اختلف الناس في الإنسان إذا قعد لحاجته من غائط أو بول في استقبال القبلة واستدبارها على ثلاثة مذاهب:
فذهب النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، واحمد، وأبو ثور، إلى أنه لا يجوز أن يستقبل القبلة ولا يستدبرها في الصحاري والبنيان جميعًا، وروي هذا عن أبي أيوب الأنصاري.
وروي عن عروة، وربيعة،
[ ١ / ٣٣٧ ]
وهو مذهب داود أنه يجوز الاستقبال والاستدبار جميعًا في الصحارى والبنيان جميعًا.
وذهب مالك، والشافعي إلى أنه يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان، ولا يجوز في الصحارى والفلوات.
وقد رُوي عن أبي حنيفة أنه يجوز الاستدبار وحده في الصحارى والبنيان، وإنَّمَا الذي لا يجوز عنده الاستقبال في الصحارى والبنيان.
واستدل أصحابه بأربعة أخبار:
أحدها: ما روى الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي
[ ١ / ٣٣٨ ]
أيوب الأنصاري أنه قال: أل رسول الله ﷺ «إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولكن ليشرق أو ليغرب»، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض جعلت إلى القبلة، فكذا ننحرف عنها ونستغفر الله.
قالوا: موضع الدليل منه: أنَّه نهى عن استقبال القبلة واستدبارها، فهو عام في كل المواضع.
والثاني: أنه أمر بالتشريق والتغريب، وأمره على الوجوب.
والثالث: أنَّ أبا أيوب حيث قدم الشام، وجدهم يستقبلون القبلة، فانحرف عن مجالسهم، فدلّ على أنَّ النهي متوجه إلى البنيان.
والحديث الآخر: هو ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار،
[ ١ / ٣٣٩ ]
ونهى عن الروث، والرِّمَّة، وأم يستنجي الرجل بيمينه»، فنهى ﵇ عن الاستقبال والاستدبار، ولم يفرق بين الصحارى والبنيان.
وأيضًا ما روي عن سلمان أنه قال: نهانا رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة لغائط أو بول.
وروى معقل بن أبي معقل الأسدي أن النبي ﷺ نهى عن
[ ١ / ٣٤٠ ]
استقبال القبلتين، هي الكعبة وبيت المقدس؛ لأنَّه إذا استقبل بيت المقدس بالمدينة استدبر الكعبة.
والدليل لقولنا: ما رواه خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروج.
[ ١ / ٣٤١ ]
فقال عكرمة: قالت عائشة ﵂ ذكر عند رسول الله ﷺ أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة وأن يستدبروها، فقال النبي ﵇: «أو فعلوا ذلك؟»، وأمر بان تستقبل بمقعدته القبلة، وهذا
[ ١ / ٣٤٢ ]
نص في موقع الخلاف؛ لأنَّه في البنيان، وهذا أمر منه ﵇ ظاهر منتشر.
فإن قيل: إن خالد بن أبي الصلت لا يعرف.
قيل: هو معروف؛ لأنَّ أحمد بن حنبل قال: خالد بن أبي الصلت حسن.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وروى سفيان الثوري، وخالد الحذاء عنه، فدل على معرفته.
وقد روى محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان عن عبد الله بن عمر أنه قال: ارتقيت ذات يوم على السطح، فرأيت رسول الله ﷺ جالسًا على لبنتين مستقبل بيت المقدس لحاجته.
وروي عنه أنه قال: ارتقيت سطح حفصة -وهي أخته - إلى أن
[ ١ / ٣٤٤ ]
قال: مستقبل القبلة، وكيف ما كان، فإن فعله ﵇ ذلك يدل على الجواز؛ لأنَّه إن كان استقبل بيت المقدس فقد استدبر الكعبة؛ لأنَّ من يستقبل بيت المقدس بالمدينة فهو مستدبر الكعبة، ومن يستقبل الكعبة بها فهو مستدبر لبيت المقدس.
وروى مجاهد عن جابر قال: نهانا نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة للبول، ثم رايته أن يقبض بعام يستقبلها لبول، وقد اتفقنا أنه
[ ١ / ٣٤٥ ]
لم يفعل في الصحارى، فدل على أنه فعل في البنيان.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ إنما قصد بما فعله من ذلك الاستخفاء والاستتار وإنَّما يؤخذ الشرع من أفعاله التي يظهرها ليس لنا، فأما ما يقصد كتمانه ولا يظهر، ولا ينتشر عنه فلا يكون شرعًا.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أالذي يستسر به النبي ﷺ يكون شرعًا لنا كالذي يظهره؛ لأنَّه ﵇ لا يفعل في نفسه ما لا يسوغ ولا هو من شريعته، فسواء فعل النبي ﷺ على وجه الاستسرار به أو الإظهار فهو ضرع لنا إذا وقفنا عليه. وةقد حكى الله -تعالى - عن شعيب ﵇ أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
ويشهد لما قلناه: أنَّ الصحابة لما اختلف في وجوب الغسل من الإيلاج، قالوا: النساء أعرف بهذا. فبعثوا إلى عائشة ﵂ فقالت لهم: إذا التقى الختانان وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا، وقد حصل العلم بأنه ﵇
[ ١ / ٣٤٦ ]
فعل ذلك مع عائشة مستسرًا.
والجواب الثاني: هو أن النبي ﷺ قد فعل ذلك مستسرًا به، وقد فعله ظاهرًا منتشرًا؛ وذلك أننا روينا أنه ﵇ أمر بأن تستقبل بمقعدته القبلة.
فإن قيل: إن هذه أخبار وردت في النهي بينه ظاهرة منتشرة على رؤوس الملأ، فلو كان المراد بالنهي فيها خصوص الصحارى والفلوات دون البنيان لم يترك النبي ﷺ البيان والتخصيص، ولكن يظهره على رؤوس الملأ كما اظهر النهي العام.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أنه يجوز أن يرد الخبر ظاهرًا، ويقع التخصيص إلى ألخاص من الواحد والاثنين، ولا يقع ظاهرًا للجماعة، كما يكون مخصوصًا بالقياس الذي ربما علمه بعضهم، ثم يقع لباقيهم.
[ ١ / ٣٤٧ ]
والجواب الآخر: هو أن بيانه قد حكيناه بيننا ظاهرًا من قوله ﷺ «استقبلوا بمقعدتي القبلة».
فإن قيل: فيه جوابان:
أحدهما: أنه يجوز أن تكون حانت منه التفاتة فرآه، ولم يكن قاصدًا لذلك، فنقل ما رأى، ومثل هذا يجوز كما لا يتعمد الشهور والنظر إلى الزنا ثم قد يجوز أن تقع أبصارهم عليه، ويجوز أن يحملوا الشهادة بعد ذلك.
والجواب الآخر: هو أنَّه يجوز أن يكون ابن عر قصد ذلك، ولكنه رأى رأسه ﵇ دون ما عداه من بدنه، ثم تأمل قعوده فعرف كيف هو جالس على اللبنتين؛ ليستفيد فعله ﵇، فنقل نا شاهد.
فإن قيل: يجوز أن يكون فعل ذلك لضرورة كانت به إلى ذلك.
قيل: هذا غلط؛ لأنَّه فعل ما كان نهى عنه، ونهيه إنَّمَا ينصرف إلى حال الاختيار دون الضرورة؛ إذ لا يجوز أن ينهى عما هو مضطر إليه؛ لأن التكليف لا يتعلق بالاضطرار، وقول الراوي: رأيته ﵇ قبل موته بعام يستقبلها لبول، معناه أنه استقبلها وهو على الحالة التي وقع النهي عنها، وإنَّما أراد الراوي أن يفيدنا جوازه على هذه الصفة لغير ضرورة.
وأيضًا فإننا رأينا الصحارى والفلوات لا تخلو في الغالب من مصل فيها، فمنع من استقبال القبلة أو استدبارها للحاجة؛ لئلا يرى
[ ١ / ٣٤٨ ]
المصلي عورته وفرجه ودبره من خلف، وذكره م قدام، وهذا المعنى معدوم في البنيان؛ لأن البناء يمنع م المشاهدة والنظر إلى العورة.
وقد روي عن العباس بن عبد المطلب أنه قال: لا تستقبلوا القبلة في الصحارى؛ فإن الملائكة تشهد الصحارى وتصلي فيها، فيكون قد بدا عورته للملائكة، وهذا يشبه المعنى الذي ذكرناه.
وقد روي: «إن لله -تعالى - ملائكة سياحين يصلون، فيكره أن يروا فرج المستقبل أو دبره إن استدبره».
[ ١ / ٣٤٩ ]
فأما الجواب عن الأخبار التي رووها فهو أن هذه الأخبار كلها واردة في الصحارى دون البنيان، ألا ترى لقوله ﵇: «إذا أتى أحدكم الغائط»، والغائط هو الفضاء المتسع بين ربوتين.
وروي أيضًا في خبر آخر: «إذا أراد ألحدكم البراز لغائط أو بول»، والبراز: هو الصحراء.
ولأن النبي ﵇ إذا خاطب أهل المدينة، والنهي توجه إليهم، ولم تكن لهم أخلية ولا حشوش، وإنما كانوا يخرجون لحاجتهم إلى الصحراء؛ بدليل ما روي أن عمر ﵁ رأى سودة خرجت إلى الصحراء، فقال لها: قد عرفتك، وإنما قال لها ذلك؛ لأنه غار عليها.
[ ١ / ٣٥٠ ]
وجواب آخر: وهو أنه لو كان النهي مطلقًا، ولم يكن فيه ما يقتضي الصحارى لكان عامًا، وأخبارنا تخصه، لأنها في البنيان فهي أولى.
وأيضًا فالذي رويناه متأخرًا والمتأخر ينسخ المتقدم، لما روي عن جابر أن نبي الله ﷺ كان ينهانا عن استقبال القبلة لبول، ثم قال: رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها لبول.
فإن قيل: إن أبا أيوب هو الراوي عن النبي ﷺ وهو الذي ذهب إلى أن النهي وارد في البنيان، ألا ترى أنه لما رأى مراحيض الشام إلى القبيلة تحرف عنها.
قيل: يجوز أن يكون أبو أيوب إنما ذهب إلى ذلك؛ لأنَّه لم يعرف أخبار الإباحة.
فإن قيل: فإنَّه مستقبل بفرجه الكعبة من غير ضرورة فوجب ألا يجوز، دليله الصحراء.
وأيضًا فإن ما تعلق بحرمة الكعبة لا يفترق الحكم فيه من البنيان والصحارى، كاستقبال القبلة للصلاة، فإنَّه يجب فيها جميعًا.
وأيًَا فإنَّه ليس في البنيان أكثر من حصول حائل بينه وبين الكعبة، وهو الحائط والسترة، وهذا لا يمنع من وجود المنع منه، والنهي عنه، بدليل أن الصحارى تحول فيما بينه وبين الكعبة جبال وأبنية وحيطان وأشجار وغير ذلك، ثم كان المنع من استقبالها
[ ١ / ٣٥١ ]
واستدبارها موجودًا ثابتًا.
قيل: أما قياسكم على الصحارى والفضاء، فإن المعنى فيهما أنَّها لا تخلو من مصل في الغالب: فلم يجز خيفة أن تظهر عورته للمصلي، وليس كذلك البناء؛ لأنَّه يمنع من النظر إليه فلهذا جاز.
وقولكم: إن ما تعلق بحرمة الكعبة يستوي فيه حكم الصحراء والبنيان كاستقبال القبلة للصلاة، فإننا نقول: هذا قياس بحكم مجهول لا يصح، لأنه لا يمكنهم إظهار حكمه؛ لأنَّكم إن قلتم: يستوي فيه البنيان والصحارى في الوجوب لم تجدوا ذلك في الفرع؛ لأنَّ من الفرع عندكم المنع والترك، وإذا قلتم بالمنع في الفرع لم تجدوه في الأصل، لأن حكمه على الوجوب.
وعلى أنه قياس فاسد في الموضوع، لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل ليجعل حكم الفرع حكمه، وإن كان حكمه الوجوب جعل حكم الفرع الوجوب، وإن كان حكم الأصل السقوط كان حكم الفرع مثله، فأما أن يكون حكم الأصل بالضد م حكم الفرع فلا يكون قاسيًا صحيحًا.
ثم إننا نفرق فيما يقع بحرمة الكعبة بين الصحارى والبنيان، ألا ترى أنه لا يجوز له في البنيان ترك القبلة في الصلاة أصلًا مع القدرة، وإذا كان مسافرًا فبان من البيوت جاز له ترك القبلة في النوافل.
وقولكم: إن الحائل بينه وبين القبلة في الصحارى من الجبال
[ ١ / ٣٥٢ ]
وغيرها لم يمنع من أن يكون ممنوعًا من الاستقبال والاستدبار، فكذلك الحائل في البنيان لا يمنع أن يكون ممنوعًا منه؛ إذ لو أباح له هذا لأباحه له في الصحارى.
فجوابه: أننا نحن لم نجوز له الاستقبال والاستدبار في البنيان لوجود الحائل بينه وبين القبلة، ولكن لوجود الحائل بينه وبين مصل يراه في الغالب، ويرى عورته، وهذا المعنى معدوم في الصحارى، فإن وجد هذا المعنى فيها جاز أن يبول مستقبلًا.
وجملة الأمر: هو أنه قد روي في هذا الباب أخبار تفيد الحظر على العموم، وأخبار تقتضي الإباحة. فمن قال بالحظر في الصحراء والبنيان أسقط أخبار الإباحة، ومن قال بالإباحة في الموضعين جميعًا أسقط أخبار الحظرِ، ونحن نستعمل الجميع فنحمل عموم الحظر على الصحارى، وعموم الإباحة على البنيان، والاستعمال أولى.
وقد روي أن ابن عمر أناخ راحلته، وجلس يبول إلى القبلة، فقيل له: إن النبي ﵇ نهى عن الاستقبال. فقال: ذاك في الفضاء الذي ليس بينك وبينها حائل. فأما إذا كان يسترك عن القبلة فلا بأس.
[ ١ / ٣٥٣ ]
فإن قيل: فإنا نستعمل الأخبار كما استعلمتم، على الرواية التي رواها أبو يوسف عن أبي حنيفة، من جواز الاستدبار في الصحارى والبنيان، والمنع من الاستقبال في الصحارى والبنيان.
قيل: قد بينا الفرق بين الصحارى والبنيان؛ لأن الصحارى لا تخلو من مصل، فلا ينبغي أن يرى فرج الإنسان ولا دبره، والبنيان ليس كذلك، واستعمال الجميع من الاستقبال والاستدبار يجوز في البنيان لما ذكرناه، ويمتنع في الصحارى لما ذكرناه.
واستعمالنا أولى من وجه آخر؛ وهو أنه يضيق على الناس في الأبنية أن تكون مراحيضهم غير مستقبلة القبلة، ويشق عليهم في الغالب أن يتحرفوا فيها عن الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك، وليس في الصحارى أن يتحرفوا فيها عن الاستقبال، وربما ضاقت عن ذلك، وليس في الصحارى ما يمنعهم من الانحراف، مع ما ذكرناه من أنها لا تخلو م مصل يرى فروجهم وأدبارهم.
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على جواز الاستدبار في البنيان، فكذلك الاستقبال، بعلة أنَّه مستقبل بأحد فرجيه القبلة من وراء حائل يخففه.
[ ١ / ٣٥٤ ]
فإن قيل: قد اتفقنا على المنع من الاستقبال في الفضاء فكذلك في البنيان؛ بعلة أنه مستقبل بفرجه القبلة مع القدرة على الاستدبار.
قيل: قد ذكرنا الفرق بين الفضاء والبنيان، وأنه لم يمكنه في الغالب الانحراف حتى لا يرى فرجيه جميعًا مصل، وأنه في البنيان دونه حائل، ويضيق أيضًا عليهم بناء المراحيض غير مستقبلة القبلة، ويشق الانحراف في الغالب، وبالله التوفيق. .
[ ١ / ٣٥٥ ]