والذكاة تعمل في سائر السباع إلا الخنزير. وإذا ذكي سبع من السباع فجلده طاهر يجوز أن يتوضأ فيه، ويجوز بيعه وإن لم يدبغ، والكلب منها، وبه قال أبو حنيفة، وأن جميع أجزائه من لحم وجلد طاهر إلا أن اللحم - عنده محرم أكله -، - وعندنا - مكروه.
وقال الشافعي: إن الذكاة لا تعمل في السباع، وإنها إذا ذكيت صارت ميتة لو ماتت.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿وما أكل السبع إلا ما ذكيتم﴾، وبين النبي ﵇ الذكاة فقال: (الذكاة في الخلق واللبة)، فعم الله - تعالى -
[ ٢ / ٩٠٨ ]
كل ما ذكي، وبما بين النبي ﵇ أن الذكاة - التي هي الشق في اللغة - إنما في الشرع في الحلق واللبة لم يخص حيوانا نم حيوان، فهو عام في الأنعام والسباع وغيرها إلا ما خصته الدلالة.
وأيضا فإن النبي ﵇ قال: (دباغ الأديم ذكاته)، وروي: (ذكاة الأديم دباغه)، فأعلمنا في الخبر الأول أن دباغ الأديم كذكاته، فلولا أن الذكاة تعمل لم يشبه الدباغ بها. وقال: (ذكاة الأديم دباغه)، فأقام الذكاة مقام الدباغ لها، وأنها تعمل عمله، فلما كان الدباغ يعمل في ذلك كانت الذكاة كذلك.
ويدل على ما نقوله: أن الدباغة بدل من الذكاة؛ بدليل أن الشاة الذكية لا يحتاج جلدها إلى دباغ يطهره، وإذا عدمت الذكاة وحل الموت أقيمت الدباغة في تطهير الجلد مقام التذكية، فإذا كانت الدباغة بدلا من الذكاة فهي فرع لها، ومن المحال أن يعمل الفرع ولا يعمل الأصل الذي هو أقوى منه في التطهير. ألا ترى أن التيمم الذي هو بدل الوضوء يبيح الصلاة ويرفع الحدث.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
ولنا أن نقول: هو جلد يطهر بالدباغ فوجب أن يطهر بالذكاة. أصله ما يؤكل لحمه.
فإن قيل: جلد الميتة - عندكم - لا يطهر بالدباغ.
قيل: يطهر ثم صفة الطهارة هي على وجه دون وجه، وعلتنا تنتظم أنه يطهر، وقد صحت، ولنا رواية أخرى أنه يطهر على كل وجه.
فإن قيل: فقد قال - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، وقال ﵇: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا ميتة؛ لأن الذكاة لا تبيح أكل لحمه فيصير كذبح المجوس والمحرم.
قيل: جميع ذلك دليل لنا؛ لأن الله - تعالى - حرم الميتة واستثنى منها ومما ذكر معها المذكي، فقال: ﴿إلا ما ذكيتم﴾. معناه: لكن ما ذكيتم؛ لأن هذا من الاستثناء المنقطع، فلما استثنى المذكي صار قوله - تعالى - ﴿إلا ما ذكيتم﴾ خارجا من حكم الميتة، ولو كان ميتة لكان حراما.
وكذلك نقول في قول النبي ﷺ: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء): إن
[ ٢ / ٩١٠ ]
هذا خارج عن حكم الميتة، داخل في قوله: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، فقد صار لنا من قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، ومن قوله ﵇ دليل الخطاب في أن غير الميتة ليس بمحرم علينا؛ لأن ما عدا المذكور بخلافه.
فإن قيل: الاسم لا دليل له.
قيل: - عندنا - له دليل كدليل الصفة.
فإن قيل: إنها ذكاة لا تفيد جواز الأكل فوجب ألا تفيد الطهارة أصله ذكاة المجوسي، وذكاة الخنزير. وعكسه ذكاة ما يؤكل لحمه لما أفادت جواز الأكل أفادت الطهارة.
قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنها تعمل في لحم السبع، وإنما أكله مكروه، إن أكله إنسان أساء ولم يعص، وإنما يلزم أصحاب أبي حنيفة.
وعلى أن أصحاب أبي حنيفة أيضا يقولون لحمها مباح ولكنهه ليس مما يؤكل؛ لأن اللحم - عندهم - طاهر بالذكاة كالجلد.
فأما المجوسي فلا فرق في تذكيته بين ما يؤكل لحمه أو لا يؤكل؛ لأنه ليس من أهل التذكية، ولا تلزمنا ذكاة المحرم للصيد؛ لأنه ممنوع من حال دون حال. ألا ترى أن ذكاته صيدا يؤكل لحمه بمنزلة مالا يؤكل لحمه، وقد اتقنا على أن غير المحرم تعمل ذكاته فيما يؤكل لحمه فجاز أن يعمل في السباع غير الخنزير.
ويجوز أن نقول: السبع والكلب بهيمة يجوز تمليكها بالوصية
[ ٢ / ٩١١ ]
والميراث فأشبها الشاة، ولا يلزم عليها الخنزير؛ لأن تمليكه لا يجوز.
وأيضا فإنه حيوان لا حرمة له أبيح الانتفاع بعينه من غير ضرورة فأشبه الضبع.
ولأنه بهيمة أبيح إمساكه واقتناؤه فأشبه ما يؤكل لحمه.
ولنا أن نفرض المسألة في أن الذكاة تصح في الحمار فنقول: لما جاز أن يطهر جلده بالدباغ أن تعمل فيه الذكاة بالذبح، أصله الشاة والبقرة.
وأيضا فإن الدباغة هي الذكاة الثانبة تقوم مقام الأول في حال الفوات، فإذا جاز أن تؤثر الدباغة في جلد فلأن تؤثر فيه الذكاة أولى.
وأيضا فإن الحمار والبغل حيوان مختلف في جواز أكل لحمه فأشبه الضبع.
فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن افتراش جلود السباع، وهذا عموم، سواء ذكي أو لا.
قيل: هو محمول على غير المذكي؛ بدليل قوله - تعالى -: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، وبما ذكرناه من القياس.
فإن قيل: فإن الذكاة إخراج روح لا تعمل في إباحة لحمه بحال فوجب أن لا تعمل في تطهيره، مثل ذكاة المجوسي.
قيل: هي تعمل في إباحة لحمه، وإنما نكرهه كما نكره أكل الضبع، وإن كانت الذكة تعمل فيه - عندنا وعندكم -.
[ ٢ / ٩١٢ ]
وعلى أنها تعمل في إباحة لحمه أيضا، لأن من اضطر إلى أكل لحم الكلب والحمار جاز له ذبحه وأكله بعد الذبح فقد فسد قولكم.
فأما المجوسي فالمنع في ذكاته لأجل دينه، ولهذا المعنى استوى حكمه فيما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وفي مسألتنا نرجع إلى المذبوح فالأمر فيه مختلف. ألا ترى أن ذبح ملك الغير بغير إذنه لما كان النهي عنه يعود إلى نفس المذبوح دون غيره لم تمتنع الذكاة فيه، وكذلك النهي متى توجه إلى الآلة، مثل السكين المغصوبة كان أخف منه إذا توجه إلى غيرها، فلم يجز قياس أحد الموضوعين على الآخر، وكذلك المحرم منع من ذكاة الصيد بمعنى فيه من جهة الدين، وفعل غيره أخف من فعله.
فإن قيل: ليست الذكاة من الدباغة في شيء؛ لأن الدباغة تصح ممن لا تصح منه الذكاة، والذكاة تصح في موضع لا تصح فيه الدباغة، والدباغة تصح في موضع لا تصح فيه الذكاة، ويعتبر في الذكاة صفة المذكي والآلة والموضع.
قيل: هذا لا دلالة فيه؛ لأن اختلافهما لا يمنع من تساوي حكم الذكاة والدباغ في حكم جلد ما يؤكل لحمه؛ إذ لا فرق بين أن يذكي ويطهر، وإن مات دبغ وطهر.
ولأن الذكاة على ضربين: أحدهما: في السمك، وهي تحصل بأخذه ولا تعتبر فيه الآلة ولا الموضع ولا صفات الآخذ له، وذلك كله معتبر في الذكاة التي هي الذبح، ولم يكن اختلافهما مانعا من تأثيرهما في إباحة الأكل، فكذلك مخالفة الدباغة للذكاة في هذه الوجوه لا يمنع تساويهما في حكم التطهير، والله أعلم.
[ ٢ / ٩١٣ ]