونفيه، والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له، أو لا يقاتل فلا يسهم له.
وأما المرأة فإن لم تقاتل لم تستحق، وإن قاتلت ففي استحقاقها قولان.
وأما السلب، فهو ما يؤخذ مع القتيل من ثيابه وسلاحه، وما شابهه من السلب المعتاد دون ما ينفرد به عظماء المشركين. وقيل: بل يدخل فيه كل ما معه من ذلك وغيره.
وحكم السلب أنه كسائر أموال الغنيمة، لا يستحقه القاتل، إلا أن ينفله الإمام إياه، حيث (يرى ذلك) مصلحة.
ولا يجوز له أن ينادي به قبل القتال: لئلا يشوش على المقاتلة نياتهم، فإن فعل فقيل: يملكه القاتل بذلك، وقيل: لا يملكه به.
والنداء بذلك يوم حنين، إنما كان بعد فراغ القتال، وجلوس النبي ﷺ.
أما قسمة الغنيمة ففيها مسائل:
الأولى: إذا ميز الإمام الخمس، قسم الأربعة الأخماس الباقية من الغنيمة على الغانمين.
ويستثني عن ذلك العقار خاصة، فإنه يبقى لمن يأتي من المسلمين ليشترك الكل في منفعته، كما فعل عمر ﵁. وقيل: يقسم كغيره، وقيل: ذلك موكول إلى اجتهاد (إمام الوقت) كما تقدم. ولا تؤخر قسمة ما يقسم إلى دار الإسلام.
وسبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصرة المسلمين، فلو شهد آخر الوقعة استحق، ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا، ولو غاب بانهزام فكذلك.
فإن كان قصد التحيز إلى فئة أخرى، فلا يسقط استحقاقه.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
واختلف فيمن خرج لشهود الوقعة، فمنعه العذر منه، كمن ضل، ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال: يفرق في الثالث، وهو المشهور، فيثبته إن كان الضلال بعد الإدراب، وينفيه إن كان قبله. وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من مصلحة الجيش، فشغله ذلك عن شهود الوقعة، فإنه يسهم له. وروي: أنه لا يسهم له.
فأما اشتراط كونه من جنس من يلزمه القتال، بأن يكون مسلمًا حرًا ذكرًا مطبقًا للقتال بالبلوغ أو المراهقة، فقد تقدم الخلاف في فقد ذلك، هل يخل بالاستحقاق أم لا؟
وأما فقد العقل، فإن كان مطبقًا، فلا يسهم له إذا خرج كذلك من دار الإسلام، فإن كان ذلك طارئًا عليه في دار الحرب، ففي الإسهام له خلاف.
وإن كان يفيق، فإن كان بحيث يتأتى منه القتال أسهم له، وإلا فلا.
الثانية: إذا وجه الإمام سرية، فغنمت شيئًا، شارك في استحقاقها جيش الإمام، إذا كانت خرجت منه، وإن خرجت من بلد، فلا يستحق أهل البلد معهم شيئًا.
الثالثة: من حضر لا يقصد الجهاد، كالأجير لسياسة الدواب والتاجر وشبههما، من لم يقاتل منهم لم يستحق، وإن قاتل استحق. وقال أشهب: لا يستحق أحد منهم، وإن قاتل.
وإذا فرعنا على المشهور، فإنه يسقط للأجير من الإجارة بقدر ما اشتغل عن عمله، إذا كان مستغرق المنافع.
الرابعة: يسوى بين الجميع في القسمة إلا الفارس، فإنه يعطى ثلاثة أسهم: (سهم له، وسهامن لفرسه)، وللرجال سهم.
ويعطى لراكب الفرس دون سائر ما يركب، لما فيها من الكر والفر، إلا ما كان من البراذين والهجن، بمثابتها في ذلك، فإنه يسهم لها، وما لم يكن كذلك لم يسهم لهم.
ويسهم للضعيف لأنه يرتجى برؤه، وقال أشهب وابن نافع: لا يسهم له لأنه لا يمكن القتال عليه الآن فأشبه الكسير ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به، كما لا يسهم للكسير.
فأما المريض مرضًا خفيفًا مثل الرهيص وما يجري مجراه، مما لا يمنعه المرض عن
[ ٢ / ٣٣٨ ]
حصول المنفعة المقصود منه، فيسهم له.
ولو أحضر فرسين لم يعط إلا لفرس واحد، وقال ابن الجهم: يعطي لهما. ورواه سحنون عن ابن وهب: ولا خلاف أنه لا يعطي لما زاد عليهما.
ويعطي الفرس المستعار والمستأجر، وكذا المغصوب، وسهمه لغاصبه، إلا إذا غصبه من غاز ففيه خلاف، هل يكون لصاحبه، أو للغاصب؟
فأما لو أخذه من المغانم، أو من أحد ممن لم يغز ولا حضر في الجيش، لكان سهمه للغاصب. ويستحق السهم للخيل، وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر، لأنها مستعدة للنزول إلى البر.
الخامسة: ذكر ابن المواز أن الخيار (إلى الإمام) في أن يقسم أعيان الغنائم أو أثمانها، يفعل من ذلك لم يراه الأصلح. وحكى ابن سحنون عن أبيه: يبيع الإمام ويقسم الأثمان، فإن لم يجد من يشتري قسم الأعيان. واختار القاضي أبو الوليد «قسمة الأعيان دون بيع».
[ ٢ / ٣٣٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ