شركة المفاوضة جائزة عندنا وعند أبي حنيفة، غير أنه يخالف مالكا في صورتها فيقول: هي أن يشترك الرجلان في جميع ما يملكانه من ذهب وورق، ولا يبقى لواحد منهما شيء من هذين الجنسين إلا اشتركا فيه، ويكون لكل واحد منهما من هذين الجنسين مثل ما لصاحبه، فإن زاد مال أحدهما على مال الآخر؛ لم تصح بينهما الشركة، وكل ما ربحه أحدهما كان شركة بينهما، وكل ما ضمن أحدهما من غصب وغيره ضمنه الآخر، فإن [ورث] (^١) أحدهما مالا [بطلت] (^٢) الشركة؛ لأنه زاد ماله على مال صاحبه.
ونحن نقول: يجوز أن يزيد ماله على مال صاحبه، ويكون الربح على قدر المالين، ويكون ما ضمنه كل واحد منهما مما هو لتجارتهما؛ فهو بينهما، فأما في الغصب وغيره؛ فلا.
وحقيقة المفاوضة عندنا هي أن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه في شراء ما يراه لتجارتهما، وأن يبيع كما يرى، ويوكل ويقارض بعد أن يكون كله لتجارتهما، (١١٢) وبما يتعلق بها، وسواء كان رأس مالهما عروضا على القسمة، أو دراهم، أو دنانير، وسواء كانا شريكين في كل ما يملكانه
_________________
(١) في الأصل: قرب، والتصحيح من عيون المجالس.
(٢) في الأصل: يطلب، والتصحيح من عيون المجالس.
[ ٦ / ١٨٣ ]
[يجعلانه] (^١) في التجارة أو في بعض مالهما، ويفوض أحدهما إلى الآخر ما ذكرناه، وسواء اختلط مالهما حتى لا يتميز أحدهما من الآخر، أو كان متميزا بعد أن يجمعاه وتصير أيديهما جميعا عليه في الشركة (^٢).
وتصح عند أبي حنيفة وإن لم يجمعاه (^٣).
وقال الشافعي: لا تجوز الشركة في العروض، ولا تجوز إلا في الدراهم أو الدنانير؛ وأن يخلطا ذلك حتى لا يتميز أحدهما ولا تعرف عينه من الآخر، ويجوز أن يفضل أحدهما الآخر في [رأس] (^٤) المال، [ويكون] (^٥) الربح على قدر ما لكل واحد منهما من رأس ماله، ثم إذا أصبحا شريكين؛ لم يجز لأحدهما أن يتصرف في الكل إلا بإذن شريكه، وتسمى هذه شركة عنان، وما ضمنه كل واحد منهما يكون في خاصته (^٦).
وسئل مالك عن شركة العنان فقال: لا أعرفها (^٧).
وقد اختلف الناس فيها من أي شيء أخذت، وقالوا: هي كلمة مستعملة
_________________
(١) في الأصل: يحصلانه، والتصحيح من عيون المجالس.
(٢) انظر الإشراف (٣/ ٧٠ - ٧١) بداية المجتهد (٥/ ١٩٢ - ١٩٣) الذخيرة (٨/ ٥٣ - ٥٦).
(٣) التجريد (٦/ ٣٠٢٥ - ٣٠٣٤) بدائع الصنائع (٧/ ٥٠٦ - ٥٠٨) الهداية مع شرح فتح القدير (٦/ ١٤٧ - ١٥٦).
(٤) في الأصل: جميع، والتصحيح من عيون المجالس.
(٥) طمس بالأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٦) انظر الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٢ - ٤٧٣) روضة الطالبين (٤/ ٢٧٥ - ٢٧٦).
(٧) أشار إلى ذلك ابن رشد في البداية (٥/ ١٨٩) ولم يسم. وفي شرح حدود ابن عرفة (٢/ ٤٣٥) أن قائل ذلك هو ابن القاسم، وقال: "ومعنى قول ابن القاسم لم يعرف استعمال هذا اللفظ عندهم".
[ ٦ / ١٨٤ ]
في كلام العرب معروفة، قال الشاعر (^١):
وشاركنا قريشا في علاها … وفي أحسابها شِرْك العنان
وقال قائل: إنما سميت شركة عنان؛ لأن الشريكين يتساويان في هذه الشركة، وكل واحد منهما يساوي صاحبه ويجري مجراه، لهذا مال ولهذا مال، وهما متساويان، ولكل واحد منهما من الربح مثل ما للآخر، فشمله ذلك كعنان الفرسين إذا سار الفرسان معا، لأنهما يتقابلان ويتساويان.
ومنهم من قال: معنى شركة العنان أنها شركة ظاهرة، من قولهم: عنّ الشيء إذا ظهر، وليس في الشركة ما تثبت الشركة منهما في أمر ظاهر إلا هذه الشركة، فإنها تثبت الشركة فيها في أمر ظاهر، لأن شركة المفاوضة تثبت الشركة بينهما فيما لم يظهر، وكذلك شركة الأبدان والوجوه.
وقال بعضهم: سميت شركة العنان؛ لأن الفارس يمسك بأحد يديه عنان الفرس، ويرسل الأخرى يتصرف فيها كيف شاء.
وهذه الشركة تثبت فيها الشركة بين الشريكين في نفس مال الشركة فقط، لا يكون لكل واحد منهما تصرفه فيه لنفسه، ويكون باقي ماله مطلقا له، يتصرف فيه لنفسه كيف شاء كالفارس، وليس كشركة المفاوضة؛ لأنهما يشتركان في جميع التصرف، وليس لأحدهما أن ينفرد بالتصرف فيكون مطلقا له.
وقيل: إنما سميت شركة عنان من عنان الفرس كان مطلق التصرف قبل تركيب العنان عليه، فلما ركب عليه العنان؛ [صار (^٢) ممنوعا من بعض
_________________
(١) البيت للنابغة الجعدي، انظر اللسان (شرك).
(٢) في الأصل: فصار.
[ ٦ / ١٨٥ ]
تصرفه، وكذلك أحد الشريكين في شركة العنان يتصرف في ملك صاحبه في مقدار مال الشركة، وهو ممنوع من التصرف في غير ذلك من ماله، كالفرس منع بالعنان من التصرف في بعض الأشياء، ولم يمنع من البعض.
وذكر بعض أصحابنا أن شركة العنان هي أن يشتركا في شيء بعينه، ولا يبيع أحدهما إلا بإذن شريكه، أو يشتركا فيشترط أحدهما على صاحبه هذا، فكأن كل واحد منهما يتمسك عنانه من صاحبه وممسك لعنان صاحبه، وهو من المنع، وهذا يجوز (^١).
وما قلناه في شركة المفاوضة تجوز، وإن كان أبو حنيفة يزيد فيها شيئا حتى يكونا شريكين عنده في ربح المال، وفيما يكتسبانه بالعمل، ولا يكون لأحدهما شيء ينفرد به، ولا يكون مال أحدهما أكثر من الآخر، ويكونان بعد قولهما: "تفاوضنا" (^٢)؛ شريكين فيما يكسبه كل واحد بعمله، وفيما يشتريه بعين المال وفي ذمته، وما لزم أحدهما ضمانه من غصب أو سرقة؛ ضمنه الآخر، إلا ما ألزمه الآخر باختياره فإنه لا يضمنه الآخر، وما ليس بكسب بل كان من المباحات كالاحتشاش والاصطياد؛ فلا يكونان شريكين، وإن ورث أحدهما عروضا؛ لم تبطل الشركة، وإن ورث ذهبا أو فضة، بطلت الشركة، لأن ماله زاد على مال صاحبه.
ومع هذا كله فإنه لا يخالفنا في المفاوضة على الوجه الذي قلناه.
_________________
(١) وقيل غير ذلك، انظر اللسان (عنن) والمغني (٦/ ٤١٨) الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٣) الشركات وأحكامها في الفقه الإسلامي (٣٨٢ - ٣٨٥).
(٢) ولا تنعقد عندهم إلا بهذا اللفظ لبعد شرائطها عن علم العوام، حتى لو بيَّنَا جميع ما تقتضيه؛ تجوز، لأن المعتبر هو المعنى. انظر الهداية مع شرح فتح القدير (٦/ ١٤٩).
[ ٦ / ١٨٦ ]
وهو مذهب الأوزاعي، وابن أبي ليلى (^١)، والثوري.
ومنع من ذلك الشافعي (^٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (^٣).
وما ذكره الشافعي من شركة العنان تجوز عندنا أيضا (^٤)، وإن كنا نجوز غيره.
والدليل على جواز شركة المفاوضة قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٥).
وهذان قد عقدا عقدا من العقود، فلزمهما الوفاء به بهذا العموم إلا أن يقوم دليل.
وأيضا قول النبي ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (^٦).
وهذان دخلا على شروط، فلزمهما الوفاء بها إلا أن يمنع من ذلك مانع.
_________________
(١) وابن أبي ليلى يزيد أن ما ورثه أحد المتفاوضين أو وهب له؛ فللآخر نصفه، وكذلك إذا أخذ أحدهما كراء. انظر التجريد (٦/ ٣٠٢٦).
(٢) وشدد في ذلك حتى قال: "ولا أعرف شيئا من الدنيا يكون باطلا إن لم تكن شركة المفاوضة باطلا". الأم (٤/ ٤٨٧).
(٣) الأم (٤/ ٤٨٧) الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٥ - ٤٧٦) الأوسط (١٠/ ٥١١ - ٥١٢) روضة الطالبين (٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠) المغني (٦/ ٤٣٦).
(٤) بل نقل غير واحد الإجماع على جوازها في الجملة كما في المغني (٦/ ٤١٨) والأوسط (١٠/ ٥٠٧ - ٥٠٨) وبداية المجتهد (٥/ ١٨٩ - ١٩٠) مناهج التحصيل (٨/ ٧) وانظر أيضا الإشراف (٣/ ٦٦ - ٦٧).
(٥) سورة المائدة، الآية (١).
(٦) تقدم الحديث (٦/ ٨٣) بلفظ "المسلمون على شروطهم" وهو الذي جاءت به الروايات، ولم يرد فيها لفظ "المؤمنون". انظر التلخيص (٣/ ٢٣) والإرواء (٥/ ٢٥٠).
[ ٦ / ١٨٧ ]
وأيضا قوله ﵇: "تفاوضوا لأنه أعظم بركة" (^١).
وهذا يفيد جوازها حين ندب إليها إلا أن يمنع منها مانع.
وأيضا فإنه نوع شركة تنفرد باسم، فجاز أن يكون فيه صحيح وفاسد مثل العنان.
وأيضا فإن ما ذكرناه موضوع الأصول يدل عليه؛ لأن كل نوع من العقود مثل الصرف، والنكاح، والسلم؛ فيها ما يجوز وما لا يجوز لو انفرد، والبيوع تجمع أنواعا، كل نوع منه فيه ما يصح وما لا يصح، إلا أنه ليس يفسد العقد، فكذلك مسألتنا.
وأيضا فإن كل عقد جاز على الانفراد؛ فإنه إذا تعلق بالشركة؛ لم يؤثر فيه الجهالة في صفاته، بدليل أن الوكالة لما جازت على الانفراد؛ جاز أن تنعقد عليها شركة العنان؛ لأن لكل واحد منهما أن يأذن لصاحبه في التصرف، ولم تعتبر جهالة صفاته، ألا ترى أنهما لو تشاركا في البيع؛ جاز مع جهالة صفاته، وإن كانت الوكالة على هذا الوجه لا تجوز في حال الانفراد، فكذلك الشركة في المفاوضة تتعلق بها الكفالة والوكالة مع جهالة صفة الكفالة وهو المكفول به، وإن لم يجز ذلك في حال الانفراد على هذه الصفة.
وأيضا فإن شركة العنان تنعقد على الوكالة من كل واحد لصاحبه [في] (^٢) التصرف، فجاز أن يضم إليها ما هو أعم منها، يدلك عليه أن شركة
_________________
(١) ذكره الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٤٧٥) وقال: غريب. وقال ابن حجر في الدراية (٢/ ١٤٤): "لم أجده".
(٢) في الأصل: والتصرف.
[ ٦ / ١٨٨ ]
العنان لما جازت خاصة في نوع؛ جازت فيما هو أعم منها، ولا معنى يوجب زيادة على معنى شركة العنان إلا إضافة ذكر الكفالة إليه.
وأيضا فإن الشركة تنعقد على المال والربح الذي يحصل فيه، وقد علمنا أن مقدار الربح مجهول وغرر؛ لجواز أن يكون، ويجوز أن لا يكون ولا يعرف مبلغه أيضا، وكفالة أحدهما من صاحبه ليس بمعقود عليه، وإنما هو من أحكام العقد، فإذا كانت الجهالة والغرر فيما هو معقود عليه من الربح [لم] (^١) يمنع من صحة الشركة؛ فحال المكفول له أولى أن لا يمنع، ألا ترى أن حكم ما هو معقود عليه أولى بالاعتبار فيما هو من توابع العقد وأحكامه.
وأيضا فإن شركة المفاوضة على العنان هو ضمان الكفالة فيما يثبت لأحدهما قبل صاحبه من الحقوق، والضمان قد يثبت في الذمة بمجهول؛ بدليل من استهلك عينا لا يعرف مالكها؛ ثبت ضمانها في ذمته إلى أن يظهر المستحق لها والربح المجهول والغرر ليس يثبت في الأصول في غير الشركة، فإذا جاز أن يسامح في الشركة بما لا يثبت في الأصل بنفسه؛ فجواز الضمان بمجهول -الذي يجوز ثبوته بنفسه في الأصول- أولى أن يتعلق بالشركة.
وأيضا فإن الربح قد يكون في مقابلة المال، وقد يكون في مقابلة العمل، ألا ترى أن الربح في شركة العنان في مقابلة المال، والربح في القراض يقابل المال والعمل، وإذا (١١٦) كان كذلك؛ لم يمتنع أن تصح شركة
_________________
(١) في الأصل: ولم.
[ ٦ / ١٨٩ ]
المفاوضة وإن كان فيها عمل ومال، ويكون الربح في خاصة كل واحد منهما، لأننا قد بينا أن الربح قد يقابل كل واحد من الأمرين (^١).
فإن قيل: فقد نهى النبي ﵇ عن الغرر (^٢) وشركة المفاوضة فيها غرر عظيم؛ لأنها تتضمن أن ما لزم أحدهما من مال بغصب، أو إتلاف، أو سرقة، أو ضمان؛ لزم الآخر ما يلزمه، وهذا غرر.
قيل: هذا لا يلزمنا نحن (^٣)؛ لأننا لا نلزم من الضمان إلا ما تعلق بالشركة، فأما الذي ضمن عن أجنبي شيئا أو غير ذلك مما لا يوجد في الشركة؛ لم يلزم.
على أن الخبر هو نهيه عن بيع الغرر، وكلامنا في الشركة (^٤).
وعلى أن الغرر ما الغالب منه أنه لا يسلم، والغالب من الشركة السلامة.
فإن قيل: فإن مقدار ما يلزم كل واحد منهما من ذلك غير معلوم، وقد يلزمه، درهم، وقد يلزمه مائة ألف درهم.
قيل: عن هذا جوابان:
_________________
(١) أجاب الماوردي بأنه يصح إذا انفرد كل واحد منهما بعقد، فأما إذا اجتمعا في عقد واحد فلا، وهاهنا قد اجتمعا في عقد واحد فبطل الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٦).
(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٥١٣) بلفظ: "نهى عن بيع الغرر"، وذكر الماوردي أنه ورد النهي عن بيع الغرر، وروي: عن عقد الغرر، وروي: عن الغرر. رواه ابن المسيب تارة مرسلا وتارة عن أبي هريرة مسندا، وقد رواه يحيى بن أبي كثير عن عطاء عن ابن عباس أيضا. الحاوي (٥/ ٣٢٥). قلت: ولم أجده في شيء من كتب الحديث إلا باللفظ الأول. والله أعلم.
(٣) وإنما يلزم أبا حنيفة وأصحابه القائلين بذلك.
(٤) يجاب عنه بما سيذكره المصنف فيما بعد أنه ورد النهي عن الغرر دون تقييد بالبيع.
[ ٦ / ١٩٠ ]
أحدهما: أننا قد بينا قبل هذا أن ضمان المجهول يجوز، وأما ما يلزم بالضمان؛ فإنه إذا كان في شيء للشركة؛ جاز؛ لأن العوض يحصل لهما، فالضمان عليهما.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ﷿، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (^١).
وهذه الشروط ليست في كتاب الله.
قيل: إن جواز المفاوضة قد تضمنه قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٢)، فهي في كتاب الله تعالى، فمن زعم أنه ليس فيه؛ فعليه أن يبين.
وأيضا فإن المفاوضة عقد ولا تسمى شرطا.
فإن قيل: فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يلزمه بغير إذنه، فوجب أن تكون فاسدة، أصله لو اشتركا على أن يضمن كل واحد منهما ما لزم الآخر من أرش جناية، أو مهر، وذلك أن شركة المفاوضة تتضمن ما يلزم أحدهما من ضمان مال الغاصب، (١١٧) وضمان لزوم الآخر ليس فيه إذن من مال واحد منهما لصاحبه بالغصب والضمان.
قيل: أما ضمان الغصب؛ فلا يلزم الآخر شيء، وأما ضمان ما ابتاعه لأجل الشركة؛ فالمفاوضة تقتضي إذن كل واحد منهما لصاحبه فيه، كشركة العنان؛ فإنه يتضمن إذن أحدهما للآخر في البيع والشراء.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢١٦٨) ومسلم (٦/ ١٥٠٤).
(٢) سورة المائدة، الآية (١).
[ ٦ / ١٩١ ]
[وأما] (^١) ما يقوله أبو حنيفة من تساوي المالين؛ فإنه لا يجوز بالعروض، وأن ضمان الغصب يلزم من لم يغصب، وأن ما يكسبه أحدهما في غير مال الشركة يكون الآخر فيه شريكا؛ فإننا لا نقول بشيء منه، فلا ينبغي أن يجعل أصل يقاس عليه، فإنه لا يلزمنا.
فإن قيل: فإن قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٢) عام، ونهيه عن الغرر أخص منه.
قيل: قد ذكرنا أن الخبر هو نهيه عن [بيع] (^٣) الغرر، فلا يدخل تحته الشركة، وذكرنا أن الغرر ما الغالب منه أن لا [يسلم] (^٤)، والغالب من الشركة السلامة، فليس هذا [غررا] (^٥)، ولو كان غررا؛ لكانت شركة العنان غررا.
فإن قيل: قوله ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (^٦) عام، وقوله: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (^٧)؛ أخص منه.
قيل: قد ذكرنا أن كتاب الله تعالى يتضمن هذا الشرط؛ لأنه عقد يتناوله قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٨)، فيحتاج مخالفنا إلى دليل يقطع أنه ليس في كتاب الله، ولا متضمنه.
_________________
(١) في الأصل: أوما.
(٢) سورة المائدة، الآية (١).
(٣) ساقطة من الأصل، والمثبت مما تقدم.
(٤) في الأصل: يحصل.
(٥) في الأصل: الغرر.
(٦) تقدم تخريجه (٦/ ٨٣).
(٧) تقدم تخريجه (٦/ ١٩١).
(٨) سورة المائدة، الآية (١).
[ ٦ / ١٩٢ ]
مع أننا قد ذكرنا الخبر وهو قوله ﵇: "تفاوضوا لأنه أعظم للبركة" (^١) مضافا إلى قوله "المؤمنون عند شروطهم" (^٢).
ومحال أن يأمرنا ﵇ بالتفاوض وليس بمتضمن في كتاب الله ﷿ مع قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٣).
وقد ذكر الله تعالى الشركة وجوازها في كتابه في غير موضع، فتضمنت ما يسمى شركة إلا أن يمنع منه دليل. وبالله التوفيق.
فَصْل
فأما ما جوزه أبو حنيفة من المفاوضة يتضمن أن يكون ما يكسبه أحدهما من غير مال الشركة يكون بينهما، وأنه لا يجوز مع اختلاف مبلغ المالين، مثل أن [يكون] (^٤) لأحدهما ألف وللآخر ألفان، وأن ما يلزم يلزم أحدهما من ضمان بالغصب يلزم الآخر، وأنها لا تجوز بالعروض؛ فإنه غلط لا يجوز عندنا (^٥).
والدليل لقولنا قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (^٦).
وهذا يفيد أن يأكلاه من تجارة تقع من أحدهما مع الآخر، وإذا كسب
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ١٨٨).
(٢) تقدم تخريجه (٦/ ٨٣).
(٣) سورة الأنعام، الآية (٣٨).
(٤) في الأصل: لا يكون.
(٥) انظر المصادر السابقة.
(٦) سورة النساء، الآية (٢٩).
[ ٦ / ١٩٣ ]
أحدهما شيئا من مال لنفسه؛ فهو من تجارة مع غير شريكه، وليس بينه وبين شريكه فيه تجارة.
وأيضا فإن النبي ﵇ نهي عن الغرر (^١)، وأشد الغرر أن يكون لأحدهما مال فيتلف الآخر أموال الناس بالغصوب، فيؤخذ مال الآخر عنه من حيث لا يعتاض من ماله شيئا، وهو لم يجن فيما غرم من الغصب جناية، وليس كذلك ما يأخذه شريكه بالضمان للتجارة؛ [لأن لم يعوض عنه فحصل للشريك] (^٢).
وأيضا قوله ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (^٣).
وهذه الشروط التي يتضمنها عقد المفاوضة عندهم ليست في كتاب الله ﷿ ذكرها صريحا ولا مضمنا.
فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٤)، فهو عام.
قيل: المراد منها أحكام العقود، وما لم يكن عقدا شرعيا؛ فمن الوفاء بحكمه إبطاله؛ لأن هذا هو حكمه.
على أنه لو ثبت العموم فيه؛ لكان نهيه ﵇ عن الغرر أخص منه، وقد بينا وجه الغرر، وقد روي النهي عن الغرر وعن بيع الغرر، فنستعمل الخبرين جميعا في البيع وفي كل ما فيه غرر (^٥)، ولا يلزمنا إذا جوزنا الغرر اليسير أن
_________________
(١) تقدم تخريجه (٦/ ١٩٠).
(٢) هكذا بالأصل.
(٣) تقدم تخريجه (٦/ ٢٠١).
(٤) سورة المائدة، الآية (١).
(٥) هذا الجواب يمكن أن يجعل حجة على المصنف فيما قاله في رده على الشافعي أن النهي =
[ ٦ / ١٩٤ ]
نجوز الغرر الكثير، لأن الغرر اليسير لا تخلو منه البياعات والأصول، ويمنع منها الكثير، فكلما قل الغرر؛ جاز، فعلى الوجه الذي نجيزه نحن في المفاوضة يكون الغرر أقل، وقد اتفقنا على جوازه، ولم نتفق على ما ذكروه.
وأيضا فإنهما اشتركا على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ربح ماله الذي لم يخلطه بمال صاحبه، فوجب أن تجوز الشركة إذا اشتركا ببعض ما يملكه كل واحد منهما من الذهب والفضة، أو اشتركا بكل ما يملكه كل واحد منهما لكن مال أحدهما أكثر من الآخر، لأن عند أبي حنيفة أنه ليس تصح الشركة لتفاضل المالين، ولا ببعض ما لكل واحد منهما، فكان القياس على أصولهم يمنع مما جوزه.
فإن قيل: فأنتم تجوزون الشركة على هذا الوجه، وهو أن يتفاضلا في المال، وأن يشتركا ببعض ما يملكه كل واحد منهما، فكيف تقيسون عليه.
قيل: إنما أردنا أن نعلمكم أن المعنى الذي منعتم لأجله الشركة موجود فيما جوزتموه؛ ليسقط ما جوزتموه، وهذا مثل ما لديكم من تناقض أصولكم إن وجد فيها تناقض (^١).
وعند أبي حنيفة أيضا أنه ليس من صحة الشركة جمع المالين، بل كل واحد منهما يتصرف في مال نفسه، وما يحصل له من الربح في ماله؛ يشاركه الآخر فيه، وقد عللنا لفساد هذا.
_________________
(١) = إنما هو عن بيع الغرر لا عن الغرر، والشركة ليست بيعا، إلا أنه قد تفطن لذلك بما سيذكره في آخر الفقرة.
(٢) استثناء ينبئ عن أدب جم، وخلق رفيع.
[ ٦ / ١٩٥ ]
وأيضا فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يلزمه لغير تجارتهما؛ فوجب أن يكون فاسدا، أصله لو اشتركا على أن يلزم كل واحد منهما ما يلزم صاحبه من أرش جناية أو مهر، فكذلك في ضمان الغصب والسرق.
وأيضا فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه فيما يلزمه بفعل الممنوع منه، فوجب أن يكون باطلا، أصله لو لم يكن لهما مال واشتركا على أن يكون الكسب بينهما، وما يلزم كل واحد منهما من ضمان الغصب والسرق؛ يشاركه الآخر فيه، ولا خلاف أن هذا باطل.
وأيضا فإن ضمان ما يقتضيه بسرقة كل واحد منهما مما تتضمنه الشركة على قولهم، وليس الغصب من الشركة في شيء، كما أن ما يجنيه من غير ذلك ليس من الشركة في شيء، وكما أن ما يحتشه أو يصيده كل واحد منهما ليس من الشركة في أموالهما في شيء، فلم يصح أن تتضمنه الشركة.
فإن قيل: فإن شركة المفاوضة تتضمن الوكالة والكفالة، وتعلق الكفالة بها كتعلقها بالعنان، والذي تزيد المفاوضة على العنان هو ضمان الكفالة فيما يثبت لأحدهما قِبل صاحبه من الحقوق، والضمان قد يثبت في الذمة [بمجهول] (^١)؛ بدليل أن من استهلك عينا لا يعرف مالكها؛ ثبت ضمانها في ذمته إلى أن يظهر المستحق لها، والربح المجهول والغرر ليس يثبت في الأصول في غير الشركة، فإذا جاز أن يسامح في الشركة فيما لا يثبت في الأصول بنفسه؛ فجواز الضمان بالمجهول الذي يجوز ثبوته بنفسه في الأصول أولى أن يتعلق بالشركة.
_________________
(١) في الأصل: مجهول.
[ ٦ / ١٩٦ ]
قيل: لسنا ننكر أن تتعلق المفاوضة بالكفالة، وضمان ما ثبت في الذمة من المجهول؛ لأننا نجيز أن يضمن كل واحد منهما ما يشتريه لتجارتهما، وقد يكون الآخر شريكا فيه، وإنما ننكر أن يضمن أحدهما ما يغصبه الآخر أو يسرقه، أو يوكل في غير شركتهما، فأما في شركتهما؛ فلا بأس؛ لأنهما اشتركا في مالهما على أن ينمياه، وأن يعملا ما فيه مصلحة لتجارتهما، وما يؤدي إلى تنمية مالهما، فأما غير ذلك؛ فلا. والله الموفق.
فَصْل (^١)
ولا تصح الشركة إذا لم يجمعا ماليهما حتى تكون أيديهما جميعا عليه (^٢).
وقال أبو حنيفة: تصح الشركة وإن كان مال كل واحد منهما في يده (^٣)، [لأن الشركة عنده جائزة بالقول وإن لم يحضر المال] (^٤).
وقال الشافعي: لا يصح [إلا] (^٥) أن يكون رأس مالهما نوعا واحدا فيخلط (١٢١) ولا يتميز (^٦)،
_________________
(١) في عيون المجالس: مسألة، وهو أنسب وأليق بصنيع المصنف.
(٢) انظر الإشراف (٣/ ٦٧ - ٦٨) بداية المجتهد (٥/ ١٩٠).
(٣) التجريد (٦/ ٣٠٤٧ - ٣٠٤٨) بداية الصنائع (٧/ ٥١٣ - ٥١٤) وهذا هو مذهب أحمد أيضا. انظر المغني (٦/ ٤٢٣).
(٤) ساقط من الأصل، والمثبت من عيون المجالس.
(٥) ساقطة من الأصل، ولا بد منها حتى يستقيم المعنى.
(٦) فأبو حنيفة اكتفى في انعقاد الشركة بالقول، ومالك اشترط إلى ذلك اشتراك التصرف في المال، والشافعي اشترط إلى هذين الاختلاط، والفقه أن بالاختلاط يكون عمل الشريكين =
[ ٦ / ١٩٧ ]
ولا يعرف عين أحدهما من عين الآخر (^١).
والدليل على أبي حنيفة؛ هو أن الشركة مأخوذة من الاشتراك، وإذا لم يجمعا ماليهما؛ لم يحصل منهما اشتراك في شيء، بل هما منفردان كما كانا، ولم يظهر منهما غير قولهما قد اشتركنا والشركة تحتاج إلى القول والفعل في الأموال، ألا ترى أنه لو كان لأحدهما مال والآخر لا مال له، فقال صاحب المال للآخر: قد شاركتك على المال الذي في يدي، وعملا على ذلك؛ لم تصح الشركة، فكذلك إذا كان كل واحد منهما منفردا بماله لم تصح الشركة؛ لأن تعلق كل واحد منهما [بماله] (^٢)، ولا حق له في الآخر.
وأيضا فإن المالين لم يجتمعا، فصار بمنزلة أن يكون من جهة أحدهما جمل، ومن جهة الآخر نقل به، كل واحد منهما على الشركة.
وأيضا فإن مال كل واحد منهما متميز في يد صاحبه؛ فلم ينعقد بينهما فيه شركة، أصله إذا أخرج كل واحد منهما طعاما ولم يجمعاه.
فإن قيل: إن الطعامين لو خلطا؛ لم تنعقد الشركة.
قيل: ليس كذلك؛ [لأنهما] (^٣) إذا جمعا في موضع واحد وخلطا؛
_________________
(١) = أفضل وأتم؛ لأن النصح يوجد منه لشريكه كما يوجد لنفسه. بداية المجتهد (٥/ ١٩٠). وما ذهب إليه الشافعي من ضرورة اختلاط المالين حتى لا يتميز مال أحدهما من الآخر؛ هو ما ذهب إليه ابن حزم أيضا كما في المحلى (٦/ ٤١٤ - ٤١٥).
(٢) الحاوي الكبير (٦/ ٤٨١ - ٤٨٢) روضة الطالبين (٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٣) في الأصل: بغير ماله، وهو يعكس المعنى، وما أثبته هو الصواب إن شاء الله.
(٤) ساقطة من الأصل.
[ ٦ / ١٩٨ ]
صحت الشركة عندنا.
وأيضا فإن الربح أحد موجبي الشركة، فوجب أن لا يتعلق بالمالين إذا لم يجمعا، أصله النقصان؛ لأن عندهم أنهما إذا لم يخلطا ماليهما واشتركا؛ كان الربح بينهما، وما كان من خسران؛ فإنه لا يلزمهما على قدر المالين، بل يلزم كل واحد منها خسران [على قدر] (^١) ماله، فيكونان شريكين في الربح، ولا يكونان شريكين في الخسران وإن لم يخلط المالين. وبالله التوفيق.
فَصْل
فأما الكلام على الشافعي في أن الشركة تصح عندنا إذا جمعا المالين، وإن تميز أحدهما في عينه عن الآخر مثل الدراهم البيض مع السود، وعنده لا يصح.
فالدليل لقولنا هو أن حقيقة الشركة أن يحصلا شريكين فيما يخرجه كل واحد منهما، قد ملك صاحبه نصف ماله الذي أخرجه، فهو كما لو أخرجا عرضين، [فكأن] (^٢) كل واحد منهما يقول لصاحبه: قد بعتك نصف عرضي بنصف عرضك، فإن ما كان لكل متميز قد شاع في مالهما جميعا؛ فكذلك في الدراهم البيض مع السود.
وليس يخالفنا أصحاب الشافعي في العرضين إذا كان على هذا الوجه
_________________
(١) زيادة ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٢) في الأصل: فقال.
[ ٦ / ١٩٩ ]
الذي فسرناه، وإنما [يخالفوننا] (^١) في الشركة في العرض إذا لم يقل أحدهما لصاحبه هذا القول، وعندنا إذا قالا: قد اشتركنا و[جمعا] (^٢) ماليهما؛ حصل منهما معنى هذا القول.
فإن قيل: فإن هذا يلزمكم فيه إذا أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن مالكا كره ذلك وقد جوزه.
والوجه [الآخر] (^٣): هو أننا تكلمنا على الجنس الواحد إذا [جمعاه] (^٤) وكان عين أحدهما متميزا من الآخر، والدراهم والدنانير جنسان وإن كانا جميعا ثمنا وقيمة، غير أنه إذا كان لأحدهما دراهم ولآخر دنانير بقيمة الدراهم؛ صار في معنى الصرف، وأيديهما عليه، وهذا لا يصح (^٥).
فإن قيل: فهذا يلزم في الدراهم منهما جميعا لأنه صرف.
_________________
(١) في الأصل: يخالفونا.
(٢) في الأصل: جميعا.
(٣) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
(٤) في الأصل: جمعناه.
(٥) قال ابن رشد: "وأما إن كان الصنفان مما لا تجوز فيهما النساء مثل الشركة بالدنانير من عند أحدهما، والدراهم من عند الآخر، أو بالطعامين المختلفين؛ فاختلف في ذلك قول مالك، فأجازه مرة، ومنعه مرة، وذلك لما يدخل الشركة بالدراهم من عند أحدهما، والدنانير من عند الآخر من الشركة والصرف معا وعدم التناجز، ولما يدخل الطعامين المختلفين من الشركة والصرف معا وعدم التناجز، وبالمنع قال ابن القاسم، ومن لم يعتبر هذه العلل؛ أجازها". بداية المجتهد (٥/ ١٩٠).
[ ٦ / ٢٠٠ ]
قيل: التهمة تبعد في بيع دراهم بمثلها، وتقرب في الدنانير بالدراهم، فيصير القصد الصرف، والشركة بيع.
فإن قيل: إنما منعنا الشركة في العرضين؛ لأن الشركة مأخوذة من الاشتراك (^١)، وإذا تميز المالان؛ لم يحصل بينهما اشتراك في شيء، بل مال كل واحد منهما قائم بعينه، ولم يعلق كل واحد منهما بغير ماله، ولا حق له الآخر، وإذا لم يحصل بينهما اشتراك في شيء؛ وجب أن لا تكون بينهما شركة.
قالوا: ونكتة هذا الباب هو أنهما لو صارا شريكين في [العرضين] (^٢)؛ لم يكن بد عند الحساب والمفاصلة من أن يرجع كل واحد منهما إلى رأس المال، لأن الشريكين إذا تفاصلا؛ رد كل واحد منهما رأس ماله واقتسما الربح، فلا يخلو أن يرجع كل واحد منهما إلى مثل عرضه، أو إلى قيمة عرضه، أو إلى ثمن عرضه، فيبطل أن يرجع كل واحد منهما إلى مثل عرضه؛ لأن ذلك يؤدي إلى أمرين فاسدين:
أحدهما: أن ينفرد أحدهما بجميع الربح؛ لأنه إذا كان لكل واحد منهما ثوب قيمته مائة، وتصرفا حتى صار المال مائتين وخمسين، وأردنا عند المحاسبة أن [نشتري] (^٣) لكل واحد منهما مثل ثوبه؛ فقد يكون قيمة مثل ثوب
_________________
(١) هكذا هذه الجملة هنا ولعل صوابها: إنما منعنا الشركة في العرضين المختلفين لأن الشركة …؛ وذلك لأنهم يجوزون الشركة في العرضين من جنس واحد كما سيأتي التنبيه عليه في آخر الفصل.
(٢) في الأصل: الغرضين.
(٣) في الأصل: يشتري، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢٠١ ]
أحدهما في ذلك الوقت مائة وخمسين، وقيمة مثل ثوب الآخر مائة، فإذا اشترينا لكل واحد منهما مثل ثوبه؛ انفرد من اشترينا له مثل ثوبه بمائة وخمسين بجميع ربح مال الشركة وهو الخمسون، والشركة تقتضي أن أحدهما لا ينفرد بالربح، ولكنهما يشتركان فيه.
والثاني: هو أن ذلك يؤدي إلى أن يأخذ أحدهما نصف ربح رأس مال صاحبه؛ لأنه إذا كان لكل واحد منهما ثوب قيمته مائة، وزادت قيمة أحدهما فصارت مائة وخمسين، ولم يزد المال على ذلك وأراد المحاسبة؛ فإن لكل واحد منهما أن يأخذ أرش ماله ويشتركا في الربح وهو الخمسون، وذلك إنما هو ربح رأس مال أحدهما، والآخر يأخذ نصف ربح رأس مال صاحبه، والشركة تقتضي أن كل واحد من الشريكين يأخذ ربح رأس مال [نفسه] (^١)، ولا يأخذ شيئا من ربح مال صاحبه، وإذا كان ذلك يؤدي إلى هذين الأمرين الفاسدين؛ وجب أن لا يرد كل واحد منهما عند المحاسبة إلى مثل عرضه.
وبطل أن يرد كل واحد منهما إلى قيمة عرضه عند الشركة؛ لأن ذلك يؤدي إلى ما ذكرناه من أن يأخذ كل واحد منهما جميع الربح، ويؤدي إلى أن يأخذ ربح نصف رأس مال صاحبه.
ويبطل أن يكون رأس مال كل واحد منهما ثمن عرضه، لأن الثمن لم يكن موجودا في حال العقد، وإنما ينض (^٢) بالبيع، ولا يجوز أن يثبت بينهما شركة في شيء يوجد فيما بعد، لأن الشركة لا تتعلق بالصفات، ولا تنعقد
_________________
(١) في الأصل: نفيه.
(٢) أي يتحول عينا بعد أن كان متاعا. الصحاح (نضض).
[ ٦ / ٢٠٢ ]
فيما لم يوجد بعد، وإنما يوجد في ثاني.
فإذا بطلت هذه الوجوه كلها؛ ثبت أنه لا يمكن ردهما عند المحاسبة إلى رأس مال، وإذا لم يمكن ذلك؛ وجب أن لا تنعقد بينهما شركة.
قيل: إننا نجوز الشركة في العروض على القيمة وإن كانت أعيانهما متميزة، ونردهما عند المحاسبة إلى قيمة ما حصل به عرضه وقت الشركة، فهما في التقدير كأن كل واحد منهما باع نصف عرضه بنصف عرض صاحبه، والثمن ما وقعت به القيمة، فكأن كل واحد منهما أخرج قيمة عرضه، فهو كما يشتريان العرض من أجنبي بما أخرجاه من القيمة، فإن حصل بعد ذلك ربح؛ فهو بينهما على قدر ما لكل واحد من القيمة، وإن كانت وضيعة؛ فكذلك، ألا ترى أن كل واحد منهما إن أخرج قيمة عرضه فخلطاه، واشتريا به سلعة؛ لكان أمرهما كذلك، فلم يلزمنا هذا الدليل في أن الشركة تصح إذا جمعا المال وإن كانت العينان متميزتين.
وجميع ما ذكروه من فساد الرجوع إلى قيمة عرض كل واحد منهما يلزم فيهما إذا أخرجا طعامين من جنس واحد (^١)، أو زيتا وماء إذا خلط لم يتميز، ثم قوماه فاختلفت قيمته؛ فإن كل واحد منهما يرجع عند المحاسبة بقدر قيمة ماله، جواز أن يدخله ما ذكروه في قيمة العروض.
والله الموفق.
* * *
_________________
(١) وهم يقولون بجواز الشركة فيه، وحكى ابن رشد في البداية (٥/ ١٨٩) الإجماع على جوازه.
[ ٦ / ٢٠٣ ]
فَصْل (^١)
وإذا كان رأس مالهما متساويا واشترط أحدهما أن يكون له من الربح أكثر مما لصاحبه، مثل أن يقول: أنا أحذق منك بالبيع والشراء وأبصر؛ فإن الشركة فاسدة عندنا وعند الشافعي (^٢).
وقال أبو حنيفة (^٣): يصح ذلك إذا كان الذي اشترط ذلك أحذق في التجارة وأكثر عملا؛ ولا يجوز أن يشترط الزيادة من [نقص] (^٤) عمله (^٥).
واستدل أصحابه بأن الشركة كالقراض؛ لأن في الشركة لكل واحد منهما مالا، وفي القراض لأحدهما مال وللآخر عمل، فعمل العامل أقيم مقام المال.
ثم قد تقرر أنه يكون الربح في القراض على ما يتفقان عليه، فكذلك في الشركة.
وأيضا فإن أحدهما قد يكون أكثر عملا من الآخر، فجاز أن يشترط له زيادة ربح، فتكون تلك الزيادة في مقابلة عمله، والباقي مستفاد بالمال.
والدليل لقولنا هو أن هذا شرط ينافي ما يقتضيه إطلاق الشركة؛ فوجب أن يفسدها، أصله لو شرطا أن يكون جميع الربح لأحدهما، لأنه لا خلاف
_________________
(١) في عيون المجالس مسألة، وهو أليق بصنيع المصنف.
(٢) انظر الإشراف (٣/ ٧٣ - ٧٤) بداية المجتهد (٥/ ١٩١) الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٦ - ٤٧٧) روضة الطالبين (٤/ ٢٨٤) وانتصر لهذا المذهب ابن حزم في المحلى (٦/ ٤١٥ - ٤١٦).
(٣) ووافقه أحمد بن حنبل. انظر المغني (٦/ ٤٣٧ - ٤٣٩).
(٤) في الأصل: بعض.
(٥) انظر التجريد (٦/ ٣٠٤٩ - ٣٠٥٣) بدائع الصنائع (٧/ ٥١٧ - ٥١٨).
[ ٦ / ٢٠٤ ]
أن مقتضى إطلاق الشركة أن الربح يكون مستفادا على قدر المالين (^١).
أو نقول: هو شرط أن يكون لأحدهما أكثر مما للآخر من الربح مع تساويهما في رأس المال، دليله إذا شرط الذي ليس بأحذق ولا أكثر عملا أن يكون له أكثر الربح.
وأيضا فإن الربح أحد موجبي الشركة؛ فوجب إذا شرطا أن لا يقسط ذلك على قدر المالين أن يفسده، أصله الخسران؛ لأنه لا خلاف أنهما إذا اشتركا على أنه إن كان هناك نقصان لم يلتزماه على قدر المالين، بل يلتزم أحدهما أكثر من الآخر؛ انفسدت الشركة، فكذلك الربح (^٢).
وأيضا فإن الربح نماء المالين؛ فوجب أن يكون مُقسّطا على قدر المالين، أصله غلة الدار والدكان.
وعند أبي حنيفة أنهما إذا اشترطا الزيادة؛ قسم الربح على ما اتفقا عليه، ولم يقسط على قدر المالين.
وعندنا أن ذلك يقسط على قدر المالين وإن اشترطا الزيادة.
وأيضا فإن أصل الشركة موضوع على أن الربح فيها يقابل المال وينقسط عليه، ولا قسط لعمل واحد من الشريكين من الربح، ولا يقابله شيء منه.
_________________
(١) قلنا: يبطل بالمال المشترك إذا دفعاه مضاربة، وشرطا للمضارب جزءا من الربح ولكل واحد منهما جزءا، فقد عدلا بالربح عن التقسيط على قدر المالين، ولا تبطل الشركة. التجريد (٦/ ٣٠٥٠ - ٣٠٥١).
(٢) قلنا الخسران جزء هالك من المال، وذلك لا يتبع العمل والربح يستفاد بالمال، وذلك يتبع العمل. التجريد (٦/ ٣٠٥١).
[ ٦ / ٢٠٥ ]
والدليل على ذلك؛ أنهما لو أطلقا [الشركة] (^١)، وتصرف أحدهما في المال وعمل فيه، ولم يعمل الآخر؛ قسط الربح على المالين، ولم يقابل عمل العامل شيء من الربح، وإذا كان كذلك؛ فإذا اشترطا الزيادة لمن له عمل فقد جعلا في الشركة لما لا يقابله [عمل] (^٢) [شيئا] (^٣) من الربح، والشركة إذا شرطا فيها بعض الربح لمن لا قسط له من الربح؛ بطلت الشركة، كما لو اشترط أن يكون ثلث الربح لأحدهما والثلث [للآخر] (^٤) وما بقي لأجنبي.
فأما ما ذكروه من القراض؛ فليس له مقتضى في الربح فينافي الشرط مقتضاه فيفسده، وإنما الربح فيه على ما يتفقان عليه، ألا تري أنه لو سلم المال إليه وقال: تصرف فيه ولم يتوافقا على حكم الربح؛ كان الربح كله لرب المال؛ لأن الربح فيه إنما ينصرف إلى الوجه الذي يتوافقان عليه، وليس كذلك الشركة؛ لأن لها مقتضى في الربح وهو استحقاقه على قدر المالين، فإذا اشترطا ما ينافي مقتضاه؛ بطل.
وقولهم: "إن من كان له عمل فإنه يجوز أن يشترط الزيادة"؛ فقد بينا فساده وقلنا: إن الشركة تقتضي أن العمل لا قسط له من الربح، فإذا اشترط الزيادة لمن له فيها فضل عمل؛ صرف بعض الربح إلى ما لا يقابله شيء من الربح، فأوجب فساد العقد. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) في الأصل: الشريكة.
(٢) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) في الأصل: شيء.
(٤) في الأصل: الآخر.
[ ٦ / ٢٠٦ ]
* مَسْألة (٢٥):
شركة الأبدان عندنا في الصنائع جائزة، إذا اشتركا في صنعة واحدة، وعملا في موضع واحد (^١).
وقال أبو حنيفة: تجوز وإن اختلفت صنعتاهما وافترق موضعهما (^٢).
وجوزها أحمد وإسحاق في كل شيء (^٣).
وقال الشافعي (^٤): لا تجوز شركة الأبدان (^٥) على وجه.
والدليل أن الشركة على هذا الوجه [جائزة؛ أنها] (^٦) موجودة في سائر الأمصار، متقدمة في سائر الأعصار، معمول بها، لا ينقل عن أحد من السلف والخلف نكير فيها، فلم يجز مخالفة إجماعهم (^٧)، لأنه محال أن يعلموا بفعل عصرهم يخالف حكم الشريعة فلا ينكرونه.
_________________
(١) انظر الكافي (٣٩٢ - ٣٩٣) الإشراف (٣/ ٦٨ - ٧٠) المعونة (٢/ ٨٢٨ - ٨٢٩) بداية المجتهد (٥/ ١٩٣ - ١٩٤) الذخيرة (٨/ ٢٢).
(٢) التجريد (٦/ ٣٠٣٥ - ٣٠٤١) بدائع الصنائع (٧/ ٥١٩ - ٥٢٢) الهداية مع شرح فتح القدير (٦/ ١٧٢ - ١٧٤).
(٣) المغني (٦/ ٤٠٢ - ٤٠٥).
(٤) وإليه ذهب ابن حزم. انظر المحلى (٦/ ٤١٢ - ٤١٤).
(٥) وفي وجه ضعيف: يصح سواء اتفقت الصنعة أو لا، حكاه صاحب الشامل وغيره قولا. روضة الطالبين (٤/ ٢٧٩) وانظر أيضا الأوسط (١٠/ ٥١٢) الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٩ - ٤٨٠).
(٦) ساقطة من الأصل.
(٧) الاستدلال بالإجماع هنا غير صحيح؛ لأن الإجماع مأخوذ من الأقوال لا من الأفعال، كما أن أبا حنيفة لم يجعل إجماع الناس على أخذ أجرة التعليم في الكتاتيب دليلا على جواز أخذ الأجرة في تعليم القرآن. الحاوي الكبير (٦/ ٤٨٠).
[ ٦ / ٢٠٧ ]
ويجوز أن نحتج بالظواهر من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١).
وبظاهر قول النبي ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (^٢).
ولكل مسلم شرطه، فهذه عمومات في كل عقد وشرط إلا أن يمنع منه دليل.
وأيضا فإنه نوع من الشركة تنفرد باسم؛ فأشبه سائر الشرك الموجودة.
وأيضا فإنه نوع شركة فوجب أن يكون فيه ما يصح وما يفسد، أصله شركة العنان.
وأيضا فقد ثبت أن القراض يجوز، والعامل يأخذ الربح بعمله، وعمله لم يكن لازما، فجواز شركة البدن وأخذ كل واحد منهما الربح بالعمل؛ أولى، لأن عملهما يلزم، فإذا أجرا أنفسهما ليخيطا قميصا؛ كان عملهما لازما، وعمل المقارض لا يلزم.
وأيضا فإنه ليس يمتنع أن يأخذ رجل شيئا بعمل غيره؛ بدليل أن رجلا لو أخذ ثوبا ليقصره بمائة درهم، فاستأجر رجلا بخمسين فقصّره؛ فإنه يأخذ المائة ويعطي منها للآخر خمسين، ويكون له الباقي من حيث لم يحصل في ذلك أثر عمل، بل حصلت الصنعة من الآخر، فكذلك لا يمتنع من شركة البدن أن يأخذ كل واحد منهما الربح بعمل صاحبه.
وأيضا فإن المقصود في شركة المال العمل الذي يقع فيها، بدليل أن
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (١).
(٢) تقدم تخريجه (٦/ ٨٣).
[ ٦ / ٢٠٨ ]
نماء المال واستحقاق الربح يرتفع بالعمل، فصار هو المقصود في المال، ومتى شرطاه في شركة الصنائع؛ فقد أوقعا العقد على المعنى المقصود بالعقد على المال، فوجب أن يثبت ذلك ويصح.
وأيضا فإن المضاربة تصح على مال وعمل وهما يختلفان، وفي مسألتنا يحصل العملان متفقين، فإذا جازت الشركة مع اختلافهما؛ فجوازها مع اتفاقهما أولى (^١).
وأيضا فإن الشريكين في المال متى اشتريا بالمال؛ صار ما يشتريه كل واحد منهما نصف قيمته مضمونا مع صاحبه، فصار ذلك سببا لاستحقاقه الربح، فدل ذلك على اعتبار الضمان في استحقاق الربح، ويتحصل ذلك في مسألتنا.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (^٢).
قيل: إن العقد لا يسمى شرطا، وهذا عقد شركة، فإن أرادوا به ما تضمنه العقد من الشروط لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٣)؛ فقد تناول هذا العقد وما تضمنه من الشروط، فصار في كتاب الله تعالى.
فإن قيل: فإنهما عقدا شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ما يستفاد بعمله، فوجب أن يكون فاسدا، أصله لو اشتركا على أن يكون ما
_________________
(١) "المعنى في المضاربة أن العمل فيها تبع للمال، وجهالة البيع لا تمنع من صحة العقد إذا كان الأصل معلوما، وليس كذلك شركة الأبدان؛ لأن العمل فيها هو الأصل المقصود، فبطلت بكونه مجهولا". الحاوي الكبير (٦/ ٤٨٠).
(٢) تقدم تخريجه (٦/ ١٩١).
(٣) سورة المائدة، الآية (١).
[ ٦ / ٢٠٩ ]
حصل فيهما من الاصطياد والاحتشاش شركة بينهما.
أو نقول: اشتركا في عين مال؛ فوجب أن تكون شركتهما باطلة، أصله ما ذكرناه.
قيل: إن اشتركا على أن يعملا في الصيد والاحتشاش؛ جاز (^١)، فأما أن يشتركا في صنعة ويكونا شريكين في غيرها؛ فلا يجوز، وهذا كما بيناه في شركة المال، وشركة الأبدان في صنعة واحدة هي كما يشتركان في جنس واحد من العمل.
على أن ما ذكروه يلزمهم في شركة العنان؛ لأن كل واحد منهما يشارك صاحبه فيما ربح على ما في يده وتصرفه.
فإن قيل: فإن هذا يستحقه بماله وإن كان ذلك حصل بتصرف صاحبه.
قيل: كذلك نقول في مسألتنا: يستحق ضمانه وإن كان بعمل صاحبه.
فإن قيل: فإن الأصل في شركة الأبدان هو العمل، والربح مستفاد به، والأصل في شركة العنان هو المال، والربح مستفاد به، ثم قد تقرر أن المال في شركة العنان إذا كان مجهولا؛ كانت الشركة باطلة؛ لأنه لا بد في شركة العنان أن يكون المالان معلومي القدر بالوزن، أو معلومي الأجزاء؛ مثل أن يخرج أحدهما كف دراهم والآخر كف دراهم، فخلطاه، فقالا: اشتركنا في هذا؛ لم تكن بينهما شركة؛ لأنه لا يعلم مقدار ما لكل واحد
_________________
(١) وبه قال أحمد بن حنبل. وخالف أبو حنيفة فلم يجوز ذلك. انظر المغني (٦/ ٤٠٢) الإشراف (٣/ ٧٠) التجريد (٦/ ٣٠٣٩).
[ ٦ / ٢١٠ ]
منهما من مال صاحبه لا من جهة الوزن، ولا من جهة أخرى، فكذلك يجب أن تكون شركة الأبدان باطلة؛ لأن الأصل فيها العمل، ومقدار عمل كل واحد منهما من عمل صاحبه غير معلوم أصلا (^١).
قيل: عن هذا أجوبة:
أحدها: أننا قد بينا أن المقصود في شركة المال ما يحصل، وما يعمله كل واحد منهما من عمل صاحبه غير محصور، ومع هذا فقد جاز.
وجواب آخر: وهو أن الصنعة إذا كانت واحدة وعملا في مكان واحد؛ لم يكد أن يقع بينهما تفاوت فيما يعمله كل واحد منهما.
وجواب آخر: وهو أن العقد وإن انعقد على العمل؛ فإن استحقاق [الربح] (^٢) يتعلق بضمان العمل الذي يتقبله كل واحد منهما، وهما سواء في الضمان على ما يشترطانه.
وأيضا فإن العمل من جهة المضارب معقود عليه، وبه يستحق الربح وهو مجهول، ولا يقال إنه تبع للمال؛ لأن المال لغيره، وبه يستحق الربح، وهو العمل للمضارب وبه يستحق الربح، فلا يكون أحدهما تابعا للآخر، ولو صار تابعا للمال؛ لوجب أن يستحق الربح بالمتبوع الذي هو المال دون التابع الذي هو العمل.
ولأن الربح في مقابلة عمله فأشبه الأجرة، ولا يكون عمل الأجير تابعا للأجرة.
_________________
(١) انظر الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٩).
(٢) بياض بالأصل.
[ ٦ / ٢١١ ]
فإن قيل: فإن الشركة إنما تصح إذا كان كل واحد منهما يستحق ربحا في مقابلة أمر كان منه، ألا ترى أن شركة العنان كل واحد من الشريكين فيها يأخذ الربح في مقابلة ماله، وشركة البدن تتضمن أن كل واحد منهما يستحق ربحا لم يخرج في مقابلة عمل، لأن أحدهما إن عمل؛ كانت أجرته مستحقة له ولشريكه، وتلك الأجرة إنما تخرج في مقابلة ما عمل العامل، وشريكه يستحق نصيبه من غير أن أَخرج في مقابلته عملا، فوجب أن تكون الشركة فاسدة.
قيل: [إنهما] (^١) إذا عملا في صنعة واحدة؛ فقد حصل ما يأخذه كل واحد منهما نصفه بعمله والنصف الآخر بنصف عمل صاحبه، كما يأخذ الآخر منه مثله، فصار كل واحد منهما كأنه قد استأجر صاحبه بنصف عمله، وقد بينا جواز ما هو أضعف هو من هذا، وهو الصانع يأخذ أجرة ثوب مائة درهم، ثم يستأجر عليه من يعمله بخمسين، فيحصل له خمسون بعمل غيره على التحديد، فأخذه بعمل غيره كما يأخذ غيره بعمله؛ أولى بالجواز.
وعلى أنهما إذا اشتركا في صنعة واحدة مثل خياطة قميص، وشرطا أجرته درهما؛ فقد حصل لكل واحد منهما نصفه بالشركة، فكان ذلك معلوما كضامن المال في شركة العنان، وإنما يتوجه ما ذكروه على من جوز أن يشتركا في صنعتين (^٢)، أما نحن؛ فلا يلزمنا هذا.
فإن قيل: قد ثبت أنهما لو اتفقا على أن يكونا شريكين في كسب أحدهما [دون ما] (^٣) يكسبه الآخر فيه؛ كانت الشركة فاسدة، فيجب أن تكون شركة
_________________
(١) في الأصل: إنما.
(٢) وهو أبو حنيفة كما تقدم.
(٣) في الأصل: وما.
[ ٦ / ٢١٢ ]
الأبدان فاسدة من أصلها؛ لأنها [تجر] (^١) إلى هذا، وذلك أن أحد الشريكين [قد يعتل ويمرض ويقتسم مع الآخر] (^٢) الأجر، فيكونان شريكين في كسب أحدهما، ولا يحصل لهما شركة في كسب الآخر، فوجب أن تكون فاسدة.
[قيل] (^٣): جواز علة أحدهما ليس هو الغالب، وإنما يدخلان على السلامة، فلو [افترضنا] (^٤) جواز هذا وجواز الموت؛ لفسدت شركة العنان والمضاربة؛ لأن في شركة العنان يجوز حدوث علة أحدهما قبل الآخر، غير أن دخولهما في الأصل على السلامة، ألا ترى أن عقد السلم يصح ويكون السلم فيه على أجل معلوم، مع جواز أن يحدث الموت قبل ذلك، فيحل أجل المسلم فيه، ويلزم على هذا أن لا يجوز بيع الأعيان بالثمن، فشبه بجواز (^٥) أن يحدث الموت فيحل، فلما كانت العقود تقع على السلامة في الغالب؛ لم يفسدها ما يجوز أن يحدث بعدها.
وعلى أنهما إذا اعتل أحدهما علة طويلة؛ كان ما يعمله له دون شريكه؛ فإنما ذلك في العلة الخفيفة مثل اليومين والثلاثة.
وبالله التوفيق.
* * *
_________________
(١) كلمة لم أتبينها من الأصل، وما أثبته أقرب إلى رسمها وإلى السياق.
(٢) هذه الجملة عليه طمس بالأصل، واجتهدت فيما أثبته.
(٣) طمس بالأصل، وما أثبته أنسب للسياق.
(٤) طمس بالأصل، وما أثبته من السياق.
(٥) هكذا بالأصل، ولعل الصواب: ويلزم على هذا أن لا يجوز بيع الأعيان بالثمن لجواز أن يحدث الموت.
[ ٦ / ٢١٣ ]
* مَسْألة (٢٦):
شركة الوجوه باطلة عندنا وعند الشافعي (^١).
وقال أبو حنيفة: هي جائزة (^٢).
وصورتها: أن لا يكون لهما رأس مال، ويقول أحدهما للآخر: اشتركنا على أن كل ما اشتراه كل واحد منا في الذمة؛ كان شركة بيننا (^٣).
والدليل لقولنا هو أن الأصل شركة شرعية، فمن زعم أن هذه شركة شرعية؛ فعليه الدليل (^٤).
وأيضا فإن حقيقة الشركة أن يكون عند العقد شيء يشتركان فيه، إما رأس مال، أو شركة بدن على صنعة موجودة في أبدانهما، وليس ههنا مال،
_________________
(١) انظر الإشراف (٣/ ٧٢ - ٧٣) بداية المجتهد (٥/ ١٩٤) الأوسط (١٠/ ٥١٣) الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٧ - ٤٧٩) روضة الطالبين (٤/ ٢٨٠).
(٢) انظر بدائع الصنائع (٧/ ٥٢٢ - ٥٢٣) الهداية مع شر فتح القدير (٦/ ١٧٦ - ١٧٧). وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، ورجحه ابن المنذر. انظر المغني (٦/ ٤١٦ - ٤١٧) مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه (٦/ ٢٩٩١ - ٢٩٩٣) الأوسط (١٠/ ٥١٣).
(٣) وهذه أشهر صورها، ومن صورها أيضا أن يبتاع وجيه في الذمة، ويفوض بيعه إلى خامل، ويشترطا أن يكون ربحه بينهما. ولها صورة ثالثة: أن يشتري وجيه لا مال له، وخامل ذو مال، ليكون العمل من الوجيه، والمال من الخامل، ويكون المال في يده لا يسلمه إلى الوجيه، والربح بينهما. انظر روضة الطالبين (٤/ ٢٨٠). وتسمى أيضا شركة الجاه، ومن أصحابنا من جعل شركة الجاه من النوع الثاني إذا كان الجاه لأحدهما، وشركة الوجوه إذا كان الجاه لهما، وهذا خلاف في عبارة، والحكم فيها سواء. الحاوي الكبير (٦/ ٤٧٧).
(٤) قد يعارض بمثله فيقال: الأصل شركة شرعية، فمن زعم أن هذه شركة غير شرعية؛ فعليه الدليل.
[ ٦ / ٢١٤ ]
ولا صنعة موجودة في أبدانهما، وليس يراعى في صحة الشركة وجود القول حسب، ألا ترى أنهما لو قالا: "اشتركنا على أن يكون الربح كله لأحدنا"؛ لم يجز.
وكذلك عندهم لا تصح الشركة في الاصطياد والاحتشاش، فعلم أنها تحتاج إلى أوصاف تجوز في الشرع، وليس في الشرع ما يدل على جوازها فيما تنازعناه.
وأيضا فإنها شركة على الذمم دون المال والعمل، فوجب أن لا [تصح] (^١)، دليله إذا شرطا أن يكون الربح كله لأحدهما.
فإن قيل: ليس لهذه العلة تأثير، وإنما بطلت الشركة ها هنا لوجود هذا الشرط، ألا ترى أنهما لو اشترطاه في شركة العنان؛ لبطلت.
قيل: لها تأثير فيما اختلفنا فيه؛ لأن الشركة إذا عريت من هذا الشرط؛ صحت عندكم، وإذا حصل هذا الشرط؛ بطلت عندنا وعندكم، فصار بطلانها لاجتماع الوصفين، ما ذكرتموه وما ذكرناه جميعا، ألا ترى أن هذا الوصف الذي زدناه لو انفرد؛ لبطلت الشركة، فكذلك يجب إذا انفرد ما وصفتموه عن هذه الزيادة أن يبطل؛ لأننا قد جعلناهما جميعا علة الحكم، فإن جاز أن يصح بانفراد أحد الصفتين؛ جاز أن يصح [بانفراد] (^٢) الأخرى.
ولا يلزمنا هذا في شركة العنان والأبدان؛ لأننا اتفقنا على جوازها، وعلى أن دخول هذا الوصف بانفراده يفسدها، ولم نتفق في مسألتنا هذه،
_________________
(١) في الأصل: يصح.
(٢) في الأصل: افراد.
[ ٦ / ٢١٥ ]
فأدخلنا هذه الصفة لنستفيد بها بطلان العقد الذي جوزتموه.
فإن قيل: هذا يلزمنا ويلزمكم في شركة الأبدان؛ إذ علل أصحاب الشافعي لبطلانها بهذه العلة.
قيل: هذا بالعاجل قد صح لنا معكم، فإذا ألزَمَنا هذا أصحاب الشافعي؛ نازعناهم في العلة، والعلة التي لا تتعدى عندنا وعندهم صحيحة، وأنتم نازعتمونا في هذه، [فصارت] (^١) [علتكم] (^٢) في الأصل غير متعدية؛ فلم يصح عندكم.
ويجوز أن نستدل في أصل المسألة بنهيه ﵇ عن الغرر (^٣)، ومن أعظم الغرر أن يلزم أحدهما ما لا يعلمه مما يجوز أن يضمنه الآخر من حيث لا أصل لهما من المال يرجعان إليه.
وقوله ﵇: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (^٤).
وما كان في كتاب الله ﷿ فإننا نعلمه إما صريحا أو مضمنا، ولسنا نجد جوازه في كتاب الله تعالى.
فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٥).
وهذا يتضمن كل عقد لكل شرط إلا أن يقوم دليل على [عدم] (^٦) جوازها
_________________
(١) في الأصل: صارت.
(٢) في الأصل: عليكم.
(٣) تقدم تخريجه (٦/ ١٩٠).
(٤) تقدم تخريجه (٦/ ١٩١).
(٥) سورة المائدة، الآية (١)
(٦) ساقطة من الأصل، ولا بد منها حتى يستقيم المعنى.
[ ٦ / ٢١٦ ]
في الشريعة؛ فحكمها هو بطلانها وأن لا تمضى (^١).
ثم لو ثبت الحكم؛ لكان نهيه ﵇ عن الغرر أخص منها.
فإن قيل: فقد قال ﵇: "المؤمنون عند شروطهم" (^٢).
قيل: شروط المؤمنين هي الشروط الصحيحة في الشرع، فيحتاج أن يعلم جواز هذه الشروط في الشريعة.
على أن المؤمنين عند شروطهم إلا أن [تكون] (^٣) غررا، فإنها لا تجوز؛ لنهيه ﵇ عن الغرر.
فإن قيل: إن شركة الوجوه تنعقد على الوكالة؛ يدلك عليه أن ما يشتريه كل واحد يكون بعضه مشتريا لنفسه، وبعضه على وجه الوكالة للآخر، وهذه الوكالة تصح في حال الانفراد، فلأن تجوز إذا تعلقت بصفة؛ أولى، يدلك عليه أن حال الشيء وهو مفرد أضعف منه إذا كان متعلقا بغيره، لأن كل وكالة تجوز على الانفراد عن عقد الشركة؛ فإنها تجوز متى تعلقت بشرطه، أصله العنان.
ولأن إذن كل واحد منهما لصاحبه في الشركة لا يخلو أن يكون العقد منعقدا على الملك الذي يحصل لكل واحد والضمان الذي يلزمه الثمن الذي عند شريكه، فإن كان منعقدا على الملك؛ فالربح يجوز استحقاقه بالملك، وإن كان على الضمان؛ فإنه سبب لاستحقاق الربح، بدليل أن المبيع لما
_________________
(١) يبدو أن النصف الأول من الجواب ساقط.
(٢) تقدم تخريجه (٦/ ٨٣).
(٣) في الأصل: يكون، والضمير يعود على الشروط وهي مؤنثة؛ فيناسبها ما أثبت.
[ ٦ / ٢١٧ ]
دخل في ضمان المشتري بالقبض على غير وجه المحظور؛ كان متى تصرف فيه كان الربح له.
ولأن الضمان ينعقد عليه صحة الشركة؛ بدليل أن العروض لما كانت لا تكون في الحقيقة على بائعها مثلها بدليل أن هلاكها قبل القبض لا يوجب ضمان مثلها؛ فلم تجز الشركة فيها، ولما كانت الدراهم إذا وقع العقد عليها كانت مضمونة في الحقيقة على من ثبتت في ذمته؛ جازت الشركة فيها، فبان أن جواز الشركة يختص بالضمان، وفي شركة الوجوه ضمان على المشتري على كل واحد، خاصة إذا كانا متفاوضين، فجاز استحقاق الربح به.
قيل: أما قولكم: "إن شركة الوجوه تنعقد على الوكالة"؛ فإننا نقول: إن الوكالة في حال الانفراد على هذا الوجه لا تصح، ألا ترى أن الذي يجوز أن يشتريه أحدهما قد يشتريه الآخر؛ فيكون كل واحد منهما وكيلا لصاحبه وفي ذلك الشيء بعينه، مثل أن يقول: أنت وكيلي في شراء هذا الثوب وأنا وكيلك في شرائه، وإنما يجوز مثل هذا في الشركة إذا كان لهما مال الرفق بالشركة، فما يضمنه أحدهما [يشركه] (^١) الآخر في ضمانه، ولكل واحد منهما أصل يرجع إليه الآخر فيما ضمنه عنه، وإذا لم يكن لهما مال؛ كان القصد من الشركة الغرر، وإذا كان لهما مال؛ [فالضمان] (^٢) تبع، والعقود إذا لم يُحصِّل المقصود منها الغررَ؛ جازت.
وقولكم: "إن إذن كل واحد منهما لصاحبه لا يخلو من أحد الوجهين
_________________
(١) في الأصل: بشركة.
(٢) في الأصل: والضمان.
[ ٦ / ٢١٨ ]
المذكورين"؛ فإننا نقول: إن الضمان في الانفراد لا يجوز بعوض؛ لأنه من فعل المعروف، وإنما نجوزه في شركة العنان والمفاوضة إذا كان لهما مال، لأن وجود ماليهما هو الذي يستحق لأجل الربح، والضمان فيه تبع.
وقولكم: "إن الضمان ينعقد عليه صحة الشركة إلى آخر الفصل"؛ فإننا نقول: إن الضمان في الشركة يجوز على الوجه الذي قلناه، وهو إذا كان لهما مال يكون هو الأصل الذي يستحق به الربح، فيكون الضمان منه تبعا؛ لأن الضمان في الانفراد لا يجوز عندنا بعوض، فلم يلزم ما ذكرتموه.
فإن [قيل: إن] (^١) موضوع الأصول إن كان نوع انفرد باسم؛ ففيه ما يصح من العقود، بدليل أن البيع يجمع أنواعا مثل السلم والصرف وبيع الأعيان، وكل نوع منها يتضمن ما هو صحيح.
قيل: ما انفرد باسم على الإطلاق؛ فهو كما ذكرتم، وشركة الوجوه مقيدة كما يقال شركة فاسدة، وعلى أن شركة الوجوه ليس فيها شيء صحيح يكون الفاسد تبعا له، وإنما الأصل فاسد، فلم يصح ما ذكرتموه. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) ساقط من الأصل، والمثبت من السياق.
[ ٦ / ٢١٩ ]