ولا يجوز التوضؤ بماء الورد وماء الشجر، وعرق الدواب، وماء العصفر، وماء الكرش. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وكذلك نقول في ماء الزعفران.
والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة إنما هو إذا خالط هذه الأشياء الطاهرة الماء، وكانت أجزاء الماء غالبة عليها إلا أن الماء متغير اللون والطعم والريح، فلا يجوز به الوضوء - عندنا وعند الشافعي -، ويجوز - عنده - الوضوء به، وأما إن كانت أجزاء هذه الأشياء غالبة على أجزاء الماء فإنه لا يجوز به الوضوء - عندنا وعنده وعند الشافعي -.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
وقال الأصم: يجوز الوضوء بهذه المياه كلها على كل وجه.
واحتج الأصم بان ماء الورد وماء الشجر، والماء الذي من الكرش إذا نحر الجزور فأخرج الماء من كرشه مائع طاهر فهو كالماء.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وأنه على حكم الحدث حتى يقوم الدليل على سقوطه عنه.
وأيضا فإن الصلاة عليه بيقين فلا تسقط عنه إلا بدليل.
وأيضا فإن الكلأ بيننا في إطلاق اسم الماء، والإطلاق يقتضي ماء القراح، فإن نوزعنا في هذا، قلنا: قد ثبت أن حالفا لو حلف لا
[ ٢ / ٧٦٥ ]
يشرب ماء فشرب ما ورد لم يحنث، ولو شرب ماء الشجر، وماء الخلوق، وحلف أنه لم يشرب ماء لكان صادقا. ولو أمر غلامه أن يشتري له ماء ورد، فاشترى له ماء القراح لعصى وحسن منه تعنيفه وتوبيخه، ولو أمره أن يشتري له ماء، فاشترى ما ورد لكان مخالفا، فلو كان يطلق عليه اسم الماء، كماء القراح لجاز استعماله مع وجود ماء القراح. ولا أظنهم يقولون هذا، فإن قالوه فما قدمنا فيه كفاية.
ولنا أن نستدل بقوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، والطهور هو الطاهر في نفسه والمطهر لغيره، وقد دللنا عليه قبل هذا فيما مضى من المسائل، فلما خص الماء بهذه الصفة الزائدة وجب أن يكون مخصوصا بالحكم دون غيره.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، فنقلنا من الماء المطلق إلى التيمم من غير واسطة.
وأيضا فإن النبي ﵇ والصحابة ﵃ كانوا يسافرون ويتعذر عليهم الماء، ومعهم أنواع من المائعات، مثل ماء الورد والخل وغير ذلك، فلم ينقل عن أحد منهم أنه توضأ بها، فعلم أنهم لم يفعلوا ذلك؛ لأنه لا يجوز.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وأيضا فإن النبي ﵇ توضأ بماء القراح، وقال: (هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)، فلا يجوز الوضوء إلا بمثل ما توضأ به إلا أن يقوم بدليل.
وأيضا فإن النبي ﵇ قال لابن مسعود: (هل معك ماء؟). فقال: لا، ولكن معي نبيذ، فلو كان ينطلق اسم الماء على النبيذ لم يقل: لا. ولكان النبي ﵇ ينكر ذلك عليه.
فإن قيل: جميع ما ذكرتموه مخرج على العرف ولم يخرج عن أصله في الماء.
قيل: فإذا كان العرف قد جرى بهذا على ما تقولون فما تريد أكثر منه؟، فما خاطبنا الله - تعالى - على هذا الحساب إلا بما جرى به عرفنا.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
فإن قيل: فإن الله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء﴾، وقال النبي ﵇: (أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت)، ولم يخص ماء من ماء، ومن معه ماء ورد فهو واجد الماء، وليس إضافته إلى الورد بمخرج له عن الاسم، وهذا كما نقول: ماء دجلة وماء الفرات، وماء النهر، وماء الجب، وماء البئرة، وما أشبه ذلك، ومنزلة هذا: منزلة من حلف - عندكم - أن لا يأكل خبزا، فأكل خبزا وجبنا أو خبزا وملحا فإنه يحنث، ولا تكون إضافة الخبز إلى غيره بمخرج له عن اسم الخبر فكذلك هذا.
وأيضا فإننا رأينا الله - تعالى - يجري الماء في أوعية، فتارة يجريه في عين، وتارة في بئر، وتارة ينزله من السماء، وتارة يجريه في الشجر وعروقها، فلا ينبغي أن يخرج عن إطلاقه، وقد قال - تعالى - ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض﴾، وقال - تعالى -: ﴿فسلكه ينابيع في الأرض﴾، فكذلك يسلكه في الشجر وغيرها، فلا يخرج ذلك عن إطلاقه.
قيل: أما قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، وقوله ﵇: (أحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء)، فهو حجة لنا؛ لأن إطلاق اسم ماء لا يقع على ماء الورد، ولا يعقل منه ذلك لغة ولا شرعا، وأما إضافة الماء إلى قراره فلا معتبر به؛ لأن الإنسان إذا أخذه
[ ٢ / ٧٦٨ ]
في يده للوضوء تناوله اسم ماء مطلق، وإذا نقل من قراره إلى قرار آخر انتقلت الإضافة من القرار الأول إلى القرار الثاني، فالماء الذي كان في دجلة هو الماء الذي في الجب، ويقال ماء الجب بعد أن كان يقال فيه ماء دجلة، وهو مع هذا في الجب يقال: ماء دجلة، فإضافته إلى قراره لا تؤثر فيه، وليس كذلك ماء الورد؛ لأنه مضاف صفة لازمة له مؤثر فيه؛ لمخالطته ما هو من غير جنس قراره، وإنما هو لشيء حل فيه فغلب عليه، فحيثما نقلته وفي أي إناء تركته قيل: ماء ورد.
وأما الذي حلف ألا يأكل خبزا فأكل خبزا وجبنا فإنما حنثناه بأكله الخبز؛ لأن الأيمان تخص بالعرف.
وعلى أننا حنثناه بأكله الخبز، وأكله لشيء آخر معه لا يضر؛ لزن عين الخبز متميزة من الجبن، فاسم الخبز الخبز منطلق عليه، فعروضه لو حلف لا شرب ماء، فشرب ماء فيه ورق الورد لحنث؛ لأنه شرب ماء ووردا والماء مميز عن الورد، وليس كذلك إذا حلف ألا يشرب ماء، فشرب ماء ورد فرنه لا يحنث.
وأما قولهم: إن الله - تعالى - يجري الماء في أوعية، فقد أجراه في الشجر وعيدانه، كما أجراه في الأرض، فإننا نقول: إن الله - تعالى - جعل الأرض قرارا للماء، وهو متميز عنها، فلم يكن للأرض فيه حكم أكثر من استقراره فيها، وهو مشاهد كما يشاهد في الجب
[ ٢ / ٧٦٩ ]
والجرة وغير ذلك؛ لأنه لا ينفك مع إطلاقه من قرار يحل فيه، فما دام الاسم ينطلق عليه من غير شيء يحل فيه من غير قراره فيؤث فيه فهو المأمور بالوضوء به؛ لأن الأمر ورد بماء هذه صفته وقد بينا أن ماء القراح حيث حل، قيل له: ماء القراح، وماء الورد وماء الشجر حيث حل، قيل: ورد وماء الشجر.
وعلى أن الإضافة على ضربين: إضافة حقيقة - وهي المخالطة، وإضافة سمة وعلامة. فإضافة السمة والعلامة لا تغير الماء؛ لأنها لا تتغير عليه، كما ذكرنا وهو بحاله، فحيثما نقل أضيفت إلى ما نقل إليه سمة وعلامة، وهو بحاله، كما يقال ماء زيد، ثم ينتقل ملكه إلى عمرو فيقال: ماء عمرو، وليس كذلك ماء الورد وماء الشجر للتأثير في عينه، فهي إضافة حقيقة حيثما نقلته لم يتغير اسمه عن الإضافة المؤثرة وإن لحقته إضافة السمة، وهات ماء الورد الذي في القنينة.
وقياسهم على الماء بعلة أنه مائع طاهر فإننا نقول المعنى في الماء أنه مخصوص بالصفة فكان مخصوصا بالحكم.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
فصل
قد مضى في جملة الكلام على الأصم ما يلزم أبا حنيفة في الماء إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه من الورد أو الزعفران وإن كانت أجزاء الماء غالبة لأجزاء تلك الطهارات وأنا أفرد الكلام عليه.
فالدليل لقولنا: كون الإنسان على جملة الحدث، وكون الصلاة عليه بيقين فلا تقسط إلا بدليل.
وأيضًا قوله - تعالى -: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾، وقوله: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، وقوله - تعالى - ﴿وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾، فأطلق - تعالى - اسم الماء في هذه المواضع، وهذا فقد زال عنه إطلاق الماء حتى صار مقيدًا بصفة مما حل فيه.
يدل على ذلك: أنه لو أمر غلامه بشراء ذلك، فجاءه بماء القراح عصاه، وحسن تعنيفه له، ولو قال له: اشتر لي ماء، وأسقني ماء، فجاءه بهذا الماء المتغير حسن تعنيفه له، وكان الغلام عاصيًا بذلك.
وأيضًا قول النبي ﷺ لابن مسعود: "هل معك ماء؟ " فقال: لا، ولكن معي ماء نبذت فيه تمرًا. فلو كان اسم الماء في الإطلاق يتناوله لم يقل: ليس معي ماء. لكان النبي ﷺ ينكر عليه، ويقول: هذا ماء، وهو
[ ٢ / ٧٧١ ]
أحسن حالًا من ماء الزعفران الذي قد تغير طعمه ولونه وريحه.
وأيضًا فقد اتفقنا على أن أجزءا الزعفران إذا غلبت على أجزاء الماء خرج الماء عن إطلاقه، ولم يجز الوضوء به، والعلة في ذلك: أنه ماء بان فيه لون الزعفران.
وأيضًا فقد وافقونا على أن الماء الباقلاء المطبوخ لا يجوز التوضؤ به، وفيه من غلبة الماء مثل ما في الزعفران.
ولنا القياس على نبيذ الزبيب؛ بعلة أنه ماء خالطه شيء يستغني عنه، وينفك منه غالبًا، بان لونه أو طعمه فيه.
وأيضًا فإن الدموع والعرق لا يجوز الوضوء به، العلة فيه أنه مائع لا يعد للعطش، فكذلك ماء الزعفران الذي اختلفنا فيه.
فإن قيل: فإن إطلاق الاسم هو الأصل، والتقييد داخل عليه، كما أن الأصل هو التخفيف، والتثقيل داخل عليه، والأصل التذكير، والتأنيث داخل عليه، والأصل الحقيقة، والمجاز داخل عليه؛ لأن واضع اللغة لا يضع التقييد، وإنما يضع الاسم لجملة أشياء، يتقيد في بعضها بقلة الاستعمال، ويصير مطلقًا في بعضها لكثرة الاستعمال، فصار التقييد داخلًا في الوضع،
[ ٢ / ٧٧٢ ]
فمدعيه يحتاج إلى دلالة، كمدعي المجاز.
قيل: إنما يرجع في هذا إلى وضع اللغة، فما كان مطلقًا منها فهو معروف، وما قيدوه خرج عن الإطلاق، وقد قيدوا في مسألتنا فقالوا: ماء الخلوق، وماء الزعفران، وماء الأشنان، وماء الباقلاء، فعرف من قولهم هذا خلاف ما يعقل من قولهم ماء غير مقيد، وكذلك يعقل من قولهم ماء نجس، وماء مستعمل، وماء مشمس، وماء مغلي ما يعقل من قولهم ماء مطلق، فليس يحتاج في هذا إلى دلالة أكثر من تقييدهم.
ثم إن الشريعة بعد ذلك ميزت أحكام ما قيدوه، فما كان من المقيد بصفة لم ينفك منها، أو لم يؤثر في عينه شيء حل فيه أجرته مجرى المطلق. وما أثر فيه مما حل فيه وليس من قراره. فما كان طاهرًا حصل الماء طاهرًا غير مطهر، وما كان نجسًا حصل الماء غير طاهر ولا مطهر.
فإن قيل: فإن ما تغير لونه بالزعفران يقال: إنه ماء وقع فيه زعفران، فيوصف أنه محل له، وهذا لا يؤثر في إطلاق الاسم، مثل وقولهم: ماء وقع فيه ثوب. ولا يجوز أن يقال له: ماء الزعفران؛ لأن هذا الوصف لما اتخذ من الزعفران، كما يقال: ماء الفاكهة لما اتخذ منها، ولا يقال لما وقع فيه شيء من الفاكهة: إنه ماء الفاكهة، فكذلك إذا وقع ورد فاكتسب به رائحة لا يقال: إنه ماء الورد. وإذا كان إطلاق الاسم بحاله تناوله قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾، وقوله:
[ ٢ / ٧٧٣ ]
" التيمم طهور المسلم ما لم يجد الماء"، وهذا واجد له.
قيل: إذا وقع الزعفران في الماء فهو على وجهين: إن لم يؤثر في صفاته قيل: هذا ماء قد وقع فيه زعفران؛ ليعلم من لم يعلم بذلك، وإن أثر فيه علم من طريق المشاهدة أنه ماء الزعفران، وقيل: ماء الزعفران، وهذا كما يقع فيه نجس ولا يؤثر في طعمه ولا ريحه ولونه فيقال: هذا ماء وقعت فيه نجاسة؛ ليعلم ذلك من لم يعلمه، وإذا تغير بلون أو طعم أو ريح قيل: هذا ماء نجس وإن لم يكن مستخرجًا من النجاسة وإنما حلت فيه نجاسة أثرت فيه.
فتأثير الزعفران في الماء كتأثير النجاسة في الماء، وإن كان هذا نجسًا وذاك طاهرًا. وكذلك الثوب إذا وقع في الماء، فإن طال مكثه فيه حتى غير طعمه ولونه وريحه كان مضافًا كماء الزعفران، وإن لم يطل مكثه فيه ولم يتغيره فهو كالزعفران إذا لم يؤثر فيه، وكذلك ماء الفاكهة، وهذا كما الباقلاء ليس هو شيئًا استخرج من الباقلاء، وإنما الباقلاء غيره لما حل فيه.
فإن جوزوا الوضوء بماء الباقلاء فالكلام على الجميع واحد، وهم يجوزون الوضوء بماء الباقلاء الني إذا بيتوه فيه، ولا يجيزونه بماء الباقلاء المطبوخ، ولا يختلف أهل اللغة في تسمية ماء الباقلاء بهذا الاسم، وإن كان الباقلاء حل فيه، فكذلك ماء الزعفران إذا أثر فيه، وإذا كان هذا هكذا لم يتناوله قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماءً
[ ٢ / ٧٧٤ ]
فتيمموا﴾؛ لأن هذا ماء مطلق، وذاك ماء مقيد بالزعفران كما الباقلاء.
فإن قيل: فإننا نفرض الكلام في الماء إذا خالطه الأشنان فغير طعمه ولونه، فنقول: هو ماء خالطه ما يحصل به الإنقاء فلا يكون تغيير لونه مانعًا من جواز التوضؤ به مثل الطين.
قيل: هو فاسد بماء الصابون وماء الباقلاء: فإن الإنقاء يقع بالباقلاء المطحون ويقع بالصابون. فإن جوزوا هذين قلنا: المعنى في الطين أنه من قرار الماء الذي لا ينفك منه غالبًا، وله مدخل في الطهارات عند التيمم، فكأنه من جنسه.
على أن ما ذكروه ينتقض به إذا كانت أجزاء الزعفران غالبة على أجزاء الماء.
فإن قيل: المانع ههنا هو غلبة الأجزاء لا التغيير.
قيل: قوة الأجزاء هي المغيرة، وإنما يزيد في التغيير في الطعم واللون والريح، وأول جزء يصل به التغيير هو المؤثر ولا اعتبار بماء زاد عليه. ألا ترى أن النجاسة إذا غيرت طعم الماء ولونه وريحه كان الحكم لها ولم يؤثر فيه تزايد النجاسة وقوتها في التأثير، فكذلك في الزعفران.
فإن قيل: إن كل تغيير حاصل في الماء يمنع جواز الوضوء به فإنه لا يختلف حكم المجاورة والمخالطة، يدلك عليه: اعتبار النجاسات، وفي
[ ٢ / ٧٧٥ ]
اتفاقهم على أن العود متى غير رائحة الماء لم يمنع من استعماله دلالة على أن مخالطته لا تمنع أيضا.
وأيضا فلو تغير الماء بمكثه في بقعة لم يمنع ذلك جواز الوضوء به، فكذلك إذا حصل بحادث، دليله الماء العذب إذا تغير بالملح.
أيضا قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث بمنزلته. أصله الملوحة.
قيل: قولكم: إن كل تغيير يمنع جواز الوضوء لا يختلف حكم المجاورة والمخالفة كالعود يقع في الماء، فإننا نقول: العود إذا نقع في الماء حتى يتغير ريح الماس لم يجز الوضوء به، وإن لم يتغير جاز، وهذا كالنجاسة اليابسة إذا وقعت في الماء، وأخرجت ولم تغيره فهو طاهر مطهر، وإن أثرت في ريحه لم يجز الوضوء به.
على أن صفة المجاورة ليست هي بشيء تحل فيه ولكن الماء لو كان في إناء، مجاورا لشيء طيب، أثر ريح ذلك في الماء لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل فيه من جسم الطيب شيء، وكذلك لو كان الماء في
[ ٢ / ٧٧٦ ]
إناء، والإناء مجاور لشيء فيه نجس له ريح، فأثر ذلك في ريح الماء المفرد في الإناء المجاور له لم يمنع الوضوء به؛ لأنه لم يحل من جسم النجاسة فيه شيء.
وقولكم: لو تغير الماء بمكثه لم يمنع جواز الوضوء به فكذلك إذا حصل بحادث منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته.
وكذلك قولكم: إن الماء قد يكون متغيرا في أصل خلقته فوجب أن يكون الحادث بمنزلته كالملوحة، فإنه أيضا منتقض بحلول النجاسة فيه إذا غيرته.
على أن الملوحة إن كانت من ملح طرح فيه حتى يغير طعمه فلو قلنا: لا يجوز الوضوء به لم تكن لكم حجة، ثم لو جوزناه لكان الملح من جنس الأرض؛ لأن التيمم يجوز عليه، فهو كالطين والرمل الذي هو من الأرض، لأن الملح من السباخ.
ويجوز أن يحتج في أصل المسألة بقول النبي ﷺ: (خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه)، والاستدلال به من وجهين.
أحدهما: أن النجس في اللغة هو المبعد، فكأنه قال: الماء لا يبعده إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه، فينبغي أن يكون هذا الماء مبعدا لما غيره، وما يتوضأ به لا يكون مبعدا.
والوجه الآخر: هو أنه ﵇ نبه على أن الشيء الذي يحل في الماء فيغيره له تأثير في منع الوضوء به؛ لاتفاقنا على أن أجزاء الطاهرات
[ ٢ / ٧٧٧ ]
إذا غلبت على أجزاء الماء كان كغلبة أجزاء النجاسة لأجزاء الماء فينبغي أن يكون الحكم فيها إذا غير الماء واحدا، والله أعلم.
فإن قيل: فإنه طاهر غلب على الماء ولم يخرجه عنه طبعه فجاز الوضوء به. أصله الماء إذا تغير بالورق أو الطحلب أو بالطين أو الحمأة.
قيل: المعنى فيه أنه ماء غلب عليه ما ليس بقرار له مما ينفك منه الماء غالبا، وليس كذلك ما حصل فيه طحلب وطين فقد تعارضت العلتان.
ولنا أن نرده بهذه العلة إلى أصل آخر، وهو ماء الباقلاء المطبوخ.
ولا يلزم على علتنا الماء الذي يغريه الطحلب والطين والحمأة وما تساقط فيه من ورق الشجر؛ لأن الماء لا ينفك بهذه الأشياء غالبا، ولا يمنكن التحرز منها، وإذا تعارض القياسان أولى؛ لشهادة الأصول فيه كل شيء يحل في الماء مما ينفك منه غالبا، فلا فرق بين أن يغيره بتزايد أجزائه على أجزاء الماء أو بتزايد الماء عليه ولا فرق بين ماء الباقلاء الني والمطبوخ، كالماء الذي تحل فيه النجاسة فتغيره فلا فرق بين تزايد أجزائها على أجزاء الماء، وبين تزايد أجزاء الماء على أجزائها، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٧٧٨ ]