للناس في ذلك أقاويل:
فعند مالك ﵀ أنهما سنتان في الوضوء والجنابة جميعًا، وهو قول الحسن بن أبي الحسن البصري، والزهري، وربيعة، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي.
[ ١ / ١٣٥ ]
وذهب إسحاق، وابن أبي ليلى إلى أنهما واجبان في الطهارتين جميعًا، الوضوء وغسل الجنابة.
وذهب أحمد بن حنبل، وأبو ثور، غلة أن الاستنشاق واجب فيهما، والمضمضة غير واجبة فيهما.
[ ١ / ١٣٦ ]
وذهب سفيان الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنهما واجبان في غسل الجنابة، وغير واجبين في الوضوء من الحدث.
فهذه أربعة مذاهب.
والدليل لقولنا إنهما سنتان في الوضوء والجنابة: استصحاب الحال، وأن الوجوب يحتاج إلى شرع.
وأيضًا قوله -تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية، وحقيقة الوجه ما واجه الناظر، وداخل الفم والأنف لا يواجه به.
فإن قيل: يقع عليه اسم وجه؛ بدلالة أنَّه لو حصل الماء في فمه لما أفطر به، ولو كان فيه نجاسة لوجب غسله كالوجه.
قيل: كلامنا في اسم وقد سلم.
على أن هذا لو كان صحيحًا لوجب غسل داخل العينين؛ لأنَّه لو حصل فيهما نجاسة لوجب غسلهما، ولا يفطر بحصول ما يقع فيهما من الماء.
فإن قيل: فإنَّا لا نوجب غسل العينين من النجاسة، لأنهما جسم صقيل لاي قبل النجاسة، وعلى أن من اعتبر قدر الدرهم من أصحاب
[ ١ / ١٣٧ ]
أبي حنيفة لا يلزمه هذا؛ لأن العين تكون مقدار الدرهم واقل.
قيل: أما قولكم: إنَّها لا تقبل النجاسة، فهذا خلاف المشاهدة فلو جاز أن يقال: إنَّها جسم صقيل لا ينجس. جاز أن يقال: إن الزجاج والصقر، والعاج، وما أشبهه من الأواني لا ينجس، وكذلك السيف؛ لأنه صقيل.
فإن قيل: فإن الدموع تغسله.
قيل: لا تصح إزالة ذلك إلا بالماء المطلق، على أننا نقول أليس قد نجست وغسلتها الدموع ولم يدل على أنها تغسل مع الوجه، وهذا أيضًا يوجب سقوط سؤالهم، لأن الفم يجري فيه الريق أكثر من الدموع.
وما يقوله أصحاب أبي حنيفة من ا، العين مقدار الدرهم، فقد يكون من العيون ما هو اكبر من الدرهم، وعلى أنه لو أصاب خده شيء من النجاسة واتصل بعينه حتى يصير بنجاسة عينه أكثر من الدرهم لوجب غسله، وجعلنا لنجاسة الغير حكمًا، ومع ذلك فلم يدل
[ ١ / ١٣٨ ]
على أنها في حكم المغسول.
دليل: قول النبي ﷺ: «وإنما لأمرئ ما نوى»، وهذا الذي توضأ ولم يتمضمض ويستنشق قد نوى الطهارة فله ما نواه.
دليل: قوله ﷺ للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله، فاغسل وجهك ويديك»، لم يذكر له مضمضة وهو موضع تعليم، وكذلك في الحديث الآخر، وهو قوله: «لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه ويديه».
فإن قيل: فنحن نقول: إن الذي أمره الله ﷿ به بمضمضة واستنشاق، وقوله: «واغسل وجهك»، قد دخلت فيه المضمضة.
قيل: قد مضى الكلام في الوجه إذا أطلق، وقوله: «كما أمرك الله»، والإشارة وقعت إلى الآية، وفيها غسل الأربعة الأعضاء.
دليل: قوله ﷺ لأبي ذر: «التراب كافيك، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك».
فإن قيل: هذا لنا؛ لأن داخل الفم جلدٌ.
قيل: هذا غلط؛ لأن الجلد اسم لما ظهر، فأما داخل الفم فيسمى
[ ١ / ١٣٩ ]
أدمة، ولثة، ولهاة، والعين شحمة.
دليل: القياس على العين؛ لأنها لا يجب غسلها، العلة أنه عضو مستتر استتارًا دائمًا من نفس الخلقة المعتادة، فلم يجب غسله في الوضوء.
دليل: رأينا العين بادية ظاهرة، وقلّ ما يطبقها الإنسان، فهي أدخل فيما يواجه به، والفم والأنف ليسا كذلك في غالب أحوالهما، فإذا لم يجب غسل العين فداخل الفم والأنف أولى.
فإن قيل: إن العين لها على أخرى، وهي المشقة؛ لأنَّها عضو لطيف لو أُدمن إدخالُ الماء فيها أتلفها، وليس كذلك الفم؛ لأن سلو الماء فيه معتاد.
قيل له: فداخل الأنف ليس كذلك، فينبغي أن لا توجب الاستنشاق.
على أن هذا المقدار في وقت الطهارة لا يخشى منه على العين، ولعل كثيرًا من الناس يلتذون بدخول الماء فيها ويستنشقون به.
[ ١ / ١٤٠ ]
دليل: وهو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «عشر من الفطرة خمس في الرأس، وخمس في البدن»، فذكر المضمضة والاستنشاق في الرأس، وجعلهما سنة؛ لأن الفطرة هي السنة، ولا سيما وقد جمع بينهما وبين السنن.
دللي: اتفقنا أنهما غير واجبتين في المرة الثانية والثالثة؛ بعلة أنَّهما مضمضة من غير نجاسة.
[ ١ / ١٤١ ]
فإن قيل: فإن النبي ﷺ تمضمض واستنشق، وأفعاه على الوجوب إلا أن تقوم دلالة.
قيل: قد عارضه قوله: «وإنما لأمرئ ما نوى»، فينقل وجوبُه إلى الاستحباب بهذه الدلالة.
فإن قيل: فإنه ﵇ توضأ مرة واحدة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به».
قيل: هذا حديث رواه ابن عمر ﵀ ولم يذكر فيه مضمضة ولا استنشاقًا، وإنما قال: توضأ مرة مرة.
وعلى إن إطلاق مرة مرة يتوجه على ما يقولن إلى غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وإلى التيمن، وقد اتفقنا أن ذلك غير واجب، وقد سبق كلامنا على هذا الخبر في المسألة التي قبل هذه.
ويحتمل أن يكون ذلك منسوبًا بالدلائل التي تقدمت، وأن النبي ﷺ علَّم الأعرابي الوجوب، وقال في الحديث الآخر: «لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء فيغسل وجهه».
[ ١ / ١٤٢ ]
وعلى أننا نقول: قُصد به الأخبار عن العدد، ألا ترى أنه توضأ بعد ذلك مرتين وثلاثًا، كان يفعل هذا ويذكر عند فراغه منه حكم العدد.
وعلى الخبر الذي قيل فيه: «لن تجزئ عبدًا صلاته»، أولى: لأنَّه بيَّنَ فيه حكم الإجزاء.
فإن قيل: إنما أرياهم الوضوء الكامل، ألا ترى أنهما ذكرا ثلاثا ثلاثًا، وحكمُ الوجوب، والإجزاء بالقياس أيضًا.
على أنه مخصوص بالقياس أيضًا.
فإن قيل: فقد قال ﵇: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشرة».
[ ١ / ١٤٣ ]
قيل: إنما قصد بذلك ظاهرة البشرة التي يباشر بها، وليس داخل الأنف والفم بشرة.
قال القاضي: وأنا أتقصى الكلام مع أبي حنيفة.
فإن قاسوا ذلك على الخد؛ لعلة أنه عضو من جملة الوضوء، لا يشق إيصال الماء إليه، قالوا: ولا ينتقض هذا بداخل العين، ولا بما تحت الحية الكثيفة، لأن ذلك يشق.
قيل: ليس ذلك مما يشق فهو منتقض.
على أننا قد ذكرنا قياسًا آخر، فتقابلا -أعني قياسنا على العين.
ثم نرجح قياسنا فنقول: إذا كانت العينان أظهر من الفم كان بأن يسقط عن الفم أولى، ولما وجدنا ما يجب غسله له حالتان: حالة ظهور وحالة انتسار، وسقط غسله في حال الانتسار كان الفم والأنف اللذان حالهما حالة واحدة في الانتسار أولى بسقوط هذا الفرض منهما.
[ ١ / ١٤٤ ]
فإن قيل: فقد قال ﷺ لِلَقيط بن صَبِرة في الستنشاق: «بلغ إلا أن تكون صائما»، وهذا أمر ظاهره الوجوب.
[ ١ / ١٤٥ ]
قيل:
هذا دليل لنا؛ لأنَّه لما امره بالترك عند الصوم علمنا امه مسنون.
وعلى أن الظاهر لو كان معهم لجاز أن نخصه ببعض ما ذكرناه، على أنه قد أمره بالمبالغة، واتفقنا أنها ليست بواجبة.
وعلى أنه قد روي: «من توضأ فليستنثر، من فعل فقد أحس ومن لا فلا حرج».
فأما اصحاب أبي حنيفة فالدليل لنا عليهم: استصحاب الحال، وذلك أننا لا نوجب شيئًا إلا بدلالة.
، أيضًا قوله -تعالى - ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فما وقع عليه اسم طهارة فإنَّه يجزئه.
فإن قيل: هذه إشارة إلى الجملة.
قيل: لو غسل من نفسه أعضاء لقيل: فلان قد تطهر.
وأيضًا قوله ﷺ: «وإنما لأمرئ ما نوى»، وهذا قد نوى
[ ١ / ١٤٦ ]
غسل الجنابة فله ما نواه.
وأيضًا قوله ﷺ «لا صلاة إلا بطهور»، فظاهره يقتضي أنَّه متى حصل منه طهور ما فقد تطهر.
وأيضًا ما رواه جبير بن مطعم أنهم تذاكروا عند رسول الله ﷺ الغسل من الجنابة. فقال ﷺ «أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا»، وأشار بيديه كلتيهما، فدل على أن هذا القدر يجزئ.
فإن قيل: فقد روي المضمضة والاستنشاق في حديث آخر.
قيل: نقول بهما، فيجوز هذا هذا.
وأيضًا قوله ﷺ لأبي ذر: «التراب كافيك، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، وداخل الفم لا يسمى جلدًا، بل يسمى لثات وأدمة.
[ ١ / ١٤٧ ]
وأيضًا قوله تعالى: ﴿ولا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، فمن غسل يديه ولم يمضمض، قالت العرب: قد اغتسل.
وأيضًا القياس على داخل العينين: بعلة أنه عضو في الوجه دونه عضو ساتر من نفس الخلقة المعتادة.
فإن قيل: ينتقض بما تحت الآباط.
قيل: ليس ينطبق إلا بتكلف، على أننا قد قيدناه بالوجه.
وأيضًا قد اتفقنا أنَّهما غير واجبين في الوضوء بعلة أنه طهور وجب لأجل الحدث، أو لأنها طهارة تنتقض بالحدث.
وأيضًا وجدنا العينين أشد ظهورًا من داخل الفم، ثم اتفقنا أنه لا يجب غسلهما، فداخل الفم أولى.
فإن قيل: ههنا المشقة الغليظة في العين.
قيل: الجنابة لا تتكرر كثيرًا فلا تشق في الزمان الطويل.
وأيضًا اتفقنا في المرة الثانية والثالثة أنها لا تجب؛ بعلة أنَّها مضمضة مسنونة في الوضوء فلم تجب في الجنابة.
فإن اسندوا باستصحاب الحال، وأنه على جملة الجنابة إلا أن تقوم دلالة على إسقاط حكمها عنه.
قيل: نحن نختلف فيما وجب عليه، فاستصحاب الحال لنا.
فإن قيل: فقد قال ﵇: «تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر
[ ١ / ١٤٨ ]
وأنقوا البشر».
قيل: هذا حديث رواه الحارث بن وجيه عن مالك بن دينار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.
وقد طعن أبو داود على الحارث بن وجيه، وتكلم أصحاب الحديث فيه.
وجواب آخر: وهو أنه ينقلب عليهم في شعر العين؛ لأنَّه قد ينبت
[ ١ / ١٤٩ ]
فيها، ثم لا يجب إيصال الماء إليه.
فإن قيل: النبي ﷺ تكلم على الغالب.
قيل: قد رضينا بهذا، فالغالب من الشعر غير شعر الأنف».
وجواب آخر: وهو أنَّ النبي ﷺ تكلم على الشعر الذي على البشرة، ألا تراه قال: «وأنقوا البشرة»، فتقديره: البشرة التي تحت الشعر، وما تحت شعر الأنف لا يقال له بشرة، وهذا إذا قلنا على رواية ابن وهب: إنَّه يجب تخليل اللحية.
وإن قلنا: لا يجب. قلنا: أراد الشعر المتفرق الذي على ظاهر البدن متفرقًا.
وجواب آخر: وهو أن الظاهر لو أعطاهم ماا يريدون لكان عمومًا يجوز أن يخص بالقياس الذي تقدم.
فإن استدلوا بحديث عائشة -رحمها الله - وأن النبي ﷺ كان
[ ١ / ١٥٠ ]
يتوضأ للصلاة، وأنه كان يتمضمض في وضوئه.
قيل: قد ثبت -عندنا وعندكم - أن الوضوء ليست المضمضة فيه واجبة، فإن المضمضة شرعت في الوضوء، فلما سقط فرض الوضوء في الجنابة سقطت توابعه.
وإن استدلوا بحديث ميمونة قالت: وضعتُ للنبي ﷺ غسلًا يغتسل به من الجنابة، إلى أن قالت: ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم صب على رأسه وجسده، فقد تمضمض النبي ﷺ؛ فإما أن نقول: أفعاله على الوجوب. أو نقول: خرج مخرج البيان، وهذا ذكره أبو داود.
قيل: يحتمل أن يكون أراد النبي ﵇ الكمال؛ بدليل ما ذكرناه من قوله «أما أنا فأحثي على رأسي حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت».
فإن قيل: فمن مذهبكم قبول الزيادة.
قيل: إذا كان في خبر واحد، فأما إذا كان في خبرين وأمكن
[ ١ / ١٥١ ]
الاستعمال فهو أولى، فنجيز المضمضة ونستحبها بهذا الخبر، ونجيز تركها بالخبر الآخر، ولأنه قد تبين في خبرنا ما يجزئ مَنْ فعله بقوله: لن تجزئ عبدًا صلاته حتى يسبغ الوضوء، فيغسل وجهه ويديه».
ولو كان الظاهر معهم لقابلناه بخبرنا، أو خصصناه بالقياس الذي تقدم.
وإن استدلوا بما روى زاذان عن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فُعل به كذا وكذا من النار»، وهذا توعد لا يكون إلا على ترك الواجب، قال علي: فمن ثم
[ ١ / ١٥٢ ]
عاديت رأسي، وكان يجز شعره، وهو كما قال: «ويل للأعقاب من النار». وهذا أيضًا ذكره أبو داود.
قيل: هذا يقتضي أن يكون الغاسل يترك مما يجب غسله موضع شعرة، ولا يغسلها قاصدًا، وهكذا نقول: هذا متوعد، وهذا يدل على الشعر الذي على ظاهر البدن، ألا ترى أن عليًّا ﵁ قال: عاديت رأسي، ولم يقل: داخا أنفي، فكأنه أشار الشعر المعهود.
وجواب آخر: وهو أن هذا عموم، ألا ترى أن شعر العين لم يتناوله هذا، فنخص العموم بما ذكرناه من القياس أو نقابله بعموم مثله.
[ ١ / ١٥٣ ]
وإن استدلوا بقوله -تعالى - ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، والطهارة تقتضي جميع البدن.
قيل: قد جعلنا هذا دليلًا لنا؛ لأنَّه إذا غسل ظاهر البدن. قيل: قد تطهر واغتسل، فلو كان عمومًا لخصصناه ببعض ما ذكرناه.
فإن قيل: الآية مجملة بيَّنها النبي ﷺ بفعله، فمضمض واستنشق واغتسل.
قيل: ليست مجملة؛ لأنَّ أهل اللغة يفهمون الظاهر منها.
ثم نقول: قد رضينا بهذا، أليس قد بيّن بقوله: «أما أنا فأحثي على راسي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت»، فقد بين الواجب في خبرنا هذا، أو المسنون في خبركم.
وعلى أن هذا يلزم في الوضوء؛ لأنه ﵇ بيّنه، وتمضمض فيه واستنشق، ولم يدل على فرضهما في الوضوء.
فإن قيل: الوضوء كان بينا، ولم تكن المضمضة في الوضوء.
قيل: هذا غلط، لأنه لو كان بينا لما اختلف الناس في الوضوء، هل المضمضة واجبة أو لا؟ فإذا لم يكن بيانًا في
[ ١ / ١٥٤ ]
الوضوء لم يكن بيانًا في غسل الجنابة.
وإن استدلوا بحديث بركة بن محمد الحلبي، عن يوسف بن أسباط عن سفي أن الثوري عن خالد الحذاء عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ جعل المضمضة والاستنشاق ثلاثًا للجنب فريضة، وأسمعهم قد زادوا فيه: المضمضة والاستنشاق فريضتان في الجنابة سنتان في الوضوء.
[ ١ / ١٥٥ ]
قيل: هذا حديث ضعيف، تفرد بروايته بركة بن محمد الحلبي، وقيل عنه: إنه يزيد ألفاظ ولا يضبط نفسه.
وجواب آخر: لو س لمنا لكان ظاهره من لفظ أبي هريرة؛ لأنَّه قال: جعل رسول الله ﷺ ولم يحك لنا لفظ النبي ﷺ وقد يجوز أن يكون خاطب رجلًا سأله كيف أغتسل من الجنابة في الاختيار؟ فقال له: تمضمض ثلاثا، فقال أبو هريرة: جعل النبي ﷺ المضمضة للجنب ثلاثًا.
وهذا قد ألزمهم الناس إياه، ولكن عندي فيه شيء؛ لأن مذهبنا أن الراوي إذا قال: جعل النبي ﷺ كذا، ونهى عن كذا، فكأنَّه قال: جعلت ونهيت، ولكن نقول: حقيقة الفريضة التقدير، فكأن النبي ﷺ قدّر للجنب ثلاثًا.
[ ١ / ١٥٦ ]
فإن قيل: فأي شيء الفائدة في هذا، وقد علنا أن الوضوء والجنابة في الثلاث بمنزلة.
قيل: قد كان يجوز أن يقع في أوهامنا أن الجنابة مزيةً على الوضوء في باب العدد؛ لأنَّه قد غُسل فيها ما كان مُسح فيه، وما لم يكن يغسُل ولا يمسُح، فقدَّر ﵇ للجنب ثلاثًا.
وجواب آخر: وهو أنَّه يجوز أن يكون ﵇ أراد تأكيدًا من الجنابة، وان المضمة فيها أكد منها في الوضوء، وقد يعبر عن السنن المؤكدات بالفرض والواجب، ألا ترى أنه ﵇ قال: «غسل الجمعة واجب»، فدلَّ على أنَّه أراد التأكيد، ألا ترى أنَّهم رووا أنه قال: «هما سنتان في الوضوء»، ولم يذكر العدد.
وجواب آخر: وهو أنَّه ذكر في الخبر العدد الثلاث، واتفقنا أن الثلاث لا تجب، وليست بفريضة، فإذا جاز لهم أن يعدلوا عن ظاهر الوجوب في الثلاث بدلالة، جاز لنا أن نعدل عن ظاهر الوجوب بدلالة، فنقول: قد عارضه قوله ﵇: «أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء فإذ أنا قد طهرت»، أو نخصه بالقياس الذي تقدم.
[ ١ / ١٥٧ ]
وإن استدلوا بقوله لأبي ذر: «إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك».
قيل: قد حكينا عن غيره أنه يسمى لثات وأدمة، وأنهم سموا البشرة لما يباشر به.
ولو كان الظاهر معهم لقابلناه ببعض ما تقدم من الأخبار أو نخصه بالقياس.
فإن قيل: لما نُقل مسحُ الرأس في الوضوء إلى الغَسْل من الجنابة وجب أنْ تُنقلَ المضمضة من سنة إلى فرض.
قيل: هذه دعوى لِمَ وجب ذلك؟ على أن هذا منتقض؛ لأنَّا نجد التثليث مسنونًا في الوضوء، وكذلك الترتيب، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، والتيمن، فهل دل ذلك على أنَّه واجب في الجنابة؟
وعلى أن مسح الرأس عضو وجبت فيه عبادة في الوضوء.
فإن قيل: اتفقنا على أن الجنب ممنوع من قراءة القرآن بلسانه
[ ١ / ١٥٨ ]
ما دم جنبًا فوجب أن يُمنع من القراءة حتى يغسل لسانه.
قيل: لم وجب ذلك؟ وهذا حديث النفس والتمني.
ومع هذا فيجوز -عندنا - أن يقرأ الآيات اليسيرة، ويقرأ القرآن كلَّه إذا تيمم عند عدم الماء.
ويفسد أيضًا بالوضوء لأنَّه قد مُنع أن يصلي بجميع بدنه فيجب أن لا يصلي حتى يَغْسل جميع بدنه.
وأيضًا فإن مخارج الحروف نختلف فبعضها حلقية، وبعضها لهوية، وبعضها شف وية، فلمَّا لم يجب غسل أقصى الحلق الذي هو مخرج الحلق لم يجب غسل الباقي.
فإن قيل: الأعضاء التي تستعمل في الصلاة قد غسلت.
قيل: الركبتان تستعملان في الصلاة ولا تغسلان.
وجواب آخر: وهو أننا منعناه من القراءة؛ لأنه جنب، فإذا اغتسل زالت جنابته، فجاز له أن يقرأ.
فإن قلتم: لا نسميه مغتسلًا رَفَعَ الجنابة.
قيل: قد صار الكلام في جنبةٍ أخرى.
وجواب آخر: وهو أن هذا لو كان صحيحًا إذا غسل فمه ولسانه جاز له أن يقرأ وإن لم يغسل سائر جسده، فلما لم يجز ذلك بطل السؤال.
[ ١ / ١٥٩ ]
ثم إنه يفسد أيضًا بالتيمم على ما ذكرناه.
وأيضًا فإن القراءة لا تقع ببعض اللسان دون بعض، وقد اتفقنا على أنَّه لا يجب غسل أصل لسانه، وكذلك باقيه.
فإن قاسوا ذلك على الخد؛ بعلة أنَّه موضع يلحقه التطهير من النجاسة فيجب غسله من الجنابة من غير مشقة، وهكذا القياس على الأصوات.
قيل: هذا منتقض بداخل العين.
وعلى أننا قد ذكرنا قياسًا آخر على الوضوء بعلة أنها طهارة وجبت عن حدث أو تنقض بالحدث، والقياس على العين.
فإن قيل: قياسنا أولى؛ لأنه يوجب شرعًا ويحتاك به.
قيل: وقياسنا يوجب شرعًا وينقل، وهو أنَّه إذا اغتسل ولم يتمضمض وصلى فقد سقط الفرض عن ذمته، وهذا شرع وزيادة حكم.
والاحتياط الذي ذكروه فلا ينبغي أن يثبت بالمحتمل، والأصل براءة الذمة.
ويجوز أن نقول: إن كل عضو لا يجب إيصال الماء إليه في غسل الميت لم يجب غسله في الجنابة كالعين.
[ ١ / ١٦٠ ]
وأيضًا فقد روي عن أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله: إنِّي امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه في الغسل من الجنابة؟ فقال: «لا، وإنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء وتفيضي الماء عليك، فإذا أنت قد طهرت»، وفيه دليلان:
أحدهما: أنَّه ﵇ أخبر أن الاكتفاء يقع به من غير مضمضة واستنشاق، فمن قال: لا تقع الكفاية والإجزاء بذلك فقد خالف الظاهر.
والثاني: قوله: «فإذا أنت قد طهرت»؛ أي فعلت الطهارة التي أمر الله بها الجنب في قوله: ﴿وإن كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
[ ١ / ١٦١ ]