والجنب ممنوع عند مالك ﵀ من قراءة القرآن إلا الآية والآيتين.
وعند أبي حنيفة إلا من بعض آية.
وعند الشافعي من قليله وكثيره.
وقال داود: يجوز له أن يقرأ القرآن كله، وكيف شاء.
والدليل لقولنا: ما رواه ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا
[ ١ / ٣١٦ ]
يقرأ الجنب شيئًا من القرآن»، وهذا نهي عام إلا فيما قامت دلالته.
وما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة،
[ ١ / ٣١٧ ]
وقد قال -تعالى -: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾.
[ ١ / ٣١٨ ]
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: يا رسول الله، إنَّك تأكل، وتشرب وأنت جنب، فقال ﵇: «آكل وأشرب وأنا جنب، ولا اقرأ وأنا جنب، فأعلمنا الفرق بين الأكل والشرب، والقرآن».
وأيضًا ما روي أن عبد الله بن رواحة وطئ أمتهن فقالت له امرأته: إنك وطئت المملوكة. فقال: ما وطئت. فقالت له: إن كنت
[ ١ / ٣١٩ ]
صادقًا فاقرأ لي قرآنًا. فلبس عليها وقال:
شهدت بأن وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمين
وتحمله ثمانية شداد … ملائكة الإله مسومينا
فقالت: صدق الله وكذب بصري، ثم مرَّ عبد الله بن رواحة، وذكر ذلك للنبي ﷺ فتبسم وقال: «امرأتك أفقه منك»،
[ ١ / ٣٢٠ ]
ففي هذا الخبر دليل من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّه كان ظاهرًا مكشوفًا عند الصحابة حتى عند النساء أن الجنب لا يقرأ القرآن.
والثاني: أن النبي ﷺ لم يقل له: ما احتجت إلى هذه الحيلة، هلا قرأت القرآن فإنه مباح للجنب.
والثالث: قوله ﵇: «امرأتك أفقه منك»، حيث اعتمدت على أن طالبتك بالقرآن الذي لا يقرأه الجنب.
ومن القياس: أن القراءة ركن ثابت في الصلاة في كل ركعة فوجب أن لا يجوز للجنب الإتيان به ودليله الركوع والسجود.
وأيضًا فإن حرمة القرآن أعظم من حرمة المسجد، فلمَّا منع الجنب من اللبث في المسجد كان منعه من قراءة القرآن أولى.
[ ١ / ٣٢١ ]
فإن قيل: فقد قال -تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾، وهذا عام في الجنب وغيره.
وقال النبي ﷺ: «من قرأ: قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا عام لم يخص به جنبًا من غيره.
قيل: الجواب عن الاستدلال بقوله -تعالى -: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ﴾، من وجهين:
أحدهما: أنه أراد فصلوا ما تيسر، فعبر عن الصلاة ببعض أركانها؛ بدليل أنه قال: ﴿اأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ. . .﴾، الآية على قوله: ﴿آخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾؛ أي الذي أوجبت عليكم من قيام الليل قد خففت عنكم منه؛ لأن فيكم المريض والمسافر والمقاتل.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وجواب آخر: وهو أن لفظ -اقرؤوا - لفظ أمر، يقتضي قراءة مرة واحدة، وهذا قرأ قبل هذا، فلا يتكرر عليه إلا بدليل، ثم لو ثبت التكرار لكان لفظ الآية يدل على اليسير الخفيف، وكذلك نقول: ألا ترى أن القائل يقول: اعطني ما تيسر عليك، يريد به السهل اليسير.
وجواب آخر: وهو انَّه لو ثبت العموم فيه لكان خبرًا أخص منه؛ لأنه في ذكر الجنب.
إن قيل: الخاص والعام -عندنا - سواء.
قيل: هذا في الخبرين إذا تقابلا أحدهما خاص والآخر عام، فإن مذهب داود فيهما كما تقولون، وعنه في الآيتين روايتان، فأما الآية والسنة فلا خلاف بين أصحاب داود أن الخاص مقدم على العام، وفي غير هذا يتعارضان ويسقطان.
[ ١ / ٣٢٣ ]
فإن قيل: فقد قال ﵇: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا عام لم يخص جنبًا من غيره.
وأيضًا فقد روي أنه ﵇ قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل أتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار»، وهذا عام في الجنب وغيره.
قيل: هو على أصلنا مخصوص بما ذكرناه م أالجنب لا يقرا: لأنه أخص منه.
فإن قيل: فقد قال -تعالى -: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، وهذا عام.
قيل: عنه جوابان:
أن القراءة قول وليست فعلًا، فلم يدخل تحت الظاهر.
والجواب الآخر: هو أن قراءة الجنب ليست من فعل الخير، بل هي من فعل الشر، وإن كان القرآن في نفسه خيرًا.
فإن قيل: فقد روت عائشة أن النبي ﵇ كان لا يمتنع من ذكر الله على كل حال.
[ ١ / ٣٢٤ ]
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أننا نقول: إن الجنب غير ممنوع من ذكر الله -تعالى -، وليس كل الذكر القرآن.
والجواب الثاني: هو أنه لو كان في الخبر أنه ما كان يمتنع من قراءة القرآن على كل حال لكان خبرنا أخص منه.
فإن قيل: فإنه حدث يمتنع من الصلاة فوجب أن لا يمتنع من القراءة؛ كالطهارة الصغرى.
قيل: المعنى في المحدث أنه يجوز له دخول المسجد والجلوس فيه، وليس كذلك الجنب، وعلى هذا التعليل لا تقرا الحائض.
وإن شئنا قلنا: الغالب من أمر الناس الحدث فتلحقهم المشقة بالامتناع من القرآن خوف نسيانه.
على أنهم لا يقولون بالقياس فسقط، فإن نقلناه على أصولنا فنقول أيضًا: إن المحدث تحل له الصلاة بالطهارة الصغرى فجاز أن يقرأ.
ثم قياسنا أولى؛ لأن السنة تعضده، وفعل الصحابة يؤيده، والاحتياط يطابقه، وإعظام حرمة الدين وإعزاز القرآن يوافقه.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وأيضًا فإن اعتبار الأصول يشهد لما قلناه؛ وذلك أن للمصحف حرمتين: أعلى وأدنى، كما أن للصلاة حرمتين: أعلى وأدنى، فلمَّا منعت الجنابة حرمتي الصلاة، وهما دخول المسجد واللبث فيه وفعلها، وجب أن تمنع حرمتي المصحف، وهما حمله وقراءة ما فيه من القرآن، ولما كان الجنب ممنوعًا من اللبث في المسجد تعظيمًا له، وهو مكان القراءة والصلاة كان بالمنع من نفس القرآن أولى.
[ ١ / ٣٢٦ ]
فصل
فأما قراءة الجنب الآية والآيتين فجائز؛ لأن الامتناع من ذلك يشق؛ لأن الناس في أكثر أحوالهم يذكرون الله - تعالى - ويتعوذون، فخفف عنهم وعفي لهم عن ذلك، والأصول تشهد لما قلنا؛ وذلك أن النبي ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يبتذله المشركون، ثم كتب إليهم: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم. إلى آخر الآيتين.
وكذلك عفي عن العمل اليسير في الصلاة؛ لأن الامتناع منه يشق، وعفي عن دم البراغيث وعفي للصائم عن غبار الدقيق والطريق، وعن الغرر اليسير في البياعات؛ لأنَّها لا تخلو منه ولو امتنعوا منه لضاق عليهم، ولحقت فيه المشقة، وقد يباح من الأشياء عند الضروريات ما لا يباح عند عدمها؛ ليخف عن الناس.
من ذلك: دخول الحمام بقطعة لا يعلم الحمامي ولا الداخل كم
[ ١ / ٣٢٧ ]
مبلغها، ولا مبلغ ما يستعمل من الماء، وكذلك عبور دجلة مع الملاح بقطعة مجهولة الوزن، وكذلك قطعة الشارب، وما أشبه ذلك، ونحن نعلم أن العمل في الصلاة، وجميع ما ذكرناه ممنوع منه في الدين، ثم قد تجوز عنه تخفيفًا؛ فكذلك في ما ذكرناه، وهذا في ألصول كثير، لأنه ليس بمقصود.
فإن استدلوا بقوله ﵇: «لا يقرأ الجنب شيئًا من القرآن»، فهاذ عام القليل والكثير.
قيل: نخصه بما ذكرناه فنقول: إلا الآية والآيتين.
وأيضًا فقد حصل الاتفاق على جواز قوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، والله الرحمن، أو بسم الله، وكذلك يجوز الآية والآيتين، لأنه يسير من القرآن، وهذا على أبي حنيفة والشافعي.
فإن قال العراقي: إن بعض الآية ليس بمعجز.
قيل: كذلك قوله -تعالى -: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، ليس بمعجز.
فإن قال شافعي: هو ذكر من جملة في جنسها إعجاز، فوجب أن
[ ١ / ٣٢٨ ]
لا يجوز له أن يأتي به وهو ممن لا يجوز له فعل الصلاة، أصله الآيات الكثيرة.
قيل: هو متنقض بالمحدث فإنَّه لا يجوز فعل الصلاة وهو يقرأ.
على أن المعنى الكثير أنه مقصود في نفسه للتلاوة، واليسير يقصد به في الغالب التعوذ والذكر، وقد بينا شهادة الأصول في الفرق بين القليل والكثير، والله أعلم.
[ ١ / ٣٢٩ ]
فصل
قد اختلفت الرواية عن مالك ﵀ في قراءة الحائض القرآن.
فروى عنه أكثر أصحابه جواز قراءتها ما شاءت من القرآن.
وروي عنه منعها كالجنب، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي.
فوجه قوله أنها تقرأ: هو أنها غير ممنوعة قبل الحيض، أي ما تسهل، وهذه يسهل عليها الكثير من القرآن، فهو عموم في الحائض وغيرها حتى يقوم دليل.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وأيضًا قوله -تعالى -: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، ولم يخص.
وأيضًا قوله -تعالى - ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، والعبادة عامة، وأفضلها قراءة القرآن، والتلاوة أيضًا من فعل الخير فهو عموم في الحائض والطاهر إلا أن تقوم دلالة.
وأيضًا قول النبي ﷺ: «من قرأ قل هو الله أحد فكأنه قرأ ثلث القرآن»، وهذا حث على قراءتها، ولم يخص حائض، من غيرها؛ لأن مَنْ لمن يعقل.
وأيضًا فإنَّها تقرأ إذا كانت طاهرة، فكذلك وهي حائض؛ بعلة أنها مسلمة محدثة بغير الجنابة، أو نقول: هي مسلمة ممنوعة من الصلاة بغير الجنابة.
فإن استدلوا بما روي أنه قال ﵇: «لا يقرأ جنب ولا حائض شيئًا من القرآن»، وقيل: نخصه.
[ ١ / ٣٣١ ]
فنقول: لا تقرأ في مصحف تمسكه؛ بدليل ما روي عن عائشة ﵂ أنها كان يُمسك لها المصحف وهي حائض فتقرأ القرآن، وتفتي النساء بذلك، ولا يعرف لها مخالف، والصحابي إذا أفتى وانتشر قوله بذلك، ولم يظهر له مخالف، جرى مجرى الإجماع، والظاهر أن عائشة ﵂ مع اختصاصها بالنبي ﷺ وبمعرفة الحيض وأحكامه، لم تفعل ذلك، وتفت به إلا وعندها فيه توقيف من النبي ﷺ.
[ ١ / ٣٣٢ ]
ويخص خبرهم أيضًا بالقياس الذي ذكرناه أو نحمله على الكراهية دون التحريم.
فإن قا سوها على الجنب بعلة أنه ممنوع من الكون في المسجد، وأداء الصلاة بسبب يوجب الطهارة الكبرى.
قيل: المعنى في الجنب أنه لا يطول أمره مع قدرته على رفع الجنابة بالاغتسال، والحائض لا تقدر على ذلك إلا بانقضاء حيضها.
وأيضًا فإن الحيض يطول أمره وقدره ومدته وهو طبع في النساء حتى ربما حاضت نصف دهرها كما قال ﵇: «إنَّها تصلي نصف دهرها»، فلو منعت من القراءة لأدَّى ذلك على أن تنسى ما تحفظه من القرآن، أو لا تتعلم القرآن أصلا.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وعلى إنَّ بإزاء قياسهم قياسنا عليها لو كانت طاهرة أو محدثة بغير جنابة، ويكون قياسنا أولى؛ لأن ردها إلى حالها فيما تعتاد من الغالب، وكونها محدثة وحائض أولى من ردها إلى الجنابة.
فإن قيل: فإن حدث الجنابة أخف من حدث الحيض، ألا ترى أن الجنابة لا تمنع من الجماع ولا من الصوم، والحيض يمنع من ذلك، فلنا منع اخف الحدثين من قراءة القرآن فلأن يمنعه الحيض أولى واحرى.
ولن كل معنى يمنع منه الجنابة يمنع منه الحيض كالصلاة.
قيل: الحيض الذي يأتي من قبل الله -تعالى - قد اثر في إسقاط الصلاة عنها، فخفف عنها بأن جُوِّز لها القراءة، ومع هذا فإنَّه ينافي الصوم، فلمَّا لم تقدر على رفعه إلا بانقضاء وقته، سُهل لها في القراءة، كما سهل لها في ترك قضاء الصلاة، وهذا تخفيف عنها لا محالة، ولما كان الجنب مطالبًا بقضاء الصلاة، لأنه [لا] يقدر على الاغتسال وأداء الصلاة، غلظ عليه في الامتناع من القراءة حتى يبادر إلى الغسل.
وقولكم: إن كل معنى يمنع الجنابة يمنع من الحيض كالصلاة، فقد ذكرنا أن الحيض لما اسقط الصلاة وقضاءها؛ لأنَّه يأتيها من قبل الله -تعالى -، لا تقدر على دفعه خفف عنها، وسهل عليها في باب القراءة.
فإن قيل: قولكم: إنَّها تنسى القرآن ولا تتعلمه، فإننا نقول: أنَّ
[ ١ / ٣٣٤ ]
تقرأ بقلبها، وان تنظر في المصحف من غير أن تتلفظ به، ويجوز أن يقرأ عليها.
قيل: هذا يشق من وجهين:
أحدهما: أنه ربما تعذر عليها من تسمع منه، ولعلها أن تتكلف له مؤونة، وهي فلا تمسك المصحف، ويتعذر عليها تصفحه، وربما احتاجت أن تتعلم القرآن فلا ينفعها قراءة غيرها، وكذلك لا تحفظه بالتذكر بقلبها كما تحفظه بالتلاوة.
فإن قيل: قياسنا أولى؛ لأنَّه يستند إلى نص السنة والاحتياط وإعزاز القرآن.
قيل: قياسنا اولى؛ لأنَّه يزيد حكمًا وهو جواز قراءتها، ونحمل السنة على الكراهية، وأما لاحتياط فإنَّه معنا؛ لأنَّه احتياط لحفظ القرآن؛ لئلا تنساه، ولتتعلمه أيضًا، وأما إعزازه فإنَّه في المحافظة حفظه وتعلمه، وقد كان ينبغي أن تمنعوا المحدث بغير الجنابة أن يقرأ، فإنَّه كان أعز للقرآن على حسابكم.
فإن قيل: لما كان موجب حدثهما متفقًا وجب أن يستويا في المنع من القراءة؛ يريدون الحائض والجنب.
قيل: هو متنقض بالمحدث بغير الجنابة والمحدث بالجنابة؛ لأنَّه قد يتفق تيممها وحدثهما مختلف، ومع هذا فالمحدث يقرأ القرآن، ولا يقرأ الجنب.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ثم أرادوا أن الموجب فيهما واحد، ويعنون الغسل فإننا نقول: إنهما وإن اتفقا في الغسل فقد اختلفنا في وقته، فالجنب يقدر على الغسل عقيب الجنابة فيرفع حكمها، والحائض لا تقدر على ذلك فكان الغسل عقيب الجنابة فيرفع حكمها، والحائض لا تقدر على ذلك فكان لهذا الفرق بينهما تأثير. ألا ترى أنَّه قد أثر في إسقاط قضاء الصلاة عنها، ولم تسقط عن الجنب، فكذلك خفف عنها، وجُوزت لها القراءة ولم تجز للجنب.
ووجه الرواية الأخرى ما ذكرته من الحجاج على الوجه الآخر، وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٣٦ ]