تخليل اللحية في الطهارة من الجنابة ليس بمفروض.
ورَوَى ابن وهب عن مالك ﵀ أنه في الغسل من الجنابة واجب، غير أن إيصال الماء إلى البشرة التي تحت الشعر ليس بمفروض.
وقال الشافعي: التخليل مسنون، وإيصال الماء إلى البشرة مفروض في الجنابة، مثل أن يغلغل الماء في شعره أو يبله في الماء حَتَّى يعلم أنه قد وصل إلى البشرة.
[ ١ / ٢٤٦ ]
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، ولاغتسال معقول؛ فإذا غسل ظاهر لحيته مع سائر بدنه فهو كغسله ظاهلا وجهه، ويقال: قد اغتسل، وإن لم يصل الماء إلى ما تحت شعره.
وقوله -تعالى - ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، مثل ذلك، فإذا اغتسل قيل: قد اغتسل وتطهر.
وأيضًا قول النبي ﷺ لأبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، إنما يتوجه إلى ما ظهر من الجلد، وهو الذي يمكنه إمساسه بالماء الذي يكون في يده، ويسمي به غاسلًا ونحن نعلم أن المماسة باليد بالماء لا يمكن الماء تحت الشعر حتى يكون به غاسلًا، وإنما تبلغ يده مبلولة إما ماسحًا أو ماسًّا غاسلًا، والذي أخذ عليه أن يكون غاسلًا بقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
فإن قيل: الخبر حجة لنا؛ لأن النبي ﵇ قال: «فأمسسه جلدك»، فلم يعقل منه غير المس.
قيل: يحتاج أن يكون ماسًّا لكل جزء من الجلد بالماء لا بالبلل، ومع الغسل يحصل كل جزء، وداخل اللحية لا يحصل في الغالب مماسًّا بالماء، وداخل اللحية لا يحصل ف الغالب مماسًّا بماء، ولكن بالبلل فعلم أن المراد الجلد الظاهر الذي يحصل في الغالب على هذه
[ ١ / ٢٤٧ ]
الصفة بفعل اليد فيه بِالْمَاءِ.
وأيضًا قوله ﷺ: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعرة جنابة وأنقوا البشرة»، وقد علمنا أن ما تحت الشعر لا يمكن غسله، وأن ما بين الشعر الكثيف لا يباشر به وإِنَّمَا يباشر بالجلد الذي يبين من الشعر، والإنقاء أيضًا مبالغة في الغسل، وهذا لا يكاد أن يتأتى إلاَّ في الظاهر من الجلد الذي يتناوله اسم الغسل على ما نقوله في الدلك بِالْمَاءِ
وأيضًا قوله ﵇: «الأعمال بالنيات». وهذا إذا اغْتَسَلَ ونوي فقد حصل العمل بالنية.
وأيضًا قوله ﵇: «وإِنَّمَا لامرئ ما نوى». وهذا قد نوى غسل الجنابة بما فعله فله ما نواه.
وأيضًا قوله ﵇: «لا صلاة إلاَّ بطهور». وهذا قد فعل ما به متطهرًا ويُسَمَّى فعله طهورًا وصلاة.
فإن قيل: إننا لا نسمي هذا الغسل طهورًا حَتَّى يصل الماء إلى ما تحت لحيه.
قيل: النبي ﷺ سمَّاه طهورًا بِقَوْلِهِ: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت».
[ ١ / ٢٤٨ ]
وقيل لأم سلمة: «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضي الماء على سائر جسدك فإذا أنت قد طهرت»، وهذان الخبران يصلح أن يستدل بهما ابتداء، ويصلح أن يعارض بهما السؤال الذي تقدم.
وأيضًا قوله ﵇: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا إذا اغتسل على ما قوله، وصلى بقراءة فاتحة الكتاب فقد حصلت له الصالة بحكم الظاهر.
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ كان يخلل أصول شعره بالماء في غسل الجنابة.
قيل: ليس في التخليل أكثر من أنه يبل الشعر؛ لأنَّه ربما لم يبتل، وخاصة الشعر الكثيف المتجعد، فإذا خلله وصل الماء فابتل الشعر الذي يتجمع ويخفي، وقد قال: «بلوا الشعر»، فأما أن يكون في الخبر أن غسل الجلد الذي بين أصول الشعر فليس فيه، ولو صح ذلك لكان مستحبًّا، كما روي أنه توضأ واغتسل، ليس الوضوء
[ ١ / ٢٤٩ ]
واجباُ؛ بدليل قوله: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت». وبما قاله لأم سلمة.
فإن قيل: الطهارة عليه بيقين، ولا تسقط إلاَّ بيقين، وهذا إذا لم يوصل الماء إلى ما تحت اللحية فلسنا على يقين من طهارته.
قيل: الذي تعلق عليه ما يُسَمَّى به مغتسلًا ومتطهرًا، فإذا فعل ذلك تناوله الاسم، وحصلت له الصلاة التي لها تراد الطهارة بقول: «لا صلاة إلاَّ بطهور».
فإن قيل: الصلاة عليه بيقين فلا تسقط إلاَّ بدليل.
قيل: قد قال النبي ﷺ: «لا صلاة إلاَّ بفاتحة الكتاب». وهذا إذا اغتسل ولم يوصل الماء إلى ما تحت لحيته، وصَلَّى وقرأ فقد أتى بالصلاة التي فيها فاتحة الكتاب.
فإن قيل: فقد فال: «لا صلاة إلاَّ بطهور»
قيل: هذا قد فعل ما يُسَمَّى طهورًا في اللغة والشرع، على ما ذكرناه عنه ﵇ في فعله، وفي قوله لأم سلمة.
وكل ظاهر يأتون به فلنا من الظواهر ما يعارضه.
[ ١ / ٢٥٠ ]
دلائل القياس:
اتفقنا على أنذ لك في الوضوء غير واجب، والمعنى فيه: أنَّها طهارة تبيح الصلاة، أو تنتقض بالحدث، أو تجب عن حدث فكذلك غسل الجنابة.
وأيضًا قد اتفقنا على على أن داخل العينين لا يجب غسله؛ بعلة أن دونه سائر من نفس الخلقة، أو بعلة أنه باطن بطونًا مستدامًا في الأغلب.
وأيضًا فإنا اتفقنا على أن داخل العينين لا يجب غسله، ونذكر العلة التي في العينين.
فإن قيل: هذا منتقض بتخليل أصابع الرجلين.
قيل: إذا كانت متلاصقة لم يجب غسل ما بينها.
فإن قيل: يفسد بالخفين.
قيل: قد احترزنا وقلنا: بطونا مستدامًا، وقلنا أيضًا، دونه ساتر من نفس الخلقة.
فإن قيل: يفسد بما تحت ثدي المرأة، وبالسلعة إذا نزلت فإنه يجب غسل ما تحت ذلك.
قيل: هذا لا يلزم على اعتلالنا؛ لأن ثدي المرأة إذا كان منكسرًا
[ ١ / ٢٥١ ]
على صدرها فليس يحصل ما تحته باطنًا بطونًا مستتدامًا؛ لأنها إذا نامت أو مشت أو التوت زال عن موضعه، وليس كذلك ما تغطيه اللحية وداخل الفم والأنف والعين.
فإن قيل: فإنَّ شعر اللحية طارٍ، وليس كذلك داخل الفم والعين فينبغي أن يكون الشعر كالخف.
قيل: أليس الأمرد الذي لا لحية له يجب عليه غسل ذقنه في الوضوء والجنابة، ثم يسقط غسله في الوضوء إذا غطَّاه الشعر؟ فينبغي أن يسقط في الجنابة إذا غطاه الشعر، وإن كان طارئًا فيهما.
فإن كان المخالف مِمَّنْ يوجب ذلك في الوضوء والجنابة، قلنا: القياس على داخل العين بما ذكرنا من العلة.
فإن ذكر هذا السؤال في الشعر وأنه طار. نقضنا عليه ذلك بالمسح على العمامة في الوضوء؛ لأنه يجيزه، والعمامة طارئة.
فإن فصل بينهما بأن العمامة لا تثبت دائمًا مع طريانها.
قيل: فقد صار ثبوت الشعر ودوامه مع طريانه يشبه الشعر الذي يخرج في العين. فإما أن توجب غسل شعر العين وما تحته من العين،
[ ١ / ٢٥٢ ]
كما توجب في الشعر الظاهر الخارج، أو تسقط الشعر الظاهر كما أسقطت غسل شعر العين؛ فيجيء من هذا أن غسل الشعر في مسألتنا يسقط فضلًا عما تحته، أو يجب غسل اللحية وما تحتها فيجب غسل الشعر من العين، وهم لا يوجبون ذلك، ففسد الاعتلال بأنه طار.
فإن قيل: إن شعر العين الذي ينبت فيها -أعني في داخلها - لو لم ينبت لما وجب غسل ما تحته، وليس كذلك الشعر الذي على البشرة.
قيل: نحن قد أفسدنا الاعتلال، والفرق مع النقض والفساد لا يضر.
على أننا نحن أيضًا نقول: إن داخل الأنف لو لم ينبت فيه شعر لما وجب غسله، وهو قول الشافعي فكذلك لا يجب غسل الشعر الذي فيه، ويصير الشعر الظاهر مترددًا بين أصلين: هما: الشعر الذي داخل الأنف والعين، وبين الأشياء التي تطرأ كالجبائر والخف، فرد ما تحت الشعر إلى من رده إلى غيره، ورد ما يثبت بعد طريانه إلى ما يثبت من شعر الأنف والعين أولى، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ونقول أيضًا: إنه شعر يستر ما تحته في العادة فوجب أن ينتقل الفرض إليه، أصله الوضوء. هذا على الشافعي.
والمزنيُّ يوجب إيصال الماء في الوضوء والجنابة إلي البشرة.
[ ١ / ٢٥٤ ]