والماء المستعمل مكروه عند مالك، مثل أن يجمع وضوءه من الحدث، أو اغسله من الجنابة في إناء فيتوضأ به دفعة أخرى، أو يغتسل به من جنابة.
وقال ابن القاسم في موضع: إنه لا يستعمل، وإن لم يكن غيره تيمم.
فكان الشيخ أبو بجر ﵀ يقول: معناه يتوضأ به ويتيمم ويصلي.
وبعض أصحابنا قال: هذه رواية أخرى في أنه لا يجوز أن يتوضأ به.
وحكى أبو يوسف عن أبي حنيفة أن الماء نجس إذا كان قد استعمل سواء أزال به فرض الطهارة وغسل الجنابة، أو كان مجددا به ذلك.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
وقال محمد بن الحسن: هو طاهر غير مطهر.
وقد كان أصحابنا يحكون هذا عن أبي حنيفة وأنا أبا يوصف قال: هو نجس.
والصحيح أن أبا يوسف وأبا حنيفة يقولان: هو نجس، ومحمد يقول: هو طاهر غير مطهر.
والظاهر من قول الشافعي أنه طاهر غير مطهر.
واختلف أصحابه، فقال بعضهم: إن له قولا آخر في أنه طاهر مطهر، كقولنا.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وقال بعضهم: ليس له إلا قول واحد وهو أنه طاهر غير مطهر.
وبمثل قولنا قال الحسن، والنخغي، والزهري، وداود.
والدليل لقولنا إنه طاهر مطهر: قوله - تعالى -: وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فوصفه بهذه الصفة، وطهور اسم للطاهر الذي يتكرر منه التطهير، كقولهم: رجل شكور، وسيف قتول، ورجل روب، وما أشبه ذلك، فإذا ثبت هذا فيه في الأصل فمن زعم أنه انتقل عما هو عليه بالاستعمال فعليه الدليل.
فإن قيل: هذا الاستدلال لا يلزم من وجهين.
أحدهما: أن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، ونحن نقول: إن جنس الماء طهور يتكر منه التطهير، والرجل إذا توضأ فليس هذا القدر جنس الماء، وإما هو جزء من الجنس.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
والوجه الآخر: هو أن الطاهر - عندنا - هو الطاهر المطهر، لا ما يتكرر منه الطهارة.
قيل: أما قولكم إن الله - تعالى - جعل جنس الماء طهورا، وأن هذا جزء من الجنس فإننا نقول: إنه إذا أراد الجنس فكل جزء منه له هذه الصفة، كقولنا: طعام مشبع، وماء مرو، وشراب مسكر، فإن كل جزء منه له هذه الصفة، فاللقمة تشبع الغير من الحيوان، وأكثر منها تشبع ما هو أكبر من ذلك الصغير، وإنما يختلف الشبع في الحيوان، فما يشبع الصغير منه لا يشبع الكبير، ولا يخرج الجنس كله وكل جزء منه على جنس ما يشبع.
وهذا هو جوابنا لأصحاب أبي حنيفة في أن النبي ﷺ حرم جنس المسكر، وهو قليله وكثيره، لأن قليله يسكر ما صغر من الحيوان كما يسكر كثيره ما كبر من الحيوان.
ومع هذا فقد عقل العلماء أن الله - تعالى - لم يرد أن مياه الدنيا كلها هي الطهارة المطهرة، وأن ماء دجلة لا تكون له هذه الصفة
[ ٢ / ٧٠٨ ]
دون انضمام ماء البحار إليه فسقط هذا الوجه.
وأما قولهم: إن الطهور هو الطاهر المطهر، لا ما تكرر منه الطهارة فإننا نقول: إنما سمي بهذا الاسم، ووصف بهذه الصفة للمبالغة فيما يتكرر منه، كما قيل: سيف قتول، ورجل شكور، فإذا وصف بهذه الصفة لهذا المعنى لم تزل صفته باستعماله أول مرة؛ لأن هذه صفة طاهر مطهر، لا صفة طهور.
وأيضا فإن الله - تعالى - قال: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾، فهو على عمومه أينما وجد، وليس يخرج باستعماله عن كونه منزلا من السماء.
فإن قيل: إن هذا إخبار عن تطهيره حين ينزله من السماء، ونحن كذلك نقول.
قيل: تأخره بعد نزوله وبعد استعماله لا يخرجه أن يكون منزلا من السماء، فلا نخرجه عن صفته إلا بدليل، وهذا كقوله: ماء دجلة، لو استعملته لم يخرجه أن يكون ماء دجلة، وحيثما نقلته فهو كذلك.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد لما قد تناوله الاسم، فهو عموم حتى يقوم دليل. والنفي يتناول الجنس إذا كان نفيا في نكرة، فلما قال ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ دل على أنه إذا وجد ماء لم يتيمم.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
وأيضا وقوله - تعالى - ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، وهذا إذا كان جنبا اغتسل بالماء المستعمل قيل: قد اغتسل.
وأيضا قول النبي ﵇ لأبي ذر: (إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك)، وهذا واجد للماء.
وكذلك قوله ﵇: (أما انا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت) لا، ولم يخص ماء من ماء. ولنا عمومات كثيرة، مثل ما روي أنه ﵇ قال لأسماء في دم الحيض.
(حتيه ثم اقرصيه بالماء).
ومثل ما روي أنه ﵇ كاتن عند جنابته يغسل الأذى، ويغسل يديه، ثم يتوضأ ثم يخلل أصول شعره ثم يفيض الماء على جسده، ولم يخص ماء من ماء.
ومثل قوله للمرأة التي سألته فقالت: أنقض شرع رأسي؟ فقال: (إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضي الماء على جسد).
ومثل قوله ﵇ (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير
[ ٢ / ٧١٠ ]
طعمه أو لونه أو ريحه) فخبرنا أن الله - تعالى - خلق الماء على هذه الصفة التي هي كونه طاهرا مطهرا يتكرر ذلك منه فلا يغيره عن صفته إلا ما غير طعمه أو لونه إلا أن يقوم دليل، وإذا كان الله - تعالى - قد خلق الماء على هذه الصفة فكل جزء منه ينطلق عليه اسم الماء على ما بيناه قبل هذا الفصل.
فإن قيل: فإن هذه الظواهر كلها إنما هي فيما يقع عليه اسم ماء مطلق، وإذا صار مقيدا بصفة لازمة له تفارقه، وليست من قراره فلا يتناوله اسم ماء مطلق. فأما إذا قيل: مستعمل. فقد لزمته هذه الصفة فلا يدخل تحت الظواهر.
قيل: إن الصفات في الماء على ضروب.
فما كان منها مضافا إلى قرار، مثل ماء ددلة وماء الفرات، وماء الجب والجرة والماء الكدر لا معتبر به.
وما كان موصوفا بشيء يخالطه ويغلب عليه إما
[ ٢ / ٧١١ ]
طاهر أو نجس فهو معتبر.
وصفات لشيء عمل به أو كان غير أنه لم يؤثر فيه شيئا - أعني في عينه - مثل الماء المشمس والمسخن والمغلي فهذه أوصاف قد وصف بها الماء لازما حيثما نقلته، وفي أي إناء تركته هو موصوف بها، ولم يتغير حكمه فيها، فكذلك الماء المستعمل وإن كان صفته فيه لازمة فهي غير معتبرة، ولا مغيرة لحكمه، لأن الصفة لم تؤثر فيها شيئا.
والدليل: على أن الاستعمال لم يخرجه عن إطلاقه حتى يصثر في صفة ماء الورد والخل وماء الباقلاء: أنه لو شربه من حلف ألا يشرب ماء لحنث، ولو لم يشربه لبر، ولو شرب ماء ورد لم يحنث، فصار كالمسخن والمغلي والمشمس، فثبت أن هذه الصفة لما لم تؤثر فيه لم تخرجه عن إطلاقه.
ولنا أيضا ما روي عن ابن عباس ﵀ أن بعض أزواج رسول الله ﷺ اغتسلت في جفنة فجاء رسول الله ﷺ ليغتسل منها أو يتوضأ، فقالت: إني كنت جنبا، فقال: (إن الماء لا يجنب).
رواه أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن
[ ٢ / ٧١٢ ]
ابن عباس، وهذا نص في جواز الماء المستعمل؛ لأنها اغتسلت في الجفنة، وقالت: إني كنت جنبا، فاغتسل النبي ﵇ فيها وقال: (إن الماء لا يجنب) أي هو على ما كان عليه.
فإن قيل: إنما هذا فيما فضل عن غسلها وليس هو فيما استعملته.
قيل: هذا غلط، لأنه قال: اغتسلت فيها، ولم يقل: منها، ولولا ذلك لم يقل: (إن الماء لا يجنب) أي إذا اغتسلت فيه لم تنتقل جنابتك إليه.
[ ٢ / ٧١٣ ]
وأيضا فإننا إذا اعتبرنا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه فلا يؤثر في حكمه. ألا ترى أنه (لو) لم يؤثر في طهارته فلا يؤثر في تطهيره. ال ١ ي يكشف عن هذا: أن الأشياء التي تحدث في الماء فتؤثر في عينه مما ينفك الماء منه، إما من نجس - عندنا -، أو طاهر - عندنا وعندكم - إذا لم يؤثر في عين الماء لم يغيره عن حكمه في طهارته وتطهيره، فإن لم يكن الاستعمال أولى منه فينبغي أن يكون مثله؛ لأننا نعلم أن تلك الأشياء إذا كثرت غلبت على الماء فغيرت حكمه، والاستعمال لو تكرر أبدا لم يغير عينه، فينبغي أن يكون أولى بأن لا يغير حكمه عما كان عليه.
ونقول أيضا: هو ماء طاهر لاقى جسما طاهرا أو جرى على جسم طاهر فجاز أن يسقط به الفرض ثانيا، أصله الماء الذي غسل به ثوب طاهر وبدن طاهر.
ونقول: هو ماء مستعمل لم يؤثر الاستعمال في عينه، فجاز أن يزول به الفرض ثانيا. أصله ما ذكرناه إذا غسل به ثوب طاهر أو بدن طاهر.
وأيضا فإن الماء يستعمل في إسقاط فرض الوضوء كما يستعمل في إسقاط مسنون الوضوء، وهو التوضؤ في المرة الثانية والثالثة، ثم إن المستعمل في إسقاط المسنون لم يمنع إسقاط الفرض به؛ لأنه لو جمع ماء المرة الثانية والثالثة جاز أن يتوضأ به من حدث فكذلك المستعمل في إسقاط الفرض.
[ ٢ / ٧١٤ ]
وأيضا: فإن كل ما أسقط به الفرض مرة جاز أن يتكرر في ذلك الشيء ويسقط فرضا آخر، كالسقوط في الحدود، وكالمد في الكفارة، لو عاد إليه جاز أن يكفر به ثانية، وكالبقعة يتيمم عليها ثم يتيمم ثانية وكالثوب يصلي به صلاة فرض ثم يصلي به صلاة فرضا آخر.
فإن قيل: قياسكم عليه إذا غسل به ثوبا طاهرا المعنى فيه: أنه لم يسقط به فرضا، وليس كذلك إذا وقع به الحدث؛ لأنه يصير كالعتق في الكفارة.
قيل: علتنا أولى؛ لأنها تتعدى وتجلب حكما زائدا، ويشهد لها غير الماء مما يزيل فرضا ثم يجوز أن يزال به فرض آخر كما ذكرنا في السوط، والطعام في الكفارة، والثوب يصلي فيه. وأما العتق في الكفارة فلو جاز أن يعود الرق جاز ذلك فيه، ولكنه يزيل الملك أصلا حتى لا يصح أن يتملك ثانية. ألا ترى أن الطعام والكسوة لما صح عود الملك فيه جاز أن يسقط به فرض آخر.
وعلى أن هذا قد يتأتى في العتق على وجه؛ وذلك أن أبا حنيفة يجوز للمكفر أن يعتق رقبة كافرة في غير القتل، ثم يجوز أن تنقض تلك الرقبة المعتقة العهد، وتلحق بدار الحرب، ثم تسبى وتسلم عند السابي أو لا تسلم، فإن أسلمت جاز - عندنا - أن تعتقد في الكفارة
[ ٢ / ٧١٥ ]
بعد تقدم عتقها أولا في كفارة، وإن لم تسلم جاز عتقها عند أبي حنيفة في كفارة ثانية، سواء كان من صارت إليه بالسبي هو الذي كفر بها أو غيره فسقط هذا.
فإن قيل: فإن ما ذكرتموه في الماء الذي يسقط المسنون، في أصحابنا من قال: لا يجوز الوضوء به، وليس بشيء؛ لأن الشافعي يجوزه، ولكن المعنى فيه: أنه لم يسقط به فرض فلهذا جاز أن يسقط به الفرض.
قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يفيد حكما زائدا وهو جواز الوضوء به ثانيا.
فإن قيل: ما ذكرتموه من السوط والتيمم من موضع ثم يتيمم منه هو وغيره فإن التراب - عندنا - شرط، فما حصل على وجه من التراب لا يجوز أن يتيمم به ثانية كالماء، وأما السوط والمد والثوب فليس بإتلاف ملك قصد به إسقاط فرض، فلهذا جاز أن يسقط به فرض آخر، وليس كذلك الماء؛ لأنه إتلاف ملك قصد به إسقاط فرض فهو كالعتق.
قيل: أما التراب فليس شرطا في التيمم - عندنا وعند أبي حنيفة - و- عند الشافعي - فنحن نعلم أن التراب الذي يحصل على يديه لا يتحصل في كل العضو، وإنما يصب بعض الوجه، فإلى أن يبلغ الذقن لا يبقى منه شيء وهذا لا يجيء في باب التيمم.
[ ٢ / ٧١٦ ]
وقولهم: إن الماء إتلاف قصد به إزالة الفرض، وليس كذلك السوط والمد والثوب يصلي به غلط؛ لأن كلامنا في جميع الماء الذي توضأ به، ولا هو متلفا، ولا نسلم أن من شرط الوضوء إتلاف الماء؛ لأنه يجوز له أن يجمعه لشربه، وللوضوء به على ما شرحناه، فلم نسلم وصف علتهم.
ونقول أيضا: إن الإجماع حاصل على جواز استعمال الماء المستعمل، وذلك أن الماء إذا لاقى أول جزء من أجزاء العضو فقد صار مستعملا ثم يمره على كل جزء بعده وهو مستعمل فيجزئه، فلو كان التوضؤ بالماء المستعمل لا يجوز لم يجزئه إمراره على باقي العضو، ولوجب عليه أن يأخذ لكل جزء من العضو ماء جديدا.
فإن قيل: إن الماء المستعمل - عندنا - هو إذا سقط عن جميع العضو، فأما ما دام على العضو فليس بمستعمل.
ووجه آخر: وهو أنه وإن صار في أول جزء مستعمل فإن الماء ذو طبقات، فالطهارة لباقي العضو تقع بالطبقة التي لم تلاق الجزء الأول.
قيل: قولكم: إنه لا يكون مستعملا حتى يسقط عن العضو يلزمكم أن لا يكو مستعملا حتى يسقط عن الأعضاء كلها؛ لأن حكم الحدث
[ ٢ / ٧١٧ ]
لا يزول، والطهارة لا تتم إلا بغسل الأعضاء كلها. ألا ترى أنه لا يصح أن يصلي، ولا يكون متوضئا بغسل بعض الأعضاء وترك البعض مع القدرة؛ لأن الأعضاء كلها كالعضو الواحد في حكم الوضوء.
وقولكم: إن الماء ذو طبقات، خطأ من جهة المشاهدة؛ لأن الطبقة الأولى يذهب منها جزء، وينحدر باقيها على باقي العضو. فإن كان طبقات الثاني غير الأول، فما يفضل عن العضو هو طبقة أخرى غير مستعملة على حسابكم.
فإن قيل: فإن الله - تعالى - قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾ الآية، فأمر - تعالى - بغسل اليد بما أمر به في غسل الوجه، فلما كان غسل الوجه بماء غير مستعمل كذلك سائر الأعضاء.
هذا استدلال الشافعي.
قيل: المقصود من الآية غسل اليدين كما يغسل الوجه بالماء، ولم يخص ماء من ماء وليس شط الوجه في الابتداء أن يكون بماء غير مستعمل. فإن اتفق في أول وهلة أن يستعمل ماء من دجلة أو الفرات فالوجه يقع بماء مفرد، وباليدان بغير ذلك الماء، فالماء الثاني غير مستعمل كما الوجه. وإن جمع ذلك الماء عن الأعضاء كلها فهو المستعمل، إن غسل منه فهو كماء يغسل منه اليد.
[ ٢ / ٧١٨ ]
فإن قيل: فإن النبي ﵇ نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة، وفضل الوضوء حقيقته ما يفضل عن العضو، ويتساقط منه، فدل على أن الماء المستعمل لا يجوز التوضؤ به.
قيل: قوله ﵇: (لا يتوضأ الرجل بفضل المرأة) ظاهره ما فضل عنها لا ما تساقط منها، وأصحاب الحديث ذهبوا إلى هذا، وهو - عندنا - منسوخ بالحديث الذي رويناه وأنه ﵇ توضأ واغتسل في الجفنة التي اغتسلت منها زوجته، وقال: (إن الماء لا ينجب).
ويجوز أن يحمل خبر النهي على الندب إلى تركه وكراهية التوضؤ به، ويدل خبرنا هذا على جوازه، واستعمل الأخبار إذا تعارضت واجب مع الإمكان.
على أنه روى في خبر النهي أنه ﵇ قال: (وليغترفا معا) فدل على أنه نهى عن فضل مائها لا ما يتساقط منها.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ به، ولا يغتسلن فيه من جنابة)، فتقديره: لا
[ ٢ / ٧١٩ ]
يبولن في الماء الدائم، ولا يغتسلن فيه من جنابة ثم يتوضأ فيه، فمنع من أن يبول في الماء الدائم ويغتسل منه ثم يتوضأ، فعلم أن للاغتسال في تأثيرا في المنع من التوضؤ.
وروي أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﵇ نهى عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه، ووجه الدليل منه كما ذكرناه في الخبر الأول.
[ ٢ / ٧٢٠ ]
قيل: هذا كله - عندنا - محمول على الكراهية؛ لأنه يصير ماء مختلفا فيه، وليس هذا في الماء الكثير الراكد الذي هو كالغدير الكثير، وأكثر من القلتين فإن البول النجس إذا لم يؤثر فيه جاز استعماله، فالمستعمل أولى بجوازه، فإذا جاز هذا في الكثير مع عدم التأثير في عينه ففي القليل كذلك؛ لعدم التأثير في عينه، وهذا يطرد لنا نحن في قليل الماء وكثيره، كما نقول في النجس الذي لا يغير الماء: لا فرق بين قليله وكثيره، وعكسه أن يؤثر في قليله وكثيره فيتفق الحكم فيه.
فإن قيل: فإن إجماع الصحابة معنا؛ لأن النبي ﷺ سافر وسافر معه أصحابه، وسافروا بعده ﵇ وخرجوا إلى الغزوات، وعدموا الماء فيها، فلم ينقل أنهم أو بعضهم توضؤوا بالماء المستعمل، ولا جمعوا الماء بعد استعماله ليتوضؤوا به، فعلم ما ذكرناه، ولو جاز ذلك لوجب عليهم أن يجمعوه ولا يتيمموا؛ لأن الله - تعالى - أباح لهم التيمم عند عدم الماء، وهم - عندك - قادرون عليه بأن يجمعوه ليتوضؤوا به.
[ ٢ / ٧٢١ ]
قيل: هذا لا يلزم؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يسافرون، وفي الغالب أن الأواني التي يجمع فيها الماء يتعذر وجودها في السفر، وإنما يكون معهم ما فيه فيتعذر فلم يؤخذ عليهم ذلك. ألا ترى أنهم لم يجمعوه للشرب الذي ضرورته أشد من ضرورة الوضوء؛ لأن للوضوء بدلا هو التيمم، ولا ينوب مناب الماء في شربه شيء، ومع هذا فإننا نقلب ذلك فنقول: لما لم ينقل عنهم أنهم جمعوه للشرب، وحاجتهم إليه أشد وجب أن لا يجوز شربه على قود قولكم، فلما جاز شربه بالإجماع مع أنه لم ينقل عنهم جمعه كان الاستعمال أولى.
وأيضا فقد يجوز أن يكون فيهم من جمعه وتوضأ به، كما يجوز أن يكون فيهم من جمعه ليشربه، ولم ينقل.
وعلى أن استعماله مكروه - عندنا - فعفي لهم عن جمعه واستعماله.
فإن قيل: إنما ل يجمعوه للشرب؛ لأن أنفسه تعاف شربه.
قيل: هم يشربون في السفر الماء الآجن، والماء الذي تحمله الميتة، والنفوس تعافه أشد من هذا، وأيضا فإن النفوس تعاف ما جددت به الطهارة ولم يؤثر فيعينه، سواء كان وضوؤه من حدث أو تجديدا
[ ٢ / ٧٢٢ ]
ومع هذا فالوضوء به جائز، وقد كان ابن عمر يجدد الطهارة عند كل صلاة، ولم ينقل عنه أنه جمعه للوضوء به.
فإن قيل: ما أدي به الفرض مرة فوجب أن لا يؤدي به الفرض مرة أخرى. أصله الماء المزال به النجاسة إذا كان متغيرا بالإجماع أنه لا يجوز إسقاط الفرض به.
[ ٢ / ٧٢٣ ]
قيل هذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن إزالة النجس - عندنا - ليس بفرض، فلا نسلم قولكم: إنه أزال فرضا.
والوجه الآخر: أنه إذا كان الماء متغيرا فلم يزل حكم النجاسة، فكيف يكون مزيلا للفرض وذلك الفرض باق؟ لأن النجاسة لا تزول والماء الذي أزيلت به متغير؛ لأنه ماء نجس. فالنجاسة لم تزل فسقط هذا، ولكنه لو أزال حكم النجس بان غلب الماء عليها فلم يتغير الماء لكان الماء الذي قد زالت به النجاسة طاهرا - عندنا - يجوز الوضوء به، كما يجوز بالماء المستعمل، بل المستعمل أولى بالجواز.
فإن قيل: إن العضو طاهر غير مطهر، والماء طاهر مطهر فلما صار العضو مطهرا بعد الاستعمال علم أنه سلب من الماء حكم التطهير.
قيل: هذا غلط، مع كونه دعوى؛ وذلك أننا حكمنا للمحدث بهذا الحكم لدلالة الشرع، ولم يدل على تغيير حكم الماء بعد تطهيره للمحدث؛ لأن الماء في الأصل يتكرر منه التطهير؛ لقوله - تعالى - ﴿ماء طهورا﴾.
[ ٢ / ٧٢٤ ]
على أن هذا فاسد ومنتقض فإن كان استدلالا فهو فاسد بالماء الذي تغسل به اليد إلى المرفقين بعد الحدث. كل جزء من اليد يصير مطهرا بما يلاقيه، ثم ينحدر الماء إلى الجزء الذي يليه فيصير مطهرا، وكذلك في الجزء الثالث إلى المرفق، فكان ينبغي أن لا يجوز إمرار الجزء الأول، وقد صار الجزء الذي لاقاه مطهرا؛ لان ما لاقاه وصار طاهرا قد سلبه حكم تطهيره، فلما كان انحدار الماء إلى آخر اليد قبل انفصاله عنها طاهرا مطهرا علمنا انه لم يسلب حكم تطهيره، فكذلك إذا انفصل عن آخر العضو.
وإن كان ذلك قياسا فهو منتقض بهذا.
فإن قيل: لا يصير شيء من العضو مطهرا إلا بسقوط الماء على آخره.
قيل: فينبغي أن لا يصير العضو كله مطهرا إلا بغسل آخر الأعضاء؛ لأن الطهارة لا تتم إلا بالفراغ من غسل سائر الأعضاء.
فإن قيل: فإنه ماء الذنوب؛ لأن النبي ﵇ قال: (إذا توضأ تحاتت الذنوب فيه).
قيل: عن هذا جوابان:
[ ٢ / ٧٢٥ ]
أحدهما: أنه ﵇، أراد ضرب المثل، أي كما ينغسل الدرن من الثوب فكذلك تنحات الذنوب بالغسل، لا أن الذنوب شيء يمناع في الماء ولا يؤثر في حكمه، وإنما يصير المتوضئ كمن لا ذنب له، فهذه الإضافة كما نقول ماء القرآن وماء الختمة.
ثم إننا نعلم أن الذنوب تنحات مع كل جزء منه عند غسل أول جزء مس الوجه أو اليد، ثم كل ما انحدر على جزء آخر هو كذلك، فينبغي أن لا تجزئه ما مر على الجزء الأول؛ لأنه ماء الذنوب.
والجواب الآخر: هو أن ابن عمر كان يجدد وضوءه لكل صلاة، ولولا زيادة الثواب وتحات الذنوب ما فعل ذلك، ومع هذا فإن الماء الذي جدد به وضوءه يجوز الوضوء به.
هذا يلزم أصحاب الشافعي؛ لأن أبا حنيفة وأبا يوسف يمنعون الوضوء بهذا الماء، والذي يلزمهما ما ذكرناه من ملاقاته كل جزء من العضو؛ لأنه - عندهم - نجس، ونحن نعلم أنه لو كان على أول جزء من يده نجاسة فمر عليها الماء ثم وصل إلى جزء آخر من العضو نجسه ذلك الماء، فكذلك ينبغي إذا مر الماء على الجزء الأول وصار نجسا ثم مر على جزء آخر أن ينجسه، فلما حكموا بطهارته ما لم ينفصل عن آخر العضو علم أنه لم ينجس، فكذلك لا يتنجس بانقطاعه عن العضو كله.
وأيضا فإن الأصول ترد هذا، وذلك أن الثوب فيه حكمان:
أحدهما: أنه طاهر، والآخر: كونه ساترا للعورة التي به نستبيح الصلاة مع القدرة، وفي المصلي حكما: أحدهما أنه طاهر، والآخر: أنه
[ ٢ / ٧٢٦ ]
ممنوع من الصلاة إلا بالسترة، فإذا صلى زال عنه المنع، فينبغي أن يزول حكم الثوب؛ لأنه قد أباح الصلاة وأسقط حكم الفرض بالمنع، فيجب من هذا أن لا تصلي به صلاة أخرى؛ لأن حكمه قد سلب في أول صلاة، ويجب أن لا بدفعه إلى من يصلي فيها، كما يجب في الماء المستعمل، ومثل هذا يلزم في إطعام المساكين إذا أخرج في الكفارة، ثم عاد إلى المكفر إذا رتب هذا الترتيب، ويلزمهم في الأحجار التي رمى بها الجمار - وهم يجيزون الرمي بها ثانية - وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
فصل
قد دخل في جملة الكلام الرد على أبي حنيفة في قوله: إنه نجس، والمعمول منه على فصلين:
أحدهما: قوله ﵇: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)، وهذا ماء لم يغيره شيء.
والفصل الآخر: ما ذكرناه نم ملاقاة الماء الأول جزءا من اليد، لو تنجس تنجس ما بعده.
وأيضا فإن الإجماع بخلافه؛ لأنهم أجمعوا أن الإنسان غير مأخوذ عليه أن يوقي ثوبه أو بدنه من شيء يترشش عليه من الماء الذي استعمله، وقد أخذ عليه أن يتحرز من ترش البول عليه، فلو صار الماء المستعمل نجسا لوجب التحرز منه كالبول، ولما لم ينقل عن أحد من السلف والخلف التحرز منه، ولا أنه غسل ما أصابه منه علم أنه طاهر، والله أعلم.
وأيضا فقد روى شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: دخل على رسول الله ﷺ وأنا مريض وألا أعقل فتوضأ وصب علي من
[ ٢ / ٧٢٨ ]
وضوئه، وهذا نص؛ لأنه لو كان نجسا لم يصبه عليه.
وقد روى أنه أخذ من بلل لحيته ومسح به رأسه. وروي أنه مسح رأسه بفضل ماء يده.
وأيضا فإنه ماء طاهر لم يلاق نجسا أثر فيه فينبغي أن لا يكون نجسا، كالماء الذي يغسل به شيء طاهر.
وأيضا فإن الماء طاهر مطهر فمن أين تحدث النجاسة؟.
فإن قيل: هذا غير ممتنع. ألا ترى أن العبد يتزوج امرأة على أنها حرة فيستولدها، ثم تظهر أنها أماة، فإن الولد حر، فلما جاز أن يحدث الولد الحر من بين رفيقين جاز أن تحدث النجاسة من بين طاهرين.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
قيل: هذا خطأ على مذهبنا؛ لأن الولد يكون رقيقا لسيد الأمة.
وعلى أن الحرية والرق يتغير بالاعتقاد. ألا ترى أن الحر يتزوج امرأة على أنها أمة فيكون الولد - عندكم - مملوكا، ولو تزوج امرأة على أنها حرة، فكانت امة كان الولد حرا باعتقاد الحرية، وليس كذلك الطهارة والنجاسة؛ لأنه لا يتغير بالاعتقاد.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة أن النبي ﵇ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه، ولا يغتسلن فيه من جنابة)، فجمع ﵇ بين الاغتسال من الجنابة وبين البول في الماء الدائم، فلما كان البول فيه ينجسه كذلك الاغتسال فيه ينجسه.
وأيضا فإنه ماء قد أدي به الفرض فوجب أن يكون نجسا أصله الماء المزال به النجاسة.
قيل: الجواب عن الخبر من وجهين:
[ ٢ / ٧٣٠ ]
أحدهما: أنه محمول - عندنا - على الكراهية؛ لان البول إذا لم يغير الماء فالماء طاهر مطهر - عندنا - فالماء المستعمل مثله.
وعلى أنه ﵇ جمع بينهما في المنع لا في النجس.
فإن أرادوا به إذا لم يتغير الماء فهو - عندنا - طاهر فلم نسلم قولهم: إنه نجس، وإن أرادوا إذا تغير الماء فإن الفرض من إزالة النجس لم يزل، وهو باق؛ لأن النجس لا يزول حتى يغلب الماء عليه ولا يتغير الماء، فسقط هذا وبالله التوفيق.
ويجوز أن يكون كل شيء استعماله شرط من شرائط الصلاة لا يبطل حكمه عنه بمجرد الاستعمال، كالثوب يصلي فيه، والأرض يتيمم منها.
[ ٢ / ٧٣١ ]