والاستنجاء ليس بفرض عند مالك ﵀ وهو كسائر النجاسات التي تكون على البدن والثوب لا تجوز إزالتها إلا من طريق السنة.
وقال بعض أصحابنا: إزالة النجاسة فرض، فينبغي أن يكون الاستنجاء فرضًا.
ولكن الفرق بين الاستنجاء وسائر الأنجاس على قول مالك هو أن الاستنجاء يجوز بالأحجار، ولا تجوز إزالة الأنجاس التي في غير المخرج إلا بالماء، لأنه رخص له في الاستنجاء بإزالة العين دون الأثر، وفي الأنجاس التي في غير المخرج يزيل العين والأثر.
وقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرض -كقول مالك - وأنه إن صلى ولم يستنج صحت صلاته ولكنه جعل محل الاستنجاء مقدرًا يعتبر به سائر النجاسات على سائر المواضع، وحده بالدرهم الأسود البغلي.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقال الشافعي: الاستنجاء فرض، فإن صلَّى ولم يستنج لم تصح صلاته.
وهو وأبو حنيفة يقولان: إن إزالة النجاسة من غير المخرج فرض.
ولنا في هذه المسألة طريقان:
أحدهما: أن ندل على عين مَسْأَلَة الاستنجاء.
والثاني: أن ندل على أن إزالة الأنجاس ليست بفرض.
والدليل على عين المسألة: قوله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ
[ ١ / ٣٥٧ ]
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، الآية، فأجاز -تعالى - فعل الصلاة بغسل هذه الأعضاء، ولم يشترط الاستنجاء، فمن أوجب شرطًا آخر هو الاستنجاء، فعليه الدليل.
وأيضًا فإنه -تعالى - قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، فذكر حكم الأحداث وموجبها، ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، والماء المذكور الذي جعل التيمم بدلًا منه، ولم يذكر مع ذلك أحجار الاستنجاء فلو كان واجبًا لذكرها.
وقال النبي ﷺ في خبر الأعرابي: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه، فيغسل وجهه»، إلى أن قال: «ثم يكبر».
ولم يذكر الاستنجاء، ولم يجعله شرطًا في قبول الصلاة، وقد كان السائل غير عالم بالحكم، وخرج كلام النبي ﷺ على وجه تعليم الطهارة، التي يحتاج إلى علمها في جميع الأحوال، فلو كان الاستنجاء واجبًا مع الوضوء لم يغفل ذكره للمتعلم، فلا يجب إلا بدليل.
وكذلك روي في خبر آخر أنه قال: «لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه»، ولم يذكر استنجاء.
ولنا من الظواهر: قوله: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا
[ ١ / ٣٥٨ ]
قد نوى الوضوء وإن لم يستنج.
وقوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد نوى أن تكون له طهارة وإن لم يستنج.
وقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد توضأ، وصلَّى بفاتحة الكتاب وإن لم يستنج.
وأيضًا قوله ﵇: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، وهذا يتوجه إلى ما تقدم ذكره من فعل الوتر -
[ ١ / ٣٥٩ ]
الذي أقله مرة واحدة، فلا حرج عليه في تركه.
وأيضًا فإنها نجاسة على البدن قد سقط فرض إزالتها بالماء من غير ضرورة، فوجب أن يسقط قلع عينها، دليله اليسير من الدم.
وأيضًا فإنها طهارة لا تجب بالماء مع القدرة فأشبهت المضمضة والاستنشاق.
وأيضًا فإن كل نجاسة عفي عن إزالة أثرها في البدن مع القدرة فإنَّه قد عفي عن إزالة عينها، أصله الدم اليسير أو دم البراغيث.
وأيضًا فإن تخفيفها لو وجب بالأحجار لوجب أن يصير حكم الحادث من جنسها في حكمها؛ بدليل الأصول في سائر النجاسات.
ألا ترى أن الدم يسيل من الجرح، ويحدث مكانه دم آخر، فيجب غسله -عندكم -، وليس كذلك في الاستنجاء؛ لاتفاقهم على أن موضع الاستنجاء لو حصلت عليه نجاسة أخرى من جنسها لم يجب استعمال الحجر فيها بعد الأحجار الأول
[ ١ / ٣٦٠ ]
ونقول أيضًا: هي نجاسة فلم يكن استعمال الأحجار في تخفيفها فرضًا؛ دليله سائر الأنجاس في غير هذا الموضع.
وأيضًا فإنها نجاسة على بدنه فوجب ألا يلزمه استعمال الأحجار فيها، دليله من كان على بدنه نجاسة وهو عادم للماء.
فإن قيل: فقد روى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا لكم مثل الولد، فإذا ذهب أحدكم لغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها لغائط أو بول، وليستنج بثلاثة أحجار»، وقوله: «وليستنج»، أمر ظاهر الوجوب، وقد روي أنه قال: «ولا تستدبرها لغائط أو بول، وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار».
وروى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال:
[ ١ / ٣٦١ ]
«إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثًا»، والدلالة منه من وجهين:
أحدهما: أنه أوجب عليه الاستنجاء، قالوا: وأنتم تقولون: إنه لو استنجى مرة واحدة زجروه.
والوجه الآخر: أن النبي ﷺ قيد الاستنجاء بعدد، وكل نجاسة قرنت في الشرع بعدد فإن إزالتها واجب، كولوغ الكلب ودم الحيض؛ لن النبي ﷺ قال لأسماء: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه».
[ ١ / ٣٦٢ ]
وقد روي أن سلمان قال: نهانا رسول الله أن نستنجي بالعظم والروث، وقال: لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاثة أحجار».
وقوله ﵇: «لا يكفي»، قد منع الأجزاء؛ لأن الكفاية هي الإجزاء.
قيل: لو تجردت هذه الأخبار جاز أن نحملها على الندب؛ بدليل ما روي أنه ﵇ قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن
[ ١ / ٣٦٣ ]
لا فلا حرج»، وقوله: «من استجمر فليوتر»، خبر عمن فعل، ليس فيه استجمروا وأوتروا.
وقوله: «فلا حرج»، راجع على الجميع من الاستجمار والإيتار، لأنه لو صرح فقال: «من استجمر فليوتر، من فعل الاستجمار، والإيتار، فقد أحسن، ومن لم يستجمر ويوتر فلا حرج لصح.
فإن قيل: إنَّما ورد الخبر بهذا اللفظ؛ لأن الغسل هو الأصل فقال: من عدل إلى الاستجمار فليوتر، قوله: «فليوتر»، أمر واجب فإذا عدل إلى الاستجمار وجب الإيتار.
قيل: فقد صار الكلام في وجوب الإيتار.
وأيضًا: فإن الغسل في الأصل لم يثبت وهو الذي زعمتم أنَّه أصل، ثم لو ثبت لدل هذا الخبر على أنَّه واجب؛ لأنه لما قال: إن عدل إلى الاستجمار فقد أحسن وإن لم يفعله فلا حرج، فإذا كان لا حرج في تركه مع العدول إليه دل على أن الغسل أيضًا ليس بواجب: لأنه لو كان واجبًا لكان الذي عذل إليه من الاستجمار واجبًا؛ لأنَّه تخيير بين الغسل والاستجمار، فانتم بين أمرين: إما أن تسقطوا الاستجمار وتوجبوا الغسل وليس هذا مذهبكم، وإذا سقط وجوب الاستجمار سقط حكم الغسل في الوجوب، ويكون التحيير إنما هو - عندنا - في المسنون وهو الغسل أو الاستجمار.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وأما حديث جابر وقول النبي ﷺ: «إذا استجمر»، فليس فيه أيضًا استجمروا، وإنما هو إذا فعل فليس يدل على وجوب الاستجمار.
وقوله: «فليستجمر ثلاثًا»، يصير الكلام في العدد، ونحن نتكلم عليه بعد ذها.
وقولهم: إنه قد قيد فيه النجاسة بالعدد، [ونحن نتكلم عليه بعد هذا]، فصار كالولوغ ودم الحيض، فإنا نقول: ليس غسل الوضوء -عندنا - لنجس، ولا هو واجب أيضًا، والكلام يجيء عليه في موضعه.
وأما دم الحيض فليست إزالته -عندنا - فرضًا، ولا فيه عدد، ونحن نتكلم في إزالة الأنجاس عند الفراغ من عين هذه المسألة.
لإن قيل: فإنها نجاسة لا تلحقها المشقة في إزالتها غالبًا، فوجب أن تجب عليه إزالتها، أصله إذا كانت النجاسة من الدم كثيرة، أو كانت في غير هذا الموضع.
قيل: لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أن إزالة النجاسة ليست -عندنا - فرضًا في المواضع كلها.
[ ١ / ٣٦٥ ]
والوجه الآخر: أنه ينتقض بأثر الاستنجاء، لا تلحقه المشقة في إزالتها في الغالب؛ لأنه إما أن يكون مسافرًا أو مقيمًا، والغالب من عادة المسافر ومن في البرية ألا ماء معه، وإن كان معه فهو يحتاج إليه لشفته، وإن كان مقيمًا لحقته المشقة في إزالته بالماء، لأن الغالب أنه يتكرر منه في اليوم المرة والمرتان لا سيما العرب؛ لأن أقواتهم التمر فأجوافهم رقيقة.
قيل: مع وجوده الماء، وتمكنه منه لا تلحقه المشقة في غسله، فلمَّا لم يجب غسل الأثر لم يجب تخفيفه بالحجر، ألا ترى أن سائر الأنجاس -عنكم - لما وجب إزالتها وجبت بالماء الذي يزيل الأثر.
ثم إن العلة منتقضة بما دون اللمعة من الدم فإن غسلها بالماء لا يشق، ومع هذا فليس تجب إزالتها إجماعًا.
فإن قيل: قوله ﵇: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، عائد إلى الشفع وإلى الغسل فتقديره: فلا حرج في أن يعدل إلا هذين.
[ ١ / ٣٦٦ ]
قوله ﵇: «فلا حرج»، عائد على ما ذكر من فعل الاستجمار والوتر، فلا حرج في تركهما جميعًا، والرجوع إلى الغسل يحتاج إلى دليل؛ لأنَّ الرجوع إليه يدل على أنه أصل، ولم يثبت الأصل.
وعلى أنه لا يجوز صرف الخبر إلى هذا؛ لأن الغسل أحسن، فلا نقول: من عدل عنه إلى المسح أحسن وإن تركه وعاد إلى الغسل فلا حرج.
[ ١ / ٣٦٧ ]
فصل
فأما إزالة سائر النجاسات من البدن والثياب وغير ذلك فليست بفرض على ظاهر مذهب مالك.
وقال بعض أصحابنا: إزالتها فرض، وبهذا قال أبو حنيفة في غير الاستنجاء إذا زاد عن مقدار الدرهم.
وقال الشافعي: إزالتها فرض، ولم يعتبر مقدار الدرهم.
وأنا أتكلم على إزالتها في الجملة ليس بفرض، فإذا ثبت ذلك دخل فيه الاستنجاء.
والدليل على ذلك: هو أن الأصل أن لا يجب شيء إلا بدليل.
وأيضًا فإنا نفرض المسألة في رجل صلَّى وعليه نجاسة، فقلنا: صلاته صحيحة، وقالوا: هي فاسدة، فالدليل لقولنا: قوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهذا قد فعل الصلاة، ونوى أن تكون له صلاة، فله ما نواه.
وأيضًا قوله ﵇: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا قد
[ ١ / ٣٦٩ ]
صلى وقرأ فيها بفاتحة الكتاب.
وأيضًا قول الله -تعالى -: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، إلى آخر الآية، ولم يذكر غسل شيء سوى ما ذكر من الأعضاء، وهذا قد فعل ما أمره به.
وأيضًا قول النبي ﷺ: «لن تجزئ عبدًا صلته حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله فيغسل وجهه ويديه»، وأعلمنا أن الصلاة تجزئ بهذا الفعل، ولا تجزئ بما دونه.
وكذلك قوله للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك»، ولم يذكر له شيئًا غير ما ذكره، وهو موضع تعليم، وبين له القدر الذي أمره الله به، فمن فعل ذلك فقد امتثل المأمور به، فلا يلزمه غيره إلا بدليل.
ولنا أن نفرض المسألة فيمن اخطأ أو نسي غسل النجاسة حتى صلى، قال النبي ﷺ: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، وهذا عام
[ ١ / ٣٧٠ ]
في رفع الحكم والمأثم؛ لأنَّ المراد الحكم؛ لأن الفعل قد وقع فلا يمكن رفعه، بل ينبغي أن يحمل على رفع الحكم في الفساد والقضاء لا على رفع المأثم؛ لأن رفع المأثم معلوم من هذا الخبر، فلا يحمل كلامه إلا على ما يعلم من جهته بهذا الخبر حتى تكون فيه فائدة مستأنفة، وهو الحكم الشرعي.
[ ١ / ٣٧١ ]
وأيضًا قول النبي ﷺ في المستحاضة: «تصلي وإن قطر الدم على الحصير»، فلو كانت إزالة النجاسة فرضًا لوجب منم هذا أحد أمور: إما أن لا تصلي أصلًا لهذه الضرورة، كما لا تصلي إذا كانت حائضًا، أو إن كان صلت قضت الصلاة حتى تتمكن من إزالتها، فلمَّا جوز لها الصلاة على حل النجاسة، وأجزأتها صلواتها، دل على أن إزالتها ليست بفرض.
وقد صلى عمر بن الخطاب ﵁ وجرحه يثعب دمًا بحضرة الصحابة، وكانت حاله كحالة المستحاضة.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وأيضًا فإن النبي ﷺ كان في الصلاة، فخلع نعله فخلع الناس نعالهم، فلمَّا فرغ من صلاته قلا: «ما لكم خلعتم نعالكم؟»، قالوا: رأيناك قد خلعت فخلعنا. فقال: «إنه أتاني جبريل فأخبرني أن فيهما قذرًا»، فقد علم ﵇ في الصلاة بالقذر في نعله، وبنى على صلاته، فلو كان إزالة النجاسة فرضًا، لكان فرضه من أجل الصلاة، فلم يجز أن يبني عليها، بل كان الواجب أني قطع ويستأنفها، كما يجوز له أن يبتدئها بالنجاسة.
[ ١ / ٣٧٣ ]
فإن قيل: فإن النبي ﷺ قد خلع النعلين، فلم تكن إزالة النجاسة فرضًا بها.
خلعهما: ليعلمنا الاستحباب، وبنى على صلاته ليعلمنا أن الإزالة ليست بفرض.
فإن قيل: فقول مالك أنه يجب أني قطع الصلاة إذا رأى في ثوبه نجاسة ويخرج فيغسلهما.
وأيضًا فقد قال مالك: إن من تعمد الصلاة بذلك أعاد في الوقت وغيره، وليس الفرض أكثر من هذا، وان الوعيد يلحقه، ولا يقدح في فرضه قوله: إذا صلَّى ناسيًا لنجاسة أنه يعيد في الوقت؛ لأن عنده أن الموالاة واجبة في الوضوء والغسل، ويفرق فيما بين العمد والنسيان، ويكون هذا فرضًا بمنزلة من يصلي أن عليه فرضًا أن أل ي قوم إلا خامسة، فلو قام إليها ناسيًا لم يفسد، وكنا يقول على التسمية على الذكاة، إنها واجبة يفرق بين عمدها ونسيانها.
[ ١ / ٣٧٤ ]
قيل: أما ما كان مثل النعل يلقيها عنه، ومثل أن يرى في ثوبه نجسًا، وعليه ما يستره غير ذلك الثوب فإنَّه يلقيه عنه ويمضي على صلاته، كما فعل النبي ﷺ في النعل.
فأما إن كان النجس على بدنه أو في ثوب يستره فإننا نقول:
اقطع صلاتك حتى تأتي بالسنة المؤكدة في صلاتك ولا تعتمد تركها، وقد قال مالك - فيمن نسي الوتر حتى دخل في صلاة الصبح وذكر الوتر -: إنه يقطع الصبح -التي هي فرض - لأجل الوتر - الذي هو سنة - فيصلي الوتر، ثم يعود على صلاة الصبح إلا أن يحاف فواتها، فكذلك نقول له في الصلاة، إنه يقطعها إلا أن يخاف فواتها فيمضي ولا يقطع، كمن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا يستره فإنَّه يصلي به.
وقوله: إن من تعمد الصلاة بالنجس فإنَّه يعيد الصلاة في الوقت وغيره؛ يريد من يتعمدها لغير عذر، فإن الإنسان لا يجوز له تعمد ترك سنن النبي ﵇ لغير تأول أو عذر من نسيان وغيره، وول كانت إزالته فرضًا لم تتخلف لضرورة وغير ضرورة، فلما جاز للمستحاضة، ولمن جرحه يثعب دمًا أن يصلي ولا يعيد، ثبت أن ذلك ليس بفرض.
وأما الموالاة في الوضوء فقد تقدم ثبوتها بظاهر الآية، ولم يتقدم ثبوت إزالة النجاسة في الوجوب، وقد يكون في السنن ما بعضه
[ ١ / ٣٧٥ ]
آكد من بعض، فلما اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هو واجب، وقال بعضهم: هو مسنون آكد مما اتفقوا فيه على أنه مسنون، فكل ما كان آكد فإن مالكًا يشدد فيه.
ولنا في المسألة أيضًا: ما روي أن النبي ﵇ صلى صلاة الصبح، فلمَّا قضى صلاته واقبل على الناس بوجهه، نظر فإذا لمعه من دم الحيض، في ملحفة قد صلَّى فيها، فصرها في يد بعض أصحابه، ووجه بها عائشة ﵂ لتغسلها، ولم يعد الصداة،
[ ١ / ٣٧٦ ]
فلو كانت إزالة ذلك فرضًا لأعاد الصاة، وهذا لا يلزم أبا حنيفة، لأنَّه يجوز أني كون أقل من الدرهم، ولكنه يلزم أصحاب الشافعي؛ لأنهم يسوون بين قليله وكثيره.
ولنا أيضًا: القياس على المستحاضة إذا صلت، فإن صلاتها مجزئة، فكذلك إذا صلَّى من به نجاسة، والمعنى فيه: أنه مصل بجميع شرائط الصلاة، غير أن عليه نجاسة لم يتعمد تركها لغير تأويل.
فإن قيل: المستحاضة معذورة بها ضرورة، ولا يمكن زوالها حتى يزول الوقت.
قيل: هذا منتقض بمسألة فرع، وذلك أن رجلًا لو اقعد في ماء نجس إلى نصفه أو إلى حلقه، ومع أن يخرج منه أيامًا، وأوقات الصلاة تحضر، وهو لا يقدر أن يتوضأ إلا بالماء النجس، وهو لا ينفك من النجاسة عليه، وهو مع هذا يخالف المستحاضة -عنكم -؛ لأنَّكم إما أن تقولوا يصلي ويعيد، أو لا يصلي في الحال ويصلي إذا تخلص، أو لا يصلي أصلًا، فأمتا أن يصلي ويجزئه كالمستحاضة فلا نظنه قولكم؛ لأنَّه كالمحبوس في الحش، وقولكم فيه معروف، وضرورة هذا أشد من ضرورة المستحاضة.
[ ١ / ٣٧٧ ]
فإن قيل: فإن الدليل قد قام على وجوب إزالة الأنجاس، وهو قوله -تعالى - ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، والثياب في الإطلاق وما جرى به العرف، والتطهير بما علمناه في الشرع من نجس.
قيل: الجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن الثياب وإن كانت من العرف على ما نعلمه من ثيابنا فإن هذه الآية قد وقع التنازع في المراد منها، فقال ابن عباس ﵁: إن الله -تعالى - أراد وقلبك فطهر، واستشهد على ذلك بقول امرئ القيس:
وإن تك قد ساءتك مني خليقة … فسُلِّي ثيابي من ثيابِك تَنْسُلِ
[ ١ / ٣٧٨ ]
فإذا كان الخلاف بيننا فيما أريد بالثياب في هذه الآية لم تكن لكم فيها حجة، لأننا لا نوجب شيئًا ونفرضه بأمر متنازع فيه.
وجواب آخر؛ وهو أن حقيقة قولنا: طهر ثوبك، إنما هو أمر لمن في ثوبه نجس، ولا يقول أحد: إنه كان في ثوب النبي ﷺ نجس، فيحمل قوله -تعالى -: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، على معنى بعدها من النجس، وهكذا نقول: وهذا مثل قوله -تعالى - في عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي مبعدك منهم.
لا إن قيل: يحتمل أن يكون كان في ثيابه شيء من نجس.
قيل: ويحتمل ألا يكون، فلا نوجب شيئًا بمحتمل.
وجواب آخر: وهو أن التطهير اسم مشترك، فلا نجعل هذا لنجاسة إلا بدليل، وقد قيل: إنه لنا أمر بتطهير الثياب قبل اجتناب الرجز دل على أن المراد القلب، لأنه محال أن يؤمر بإزالة النجاسة عن ثوبه أو بدنه قبل اجتناب الرجز، وقبل أن تفرض عليه الصلاة التي لأجلها أمر بتطهير الثياب.
[ ١ / ٣٧٩ ]
فإن قيل: فإن النبي ﷺ أمر بصبِّ الماء على بول الأعرابي، وأمره على الوجوب.
وكذلك في دم الحيض حيث قال لأسماء: «حتيه ثن اقرصيه ثم اغسليه بالماء»، وهذا كله على الوجوب.
قيل: هذا واجب كما ذكرتم وجوب سنة، وخلافنا في الفرض، والفرض كما يفرضه القرآن، أو يكون ذكره مجملًا في القرآن فيبينه ﵇ فأما ما يبتدئ ﵇ فيبينه فليس بفرض.
قوله: فليس بفرض من عندي، وقد فرق المسلمون بين الفرض والسنة، فالفرض ما كان بالقرآن، والسنة ما كان من النبي ﵇ وهكذا قولنا، وهذه كان الشيخ أبو بكر ﵀ يختارها.
وقد حُكي عن سعيد بن جبير لما قيل له: إن إزالة النجاسة
[ ١ / ٣٨٠ ]
فرض أنه قال: اتل علي بها قرآنًا، فرأى أن الفرض لا يكون إلا بقرآن.
وعلى أن هذا يجوز أن يصرف إلى السنة والندب بالدلالة، وقد ذكرنا في المسألة دلائل من الأخبار والقياس.
فإن قيل: فإن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما: فكان لا يستنزه»، وفي خبر: «لا يستبرئ من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، وهذا إخبار منه ﵇ عن تعذيبه بسبب البول، وتوعد وتحذير لمن يسمع ذلك، فثبت بهذا أن الإزالة فرض.
قيل: هذا إخبار عن عين واحدة، واللفظ قد اختلف فيه، فقيل: «لا يستبرئ». وقيل: «لا يستنزه»، فيحتمل أن يكون يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهر؛ لأن الوضوء لاي صح مع وجوده.
ويجوز أن يكون أيضًا يفعل ذلك على عمد له لغير عذر، - وعندنا - أن من تعمد ترك سنن النبي ﵇ لغير عذرٍ ولا تأويلٍ متوعد مأثوم، وكذلك من لا يستنزه ويتعمد استعمال النجس ولا يجتنبه، فأما إذا لم يتعمد ذلك أو ترك إزالته متأولًا أو لعذر فصلاته ماضية وقد
[ ١ / ٣٨١ ]
أساء، ألا ترى أننا قدذ كرنا حديث المستحاضة، وحديث عمر ﵁ أنَّه صلَّى وجرحه يثعب دمًا، وكذلك تأول أكثر أصحابنا في الناسي إذا صلَّى وفي ثوبه نجس أو في بدنه جَعْلَه معذورًا بالنسيان كالمستحاضة، وقالوا في العمد لغير عذر، لا تجوز الصلاة وتعاد في الوقت غيره، فإن كان هذا هكذا فالمعذور لا يلحقه الوعيد، وإنما يلحق القاصد لغير عذر.
لإإن قيل: فما الفرق بين الفرض والسنة إذا كنتم توجبون الإعادة في ترك الفرض في الوقت وغيره، وتوجبونها في السنة كذلك؟!
قيل: الفرق بينهما هو أنه قد صلَّى وترك فرضًا أعاد الصلاة، سواء تعمد ذلك أو نسي أو لعذر، وإذا صلَّى وترك السنة لضرورة أو نسيان لم يعد، فأما إذا تعمَّد لغير عذر أو تأويل أعاد أبدًا.
كما لو ترك الفرض.
مثال هذا: لو فاتته صلاة العيد، ونام عن الوتر حتى طلعت الشمس لم يعد، ولو تعمد ترك ذلك أعاد الوتر، فأما العيد فسنتها الجماعة فإذا فاتت لم تجب إعادتها إذا تركها عمدًا، كما لو تعمد ترك الجمعة لم يعدها جمعة.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فإن قيل: فقد بان بهذا أن الموالاة في الوضوء والغسل مسنون؛ لأنَّه يمضي مع النسيان، وإن كان يعيد مع العمد إذا صلَّى.
قيل: قد بينا أن في الفروض مثل ذلك، ألا ترى أن الإمساك عن الأكل والشرب قي رمضان فرض، ثم لو نسي فأكل لم يبطل صومه - عندكم -، ولو تعمد بطل.
وكذلك الإمساك عن القيام إلى خامسة في صلاة الفرض، ويفترق عمده ونسيانه.
فإن قيل: فقد استوت الفرائض والسنن في مواضع فبأي شيء يعلم الفرق بينهما في الابتداء؟
قيل: ما كان فرضًا فأصله في القرآن، إما مفسرًا، أو مجملًا يبينه النبي ﵇، وما كان مسنونًا فهو ابتداء من النبي ﵇.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وقد دخل في الحِجَاجِ حجةُ مَنْ قال مِن أصحابنا: إن إزالتها فرض، وبيّنا حجةَ ظاهر قول مالك ﵀ إن إزالتها سنة، فمن قال: إنها فرض، لزمه أن يكون الاستنجاء فرضًا، وعلى قول مالك يكون الاستنجاء مسنونًا، والله أعلم.
ب ل يكون الفرق بين الاستنجاء وبين سائر الأنجاس على قول من يقول: إن الإزالة فرض أو سنة من وجه، وهو: أنَّه خفف في الاستنجاء بالأحجار دون الماء؛ ليقلع العين دون الأثر، والموالاة داخلة في جملة الفرض، لأن ظاهر القرآن يدل عليها، ولي سفي إزالة النجس ظاهر القرآن، فهو في حيز المسنونات، والله أعلم.
[ ١ / ٣٨٤ ]