ومن نام منضطجعا أو قائما أو راكعا أو ساجدا فعليه الوضوء، وبه قال الشافعي. وللشافعي قول آخر يفرق فيه بين كونه في الصلاة وغير الصلاة، فإن كان في الصلاة لم ينقض كما لا ينقض نوم القاعد، والقول الآخر مثل قولنا، سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة.
وعند المزني أن النوم حدث، فهو ينقض الوضوء، قليله وكثيره على كل حال، وفي القاعد أيضا.
وعند أبي حنيفة وأصحابه لا ينقض إلا في المضطجع حسب.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
واتفق فقهاء الأمصار على أن نوم المضطجع ينقض الوضوء.
وروي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز وعمروا بن دينار وحميد الأعرج أنهم قالوا: لا وضوء من النوم أصلا على أي حال
[ ٢ / ٥٥٩ ]
كان وإنما ينقض الوضوء ما خرج منه وتيقنه في نومه.
قالوا: لما روي عن ابن عباس ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على خالتي ميمونة، ونام فغط، حتى سمعنا غطيطه، ثم قام وصلى ولم يتوضأ.
والدليل عليهم: قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية. وهذه وردت على سبب، وهو أن أصحاب رسول الله كانوا قد قاموا من النوم، وكان ورودها في غزوة المريسيع حيث فقدت عائشة ﵂ عقدها، فأخروا الرحيل إلى أن أضاء الصبح، فطلبوا الماء فلم يجدوا، أنزل الله تعالى هذه الماء إلى قوله ﴿فتيمموا﴾، وإن كان الخطاب خارجا على سبب فلا خلاف
[ ٢ / ٥٦٠ ]
أن السبب داخل فيه، وهم قاموا من النوم فأوجب الله تعالى غسل هذه الأعضاء عند قيامهم من النوم.
وأيضا ما رواه علي ومعاوية أن النبي ﵇ قال: (العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ) فأوجب الوضوء من النوم، وهم لا يوجبون الوضوء من النوم أصلا.
وروى حذيفة قال: كنت جالسا في المسجد فدخل النبس ﵇، ووضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: يا رسول الله، أمن هذا وضوء؟. فقال: لا أو تضع جنبك على الأرض، فأخبروه أن الوضوء يجب عليه إذا وضع جنبه إلى الأرض ونام.
فأما ما رووه من الخبر فيجوز أن يكون النبي ﵇ مخصوصا به؛ لما روته عائشة أن النبي ﵇ قال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي)،
[ ٢ / ٥٦١ ]
وهذه معجزة له.
فإن قيل: كيف يكون هذا هو ﵇ بقي نائما حتى أيقظهم حر الشمس فلو لم ينم قلبه لعقل ما هو فيه.
قيل: خصوصيته إنما كانت في أنه إذا نام لا يخرج منه الحدث، وكان محروسا من ذلك، ولو خرج منه لعقله، ونحن بخلافه في ذلك، ولم يكن مخصوصا بأن يحسن في نومه.
وجواب آخر: وهو أنه يجوز أن يكون له ﵇ نومان: أحدهما: لا ينام فيه قلبه، وهو الذي روته عائشة ﵂، ونوم مثل نوم أمته، ينام قلبه وجميع أعضائه.
فأما الكلام على أبي حنيفة فالديل لقولنا: ما روي أن النبي
[ ٢ / ٥٦٢ ]
﵇ قال: (لا وضوء على الجالس)، دليله غير الجالس بخلافه فعليه الوضوء.
وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (لا وضوء على من نام قاعدا) دليله أن من نام غير قاعد فعليه الوضوء.
وأيضا قول الله تعالى: ﴿قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ الآية، وقد بينا أنها وردت على سبب، وهو أنهم كانوا قد قاموا من النوم في غزوة المريسيع، ولم يفرق بين نوم
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ونوم، فهو عمود إلا أن يقوم دليل.
وأيضا ما روي أنه ﵇ قال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) وهذا تعليل منه ﵇ أو تنبيه، فينبغي أن يكون كل نائم تسترخي مفاصله كذلك، والنائم راكعا أو ساجدا بهذه الصفة.
وأيضا ما رواه علي بن أبي طالب ﵁ ومعاوية ﵄ أن النبي ﵇ قال: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان
[ ٢ / ٥٦٤ ]
استطلق الوكاء، فأخبر أن بنوم العينين يستطلق الوكاء، فهو عام في كل نوم إلا أن يقوم دليل.
وفي هذا الخبر: استطلق الوكاء فمن نام فليتوضأ فأمر بالوضوء، والأمر يقتضي الوجوب، نوما من نوم.
وأيضا فإنه نام زائلا عن مستوى الجلوس فوجب أن ينتقض وضوؤه، دليله إذا نام مضطجعا.
وأيضا فإنه لا خلاف بيننا أن النوم في نفسه ليس بحدث، وإنما وجب عليه الوضوء في نومه مضطجعا؛ لجواز خروج الحدث منه في الغالب؛ لأنه إذا كان متربعا قد أفضى بمقعدته إلى الأرض لا وضوء عليه؛ لأن الغالب عدم خروج الريح منه، فإذا كان الوضوء إنما وجب عليه في نومه مضطجعا لهذا المعنى، وهو إمكان خروج الريح منه في الغالب، ففي الراكع والساجد هذا المعنى، وهو أولى بوجوب لوضوء عليه؛ لأن الخارج منه أمكن؛ لأن المضطجع منضم الأطراف، والراكع والساجد بخلاف ذلك؛ لانفراج موضع الحدث، وفي الاضطجاع هو منضم، وهذه نكته جيدة.
[ ٢ / ٥٦٥ ]
فإن قيل: فقد روى أبو خالد الداراني عند قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ سجد فنام ونفخ، ثم قام فصلى. فقيل يا رسول الله، إنك نمت في سجودك وصليت ولم تتوضأ؟. فقال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعا)، وأنكر عليهم ظنهم، ففيه نص على النائم مضطجعا في وجوب الوضوء، وفيه نفي الوضوء عن الساجد، لأنه ﵇ نام ساجدا.
وأيضا ما روي حذيفة بن اليمان قال: كنت في المسجد فدخل النبي ﵇، فوضع يده على منكبي، فانتبهت فقلت: أمن هذا وضوء
[ ٢ / ٥٦٦ ]
يا رسول الله؟
فقال: (لا أو تضع جنبك على الأرض)، فقوله: لا، نفي لوجوب الوضوء إلا في وضعه جنبه على الأرض مع نومه.
قيل: أما حديث أبي خالد الداراني فإنه حديث منكر، هكذا ذكر أحمد بن حنبل، وأبو داود، وموسى بن هارون.
قال أحمد: وما لأبي خالد الداراني يدخل نفسه في أصحاب قتادة.
وعلى أن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليلس هذا منها، ومن مذهب أصحاب الحديث أنهم إذا قالوا: لم يسمع فلان من فلان شيئا فقد نفوا أن يكون أخذ عنه شيئا، ولا يريد بهذا
[ ٢ / ٥٦٧ ]
أنه قرأ عليه؛ لأن قراءته عليه سماع منه، ولو أرادوا أنه عنده مرسل لذكروه ولم ينكروه؛ لأنهم بأجمعهم - عندنا - يقولون بالمرسل، ولو اختلفوا فيه ذكره من لم يقل بالمرسل، وعلله وبين رده، ومن يقول بالمرسل لا ينكر عليه، وإنما يريدون بقولهم: لم يسمع النفي والرد لما رواه.
فإن قيل: فإن أبا داود قال: إن قتادة لم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث ليس منها.
وهو مرسل من وجه آخر، وهو أن أبا خالد لم يلق قتادة، وأنتم ونحن نقول بالمراسيل.
قيل: قد أجبنا عن هذا، وإنما نقول بالمرسل ما لم يمنع منه مانع، وقد بينا المانع، وهو أن أصحاب الحديث يريدون بذلك انه لا رواية عنده عنه.
على أنه لو صح لكان حجة لنا؛ لأن النبي ﵇ نص على المضطجع، وعلل تعليلا يدخل فيه المضطجع وغير المضطجع من الراكع والساجد، لأنه قال: (فإذا نام مضطجعا استرخت مفاصله)، كما نص على الأشياء الستة في الربا،
[ ٢ / ٥٦٨ ]
ونبه على غيرها مما هو في معناها.
فإن قيل: هذه العلة لا توجد في الراكع والساجد من طريق المشاهدة؛ لأنه مجتمع يثبت، ولو استرخت مفاصله لم يثبت وكان يسقط ويزول عن حالته في نومه.
قيل: مفاصله تسترخي لا محالة، فإن زاد عليه سقط، وليس هو بأكثر حالة من القاعدة المتمكن من الأرض، ثم إذا نام القاعد واستثقل سقط.
فإن قيل: لا يجوز أن يكون هذا التعليل عاما في المضطجع والساجد والراكع؛ لأن عمومه يسقط لفظ الخبر؛ لأن النبي ﵇ نام وهو ساجد، فلو كان الوضوء واجبا على الساجد بتعليله قوله:
[ ٢ / ٥٦٩ ]
"إنما الوضوء، على من نام مضطجعا"
قيل: إن تعليله ﵇ عام فينا، ولا يدخل فيه ﵇؛ لأنه محروس من أن تسترخي مفاصله؛ لأنه لا ينام قلبه وإنما تنام عيناه.
على أن هذا لا فائدة فيه لأصحاب أبي حنيفة؛ لأنهم يقولون: إنه لا ينتقض وضوؤه أيضا في غير الصلاة.
وأما حديث حذيفة فلا حجة لهم فيه؛ لأن النبي ﵇ قال: (لا وضوء في نوم القاعد) ونحن لا نوجب في مثله الوضوء، وأوجب ﵇ الوضوء في النوم مضطجعا، ونحن نوجبه، ولم يذكر في الخبر إلا حالتان: إحداهما: أن حذيفة كان جالسا نائما، فقال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ فقال: (لا) فنفي الوضوء عنه لكونه جالسا، وقوله: (إلا أن تضع جنبك) استثناء من كونه جالسا ما كان عليه.
فإن قيل: فإن النائم والقاعد معتمد على غيره، والقائم غير معتمد إلى على أعضائه، فإذا لم يجب الوضوء على القاعدة فلأن لا يجب على الراكع والساجد أولى.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
قيل: القاعد معتمد على غيره، وموضع خروج الحدث منه، وليس كذلك الراكع والساجد؛ لأن موضع خروج الحدث منه غير معتمد على شيء وهو منفرج.
فإن قيل: فإن أعضاءه لم تسترخ أكثر من استرخاء الناعس، ولهذا المعنى بقي على ركوعه لم يسقط. ألا ترى أن المغمى عليه لما استرخت أعضاؤه لم يبق، فصار بقاء الراكع على هذه الحال دلالة على تحفظه وعدم استرخاء مفاصله، فلم يجب عليه الوضوء.
قيل: إن الناعس ليس بنائم، وإنما أسباب النوم قد حصلت به تدعوه إلى النوم، فإذا حصل النوم استرخت مفاصله. وأما المغمى عليه فيزيد على نوم المضطجع. ألا ترى أن النائم المضطجع يحرك فيحس وينتبه، وليس المغمى عليه كذلك، وليس بقاء الراكع على حاله مما يمنع سبق الحدث منه لانفراج مقعدته، ثم إذا تزايد نومه سقط.
فإن قيل: فإنها حال من أحوال الصلاة في حال الاختيار، والاحتراز من المضطجع لأن الاضطجاع من أحوال الصلاة عند الضرورة.
قيل: هذا ينتقض به إذا نام متكئا فإن صلاته مجزئة مع الاختيار، ومع هذا ينتقض وضوؤه إذا نام متكئا.
ثم نقول: المعنى في القاعد أن الخارج لا يتمكن منه في غالب الحال، وقد أفضى بمقعدته إلى الأرض فلهذا لم ينتقض وضوؤه، وليس كذلك الراكع والساجد لانفراج موضع خروج الريح منه، وخروج ذلك متمكن منه.
[ ٢ / ٥٧١ ]
على أنهم ردوا الراكع والساجد إلى القاعد، ونحن رددناه إلى المضطجع، فما ذهبنا إليه أولى لموافقة تعليل النبي ﵇ ولتمكن الخارج منه في الأمرين جميعا، لأنه أحوط في إسقاط الصلاة عن ذمته بيقين، ولأنه ناقل عن أصل براءة الذمة إلى وجوب الطهارة وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
فصل
فأما الكلام على المزني، وما ذكر أنه أحد قولي الشافعي فالدليل عليه: ما روي أن النبي ﷺ كان ينام حتى ينفخ، ثم يصلي ولا يتوضأ. فقيول له في ذلك. فقال: (إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي) ففيه دليلان:
أحدهما: أن النوم نفسه لو كان حدثا لتوضأ ﵇ منه، كما يتوضأ من قليل الأحداث وكثيرها.
والثاني: إنما خبر أنه تنام عيناه ولا ينام قلبه ما كان منه، ولم يوجب الوضوء لأجل النوم، ونبه على أن الوضوء يجب من لا يعلم ما يكون منه في النوم.
وأيضا ما روي عن حذيفة أنه قال: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟ قال: (لا)، أو تضع جنبك على الأرض، فنفي إيجاب الوضوء عمن نام جالسا.
وأيضا حديث علي ومعاوية ﵄ أن النبي ﷺ
[ ٢ / ٥٧٣ ]
قال: العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) وفي حديث: (أنه إذا نام مضطجعا استرخت مفاصله، فأعلمنا أن باسترخاء المفاصل يسرع خروج الحدث ولم يجعل النوم حدثا، ولو كان النوم في نفسه حدثا لم يكن في قوله: (استرخت مفاصله) فائدة.
وأيضا فإنه إجماع الصحابة؛ بدليل ما روي أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينتظرون عشاء الآخرة، ويناموا حتى تخفق رؤوسهم، ثم يقومون ويصلبون ولا يتوضؤون، والعمدة في المسألة على هذا الخبر، ومحال أن يذهب على أصحاب رسول الله ﷺ أن النوم حدث ينقض الوضوء فيصلون بالنوم، ولا يسألون رسول الله ﷺ عن ذلك.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما كانا ينامان قاعدين ثم يصليان ولا يتوضآن.
وكذلك روي عن أبي أمامة وأبي هريرة مثل ذلك.
وإذا روي عن المنفتين بين الصحابة، روي عنهم أجمعين علم أن هذه المسألة مشهورة بينهم.
فإن قيل: القياس يوجب أن كل نوم ينقض الوضوء.
قيل: لو كان حدثا في نفسه لكان كما ذكرت، ثم لو كان كذلك لكان قياسا يمنع منه الإجماع.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
فإن قيل: في خبر صفوان أن النبي ﵇ أمرنا ألا ننزع خفافنا من نوم. ولم يخص، فاقتضى أن يتوضأ من كل نوم.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن إطلاق النوم لا يفهم منه نوم الجالس، وإنما يعقل منه نوم المضطجع. ثم لو ثبت العموم لكان مخصوصا بالخير وبالإجماع الذي ذكرناه.
فإن قيل: فإن النبي ﵇ جمع بين النوم وبين الغائط والبول في حديث صفوان.
قيل: إن الاقتران بين الشيئين في اللفظ لا يوجب اجتماعهما في الحكم.
على أنه إنما جمع بينهما إذا كان النوم مضطجعا، فإن الغالب منه خروج الريح، وما هذه صفته من النوم يجب فيه الوضوء.
فإن قيل: فإن حدث البول لم يختلف أحوال البائل في نقض الطهر.
قيل: إن البول يختلف باختلاف الأحوال؛ لأن سلس البول لا ينقض الوضوء، والمعتاد منه ينقض.
وعلى أنه لو لم يختلف حكمه لكان ذلك من أجل أنه لا يختلف في
[ ٢ / ٥٧٦ ]
نفسه لأننا قد نجد نوما ليس معه استرخاء المفاصل، ولا يمكن الخارج منه، فلما اختلف حال النوم في نفسه جاء اختلاف حكمه؛ لأنه سبب للحدث كمس الذكر الذي يختلف أحواله، فلو مسه بباطن يده نقض الوضوء - عندك - ولو مسه بظاهرها لم ينتقض.
فإن قيل: لو كان نوم الجالس لا ينقض وضوءه لبينه ﵇ كما بين الأكل في الصوم أن في ما يوجب القضاء مثل أن يأكل عامدا، ومنه ما لا يوجب القضاء كالأكل ناسيا.
قيل: الأكل - عندنا - على كل حال يوقع الفطر، لأنه يضاد الصوم، والنوم لا يضاد الطهارة في جنسه؛ لأن النبي ﵇ قد بين حكم النوم في حديث حذيفة لما نام جالسا، وقال: يار رسول الله، أمن هذا وضوء؟. فقال: (لا أو تضع جنبك على الأرض).
فإن قيل: فقد روت عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (من استجمع نوما فعليه الوضوء).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
قيل: كذلك نقول إذا طال نوم الجالس، ورأي المنامات فهو الذي ستجمع نوما، وكذلك المضطجع.
فإن قيل: فإن النوم كالإغمااء يبطل الوضوء على جميع الأحوال فكذلك النوم لزوال العقل.
قيل: الفرق بينهما واضح؛ وذلك أن المغمى عليه لا يحس بشيء، وإن نبه لم ينتبه في جميع أحواله فانتقض في جميع أحواله. والنائم ليس كذلك؛ لأنه ريما أحس بخروج الحدث منه فانتبه ولو حرك لانتبه فجاز أن تختلف أحواله.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
فصل
وإذا طال نوم الجالس ورأى المنامات فعليه الوضوء وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد.
ولم يفرق أبو حنيفة والشافعي بين نوم الجالس وقالا: لا ينتقض وضوؤه وإن طال.
والدليل لقولنا: أن الصلاة عليه بيقين، وهذا شاك فيها؛ لأنه إذا طال نومه لم يتقن كونه على طاهرة.
وأيضا ما روته عائشة ﵂ أن النبي ﵇ قال: (من استجمع نوما فعليه الوضوء) ولفظ: عليه للوجوب، واستجماع الإنسان نوما هو أن يغترفه النوم حتى يزول عن أحكام المتيقظ، وإذا طال نومه لم يعقل ما يخرج منه فهو المضطجع، وليس كذلك إذا لم يطل نومه؛ لأنه بتحركه وخفق رأسه يحس ما يخرج منه،
[ ٢ / ٥٧٩ ]
وإذا كان النوم سببا للحدث أن يرعى الغالب منه، كما يراعي في مس الذكر إذا كان بباطن اليد فهو أقوى منه بظاهرها. فإن قيل: فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا ينامون حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون.
قيل: نحن نقول بموجب ذلك؛ لأن من يخفق رأسه ويتمايل لم يغرق في نومه حتى يطول؛ لأنه قريب من الحس بما يخرج منه، وليس كذلك إذا اغترقه النوم وطال به حتى يرى المنامات؛ لأن النوم تختلف حالاته في قلته وكثرته.
فإن قيل: فقد قال ﵇ لحذيفة لما قال له ذلك: أمن هذا وضوء يا رسول الله؟. قال (لا إلا أن تضع جنبك على الأرض).
قيل: هذه قضية في عين، ويحتمل أن يكون لم يطل نومه، ولا غرق فيه ألا تراه لما وضع ﵇ يده عليه أحس به وانتبه وفي العقود من ينام ولا ينتبه لو يحرك، وقد بينا أن أسباب الحدث ليست كالحدث نفسه، وأن ما قوى منها بخلاف ما ضعف وقد فرق الشافعي بين مس الذكر وبين مس المرأة، فخص اليد في مس الذكر، ونقض الوضوء المرأة بجميع الأعضاء، وكذلك فرقوا معنا بين القبلة
[ ٢ / ٥٨٠ ]
لشهوة في تحريم الربيبة وبين القبلة لغير شهوة في أنها لا تحرم من هذا كله؛ لأن ذلك سبب للحدث في نفسه.
ولنا القياس عليه إذا نام مضطجعا واستثقل نوما؛ بعلة أنه نائم مستثقل في نومه.
فإن قاسوا عليه إذا لم يستثقل في نومه بعلة أنه نام جالسا.
قيل: بينا الفرق بين أحكام أسباب الأحداث وأن كل ما قوى منها قوى حكمه، فكان اعتبارنا أولى؛ لأنه أحوط، وتسقط الصلاة بيقين، ونزيد حكما هو إيجاب الطاهرة بعد أن لم تجب وفيه نقل من براءة الذمة وبالله التوفيق.
[ ٢ / ٥٨١ ]