وإمرار اليد على البدن في غسل الجنابة واجب عند مالك ﵀.
وقال بعض أصحابه: إنه مستحب، مثل أبي الفرج المالكي وغيره.
وإلى مثل هذا ذهب أبو حنيفة والشافعي.
وأنا أقول بظاهر قول مالك في وجوبه.
والدليل لذلك: قوله - تعالى - في الوضوء ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وكذلك قال النبي ﵇ للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك) وقال: لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه، وقال - تعالى -: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، فذكر الغسل في الوضوء والجنابة، وقد عقل أهل اللغة الفرق بين الغسل والغمس والمس واللمس، وجعلوا كل اسم منها لمعنى معقول غير معنى صاحبه، لأن الاغتسال افتعال لابد أن يكون فيه الليد فعل يحصل به غاسلا لجميع بدنه وأعضائه في الوضوء حتى يفارق تلك المعاني من الغمس والمس واللمس التي أسماؤها غير اسم الغسل.
فإذا ثبت أن غسل البدن والأعضاء عند الأحداث واجب، فصفة ذلك واجبة؛ لأنه بالأمر وجب، والأمر حصل بفعل يدخل تحت هذا الاسم، فالواجب امتثال ما دخل تحت الاسم، ولا ينكر أن تتعلق العبادة بمعنى هذا الاسم دون غيره.
وأيضا قول النبي ﵇: (تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشرة)، فأمر ﵇ بالانقاء، والأمر بالانقاء ظاهره واجب، ولا يحصل الإنقاء في غالب الحال إلا بإمرار اليد، فإذا كان الإنقاء من
[ ٢ / ٦٧٦ ]
فعل إمرار اليد فظاهره الوجوب. وهذا مثل ما يستدل به على وجوب التلبية بقوله ﵇: (إن الله يأمركم أن ترفعوا أصواتكم بالتلبية)، فإذا أمر برفع الصوت فيها دلى على وجوبها.
وأيضا فإن في البدن مواضع كثيرة تغمض، ومواضع ينبو عنها الماء، وخاصة الأبدان النمشة التي لعلها في أكثر الناس ينفض الماء
[ ٢ / ٦٧٧ ]
عنها، وقد أخذ عليه تطهير جميعها، فلا يحصل معنى الغسل فيها إلا بإمرار اليد عليها حتى تطهر، ولا ينكر أن يجب في الشريعة شيء لأجل الاحتياط، كمن شك في ركعة فلم يدر أهي رابعة أو ثالثة، كمن شك في صلاة من يوم لا يدري أية صلاة هي، فإنه يصلي خمس صلوات، وهذا كله احتياط حتى يتيقن ما صلى.
فإن قيل: فما تقول في أقطع اليد إذا كان إمرار اليد واجبا عليه، ولم يجزئه الغمس في الماء والصب عليه، كيف يعمل؟.
قيل: قد نص مالك على أن عليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، وقال إن لم ينل شيئا من بدنه بل شيئا من ثوبه، وأمره عليه.
فإن قيل: فإن لم يقدر على شيء من ذلك.
قيل: هذه حال ضرورة، يسقط معها الفرض، فيجزئه الانغماس لأجل خلاف الناس فيه، وهذا كالأمي يصلي بالأميين، يصلي لنفسه إذا لم يجد من يصلي خلفه، وكالعاجز عن القيام يصلي جالسا.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾، ثم قال: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وهذا قد اغتسل.
وأيضا ما روي أن أم سلمة قالت: يا رسول اله، إن امرأة
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وأشد ظفر رأسي فأنقضه للغسل؟. قال: (لا، إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء عليك فإذا أنت قد طهرت)، فأخبر بأنه متى وجد إفاضة الماء أجزأ؛ لأن الطهارة تقتضي طهارة مطلقة.
وقد قال لأبي ذر: (الصعيد الطيب وضوء المؤمن ولو لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته)، ولم يأمر بالدلك.
قيل: أما قوله - تعالى -: ﴿حتى تغتسلوا﴾، فهو حجة لنا؛ لما بيناه من الفرق بين اسم الغسل والصب والغمس والمس، وإذا أفاض عليه ولم يمر يده لم يقل: قد اغتسل حقيقة، فإن سمي به فهو مجاز.
وأما حدثيث أم سلمة فإنما أعملها أن الفرض في رأسها بل الشعر دون غسل ما تحته، وقوله لها: (ثم تفيضي عليك الماء) فإنه لا ينافي ما قلناه. ألا ترى أن الإفاضة قد تصيب بعض البدن، وقد لا تصيب بعضه، ولا نعلم بوصول الماء إلى تحت الآباط وما غمض بالإضافة دون إمرار اليد، وإنما قصد بالخبر أن لا تنقض شعرها، فأما صفة الغسل فهو مأخوذ من قوله: ﴿حتى تغتسلوا﴾.
وقوله لأبي ذر: (إذا وجدت الماء أمسسه بشرتك) يدل على صحة قولنا؛ لأن الهاء في (أمسسه) كناية عن الماء، فقال: (أمسسه بشرتك) فيحتاج أن يكون باليد؛ لأن حقيقة المس إنما تكون باليد.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
على أن الآية في الاغتسال، وما رويناه من قول النبي ﵇ للأعرابي أخص وأبين مما أورده، وليس فيه إجمال فهو مبين لما أورده.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾، وإذا فعل ما نقوله قيل: قد تطهر.
قيل: لا يطلق عليه في الشريعة أنه قد تطهر إلا على صفة، وهو أن يغتسل ويمر يده، كما لا يحصل متطهرا إلا بماء طاهر وبالنية.
فإن قيل: عن هذا أجوبة:
أحدهما: أنه أراد أن يعلمنا أنه ليس للماء قدر محدود، وأن هذا القد يكفي.
وجواب آخر: وهو أن هذا القدر من الفعل لا يكفي؛ لأنه معلوم أنه يحثي على أرسه فل يصيب جميع بدنه ولا يصل إلى تحت آباطه، وما يغمض منه مما يجب غسله، فصار مفتقرا إلى بيان، وقوله - تعالى - ﴿حتى تغتسلوا﴾ أخص منه.
وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن تقوم دلالة تلحق به صفة أخرى، كوجوب النية وغير ذلك، وقد ذكرنا ما هو أخص من هذا من تعليمه
[ ٢ / ٦٨٠ ]
الأعرابي، وقوله: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل)، وقد بينا أن للغسل صفة تختص بها في اللغة، وقد نفى الإجزاء إلا بوجودها.
فإن قيل: قد روت عائشة أنه ﵇ كان إذا اغتسل من جنابته، بدأ بغسل يديه، ثم تنظف من الأذى، ثم توضأ كما توضأ للصلاة، ثم خلل أصول شعره بالماء، ثم غرف على رأسه ثلاث غرفات من ماء، ثم أفاض الماء على جلده كله، فنقلت غسله ﵇ مفروضه مسنونه ومستحبه، ولم تذكر الدلك.
قيل: لا يحتاج إلى ذكر الدلك؛ لأن الاغتسال يقتضيه، وهو صفة فيه قد عقل من الآية، وإنما نقلت هذا لتفيد الأفعال التي فعلها قبل غسله.
وقولها: ثم يفيض الماء على جلده كله، قد فهم منه أن المقصود الغسل المطلوب.
فإن قيل: فإنه موضع يلحقه حكم الجنابة فوجب أن لا يلزمه إمرار اليد عليه. أصله الموضع الذي لا تناله يده خلف ظهره لسمنه، وهذا وفاق.
قيل: إن كان ما لا تناله يده شيئا كثيرا فعليه أن يأتي بمن يمر يده عليه، وإن كان شيئا يسيرا لا بال له فهو خفيف كالعمل القليل في
[ ٢ / ٦٨١ ]
الصلاة، والعفو عن دم البراغيث، ولأجل الخلاف في جواز ترك الدلك.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حتى تغتسلوا﴾، وقال في التيمم: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، ففرق بين الأمرين، فوجب اعتبار فائدة الفرق بينهما، ولا يكون إلا بترك إمرار اليد في الغسل وبإمرارها في التيمم.
قيل: إنما ذكر المسح في التيمم؛ لأنه لا غسل فيه، والغسل خلاف المسح، وإن كان لليد فيهما جميعا فعل، فهذا هو الفرق بين الموضعين.
ولنا أن نقيس ذلك على المسح في التيمم، وأن لليد فيه فعلا فنقول: قد اتقنا على إمرار اليد في التيمم، العلة فيه: أنها عبادة تجب للصلاة، وتنقض بالحدث، والتيمم والوضوء وغسل الجنابة كله - عندنا - بمنزلة واحدة في وجوب إمرار اليد.
فإن قيل: فإنه قد أجرى الماء الطاهر على أعضائه فأشبه إذا تدلك، وبين ذلك: أن حال الجنابة لم توجد هناك عين يحتاج إلى
[ ٢ / ٦٨٢ ]
إزالتها، وإنما العبادة في إجراء الماء على الأعضاء، وقد جرى بفعله، فاعتبار الدلك لا معنى له. ألا ترى أنه ليس في الأصول إمرار اليد على الأعضاء على وجه العبادة من غير معنى.
وأيضا فإن ذلك غسل واجب فأشبه إزالة الطيب من بدن المحرم، ولأن الدلك مبالغة في الغسل وزيادة صفة فيه فأشبه تكرار الماء في العضو.
قيل: أما إذا تدلك فالمعنى فيه حصول اسم الاغتسال على حقيقته، وتحقيق وصول الماء إلى جميع بشرته الغامض منها والظاهر ومماسته بيده.
وقولكم: إنه لم توجد عين يحتاج إلى إزالتها، وإنما العبادة إجراء الماء على الأعضاء فإننا نقول: لا يمتنع أن يكون العبادة في إجراء الماء على صفة إمرار اليد، ليتحقق وصول الماء؛ لأن في البدن مواضع ينبو الماء عنها.
قولكم: ليس في الأصول إجراء اليد على الأعضاء على وجه العبادة غلط؛ لأنه في المسح في التيمم موجود. والمعنى الذي فيه موجود في الغسل، وهو إجراء اليد على كل موضع وقعت العبادة بتطهيره، ليتحقق وصول الماء إليه، ويجوز أن تتعلق العبادة فيه أيضا بالتنظف، كغسل الجمعة الذي قصد منه التنظف لزوال الروائح التي لا تزول إلا بإمرار اليد في الغالب.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
وأما غسل طيب المحرم فالأجناس أعظم منه، وليس إزالتها بفرض - عندنا -، وغسل الجنابة فرض.
وقولكم: إن إمرار اليد مبالغة فأشبه التكرار، فإننا نقول: صفة الغسل هي إمرار اليد بالماء على الأعضاء كصفة المسح في التيمم، فتكرار الغسل كتكرار التيمم، لا تسقط صفة المسح في الأول.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ أمر بصب ذنوب أو ذنوبين من ماء على بول الأعرابي، ولم يأمر بدلكه، وهو عين نجسة، ففي غسل البدن الذي لا نجس عليه أولى أن لا يجب إمرار اليد فيه.
قيل: إن النبي ﵇ أمر بصب الماء على البول؛ لأن الغرض إزالته، وهو مائع فإذا لاقى الماء وهو مائع وغلب عليه أزال عينه وأثره؛ لان الغرض إزالة ذلك، فأما غسل الجنابة فقد اجتمع فيه أمران:
أحدهما: المني الذي هو - عندنا - نجس، فإذا خرج كان له حكمان: أحدهما: غسله في نفسه عن أصاب ثوبا أو بقعة من المسجد أو البدن كالبول. والحكم الآخر: هو الاغتسال منه. فإن أصاب شيئا من الثياب والأبدان احتيج فيه إلى إمرار اليد في غسله، كذلك غسل جميع البدن منه، وما حصل في الأرض من البول إن لم يدلك فقد
[ ٢ / ٦٨٤ ]
حصل فيه تطهيران من جهة الماء والتراب الذي له مدخل في التطهير، فاستغنى عن الدلك.
على أنه يجوز أن يكون ﵇ أمر بصب الماء على بول الأعرابي، وعلموا منه أن الفرض الغسل فغسلوا بأيديهم، ونقل الخبر إلينا؛ ليفيدنا أن هذا القدر من الماء يطهره.
[ ٢ / ٦٨٥ ]