ولا بأس بالوضوء من فضل الجنب والحائض، مثل أن يفضل في إنائهما ماء بعد فراغهما من غسلهما، للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة وغسلها، وهو مذهب الفقهاء كافة.
وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز أن يتوضأ من فضل ماء توضأت من فضل الرجل، والرجل من فضل الرجل، والمرأة من فضل المرأة، وكذلك إذا استعملاه جميعا معا جاز أن يتوضأ الرجل منه.
واستدل بخبرين:
أحدهما: ما روي أن النبي عليه السلم نهى أن يغتسل الرجل من فضل وضوء المرأة، ما روي أن النبي ﵇ نهى أن يغتسل الرجل من فضل
[ ٢ / ٦٨٦ ]
وضوء المرأة، وأن المرأة من فضل وضوء الرجل، وليغترفا معا.
وروى أنه ﵇ نهى أن يتوضأ الرجل من فضل وضوء المرأة.
والدليل لقولنا: ما رواه مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي
[ ٢ / ٦٨٧ ]
طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ وقد حانت صلاة العصر، فالتمس القوم الماء فلم يجدوا، فأتى النبي ﷺ بإناء فوضع يده فيه، وامر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم. فوضع الدليل منه أنهم توضؤوا كلهم من إناء واحد، ومعلوم أنه كان منهم نساء ورجال؛ لأن هذا كان في الحضر، ولم يفصل بين أن يتقدم النساء أولا أو الرجال، أو بعضهم على بعض، بل كلهم استعملوا، فمن متقدم ومن متأخر.
وأيضا ما رواه ابن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضؤون على عهد رسول الله ﷺ من إناء واحد، وعند أحمد أن مثل هذا يجوز،
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وهو مما يسقط مذهبه؛ لأن الرجال والنساء إذا توضؤوا في إناء واحد، فإن الرجل يكون مستعملا لفضل المرأة لا محالة.
وقد روي عن معاذة العدوية عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد، فلما غتسل ﵇ معها من إناء واحد علم أنه لا محالة قد استعمل فضل مائها، فدل على جوازه.
وما روي أنه ﵇ أرد أن يغتسل من ماء في جفنه اغتسلت منه امرأة، فقالت له بعض نسائه: أغتسل: منه يا رسول الله وقد اغتسلت
[ ٢ / ٦٨٩ ]
منه من الجنابة؟. فقال: (المؤمن ليس بجنس)، وهذا نص في المسألة بفعله وتعليمه أن المؤمن ليس بنجس.
ولنا من الظواهر: قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، وهذا كيف ما كان فهو منزل من السماء.
وقوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير
[ ٢ / ٦٩٠ ]
لونه أو طعمه أو ريحه، وطهور اسم لما يتكرر منه التطهير فهو على عمومه.
ونقول: هو ماء فضل عن استعمال ما سقط به الفرض فجاز أن يسقط به الفرض، أصله فضل الرجل تتوضأ به المرأة. وفضل الرجل
[ ٢ / ٦٩١ ]
يتوضأ به الرجل، وفضل المرأة تتوضأ به المرأة.
ونقول أيضا: هو ماء لم يخالطه شيء أثر فيه فجاز أن يتوضأ به، أصله لو لم يتوضأ به، أو ما ذكرناه من فضل الرجل، ولا يلزم على هذا الماء المستعمل؛ لأن التوضؤ يقع به - عندنا -.
فأما أخبارهم فمحمولة على الاستحباب.
وعلى أن أخبارهم النهي أن تتوضأ المرأة بفضل الرجل، وقد جاز - عندهم - بدليل فكذلك يجوز - عندنا - وضوء الرجل بفضل المرأة بدليل، وقد ذكرنا أدلته.
ويجوز أن نقول: إن الماء الذي يقي لم يستعمل في عضو يزول به الحدث، فأشبه حال الابتداء، وإذا فضل عن عضو من الأعضاء قبل كما طهارة المرأة.
وأيضا فإن ما يفضل بعد غسل النجاسة لا ينفي جواز الوضوء فكذلك ما فضل عن غسل الجنابة؛ لأن كل واحد منهما عبادة، فإذا جاز استعمال الفاضل عن أحدهما جاز في الآخر مثله.
وأيضا: فإن إدخال يدها فيه لا يؤثر في حكم الماء؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن تمنع منه المرأة أولا، وكل مستعمل؛ لأن منع المستعمل لا يخص بالمنع منه واحد دون الآخر، ولا يجوز اعتبار أداء الفرض به؛ لأنه يتنقض بفضل الرجل، وبما يبقى بعد إزالة النجاسة، والله أعلم.
[ ٢ / ٦٩٢ ]