ولا يمس المصحف ولا يحمله إلا طاهر غير محدث ولا جنب.
هذا مذهب مالك، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعي.
وقال حماد، والحكم: يجوز للمحدث والجنب
[ ١ / ٣٠٠ ]
مسه، وبه قال داود.
والدليل لقولنا: قوله -تعالى - ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فأخبر -جل ثناؤه - أن الكتاب المكنون لا يمسه إلا المطهرون؛ لأنَّ القرآن لا يمس، ولكن المس وترك المس يقعان على الكتاب، ولن الكتاب أيضًا أقرب مذكور إليه، فكانت الهاء في ﴿يَمَسُّهُ﴾، راجعة غليه -أعني إلى الكتاب الذي فيه القرآن -، لأنه قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾.
وقوله -تعالى -: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾، يحتمل معنيين.
أحدهما: أن يكون لفظه نهيًا، كما إذا نهيت غائبًا قلت: لا يَمسَ فلانٌ هذا، ويحتمل أن يكون لفظه للخبر، والمراد به النهي أو الأمر؛
[ ١ / ٣٠١ ]
لأنه لو كان خبرًا حقيقة لما جاز أني كون بخلاف مخبره، فلمَّا وجدنا أنه يمسه من ليس على صفة الطهارة من جنب وغيره علمنا أن المراد به النهي، فصار تقديره: لا تمسوا المصحف إلا وأنتم مطهرون، ومثل هذا قوله -تعالى - ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والمراد به ألمر، وصيغته صيغة الخبر، وهذا في القرآن كثيرٌ.
فإن قيل: المراد بالكتاب المكنون: اللوح المحفوظ، وبالمطهرين: الملائكة، بدليل أنَّه سمَّاه محفوظًا مكنونًا، والمصاحف ليست بمحفوظة.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولا يعرف قرآن منزل إلا ما في المصحف.
والجواب الثاني: هو أنه غير جائز أني كون المراد غير المصحف، لأن من لا يتوهم عليه غير الطهارة لا يصح أن يتوجه عليه هذا الخطاب، وليس للملائكة حال غير حال الطهارة، فدل أن المراد به ما ذكرناه.
فإن قيل: لو أراد ما ذكرتم لقال: إلا المطهرون.
قيل: من تطهر بالماء يكون متطهرًا ومطهرًا، ولأنَّه قد يصح أيضًا
[ ١ / ٣٠٢ ]
أن يطهره بالماء غيره فيقال: قد تطهر وهو مطهر.
فإن قيل: إنما اراد الله -تعالى - بالمطهر الذي قد ارتفعت درجته، كقوله في عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾،؛ أي مبعدك من هؤلاء الأنجاس، فكذلك أراد الملائكة ههنا، لأنهم مميزون ممن يلحقهم التنجيس والتطهير.
قيل: فينبغي أن يكون هذا فضيلة للقرآن؛ لأنه قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فلا ينبغي أن يمسه منا إلا طاهر؛ لأن التنبيه على فضيلته يوجب ذلك.
فإن قيل: نحن إذا جعلنا قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾، خبرًا لا يجوز أن يوجد بخلاف مخبره حملنا على الحقيقة إذا كان خبرًا عن الملائكة في اللوح المحفوظ، وأنتم تجعلونه للنهي بغير دليل.
قيل: نحن جعلناه بدليل؛ لأنه لو كان خبرًا لم يفد؛ لأننا قد علمنا أنه ليس في الملائكة غير طاهر، ولا أحد ممن يمس اللوح المحفوظ غير طاهر، فلا فائدة في قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، إذا حمل على الملائكة.
وأيضًا فإن التنبيه على عظم منزلته يوجب ألا يمسه إلا من عظمت حرمته؛ لأنه تنزيل من رب العالمين، وقد نزل إلينا فلا ينبغي أن نمسه إلا على أكمل أحوالنا.
[ ١ / ٣٠٣ ]
ولنا من السنة ما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ كتب له كتابًا إلى اليمن، وذكر فيه: «وأن لا يمس المصحف إلا طاهر».
[ ١ / ٣٠٤ ]
وروى حكيم بن حزام أن رسول الله ﷺ قا: «لا يمس المصحف إلا طاهر». وروى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لا تمس
[ ١ / ٣٠٥ ]
المصحف إلا وأنت طاهر»، وهذا خبر صحيح جيد.
فإن قيل: قوله ﵇: «لا يمس المصحف إلا طاهر»، أراد أن لا يمسه مشرك.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدهما: أن خبر ابن عمر يسقط؛ لأنَّ ابن عمر كان مسلمًا، وقد نهي أن يحمله إلا وهو طاهر.
[ ١ / ٣٠٦ ]
ووجه آخر: وهو أنه عام في كل مشرك ومسلم ليس على الطهارة.
وجه آخر: وهو أن المشرك ليس بنجس البدن، وإنَّما هو معبد لدينه؛ لأن أصل النجس هو المعبد، ألا ترى أنه لو كان نجس في بدنه لم يطهر باعتقاد الإسلام، وإذا حمل للمشرك لم يكن للاستثناء والتخصيص معنى ولاف فائدة؛ إذ ليس للمشرك حالة طهارة، ثم لو أراد المشرك ولا يحمله إلا مؤمن لقال: لا يسمه إلا مؤمن، فلما أتى بذكر طاهر، إلى صفته زائدة على كونه مؤمنًا، علمنا أنه أراد المؤمن إذا كان متطهرًا؛ لأننا نعلم أنه لا يحكم له بالطهارة إلا بعد تقديم الإيمان منه، كما لو قال: لا يمسه إلا مصل، فلا يكون مصليًا صلاة شرعية إلا بعد كونه مؤمنًا.
وأيضًا فإنَّه ﵇ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن تناله أيدي المشركين، الذي لا يجتنبون الأنجاس، ولا تصح لهم طهارة، ولا يعظمون حرمته، فينبغي أن نعظم حرمته، ولا نمسه إلا على طهارة.
، أيضًا فلنا إجماع في المسألة؛ لأنَّه روي عن علي ﵁ أنه سئل عن المحدث أيمس المصحف؟ فقال: لا.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وروي أن عمر ﵁ تسمع على أخته وهي تقرأ سورة طه وزوجها سعيد بن زيد وعندهم خباب بن الأرت، فسألهما عمر أن يخبراه بما قرأته، وان يعطياه لينظر إليه، فقالت له أخته: إنَّك لا تتوضأ من الحدث، ولا تغتسل من الجنابة، فلا أعطيكه تمسه، وهذا كان قبل إسلام عمر ﵁.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وروي أن مصعب بن سعد كان يمسك المصحف لأبيه سعد حتى يقرأ فيه، فحك مصعب بدنه فقال له أبوه سعد: أراك قد حككت ذكرك؟ فقال: نعم. فأمره بوضع المصحف، وقال له: توضأ ثم امسسه.
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقد روي عن سلمان أنه قيل له، وقد تبرز: لو توضأت فسألناك عن آي من القرآن. فقال: سلوني، فإنِّي لست أمسه، لأنه لا يمسه إلا المطهرون، وهذا صحابي تأول الآية على ما نقول فلم ينكر عليه.
ومن الاعتبار: أنه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه، فوجب أن لا يجوز له مس المصحف؛ كالمشرك.
وأيضًا فإنه ممنوع من الصالة لمعنى تعلق حكمه بيده، فوجب أن يمنع من مسِّ المصحف بتلك اليد ما دام على صفته تلك، أصله إذا غمس يده في نجاسة لا يجوز مسه بها.
وأيضًا فإن الجنابة لما منعت نم دخول مكان الصلاة منع الحدث
[ ١ / ٣١٠ ]
من نفس الصلاة.
وأيضًا فإن مباشرة ما قد تناهت حرمته لا يجوز مع كونه محدثًا، كالطواف.
وأيضًا فإن الأصول تشهد لقولنا: وذلك أالحدث حدثان: أعلى وأدنى، وللمصحف حرمتان، أعلى وأدنى، فلما منع الحدث الأعلى - وهو الجنابة - عن الحرمة العليا - وهي القراءة -، فكذلك يجب أن يمنع الحدث الأدنى من الحرمة الدنيا - وهي حمل المصحف ومسه -، وهذا إذا سلم لنا لأن الجنب لا يقرأ؛ لأنه عندهم - يقرأ.
فإن قيل: فقد كتب النبي ﷺ إلى قيصر كتابًا فيه: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وكتب إليهم آيتين»، مع علمه
[ ١ / ٣١١ ]
بأنهم يمسونه ويبتذلونه، وليسوا بمتطهرين، فدل على ما ذكرناه.
قيل عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه لا يصح لداود الاحتجاج بهذا؛ لأنَّه لا يجوز للمشرك مسه.
والجواب الآخر: هو أنَّه يجوز للجنب أن يقرأ -عندنا - الآية والآيتين، وأن يمس ما فيه آية أو آيتان؛ لأنه يسير.
على أننا نجوز للمحدث أن يحمل المصحف إذا لم يكن قصده حمله ومسه.
فإن قيل: فإن المحدث تجوز له قراءة القرآن، فجاز له مسه، كالمتطهر.
ولأن حرمة المصحف لما فيه من القرآن، ولا حرمة للجلد ولا للورق والسواد، فلما جاز للمحدث قراءة القرآن؛ فلأن يجوز له مس المصحف أولى.
[ ١ / ٣١٢ ]
وأيضًا فإن النجاسة تمنع من الصلاة كالحدث، ثم لو كان على يديه نجاسة لم يمتنع من مسِّ المصحف وإن كان ممنوعًا من الصلاة.
وأيضًا فإن الصبيان في الكتاتيب يمسون المصحف والألواح، ويتعلمون فيها، وكذلك التعاويذ، وهذا كله يدل على صحة قولنا.
والجواب: أما قياسهم على المتطهر فلا يصح، وذلك أن المتطهر ممنوع من الصلاة، وليس كذلك المحدث؛ لأنَّه ممنوع من الصلاة لمعنى فيه.
ثم إنَّه منتقض بمن كان على جميع بدنه نجاة، يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له مس المصحف.
وقولهم: إن حرمة المصحف لما فيه من القرآن فإننا نقول: ليس من حيث جاز له أن يقرأ القرآن ما يدل على أنه يجوز له حمل المصحف، كمن كان في دار العدو يجوز له أن يقرأ القرآن، ولا يجوز له حمل المصحف إلى دار العدو.
[ ١ / ٣١٣ ]
وعلى أن الفرق بين القراءة ومس المصحف هو: أنه لو منع المحدث من قراءة القرآن لأدى إلى أن ينسى القرآن، لأن الناس في غالب أحوالهم يكونون محدثين، فلهذا جاز لهم أن يقرؤوا وليس كذلك مس المصحف؛ لأنَّه لا يؤدي إلى هذا، لنه يمكنه أن يقرأ فيه وإن لم يمسه، بأن يتصفح الورق بخشية، وبمن يمسكه له؛ ولهذا المعنى قلنا: لا يقرأ الجنب القرآن؛ لأنَّ الجنابة تقل، ولا يؤدي إلى نسيان القرآن، والحدث بغير الجنابة يكثر ويعتاده.
وماذ كروه من النجاسة فهو دليل لنا؛ لأن كل عضو لحقته النجاسة لم يجز أن يمسه به، كذلك الحدث لما كان حكمه حالًا في جميع أعضائه منع من مسه.
وما ذكروه من مسِّ الصبيان المصاحف والألواح، فإن الصبيان لا عباده عليهم، فطهارتهم ناقصة، ولا فرق بين مسهم إياها على طهارة أو غير طهارة، وليس كذلك الكبير؛ لأن طهارته تكون تامة فمنع من مسه إلا على طهارة.
وأيضًا فلو منعنا الصبيان من مسه إلا على طهارة أدَّى إلى أن لا يتعلموا القرآن؛ لأنَّهم إنما يتعلمونه في المصاحف والألواح، والغالب من أحوالهم أن يكونوا غير متطهرين.
وعلى أن قياسنا ترجح باستناده إلى ظاهر القرآن، وسنة النبي ﷺ وفعل الصحابة ﵁ والاحتياط إعظام حرمة المصحف والله أعلم.
وقد روي أن عائشة ﵂ كانت تقرأ القرآن وهي
[ ١ / ٣١٤ ]
حائض، ويمسك لها المصحف، ولا تمسكه هي، فلو كانت قراءتها في المصحف كقراءتها في غير المصحف لما امسك لها غيرها، ولعرفها أحد الصحابة جوازه، وهذا ظاهر منها، لا يعرف لها فيه مخالفة، وعائشة ﵂ مع اختصاصها برسول الله ﷺ واختصاصها بمعرة أحكام الحيض، لا يجوز في ظاهر الحال أن تكون فعلت ذلك إلا وعندها من النبي ﷺ فيه توقيف، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣١٥ ]