إذا نوى بوضوئه أن يصلي صلاة بعينها فرضا أو نافلة أو قراءة في مصحف أو صلاة على جنازة فإن حدثه يرتفع، ويجوز أن يصلي به سائر الصلوات، وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وإن كان أبو حنيفة ليس من شرط صحة الطهارة عنده النية.
وحكي عن داود به استباحة صلاة بعينها دون غيرها من الصلوات فإنه على ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي.
وأجودها: أن حدثه يرتفع، ويستبيح به سائر الصلوات؛ لأنه نوى
[ ٢ / ٩٩٧ ]
استباحة صلاة، إذا ارتفع لصلاة ارتفع لجميع الصلوات.
والوجه الثاني: أنه لا يرتفع حدثه بهذا الوضوء فلا يصلي به أصلا؛ لأنه نفى أن يستبح به غير هذه الصلاة، والحدث إذا لم يرتفع لصلاة لم يرتفع لجميع الصلوات.
والوجه الآخر: منهم من قال: يجوز له أن يصلي به الصلاة التي نواها، ولا يصلي به غيرها؛ لأنه لو لم ينو رفع الحدث لم يجز له أن يصلي، ولو نوى رفع الحدث مطلقا جاز له أن يصلي، فيجب إذا نوى به استباحة صلاة دون غيرها أن يستبيح به ما نوى استباحته، ولا يستبيح غيرها. وهذا أضعف الوجوه عندهم.
وهذا عندي يتخرج على الروايتين عن مالك فيمن اعتقد رفع النية في الطهارة بعد أن تطهر، فإذا قلنا: لا ترفع الطهارة فإنه يصلي الصلاة التي نوى لها الوضوء، ويصلي الصلاة الثانية؛ لأنه اعتقد رفع النية في الوضوء لها فلا ترتفع. وإذا قلنا: إن طهارته تبطل صلى بالوضوء الصلاة التي نواها وبطلت بعد ذلك. فلا يصلي بها هي صلاة أخرى؛ لأنه يصليها وقد رفع من طهارتها النية.
والدليل لنا على داود: قول الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾، والألف واللام في الصلاة للجنس، وهذا قد غسل وجهه للقيام إلى جميع الصلوات.
[ ٢ / ٩٩٨ ]
فإن قيل: هذا لم يغسل وجهه لجميع الصلوات، وإنما غسل وجهه لصلاة واحدة.
قيل: ظاهر الأمر يقتضي غسل وجهه، ولا يتميز نيته، فنحن على ذلك الأمر إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: الظاهر يقتضي غسل وجهه لكل صلاة.
قيل: الظاهر يقتضي أن يغسل وجهه إذا أراد القيام إلى جميع الصلوات، وهذا قد غسله فلا يجب عليه التكرار إلا بدليل؛ لأن الظاهر يقتضي غسل مرة واحدة، وقد غسل.
وأيضا قول النبي ﵇: (لا صلاة إلا بطهور)، وهذا نفي في ذكره يعم كل الصلوات إلا بطهور، وقد تطهر.
فإن قيل: لا نسميه عند الصلاة الثانية متطهرا.
قيل: هو على طهارته التي تطهر بها، وقد سمي متطهرا فيستصحب الاسم حتى يمنع منه مانع.
وأيضا قوله ﵇: (لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه)، وقد أسبغ هذا الوضوء لصلاته التي هي للجنس لا تختص بصلاة دون أخرى، فهو على عمومه في كل صلاة
[ ٢ / ٩٩٩ ]
حتى يمنع منه مانع.
وأيضا تعلميه ﵇ الأعرابي بقوله: (توضأ كما أمرك الله فاغسل)، وهذا قد غسل، ولم يخص له صلاة من صلاة.
فإن قيل: فقد قال ﵇: (وإنما لامرئ ما نوى)، وهذا نوى بوضوئه صلاة بعينها، فدليله أن ما لم ينوه لا يكون له، فلا تكون له الصلاة الثانية.
قيل: هذا حجة لنا؛ لأنه إذا صلى الثانية بالوضوء الأول، ونوى أن تكون له صلاة فقد نواها صلاة له فله ما نواه.
قيل: ولا رفع النية لها، وإنما نوى ذلك فارتفع حدثه، وإذا ارتفع حدثه جاز أن يصلي سائر الصلوات كما لو أطلق النية.
فإن قيل: قد قلتم: إنه لو تيمم لنافلة لم يجز أن يصلي به فريضة فكذلك هذا.
قيل: التيمم لا يرفع الحدث، ولا يفعل إلا بعد دخول الوقت، ولا يجمع به بين صلاتي فرض، فلهذا لم يعمل إلا في الصلاة التي
[ ٢ / ١٠٠٠ ]
قصد به استباحتها؛ لأنه عليه طلب الماء للصلاة الثانية كالأولى.
فإن قيل: فقد جوزتم إذا تيمم لمكتوبة فصلاها أن يتبعها بنافلة بذلك التيمم.
قيل: تصير تبعا للفريضة.
[ ٢ / ١٠٠١ ]