حكي عن ابن وهب عن مالك ﵀ أن من جس أو قبل أو فعل فعلا التذ به وأكسل ولحقته الفترة ولم يظهر منه الإنزال حتى توضأ وصلى ثم اندفق منه الماء فإنه يجب عليه الغسل وإعادة الصلاة.
والظاهر من مذهب مالك ﵀ أن هذا المني إذا لم تقارنه اللذة في حال خروجه أنه لا غسل منه ولا تعاد الصلاة التي مضت قبل خروجه.
ومن أصحابنا من قال: يغتسل من هذا المني، ولا يعيد ما صلى.
وهذا معناه - عندي - إن خرج مقارنا للذة أخرى زيادة على التي تقدمت.
والحجة لرواية ابن وهب قوله - تعالى -: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾،
[ ٢ / ١٠٣٧ ]
وقوله: ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، والمجانبة في اللغة المباعدة والمفارقة، فهو عموم في مفارقة الماء موضعه سواء خرج أو لم يخرج، وعموم في مفارقة الرجل المرأة بعد لمسه أو جسه أو إيلاجه؛ لأنه مجامع لها فإذا فارقها فقد جانبها إلا أن يقوم دليل، وهذا كقوله ﵇: (الكذب مجانب الإيمان)، أي مفارقه، فكل من فارق شيئا فهو مجانب له.
وأيضا قول النبي ﵇: (الماء من الماء)، وهذا ماء قد ظهر فيجب أن يغتسل منه إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: فإنما ووجب الغسل منه إذا خرج ولا يعيد الصلاة الماضية.
قيل: إنا خرج بلذة متقدمة، هي معدومة في حال خروجه، فأنتم بين أمرين: إما أن يجب الغسل لأجل اللذة المتقدمة فقد صحت المسألة، أو يجب لظهوره مع تعريته عن اللذة فهو خلاف مذهب مالك؛ لأن المني - عنده - إذا لم تقارنه لذة لم يجب منه غسل، فإذا ثبت ذلك فإنما يجب بظهوره مع شيئ آخر، وهو اللذة، وقد تقدمت لهذا الماء فيجب منه الغسل كما يجب بمقارنته، وإذا وجب ذلك وجبت إعادة الصلاة لوجود الشرطين من اللذة والإنزال.
[ ٢ / ١٠٣٨ ]
ووجه الرواية الأخرى - وهي الصحيحة -: هو أنه طاهر غير جنب قبل ظهوره فلا يحكم له بحكم الجنب إلا بدليل، وما صلاة فلا تجب إعادته؛ لأنه أداه على ما كلف.
وأيضا فإن النبي ﵇ قال: (لا صلاة إلا بطهور)، و(لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، وهذا قد تطهر وصلى وقرأ فصحت له الصلاة.
وأيضا فإن الجنب في الشريعة هو الذي لا يجوز له دخول المسجد مع القدرة على الغسل، ولا الصلاة، ولا قراءة القرآن ولا مس المصحف، وهذا قبل ظهور المني منه تجوز له هذه الأمور كلها إذا توضأ للجسة والقبلة التي قارنتها اللذة، فإذا توضأ فليس بجنب، وقد جاز له فعل جميع ما ذكرناه وصلى، وله أن يصلي وإن لم يغتسل قبل ظهور هذا المني، فلس يتناوله اسم جنب بحق الإطلاق.
وأيضا فقد دللنا على أن وجود المني إذا عري عن اللذة لا يوجب الغسل، ولا يكون به جنبا، فكذلك إذا عريت اللذة عن ظهور المني لم يكن لها حكم، وصار الحكم واجبا بوجودهما جميعا مقترنين في حالة واحدة، وكذلك حكم سائر الأحداث لا تعتبر فيه مفارقة الحدث موضعه، وإنما يعتبر خروجه. ألا ترى أن الطعام ينهضم بعد استحالته فينحدر إلى المعي السفلي، وكذلك يستحيل الماء ثم ينحدر إلى
[ ٢ / ١٠٣٩ ]
المثانة، ولم تعتبر فيه مفارقة مستقرة، بل اعتبر فيه خروجه على وجه الصحة والعادة، ولم يحكموا له بحكم النجاسة إلا بعد ظهوره.
وأيضا فإن الصحابة اختلفت على وجهين، فقالت الأنصار: الماء من الماء، فحكموا بالغسل عند خروجه، ولم يحك عن أحد أنه رد عليهم ذلك، ولا قالوا ولا قيل لهم: إن الغسل يجب بمفارقة الماء موضعه، وخالفهم الباقون في الوجه الآخر وهو التقاء الختانين، كما قالوا بالغسل من الماء ولم يقولوا ولا واحد منهم: إن اللذة قد تقدمت، وفارق الماء موضعه وقد كان هذا أولى من أن يستخرجوا إلى الخبر، ويقولوا: قال النبي ﵇: (إذا التقى الختانان وجب الغسل)؛ لأن الحجة كانت عليهم أقوى إذا قالوا لهم: الماء من الماء سواء فارق موضعه أو خرج من مخرجه وتأولنا نحن قولهم: الماء من الماء إذا خرج مقارنا للذة.
فإن قيل: فإنه ظهر الماء بعد تقدم الفترة قلنا: إنه كمان جنبا، فانكشف لنا ذلك عند طهور المني.
قيل: هذا يلزم في سائر الأحداث إذا ظهر الحدث بخروجه علمنا أنه كان محدثا لمفارقة الحدث موضعه؛ لأن الإنسان قد يعلم ضرورة إذا لحقه الحقن الشديد، ودافع الأخبثين أن الحدث قد
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
فارق موضعه، ولا يكاد يعلم بوجود الفترة والإكسال أن المني قد فارق موضعه، فإذا لم يحكم للمحتقن بحكم الحدث حتى يظهر كان فيما يشك فيه أولى أن لا يحكم له بحكمه حتى يظهر.
على أننا قد بينا أن الحكم يتعلق بوجود الشرطين معا في حالة واحدة، وهو خروج المني مقارنا للذة، ولا يجب بوجود أحدهما منفردا على الآخر.
ومن جعل من أصحابنا في وجود هذا المني الغسل ولا تعاد الصلاة، وفرق بينه وبين ما يظهر إذا لم تتقدمه لذة أو فترة بأن هذا قد تقدمته فترة وإكسال لم ينفك من رواية ابن وهب؛ لأنه قد جعل الفترة المتقدمة شرطا، كما أن ظهوره شرط، وإن افترقا فلابد أن يكون للفترة المتقدمة قسط في إسقاط حكم الصلاة صلاها فتجب إعادتها، والله أعلم.
[ ٢ / ١٠٤١ ]