وعدد الأحجار غير مستحق عندنا، وعند أبي حنيفة، فإن اقتصر على دون ثلاثة مع الإنقاء جاز، وبه قال داود.
وقال الشافعي: لا يجوز الاقتصار عن ثلاثة أحجار وإن أنقى.
وهذه المسألة فرع أتى على أن الاستنجاء غير واجب، وقد دللنا عليه، وإذا سقط وجوبه سقط اعتبار صفته ومقداره، لأن أحدًا لا يفرق بينهما.
وكان الشيخ أبو بكر ﵀ يقول: إنَّه لا يعرف عن مالك ﵀ نصًّا: هل يجوز أن يقتصر على أقل من ثلاثة أحجار إذا أنقى؟ قال: والذي أدركت عليه شيوخنا أنه يجوز الاقتصار عن ثلاثة
[ ١ / ٣٨٥ ]
إذا أنقى إلا أبا الفرج المالكي فإنَّه في كتابه الحاوي: لا يقتصر على ثلاثة أحجار، والذي أقول أنا: وهذا يتخرج على قول أبي الفرج: إن الاستنجاء وإزالة الأنجاس فرض.
وأنا أدل على أن العدد غير واجب فيه؛ لأنَّ أحدًا لا يفصل بين الأمرين، فيسقط وجوب الأصل بسقوط وجوب ص فته.
والدليل على أن العدد غير معتبر: أنَّ رسول الله ﷺ في ليلة الجن طلب للاستنجاء أحجارًا من ابن مسعود، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة وقال: «إنها ركس»، وذكر في بعض الأخبار: أنَّه أتاه
[ ١ / ٣٨٦ ]
بالثالث وروي: أنَّه لم يأته بشيءٍ، وأي الأمرين كان فالاستدلال به صحيح؛ لأنه ﵇، اقتصر للموضعين على ثلاثة أحجار، فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة أحجار، ألا ترى أنه لا يقتصر على الاستنجحاء لأحد الموضعين ويتر الآخر.
وأيضًا فإن الأصل أن أل يجب شيء، وقد لتفقنا على إ ثبات حجر واحد إذا أنقى، واختلفنا في الزيادة عليه، فنحن على موضع الاتفاق حتى يقوم دليل الاختلاف.
وأيضًا فقد روي أنه ﵇ قال: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، فقوله: «فليوتر»، يقتضي أن يفعل ما يسمى وترًا، وأول الوتر [هو الوتر] هو الواحد، ولو ثبت أنَّه أراد الثلاث لكان قوله: «فقد أحسن، ومن لا فلا حرج»، يدل على جواز ترك الثلاث، ولا حرج عليه.
فإن قيل: حملكم له على الواحد لا يفيد؛ لأن الواحد لا بد منه.
[ ١ / ٣٨٧ ]
قيل: فائدته أنه إذا أنقى بالواحد لا يفعل الشفع الذي هو الاثنان.
فإن قيل: دليل الشفع لا يجوز، ويجوز أن يكون قوله: «فلا حرج»، في العدول إلى الشفع أو إلى الغسل.
قيل: إنما يرجع الكلام إلى ما تقدم ذكره، ولم يجر لغير الإيتار ذكر، فقوله: «فلا حرج» راجع إليه، ولو كان قوله: «فلا حرج»، راجعًا إلى أنه يفعل الشفع فأول الشفع بعد أول الوتر هو الاثنان، وأنتم لا تجيزون الاقتصار على الاثنين.
وعلى أنه أل يصح أن يعود قوله: «فلا حرج»، إلى الغسل؛ لأنَّ الغسل أحسن من الاستنجاء، فلا يكون قوله: «فقد أحسن»، للاستجمار، «فلا حرج»، في الغسل.
فإن قيل: فإنَّه مجمل يقضي عليه ما رويناه من الأحاديث التي في بعضها: «وأمرنا أن نستنجي بثلاثة أحجار»، وفي بعضها: «لا يجتزئ»، و«لا يكتفي بدون ثلاثة أحجار».
قيل: هذه الأخبار حجة عليكم؛ لأنَّ الغائط يؤتى للأمرين من الغائط والبول، وقد اقتصر ﵇ على ثلاثة أحجار فيها، فحصل لكل موضع منهما أقل من ثلاثة أحجار، وليس فيه ذكر أحد الموضعين
[ ١ / ٣٨٨ ]
دون الآخر، فيحتمل أن يكون أراد الموضعين جميعًا أو أحدهما، فليس أحد الأمرين بأولى من الآخر.
ويحتمل أني كون أراد بذكر الثلاثة أن الغالب وجود الإنقاء بها، كما ذكر في المستيقظ من النوم أن يغسل يده ثلاثًا قبل إدخالها في وضوئه على غير وجه الشرط، وليس في خبرنا إجمال يحتاج إلى تفسير.
وأيضًا فإن الثلاثة ليست بحد، ألا ترى أنَّه لو لم ينق بها لزاد عليها.
ثم إننا نستعمل الأخبار كلها، فنحمل أخبارنا على جواز الاقتصار على ثلاثة إذا أنقت، ولا يجتزئ عنها إذا لم تنق الاثنان، لأنَّه لي سفي إيجاب الثلاثة حكم يتقدر حتى لا يتجاوز، لأنه إذا لم ينق لزم الزيادة عليها، فعلم أن الفرض الإنقاء، ويجوز أن نحمل الثلاثة على الاستحباب إذا أنقى بما دونها.
ونقول أيضًا: إن الاستنجاء مسح، والممسوحات في الشرع لا يجوز فيها التكرار دليله مسح الرأس، ومسح الخفين.
وأيضًا: فإنها نجاسة عفي عن أثرها، فوجب ألا يجب تكرار المسح فيها، دليله سائر النجاسات.
وأيضًا فإن الماء أبلغ في الإزالة؛ بدليل أنَّه لا يبقي حكم النجاسة، وإنما الاستنجاء يخفف قذرها ولا ينقي أثرها، فإذا سقط التكرار في موضع إزالة الأثر كان سقوطه في الموضع الذي لا يقصد به إزالة الأثر أولى؛ لأنه أخف.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وأيضًا فإنه مقام تطهير، هو أصل، فأشبه التيمم، ومسح الخفين لا يستحق التكرار فيه.
وأيضًا فإن المقصود من المسح الإنقاء، بدليل الاتفاق على أنَّه إذا لم ينق بثلاثة زاد عليها، وبدليل الاتفاق على جواز الاقتصار على حجر واحد له ثلاثة أحرف، ولو كان العدد معتبرًا لاعتبر عدد الأعيان، كأحجار رمي الجمار، فلمَّا سقط اعتبار العدد دل على اعتبار الإنقاء، وقد وجد فبان بما ذكرناه سقوط العدد، وإذا ثبت ذلك، صح أنه في الأصل غير واجب؛ لأن من أوجب الاستنجاء لم يوجبه إلا على هذه الصفة.
وأيضًا فإن الاستنجاء اسم لإزالة النحو، ومنه اشتق فإذا زال بالحجر الواحد والحجرين لم يبق هناك نجو يقع الاستنجاء له.
فإن قيل: فإنه نجاسة قرن إزالتها في الشرع بعدد من جنس فوجب أن يكون العدد فيه شرطًا كالولوغ.
قيل: هذا لا يلزمنا نحن؛ لأنَّ غسل الإناء من الولوغ لا لنجاسة، ثم شرط العدد فيه غير مستحق وإنما هو مندوب.
[ ١ / ٣٩٠ ]
فإن قيل: قوله ﵇: «من استجمر فليوتر»، عام في الوتر الذي هو مرة واحدة، وفي الوتر الذي هو الثلاث والخمس والسبع، وأخبارنا خاصة في وتر بعينه وهو الثاث.
قيل: قوله: «فليوتر»، يتعلق الحكم بأول الوتر، وهو أمر يقتضي فعل مرة، وأول الوتر مرة، ثم قوله: «فقد أحسن»، يدل على أنه لم يرد ما زاد عن الثلاث مع الإنقاء؛ لأنَّه يكون مسيئًا غير محسن.
فإن قيل: إنه وإن أنقى بما دون الثلاث فعليه أن يأتي بالثاث تعبدًا مع إزالة النجس وقد يزول حكم النجاسة، ويبقى التعبد، كما نقول: إن العدة لبراءة الرحم، ألا ترى أته إذا طلقها قبل الدخول لا عدة عليها؛ لعلمنا ببراءة رحمها، ثم أوجبنا على الحرة ثلاثة أقراء وإن كانت البراءة تعلم بقرء واحد.
والدليل على أن البراءة تقع بقرء واحد؛ أن الأمة إذا بيعت تستبرأ
[ ١ / ٣٩١ ]
بحيضة واحدة، ثم أوجبنا على الحرة ما زاد على القرء الواحد تعبدًا، وإن كان القصد من العدة براءة الرحم، كذلك أيضًا وإن كان القصد من الاستنجاء إزالة النجاسة جاز أن توجد الإزالة ويبقى الوجوب للعبد.
قيل: قولكم: إن ما زاد على الحجر الواحد إذا أنقى يجب تعبدًا، فإننا نقول: إن العبادة ما كان واجبًا يفعل على طريق القصد إلى القربة، فلو منعناكم من اسم العبادة على إزالة النجس لجاز، على أن الاستنجاء لم يوضع لإزالة النجس وإنما هو لتخفيفها والعدة لم توضع لإزالة المعنى، وإنما وضعت لتبيين أن الحمل ليس بموجود، وأن الرحم غير مشغولة، ويفترق حكم ما به يعلم عدم الشيء، وحكم ما يزيله ويؤثر في رفعه بعد وجوده.
وعلى أن مراعاة العدد لوجب أن يستوي فيه حكم الحرة والأمة وأم الولد؛ لأنَّ عدة أم الولد على -أصولهم - عدة، ولم يعتبر فيها
[ ١ / ٣٩٢ ]
العدد وإن روعي في الحرة، وإنما اختلف حكم العدة لاختلاف الحُر! م كالحدود وطلاق الحر والعبد، ولم يكن الاستنجاء لأجل الحُرَم معتبرًا؛ لأنَّه يستوي فيه الحر والعبد، والحرة والأمر، لأن الفرض فيه التخفيف للنجاسة فحيث وجد إلقاء العين وقلعها دون أثرها جاز، ألا ترى أن الحرة والأمة قد اشتركا يف وضع الحمل، واعتبرا فيه جميعًا اعتبارًا واحدًا؛ لاستوائهما في الاستبراء، فكذلك لما استوى الفرض في الاستنجاء وهو خفيف النجاسة بقلع عينها لم يعتبر فيه العدد.
فإن قيل: فإن الاستنجاء بالأحجار كالعدة بالأشهر والإقراء، والاستنجاء بالماء كالعدة بوضع الجمل؛ لأن الماء يزيل العين والأثر على الحقيقة، ووضع الحمل براءة للرحم على اليقين، فوجب ألا يثبت قولكم بالشهور والإقراء، وإنما هي دعوى.
على أننا نقول لكم: أليس قد جاز الاستجمار الذي يقطع العين دون الأثر في أن الاستنجاء يقوم مقام الماء في ترك العدد؟
قيل: إنكم لم تذكروا معنى تجمعون به بين الاستجمار وبين العدد، فقد صار الغرض منه قلع العين حسب، كما أن الغرض من الماء قلع العين والأثر، فإذا لم يعتبر العدد فيما قصد له من قلع العين والأثر لم يعتبر العدد فيما أريد له من إزالة العين دون الأثر، لأن الغرض زوالها دون أثرها.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ثم أن الذي يدل على صحة هذا هو: أن العين إذا لم تزل بالثلاث زاد عليها حتى تزول العين دون الأثر، فقد استوى الأمران في سقوط العدد في قلع العين، بل الموضع الذي عفي فيه عن الأثر أولى أن يسقط فيه العدد، والموضوع الذي أخذ عليه قلع العين والأثر أولى أن يعتبر فيه العدد؛ لأنَّ ما تعاظم من حكم الشيء - عندكم - أولى من زيادة العدد فيه، كولوغ الكلب اعتبرتم فيه العدد ولم تعتبروه في غيره.
ثم نقول أيضًا: إذا كان زوال العين دون الأثر قد يزول بأقل من ثلاثة أحجار مع جواز أن يكون ألثر قد زال، ويجوز ألا يزول، فليس ههنا أمر متحقق، فينبغي أن ترد هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند هذه الزيادة على الحجر والحجرين إذا أزال العين إلى غسل اليد عند الاستيقاظ من النوم قبل إدخالهما في الإناء، لأن هناك أمرًا مشكوكًا فيه أل يتحقق، فيكون غسل اليدين مستحبًّا، ويكون المسح بالحجر الثالث مستحبًّا؛ لأنَّه ليس هناك أمر من بقايا العين يتحقق، وهذا من باب الطهارات، وغسل اليدين مثله، وليس كذلك العدة، لأنَّه وإن كان الغرض فيها براءة الرحم، ففي الموضع الذي يتحقق فيه بوضع الحمل تستوي فيه الأمة والحرة، وفي الموضع الذي أل يتحقق فيه بالإقراء والأشهر فإنما هو لأجل الحرم، مع الاستدلال على براءة الرحم، ألا ترى أن عدة الأمة والزوجة على النصف من عدة الحرة بالأقراء، واستبراء الأمة من وطء سيدها بحيضة، فهي كما ذكرنا وفي الحدود والطلاق الذي ينكمل بكمال الحرمة، وينقص بنقصانها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لا يختلف الغض فيه من الإنقاء في الحر والعبد، فحيث وجد أجزأ.
وعلى أن العدة مرتبة، ولا يجوز للحامل أن تعتمد بالشهور أو الأقراء، ولا لذات قرء أن تعتد بالشهور، وليس الاستنجاء بالماء
[ ١ / ٣٩٤ ]
والاستجمار مرتبين، بل هو مخي بينهما، فلم يشبه العدد.
وعلى إننا قد ذكرنا أن الحجر الواحد إذا كان له ثلاثة أحرف قام مقام الثلاثة الأحجار والنبي ﵇ نص على ثلاثة أحجار، وليس الحجر الواحد ثلاثة أحجار، فكذلك يقوم الحجر والحجران، وليس الثلاثة إذا حصل قلع العين من النجاسة، وإن جاز أن يقوم حجر واحد له ثلاثة أحرف مقام ثلاثة أحجار؛ لأنه يكون فيه ثلاث مسحات، جاز أني قوم الواحد والاثنان مقام الثلاثة إذا قلع عين النجاسة، وكان اعتبارنا بقلع العين أولى، لجواز الزيادة على الثلاث إذا لم يحصل الإنقاء.
ونقول أيضًا: إن الطهارات المتعلقة بالمادات، عينيات كن أو حكميات لا تقتضي اعتبار العدد في الوجوب، أصل ذلك التيمم والدباغ.
وأيضًا فقد اتفقنا على أن الثلاثة تجزئه إذا قلعت العين، فكذلك دونها؛ لوجود قلع عين النجاسة.
فإن قيل: قد اتفقنا على أن الحج لا أو الحجرين إذا لم يقع الإنقاء لم يجزئ؛ بعلة قصوره عن الثلاثة.
قيل: هو منتقض بالحجر الواحد له ثلاثة أحرف.
[ ١ / ٣٩٥ ]
فإن قيدوه بالمساحات.
قيل: المعنى فيه أن الإنقاء لم يحصل، ويكون قياسنا أولى؛ لأنَّه يطرد وينعكس، فأين وجد الإنقاء أجزأ، وإن لم يوجد لم يجزئه الثلاثة بالاتفاق.
فإن قيل: قولكم: إن الاستنجاء اسم لإزالة النجو، فإذا انقلع النجو، بحجر واحد لم يبق هناك نجو خطأ؛ لأنَّنا نجد إزالة النجو بحجر ولا يسمى استنجاء، ألا ترى أن النجو يكون على الثوب والبدن فيزول بالحجر، ولا يسمى قلعه بالحجر استنجاء، وقد يسمى في موضع استنجاء ولا نجو هناك، مثل أن ينجي بحجر فيقال: قد استنجى، وإن لم يكن على ذكره نجو، فعلم أن الاستنجاء اسم لإمرار شيء على محل مخصوص.
قيل: إنَّما لم يسم قلع النجو على الثوب أو البدن بحجر استنجاء؛ لأنه أخذ عليه قلع أثر النجو مع العين فلم يخص باسم الاستنجاء وإنما يقال له: قد غسل وقلع النجو، ولما أخذ عليه في الاستنجاء قلع العين دون ألثر اختص باسم الاستنجاء قلع عين النجو.
وأما مسح الذكر بالحجر فالاسم المختص به الاستبراء لا الاستنجاء، فإن سمي بذلك فإنما هو لمراقبته موضوع النجو.
[ ١ / ٣٩٦ ]
فإن قيل: قد سمي استجمارًا،، اخذ من اسم الجمار، واستعمال الأحجار فيها فروعي فيه العدد.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن رمي الجمار لا يجوز الزيادة على العدد المحدود فيها ولا النقصان منها، وليس كذلك الاستجمار؛ لأنَّه لو لم تزل العين بالثلاثة زاد عليها، وقد يجوز أن يقتصر على حجر واحد له ثلاثة أحرف.
والجواب الآخر: هو أن الأخص من أسماء مسألتنا إنما هو الاستنجاء، وعبر عنه بالاستجمار بالحجر، فلمَّا دخل استعمال الحجر ههنا سمَّى استجمارًا، والغرض مه الإنقاء لا العدد بما ذكرناه من الزيادة على العدد إذا لم ينق.
ويجوز أن نقول: إن الاستجمار ههنا لم يؤخذ من الجمار بل أخذ من استعمال المجمرة يكون الجمر فيها بالبخور لطيب الرائحة، فلمَّا كان الحجر يقلع العين التي منها الرائحة جاز أن نقول: قد استجمر، والله أعلم.
[ ١ / ٣٩٧ ]
فصل
والاستنجاء بما يقوم مقام الحجارة من الآجر، والخرق والتراب وقطع الخشب جائز، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال داود: لا يجوز بما عدا الأحجار.
والدليل لقولنا: الظواهر من قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم﴾، وهذا إذا استنجى بغير الحجارة، وغسل أعضاءه فقد امتثل ما أُمر به.
[ ١ / ٣٩٩ ]
وجميع الظواهر مثل قول النبي ﷺ: «وإنما لامرئ ما نوى».
ومن قوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وما أشبهها.
وأيضًا ما روي أنه ﵇ قال: «إذا قضى أحدكم حاجته فليستنج بثلاثة أحجار، أو ثلاثة أعواد، أو ثلاث حثيات من تراب».
[ ١ / ٤٠٠ ]
ورواه طاووس عن ابن عباس عن النبي ﷺ فقد خيِّر بين الأحجار والأعواد والتراب.
وروي عن أنس بن مالك أنَّه كان يستنجي بالحُرُض،
[ ١ / ٤٠١ ]
ويذكر أنَّه رأى رسول الله ﷺ يستنجي بالحرض.
، أيضًا قوله ﵇: «من استجمر فليوتر»، ولم يخص ما يستجمر به.
وأيضًا ما رواه أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «وليستنج بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة»، والدليل فيه من وجهين:
أحدهما: أنه لما نص على الروث والرمة بالنهي دل على أن ما عداهما بخلافهما، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة.
فإن قيل: إنما نص على الروث والرمة تنبيهًا على غيرهما، وأن ما عداهما وحكمهما.
قيل: هذا لا يجوز، لأن هذه التنبيه إنما يفيدنا إذا كان في المنبه عليه معنى المنبه وزيادة عليه، فأما أن يكون دونه في المعنى فلا يجوز، كقوله -تعالى -: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُمَا﴾، دخل فيه الضرب؛ لأن الضرب، فيه أف، وما هو أبلغ من أف، ولو نص على الضرب، لم يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنَّه ليس في أف معنى الضرب، ولا يقع فيه التنبيه على المنع من أف؛ لأنَّه ليس في أف معنى الضرب، ولا الأذى به. ألا ترى أنه لو قيل: فلان يخفر الأمانة في درهم أو دانق،
[ ١ / ٤٠٢ ]
لكان فيه تنبيه على أنه يخفر في الدينار، وما هو أكثر منه؛ لأن في الدينار الدرهم والدانق، ولو قيل: إنَّه يخفر الأمانة في دينار لم يدل على أنه يخفرها في درهم أو دانق، لأنه ليس في الدرهم والدانق دينار، وقد قال -تعالى -: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، فعلم أن من أدَّى الأمانة في القنطار كان أولى أن يؤديها في الدينار، ومن لم يؤدي الأمانة في الدينار، كان أولى أن لا يؤديها في القنطار، فكذلك أيضًا فيما عدا الروث والرمة من الظاهر، إذا ليس في الطهارات معنى الروث والرمة، فلم يقع التنبيه عليها، بل يقع التنبيه على ما في معناها من سائر النجاسات التي هي أعظم منها أو من الأشياء المبعدات المكرهات.
والوجه الثاني: هو أن قول الراوي: ونهى عن الروث والرمة استثناء من عموم قد تضمنه حكم اللفظ، ألا ترى أنه لو قال: استنجوا بثلاثة أحجار إلا الروث والرمة فلا تستنجوا بهما، [و] لكان المعنى تقديره كأنه قال: وليستنج بثلاثة أحجار، وبكل شيء جامد مثل الأحجار إلا الروث والرمة.
ولنا أيضًا حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ رمى بالروثة
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقال: «إنه نكس»، فبين أن المعنى في إلقائه أنه ركس، وداود بقول: علة المنع من استعماله كونه غير حجر، فخالف تعليل النبي ﵇.
وأيضًا فقد روى الأعمش عن أبي سفيان عن جابر أن النبي ﷺ قال: «إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا»، ولم يفرق بين الحجر وغيره.
وأيضًا فإنَّه جامد طاهر، ينشف رطوبات النجس، منقٍ فوجب أن يجزئ في حكم الاستنجاء به كالحجر.
فإن قيل: ينتقض بشيء من الصحف وبالخبز والدقيق وما يؤكل.
قيل: لم نقل فوجب أن يجوز، وإنما قلنا فوجب أن يجزئ إذا فعل، - وعندنا - أن هذا كله يجزئ وإن كنا نكره فِعْلَ ذلك.
فإن قيل: ينتقض بأصبعه؛ لأنَّه يجوز أن يستنجي بأصبعه.
[ ١ / ٤٠٤ ]
قيل: لا يدخل على اعتلالنا؛ لأن أصبعه لا ينشف رطوبات النجس، بل تصقع كالعظم والعاج والصفر، وغير ذلك من الأشياء الصقيلة، ولو ترك على أصبعه ترابًا أو حرضًا واستنجى به جاز، ولا يدخل على اعتلالنا الخل والماء ورد وسائر المائعات؛ لأننا قلنا جامد طاهر ينشف الرطوبات، وهذه الأشياء لو جمدت لم تنشف.
وأيضًا فإن الحجر منصوص عليه، فنقول: هو جامد طاهر منصوص عليه في إزالة النجس فجاز أن يقوم غيره مقامه فيه، أصله الشب والقرظ في الدباغ، فإنه يقوم قشر الرمان وغيره مقام الشب والقرظ.
فإن قيل: فقد روى سلمان أن المشركين قالوا: إن صاحبكم علمكم كل شيء حتى يوشك أن يعلمكم الخراءة. فقال: أجل نهانا رسول الله ﷺ عن الاستنجاء بالعظام والرجيع. وقال: «لا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار»، فأخبر أنه لا يكفي غير الحجر.
[ ١ / ٤٠٥ ]
وأيضًا فإنه نص على العدد وعلى نصفه بعيون الأحجار، فلما لم يجز الإخلال بالعدد، كذلك الحجر هو شرط كالعدد.
وأيضًا فإنَّه عدد موصوف لا يجوز الإخلال به، فلا يجوز الإخلال بالصفة، كالشهادة، قال الله -تعالى -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾،
وأيضًا فإن النبي ﷺ نص في رمي الجمار على الحصى، فقال: «خذوا مثل حصى الخذف»، ثم لا يجوز رمي الجمار بغير
[ ١ / ٤٠٦ ]
الأحجار والحصى فكذلك في الاستنجاء.
قالوا: ونقيس على ذلك فنقول: هو فرض يسقط بالأحجار فوجب أن لا يسقط بغير الأحجار كرمي الجمار.
والجواب: أما الخبر فقد روينا أنه قال «يكفي دون الثلاثة»، وتكلمنا عليه بقوله ﵇: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، وبالنص على ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب.
وأيضًا فإن المقصود من الخبر العدد، ألا تراه قال: «يكفي دون ثلاثة»، ولم يقصد الصفة، ثم لو تجرد جاز أن يجمل على الاستحباب.
على أن قولهم: إنه نص على العدد والصفة التي هي الأحجار،
[ ١ / ٤٠٧ ]
فإننا نقول: الحجر ليس بصفة، وإنما هو اسم المسمى، وتعلق الحكم بالاسم لا يدل على أن ما عداه بخلاف -عند أكثر أصحابنا - وإنما يدل على أن ما عداه بخلاف إذا علق بالصفة دون الاسم، وأنا أقول بالوجهين جميعًا، ولكنا قد قلنا: إن الخبر الذي قيل فيه: نهى عن الروث والرمة، قد تضمن الأحجار وغيرها، فلم يسلم النص على الأحجار، وقد عارضناه بالخبر الآخر الذي فيه: «من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج»، فصار تقديره: من استجمر بالأحجار فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، وهذا راجع إلى العدد والأحجار جميعًا.
وقولهم: لا يجوز الإخلال بالعدد والصفة، غلط؛ لأنه يجوز -
[ ١ / ٤٠٨ ]
- عندنا - الإخلال بالعدد، وقد دللنا عليها.
وأيضًا فقد وافقنا داود في جواز الاقتصار على حجر واحد فسقط السؤال على مذهبهم.
وعلى أن الفرق بين الشهادة وبين الاستجمار هو أن القلب على قول الشاهدين أسكن منه إلى قول الواحد إذا كرر الشهادة مرتين؛ لأن الاثنين إلى الصدق أقرب من الواحد، والمعنى الذي في الاثنين غير موجود في الواحد، وكذا قول العدل؛ إلى الصدق أقرب، والتهمة منه أبعد منها إلى الفاسق فلما لم يوجد في الفاسق معنى العدل لم يجز أن يقوم مقامه، وليس كذلك الأحجار؛ لأن المقصود منها قلع عين النجاسة؛ بدليل أن الثلاث لو لم تقلعها وجبت الزيادة عليها، والخرق والآجر وهذه الأشياء تعمل ما يعمل الحجر وأبلغ، فجاز أن تقوم مقامه لوجود معناها فيها.
وأما الجمار فعند داود أنه لو رماها بعصفورة ميتة جاز، -
[ ١ / ٤٠٩ ]
وعندنا - هي عبادة لا يعقل معناها، والعبادة إذا لم يعقل معناها لم يجز القياس عليها، ثم ما قالوه ينتقض بالرجم في الجمار على أصلهم، وينتقض بالرجم في الزنا.
وأيضًا فإن الغرض في الاستنجاء إزالة النجو، لأنه أقيم مقام الماء الذي يزيل النجاسات، فلما أقيم الحجر في الاستنجاء مقام الماء، أقيم مقام الحجر غيره فيما يفعل فعله، وإنما خص النبي الحجر بالذكر؛ لأنه أغلب الموجودات من الجمادات عند أهل الحجاز لا أنه اختصه بالحكم، كما ذكر الله -تعالى - الرهن في السفر؛ لأن الأغلب فيه عدم الكاتب والبينة، والحضر بمنزلته، لأن الغرض منه التوثق، ولو منعنا الاستجمار في كل موضع إلاَّ بالحجر لشق، وتعذر على أكثر أهل البلاد؛ لأنه ليس كل البلاد تكون الأحجار فيها غالبة موجودة كوجود التراب وغيره.
فإن قيل: فإنها طهارة بجامد أقيم مقام مائع كالتراب في التيمم.
[ ١ / ٤١٠ ]
قيل: أنتم لا تقولون بالقياس فسقط.
وعلى أصولنا ليس التراب شرطًا في التيمم -عندنا -، والصعيد هو نفس الأرض سواء كان عليها تراب أو لا، أو كان عليها زرنيخ، أو جص أو غيره.
وعلى ا، المعنى في التيمم أنه غير مخير بين الماء والتراب، وليس كذلك الاستنجاء؛ لأنه مخير بين الماء والحجر.
وعلى أننا قد عارضناه بقياسات أخرى أولى؛ لاستنادها إلى ما ذكرناه من نص السنة على الأحجار والأعواد أو الحثيات بالتراب، ولأن الصول يشهد له؛ وذلك أن هذه طهارة موضوعة على الرخصة والترفيه والتوسعة والتخفيف، ألا ترى أنه مخير بين المائع الذي هو الماء وبين الجامد من الأحجار، وقد عفي فيها عن إنقاء الأثر، ويجوز فيها الاقتصار على الجامد مع القدرة على المائع، وهذه المعاني كلها معدومة في الطهارة الحكمية والعينية، فغير منكر أن يكون من أحدِ رُخَصِها أن تجوز بكل جامد يكون في المعنى الحجر.
[ ١ / ٤١١ ]
وأيضًا فإن استعمال الجامد في هذا الموضع إنما دخل على سبيل الرخصة لكثرة البلوى، وفي أمرنا له باستعمال الماء في كل مرة يلحقه معه المشقة لتكرر ذلك منه، فلو كُلّف ألا يستعمل غير الأحجار للحقنة المشقة على ما ذكرناه من أن كثيرًا من البلدان تخلو من الحجارة، فكانت تزول الرخصة المعتبرة في الأصل، وعلى هذا بني أمر الإبدال في الأصول، والله أعلم.
[ ١ / ٤١٢ ]