شعر الميتة وصوفها ووبرها طاهر - عندنا - وليس مما يحله الموت، وسواء كان مما لا يؤكل لحمه أو مما يؤكل لحمه، كشعر ابن آدم، وشعر الكلب والخنزير طاهر في الحياة والموت جميعا.
وبه قال أبو حنيفة، ولكنه زاد علينا فقال: القرن والسن والعظم مثل الشعر. قال: لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها فلا تنجس بموت الحيوان.
وقال الحسن البصري والليث بن سعد الأوزاعي: إن الشعور كلها نجسة، ولكنها تطهر بالغسل.
وعن الشافعي ثلاث روايات:
أحدهما: أن الشعور كلها تنجس بالموت.
والثانية: أنها كلها طاهرة كقولنا.
والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر، وأن ما عداه نجس.
[ ٢ / ٩١٥ ]
والدليل لقولنا: كونه طاهرا قبل موت الحيوان، فمن زعم أنه قد انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل.
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها بوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين﴾، فمن الله - تعالى - علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها، ولم يخص شعر الميتة من الذكاة، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل.
فإن قيل: لا دلالة لكم في هذه الآية من وجوه.
أحدهما: أنه - تعالى - قرن ذكر الأصواف والأوبار والأشعار بالجلود كقوله: ﴿وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا﴾، وأنتم لا تجيزون هذا في جلد الميتة، فكذلك في الباقي، فصار المقصود منها إذا ذكيت جاز الانتفاع بالجميع.
ووجه آخر: وهو أنه - تعالى - قال: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، اسم للجملة ولكل جزء منها، فوجب أن تكون الجملة وكل جزء منها
[ ٢ / ٩١٦ ]
محرما؛ لأنه صريح في الميتة، بل هو عموم فصار ذكر الميتة قاضيا عليها؛ لأنها أخص منها.
وأيضا قوله: ﴿ومتاعا إلى حين﴾، والحين غير معلوم مدته، فصارت الآية مجملة تفتقر إلى بيان، فلا يصح الاحتجاج بها حتى يثبت تفسيرها.
وأيضا فإن الحين متردد بين زمانين فيكون المراد به حال الحياة إلى حين الممات؛ لأنه يقال: قد حان حينه، إذا جاء الموت، فكأنه قال: ما دامت حياته.
قيل: الجواب عن هذا أيضا من وجوه:
أحدهما: أن قولكم: إنه - تعالى - قرن ذكر الصوف والوبر والشعر بالجلد لا يقدح في الاستدلال بالعموم، ثم تقوم دلالة على إخراج الجلد.
ثم إنه ينقلب عليكم؛ لأنكم تجوزون الانتفاع بالصوف والشعر في حال الحياة، ولا تجيزونه في الجلد إذا أخذ فيحال الحياة، فنحن وأنتم في هذا سواء. وأما حال الممات فأنتم تدبغون الجلد وتنتفعون به، ولا تنتفعون بالصوف والشعر، فقد فرقتم بين ذلك وبين الجلد في الحياة والممات وإن كان الله - تعالى - قد امتن بهما جميعا، وقد اتفقنا جميعا على جواز الانتفاع بالجميع مع الذكاة، والانتفاع بالصوف والشعر دون الجلد في الحياة، وبقيت حال الممات فأجزتم الانتفاع بالجلد إذا دبغ ومنعتم من الصوف والشعر، وأجزنا نحن الانتفاع بالشعر والجلد في الحال التي امتن الله - تعالى - علينا؛ لأن الجلد
[ ٢ / ٩١٧ ]
إذا دبغ جاز أن نتخذ منه بيوتا نستخفها يوم ظعننا ويوم إقامتنا، وإنما تمنع من بيعه على إحدى الروايتين كما تمنعون من أكلة، وننتفع بالصوف والشعر كما كنا ننتفع به في حال الحياة، وصرنا أسعد منكم؛ لأن الامتنان من الله - تعالى - لم يفرق فيه بين الحياة والموت، وصار المباح من الآية الانتفاع بالجلد في حال الذكاة، وبالدباغ في الموت، وحصل الانتفاع بالصوف والشعر على كل حال في الحياة والذكاة والموت، كما جاز الانتفاع به في حال الحياة وإن لم يجز ذلك في الجلد، فيكون هذا أبلغ وأعظم في الامتنان لكثرة المنفعة به.
وقولكم: إن الميتة تتناول الجملة وكل منها، وأنه نص في ذكر الميتة، ولا ذكر للميتة في الآية الأخرى، وأن تخصيص الميتة يقضي عليها فإننا نقول: إن قوله - تعالى -: ﴿ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها﴾ تخصيصا لذكر الصوف والشعر، وليس في ذكر الميتة تخصيص لذلك، فقد حصل معنا خصوص في ذكر الصوف والوبر والشعر، وحصل في الآية التي معكم خصوص ذكر الميتة، فصار خصوص آيتكم يقضي على عموم آيتنا، وخصوص آيتنا يقضي على عموم آيتكم، فننظر أينا أولى. فوجدنا النص ورد بذكر الصوف والوبر والشعر الذي فيه اختلفنا، وليس في آيتكم ذكره صريحا، والخلاف حاصل في الشعر هل يحله الموت أو لا؟، فاستعمالنا أولى.
ويقوي استعمالنا أيضا أن النبي ﷺ قال: (ما قطع من حي
[ ٢ / ٩١٨ ]
فهو ميت لا يجوز الانتفاع به وإن دبغ، وأن الشعر إذا قطع في حال الحياة فليس بميت، ويجوز الانتفاع به، فإذا كان طاهرا في الحال التي لو قطع فيها الجلد كان نجسا فطهارته وجواز الانتفاع به في الحال التي يجوز فيها الانتفاع بالجلد إذا دبغ أولى.
[ ٢ / ٩١٩ ]
وقولكم: إن الحين يصير في حيز المجمل ليس كذلك؛ لأن الناس اختلفوا في الحين. فقال بعضهم: هو سنة؛ لقوله - تعالى -: ﴿تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها﴾، وقال بعضهم: هو عموم في كل زمان، فلا يسقط التعليق به، وإنما أراد الله - تعالى - بقوله: ﴿ومتاعا إلى حين﴾ أي أنكم تنتفعون به مدة من الزمان، ولكنه لم يعينه؛ لأن استعمال الناس له يختلف على حسب حاجتهم إليه، ويختلف فيما له يستعمل أيضا، ولو قال - تعالى -: إني جعلت لكم ذلك لتنتفعوا به كلما احتجتم إليه لما صار هذا في حيز المجمل. ألا تراه قال: ﴿تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم﴾، وليس لظعننا ولا إقامتنا وقت معلوم، فليس هذا في حيز المجمل.
وقولكم: إن الحين يتردد بين زماننين فنصرفه إلى حال حياة الأنعام حتى يحين الموت فإنه غلط؛ لأنه الله - تعالى - امتن علينا باستعماله، ولم يفرق بين حياتنا نحن أو حياة الأنعام، فيجوز أن نستعمله إلى أن نموت نحن، كما يجوز استعماله إلى موت الحيوان.
وعلى أنه أيضا من وجه آخر؛ لأن قولكم يدل على أننا إذا جوزناه في حال الحياة فلا نستعمله إلا ما دام الحيوان حيا حتى إذا مات لم نستعمله، وهذا لا يقوله أحد.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
وعلى أننا لا نسلم أن الصوف والشعر يقع عليهما اسم ميتة حقيقة وإن تناول الجملة فإنما يتوجه إلى اللحم والجلد والعظم.
فإن قيل: قد يقول الإنسان: رأيت ميتة، وإنما رأى الشعر الحائل. ويقول: مسست الميتة، ولم يمس إلا الشعر، فدل ذلك على أن الميتة يتناول الجمع.
ويدل على أن الميتة اسم لجميع الجملة: أن الجملة إذا فرقت لا يقال لها ميتة، وإنما يقال: لحم الميتة، وجلد الميتة، ورجل الميتة، فدل على ما ذكرناه.
قيل: أما قول الإنسان: رأيت الميتة، وإنما رأى الشعر الحائل، ويقول: مسست الميتة، ولم يمس إلا الشعر فإنه لا يدل على حقيقة. ألا ترى أنه لو رآها مسلوخة من الجلد جاز أن يقول: رأيت الميتة، ولو مسها مسلوخة قال: مسست الميتة، وفي الحقيقة لو مس الشعر دون الجلد لقال: مسست شعر الميتة، وإنما الحقيقة تتناول الجملة سواء كان عليها شعر أم لا.
فإن قيل: ما ذكرتموه من المساواة في استعمال الآيتين من قوله - تعالى -: ﴿ومن أصوافها وأوبارها﴾ فلنا نحن الترجيح؛ لأن آيتنا في ذكر الميتة قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وآيتكم قصد بها الامتنان وعدد النعمة علينا، والآيتان إذا تقابلتا وقصد بأحدهما تحريم العيان التي وقع فيها الاختلاف وقصد بالأخرى غير ذلك، كان ما قصد به بيان التحريم والتحليل أولى، كما نقول في قوله - تعالى -:
[ ٢ / ٩٢١ ]
﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم﴾، وفي قوله - تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ كل واحد منها عام من وجه خاص من وجه، فكان تقديم قوله - تعالى -: ﴿حرمت علكم أمهاتكم﴾ أولى؛ لأنه قصد بها بيان الأعيان المحرمة، وقصد بقوله: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ بيان العدد الذي يحل ولا يحل.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ يفيد تحريم ما يموت، والشعر لا يحله الموت، وإنما ينقطع نماؤه بموت ما يموت فلم نسلم لكم أن الشعر ميتة. ألا ترى - تعالى - استثنى في الميتة فقال: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾، والضرورة تدعو إلى أكل الميتة، والشعر لا يؤكل، فثبت أن الميتة اسم لما عدا الصوف والشعر، وحصل النص في الامتنان بالصوف والشعر عاما، فلا يقضي عليه، فلا يخصه ذكر الميتة.
والجواب الآخر: هو أن الامتنان أيضا يقع بالانتفاع بالأعيان كما يقع تحريمها، فما أمكننا أن نحس موضع النعمة والمنة فهو أولى، وقد بينا أن المنة في سعة استعماله أولى، يشهد لما قلناه: التفرقة بينه وبين الميتة في حال حياة الحيوان فإن الشعر ينتفع به، وجلد الحية لا ينتفع به، وهو ميتة، والمنة في الشعر قد أباحته بخلاف الجلد، ولم يقضوا
[ ٢ / ٩٢٢ ]
بتحريم الجلد الذي هو ميتة في حياة الحيوان على الشعر الذي حصل به الامتنان، فكذلك لا يقضي بتحريم الميتة في حال الموت على الشعر الذي وقع الامتنان به.
ويدل على صحة قولنا أيضا: ما روي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ، ولا بأس بصوفها ووبرها وشعرها إذا غسل بالماء)، وهذا نص، فسقط معه كل ظاهر وقياس، وقوله ﵇: (لا بأس) أي لا ضيق ولا حرج.
فإن قيل: هذا الحديث لا يصح، ولو صح لكان السؤال عليه م وجهين.
أحدهما: أن قوله ﵇: (لا بأس) لا يفيد الطهارة ورفع النجاسة كما روى البراء بن عازب أن النبي ﵇ قال: (لا بأس ببول ما أكل لحمه).
[ ٢ / ٩٢٣ ]
والوجه الآخر: أن النبي عيه السلام إنما حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل. وهذا معنى غير معتبر - عندنا وعندكم - لأنه - عندنا - لا يطهر بالغسل، و- عندكم - لا يفتقر إلى الغسل، وقد جعل ﵇ من شرطه الغسل.
قيل: أما قولكم: إن الحديث لا يصح دعوى بلا برهان فلا يسمع.
وقوله ﵇: (لا بأس ببول ما أكل لحمه) فكذلك نقول أيضا، فلا فرق بين الموضعين.
وقولكم: إن النبي ﵇ حكم بطهارة الشعر بشرط الغسل، وأنه
[ ٢ / ٩٢٤ ]
لا يفتقر إلى الغسل - عندكم - فإننا نقول: إنما ذكر الغسل على طريق الندب تنظفا لما يحدث من الحيوان عند موته، والمقصد إعلامنا جواز استعماله، وأنه طاهر في نفسه، ولا ينجسه الموت.
ويدل على صحة قولنا: ما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﵇ مر بشاة مولاة ميمونة ميتة، فقال: (ما على أهلها أن لو أخذها إهابها فدبغوه فانتفعوا به). فقالوا: إنها ميتة. فقال: (إنما حرم أكلها)، وروي: (إنما حرم لحمها)، فلم يحرم منها غير ما يؤكل، والشعر لا يؤكل، ولو كان في الشعر روح لوجب أن لا يستباح أخذه إلا بالذكاة، كالجلد واللحم وغيرهما، فما أجمعنا على أنه لو أخذ من حيوان يؤكل لحمه في حال حياته كان طاهرا من غير تذكية علم أنه لا روح فيه.
وأيضا فإن النبي ﵇ قال: (ما قطع من حي - وهو حي - فهو ميتة)، فلو كان الشعر فيه روح لوجب إذا جز مما يؤكل لحمه في حياته أن يكون ميتا نجسا، وهم لا يقولون إنه ميت، بل يقولون مثل قولنا إنه طاهر، فدل على أنه لا روح فيه.
فإن قيل: فإن الصوف والشعر إذا قطع من حي يؤكل لحمه في حال حياته فإن ذلك ميتة، فإن لم يكن نجسا فقوله ﵇: (فهو ميت)
[ ٢ / ٩٢٥ ]
صحيح لا بدل على تنجيسه. ألا ترى أن السمك ميت وليس بنجس.
قيل: فينبغي أن يكون جلد الحي إذا قطع منه ميتا ولا يكون نجسا، وإنما أراد ﵇ أن الذي يقطع من الحيوان في حياته يكنن ميتا كما لو مات الحيوان؛ بدليل الجلد، فإذا كان الشعر يسمى ميتا كان مثل الجلد.
فأما السمك فلو قطع جلده أو بعض لحمه وهو حي فإنه بمنزلته لو مات لا فرق بين حياته وموته، فلما تقرر أن الجلد من الشاة لو قطع في حياتها لكان ميتا نجسا كان كذلك في موتها، كان الشعر إذا قطع منها في حياتها لم يكن ميتا نجسا كان كذلك في موتها.
فإن قيل: خبر شاة مولاة ميمونة حجة لنا؛ لأنه ﵇ بين حكم الجلد بأنه إذا دبغ انتفع به، وأعرض عن غيره؛ لأنه لا سبيل إلى الانتفاع بشيء من هذه الجملة إلا بالجلد حسب دون غيره، لاسيما على مذهب من يقول: إن الشعر طاهر، فهو في الحال مال عنده، ولم يبين حكمه، فدل على ما ذكرناه.
قيل: النبي ﵇ بين حكم الجلد الذي الشعر والصوف عليه فقال: (هلا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به)، فعلم أنه أباح الجلد والشعر جميعا، فلما قالوا له: إنه ميتة، علم أن الجلد ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها) إشارة إلى الجلد الذي يتأتى فيه الأكل، وإلى اللحم
[ ٢ / ٩٢٦ ]
أيضا وبقي الجلد والشعر الذي عليه على جملة الانتفاع بقوله: (ألا انتفعوا به)، فلم يحتج إلى بيان ثان.
وليس قوله ﵇: (إنما حرم أكرها) بيانا لحكم الانتفاع بها؛ لأنه قد تقدم، وإنما هو بيان لحكم الأكل، وأنه محرم دون الانتفاع به.
ولنا أيضا ما رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه أن رجلا سأل النبي ﵇ عن الصلاة في الفرا. فقال: (أين الدباغ؟)، ومعلوم أن الدباغ يؤثر في الجلد حسب، فكان حكم على أصل طهارته
ويجوز أن نقول: هو شعر منفصل من عين يجوز الانتفاع بها على وجه من غير عذر فأشبه الحي منها.
ونقول أيضا: إن الذي ينجس بالموت في حين اتصاله بالحيوان فإن انفصاله منه في حال حياته بمنزلته. دليل ذلك: سائر أبعاضه،
[ ٢ / ٩٢٧ ]
فلما كان الشعر يفارق سائر أبعاضه في حال حياته فارق سائر أبعاضه في حال مماته. ألا ترى أنه لو قطع عضو منه في حال حياته كان بمنزلته في حال مماته، فعلم مخالفة الشعر لسائر أبعاض الميتة.
وأيضا فإن تأثير الموت في الجلد الذي هو محل الشعر أبلغ من تأثيره في الشعر. ألا ترى أنه في إبطال الحسن منه، ووصول الألم إليه، وتوكد الإجماع في تحريمه.
فإذا لم يوجب نجاسة الشعر في الحال التي فيها ألم الجلد فلأن لا ينجس في حال انقطاع الحس عن الجلد الذي هو محل الشعر أولى.
وأيضا فإن صفة الشعر في نفسه لما لم يتغير بموت الأصل عما كان عليه لم يعتبر نفس انقطاع النماء فيه، دليله: الجنين لما كان باقيا على حالته لم يكن انقطاع النماء موت الأصل مانعا نم طهارته.
فإن قيل: الجنين في وعاء، والشعر على عين نجسة.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن الشعر على وهاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل انقطع نماؤه من الأصل، والجنين في وعاء ينمي بنمائه، فإذا انفصل منه انقطع نماؤه من الوعاء فإذا انفصل من الأصل في حياته فهو كانفصال الشعر منه والنماء منقطع عنهما جميعا من الأصل.
ويجوز أن نجعل الجنين أصلا فنقول: هو عين ينفصل في حال حياة الأصل فيحكم بطهارتها، فكان انفصالها بعد الممات على تلك الصفة وفي حكمها، وهذا المعنى موجود في الشعر.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
وأيضا فإن وقوع الفعل في نفس الجنين لا يؤثر في إيلام الأصل، فأشبه من هذا الوجه الشعر فوجب أن يتفقا في الحكم.
ونقول أيضا: قد اتفقنا على أن صوف الحي من الأنعام وشعره طاهر فكذلك إذا مات؛ بعلة أنه متصل بحيوان لو قطع جلده لكان نجسا.
فإن قيل: فإنه متصل بذي روح ينمو بنمائه فوجب أن يكون فيه روح، أصله الجلد واللحم. أو نقول: فوجب أن ينجس. أو نقول: فوجب أن يموت بموت ذاته.
واحترزوا بقولهم: متصل بذي بوح من الجنين، وهو ينمو بنماء أمه، ولا ينجس بموتها؛ لأنه ليس متصل بذي روح، وإنما هو في وعاء.
وقولهم: ينمو بنمائه احتراز إذا جف بعض بدنه أو أصابه شلل هو متصل بذي روح ثم لا روح فيه، ولا ينجس أيضا بموته؛ لأنه لا ينمو بنمائه؛ لأنه إذا سمن لم يسمن موضع الشلل.
قيل: إن الشعر ليس بجزء من الأصل ولا هو من أبعاضه وإن كان متصلا به، ولو كان في حكم الأجزاء لنجس بقطعه في حياة الأصل مثل سائر أجزائه، ولكان يؤلم أخذه ويحس به كما يوجد ذلك في سائر أبعاضه من غير آفة به.
ولو صح هذا لكان الأولى أن يحكم بنجاسة الولد؛ لأنه متصل بأمه، ويعتق بعتقها ويصير مذكى بتذكيتها - عندنا وعندهم -.
وقولهم: ينمو بنمائه فاسد؛ لأن النماء قد يحصل مع انقطاع نماء الحي، ولا يفسد بموته في العادة الجارية. على أن سائر الأعضاء من اللحم الجلد حجة لنا؛ لأنها لما كانت تنجس بالموت كان كذلك حكمها
[ ٢ / ٩٢٩ ]
إذا انقطعت في حال الحياة، ولما كان الشعر ينفصل في حال الحياة ولا يحكم بنجاسته كان انفصاله بعد الموت كذلك، مثل الجنين. ولا يلزمنا شعر الكلب والخنزير؛ لأنه طاهر في الحياة والموت - عندنا -.
فإن قيل: فإن كل ما كان مضمونا من الصيد بالجزاء كأنه فيه روح، أصله اللحم والجلد وتأثيره عندي، وعكسه دمعه وبوله لما لم يكن فيه روح لم يضمن بالجزاء.
قيل: لا جزاء - عندنا - في أبعاض الصيد، وإنما الجزاء في إتلاف الصيد جملة سواء كان عليه شعر أو لا فلا يلزم ما ذكرتموه على أننا قد ذكرنا قياسات هي أولى من كل قياس؛ لاستمرارها في الشعر سواء قطع من حي متفق عليه أو ميت، ويطرد لنا في شعر ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل؛ لأنه إذا ثبت أنه لا روح فيه لم يختلف حكمه.
فإن قيل: قولكم: إن الشعر لا روح فيه ولا يموت غلط؛ لأنه ينمو بنماء الحياة حتى إذا عدم لم ينم.
قيل: النماء لا يدل على أن في الشعر حياة؛ لأن الذي فيه الحياة من الحيوان يلحقه الألم؛ ويحس إذا قطع ولا آفة به، والشعر إذا قطع لم يؤلم.
فإن قيل: فإن الجلد الغليظ في العقب به آفة فزال الألم منه
[ ٢ / ٩٣٠ ]
بعد أن كان موجودا فيه، فهو كاليد الشلاء، والشعر على كل حال بمنزلة واحدة لا يتعير، ألا ترى أن عقب الصبي ومن هو مترف يألم كما خلق، وشعر الصغير والكبير والمترف على صفة واحدة.
فإن قيل: فإن الظفر يقص ولا يؤلم كالشعر، ومع هذا فإن الظفر فيه حياة، وينجس بالموت.
قيل: الظفر لا حياة فيه غير أن أصله يسقيه الدم كالريش، فهو ينمس كما ينمي الشعر، ولكن الشعر لا تسقي أصوله الدم.
فإن قيل: فإن الرجل الخدرة، ومن شرب البنج، والجنون لا حس لهم ولا ألم، ولم يدل على أنه لا يحكم لهم بحكم الحي، فكذلك الشعر.
قيل: إن الرجل الخدرة كان الألم فيها مخلوقا موجودا، ثم قد تعود إذا زال الخدر، وليس كذلك الشعر.
وأما المجنون والسكران فبهذه المنزلة، على أنهما يحسان، وإنما تذهب عقولهم فلا يميزون، والشعر ينمي بنماء الحي لاتصاله به، كما ينمي النبات باتصاله بالأرض.
فإن قيل: إن في الأرض حساة، قال الله - تعالى -: ﴿أحييناها﴾.
قيل: لا يقال فيها روح، فعلم أن ذكر الحياة فيها مجاز، وإنما شبهت بما فيه الحياة. ألا ترى أن الله - تعالى - قال في الزرع إذا
[ ٢ / ٩٣١ ]
هلك: ﴿ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما﴾، ولم يقل: إنه يموت. وإنما نحن نقول ذلك مجازا، وحقيقة الموت إنما هو فيمن له روح وليس في الأرض ولا في الزرع روح.
فإن قيل: فقد روي أن النبي ﷺ قال: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام في جميعها.
قيل: قد ذكرنا أن حقيقة الميتة لما فيه روح فعدمت منه، وذلك لا ينتفع منه بشيء إلا بدليل. ثم لو تناوله العموم لجاز أن يخص كما خص الجلد بالدباغ، وكما جاز استعمال الشعر في حال الحياة، وقد ذكرنا ما يخص ذلك.
فإن قيل: فإن اللبن يؤخذ في حياة الحيوان فيكون طاهرا، ثم إذا مات الحيوان وهو فيه نجس، فكذلك الشعر.
قيل: إنما نجس اللبن إذا مات الحي؛ لأنه يحصل بالموت في وعاء نجس لا أنه نجس بموت الحي، وليس كذلك الشعر. ونظير البن وحصوله في وعاء نجس أن يتلوث الشعر بالدم أو يحصل فيه فإنه يغسل، واللبن مائع ينجس بكونه في الوعاء النجس، ولا يمكن غسله.
فإن قيل: فإن الشعر والصوف جزء متصل بالبدن مشاهد، له مدخل في الطهارتين الأعلى والأدنى، فيلحقه حكم الحياة والموت كالجلد.
قيل: إن الشعر المتدلي من اللحية والرأس مثل الضفائر لا مدخل
[ ٢ / ٩٣٢ ]
له في الوضوء فلا يلحقه حكم التطهير. على أن ثمرة هذا القياس ونتيجته أن الشعر إذا مات نجس فلم يجز استعماله، كالجلد واللحم وهذا فاسد؛ لأنه يوجب إذا قطع من الحي أن يكون كذلك فينبغي أن يكون نجسا كالجلد، فلما جاز الانتفاع به إذا أخذ في الحياة - وهو مع هذا طاهر - سقط ما قلتموه مع استواء حكمهما في الطهارتين.
على أن داخل العين لا مدخل له في الطهارتين، وهو يلحقه حكم النجاسة، فعلم أنه لا تعلق لأحدهما بالآخر، وكذلك ما ستره الشعر لا يلحقه حكم التطهير - عندنا -، وهو ينجس بالموت، فلم يكن أحدهما علة في الآخر.
ثم لنا أن نعكس عليهم فنقول: لما كان الشعر يلحقه حكم الطهارتين وجب أن يتفق حكمه في انفصاله في الحياة والموت، دليله تساوي سائر الأجزاء في الحياة والموت.
فإن قيل: رأينا الجلد له حالتان: إحداهما: تمكن الانتفاع به فيها، وهي الذكاة، والأخرى: يمتنع الانتفاع به فيها، وهو إذا قطع منها في حياتها، فالشعر المضموم إليه مثله بحق القرآن، فينبغي أن يجوز الانتفاع به في حالتين، هما: واحدة في حياة الحيوان، والأخرى في الذكاة.
قيل: هذا فاسد؛ لأنه كان ينبغي أن لا يجوز استعماله إلا في الحال التي يجوز فيها الانتفاع بالجلد، لأنه مضموم إليه، فلما جاز
[ ٢ / ٩٣٣ ]
الانتفاع به في الحال التي لا يجوز استعمال الجلد فيها، وهو إذا أخذ في حال الحياة، كذلك يجوز الانتفاع به في حال الممات، وهي حال يكون الجلد فيها نجسا كالحياة.
وأيضا فإن الشعر يحدث في الحيوان بعد وجود الحيوان، فهو كالولد يحدث فيه وأجزاء الحيوان موجودة في الخلقة قبل حدوثه، ولا يجوز أن يقال: إن الشعر يجب قطعه الغرم والضمان كالأجزاء؛ وذلك أن وجوب الغرم لا مدخل له في حكم النجاسة والطهارة. ألا ترى أن ما لا قيمة له في الأشياء الطاهرة لا يجب به ضمان، وما له قيمة من النجس يتعلق به الضمان، فصار هذا الكلام لغوا؛ لأن قائلا لو قال: لما جاز أن تكون الأجزاء مغصوبة جاز أن تلحقها النجاسة لكان ذلك لغوا.
وأيضا فإن تساوي الشعر والأجزاء في الضمان لما لم يوجب تساويهما في حال الحياة في النجاسة والطهارة وجب أن يكون كذلك بعد الموت، فكل فرق يفرقون به بين الأمرين فهو فرقنا في السؤال.
فإن قيل: لما كان تحريم الميتة يعم سائر المسلمين غير المضطرين، كما أن تحريم الصيد يعم جميع المحرمين غير المضطرين، ثم لو كان أحد التحريمين يتعلق بجميع أجزائه من الصيد فوجب أن يكون كذلك حكم الأجزاء في الميتة.
قيل: هذه دعوى لم تجمعوا بينهما بمعنى فلا تقبل إلا بدليل.
وأيضا تعليل بحكم مجهول؛ لأن أحد التحريمين يعود إلى إتلاف، وهو صيد المحرم، والتحريم في الميتة يعود إلى نجاستها، وإلى بطلان
[ ٢ / ٩٣٤ ]
الصلاة معها، فقولكم: إن أحد التحريمين يتعلق بجميع أجزائه من غير أن تبينوا حكم التحريم وكيفيته تعليل بمجهول، وهذا غير صحيح.
وعلى أن هذا منتقض بالحيوان في حياته؛ لأن تحريم سائر أجزائه يعم سائر المسلمين غير المضطرين، لأنه ما قطع منه فهو حرام ولم تستو أجزاؤه وما هو متصل به من صوفه وشعره، فكذلك في مسألتنا، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
فصل
فأما عظم الميتة وسنها وقرونها وريشها فهو - عندنا - نجس، وكذلك عظم الفيل ونابه، فإن ذكي فهو طاهر بناء على أصلنا في أن الذكاة تعمل في جلود السباع ولحومها.
وقال أبو حنيفة: عظام الميتة وسنها وقرونها وريشها طاهر، وكذلك عظام الفيل، بناء على أصله أنه لا حياة فيها، وأن الذكاة تعمل في السباع وتطهرها وإن كانت نجسة في حياتها، فسواء ذكيت أو ماتت فإن العظام طاهرة؛ لأنه لا روح فيها.
ووافقنا الشافعي على أن عظام الميتة نجسة وقرونها وسنها، وإنما خالفنا في صوفها ووبرها وشعرها، وقد مضى الكلام معه في ذلك، وخالفنا في أن الذكاة لا تعمل فيما لا يؤكل لحمه وقد مضى الكلام عليه.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
والدليل لقولنا وقول الشافعي على أبي حنيفة في أن عظام الميتة نجسة: قول النبي ﵇: (لا تنتفعوا من الميتة بشيء)، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله.
فإن قيل: ليس العظم منها فلا يتناوله اسم ميتة.
قيل: عن هذا أجوبة.
أحدهما: أن اسم الميتة يقع على جملتها والسن فيها.
وأيضا: ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره أن يدهن في مدهن الفيل، وقال: إنه ميتة، وهذا تعليل منه فكأنه قال: لأنه ميتة.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
وأيضا: فإن الله - تعالى - قال: ﴿من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾، وقال: ﴿وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما﴾، وقال: ﴿أءذا كنا عظما نخرة﴾، وقال: ﴿فكسونا العظام لحما﴾، فالأصل هو العظام، والروح والحياة فيها كما هي في اللحم والجلد.
وأيضا: يألم كما يألم اللحم والجلد.
فإن قيل: القرن يقطع فلا يألم، ويتبرد السن فلا يألم، وكذلك الريش.
قيل: يجوز أن يكون الظفر والسن والقرن والريش لا روح فيه غير أن أصله يسقيه الدم، فهو بخلاف الشعر والصوف، وأما العظم الذي تحت اللحم فإنه يؤلم كما يؤلم اللحم.
ولنا أيضا قوله - تعالى -: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، وهذا عام فيها وفي كل جزء منها إلا ما قام دليله، وقد بينا أن العظم يموت ويدخله الحياة بقوله - تعالى -: ﴿من يحيي العظام وهي رميم﴾، وبما تقدم ذكره.
[ ٢ / ٩٣٩ ]
وأيضا فإن العظم يتأتى أكله كاللحم والجلد، فلما اتفقنا على أنه لا يؤكل مع تأتي الأكل فيه، دل على أنه كاللحم والجلد.
قيل: هذا غلط؛ لأن العظم يؤكل، وخاصة عظم الحمل الرضيع والجدي والفرخ والطير وغير ذلك، وعظم الكبير يشوي ويؤكل، ويتأتى فيه الأكل، وليس كالصوف والشعر.
ويجوز أن نحرز قياسنا فنقول: قد اتفقنا على أن لحم الميتة نجس إذا أخذ في حياتها أو موتها، وكذلك العظم الذي تحت اللحم بعلة أنه لو قطع في حياتها لكان نجسا.
أو نقول: هو جزء متصل بذي روح قد اكتسى جزءا منها، فهو كاللحم الذي اكتسى جزءا منها، وهو الجلد، فكذلك العظم قد اكتسى جزءا من الحيوان وهو اللحم، فوجب أن يكون نسجا كاللحم، ولا يلزم على هذا السن والقرن والريش؛ لأنه لم كتس جزءا من الحيوان، وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٩٤٠ ]