عند مالك ﵀ أن مسح جميع الرأس واجب في الوضوء.
وقال محمد بن مسلمة: إن اقتصر على الثلثين وترك الثلث أجزأه.
قال القاضي: ووجدت لأشهب أنَّه اقتصر على ثلث الرأس أجزأه، وهو أن يمسح مقدمه. والصحيح قول مالك ﵀.
[ ١ / ١٦٢ ]
وعن أبي حنيفة روايتان:
إحداهما إذا مسح ناصيته أجزأه، وهي ما بين النزعتين، وذلك أقل من ربع الرأس.
والرواية الأخرى -وهي المشهورة - ومذهب أبي وسف أنَّه لا بدّ من مسح ربع الرأس بثلاث أصابع، وإن مسح بثلاث أصابع دون ربع الرأس لم يجزئه، وإن مسح بأصبعين ربع الرأس، أو الرأس كله لم يجزئه، فحدّ المسموح والمسموح به.
[ ١ / ١٦٣ ]
وقال زفر: الفرض منه الربع، سواء مسحه بثلاث أصابع أو بدونها، فحدّ المسموح دون ما يمسح به.
وقال الشافعي: يجزئه ما يقع عليه الاسم، وسواء مسح يده أو بخشبة أو وقف تحت ميزاب حتى قطر على رأسه الماء، وبه قال الأوزاعي، والنخعي، وسفيان الثوري.
[ ١ / ١٦٤ ]
والدليل لقولنا: قوله -تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، فألصق المسح بالرأس، فوجب استيفاء المسح فيه؛ لأنَّه ليس بعضه أولى بالمسح من بعض، وهذا كالعموم الذي ينبغي أن يستوفي عمومه إلا أن تقوم دلالة.
والدلالة على أنَّه يصلح للعموم: حسنُ دخولِ الاستثناء فيه مع دخول الباء؛ لأنَّه لو قال -تعالى -: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ إلا موضع كذا منه فلا تمسحوه لم يمتنع ذلك، وهذا يسقط قول من يقول: إن دخول الباء ههنا للتبعيض؛ لأنَّها لو كانت كذلك لم يحسن دخول الاستثناء غيه؛ ولأنَّه كان يكون تقديره: وامسحوا ببعضه إلا بعضه، فيكون المسموح مجهولًا، والاستثناء منه مجهولًا.
فإن قيل: إن الباء تدخل للتبعيض فلو قال: امسحوا ببعض رؤوسكم إلا اليسير من ذلك البعض لصح.
قيل: أما قولكم: إن الباء ههنا للتبعيض فخطأ، لأنه لم يقل أحد
[ ١ / ١٦٥ ]
من اهل النحو إن موضعها للتبعيض، وإنَّمَا قال بعضهم: هي للإلصاق والتعدية، كقولهم: كتبت بالقلم، فألصقت الكتاب بالقلم، وعدَتها إليه.
وقال بعضهم: هي للامتزاج والاختلاط، والامتزاج قولهم: مزجت الماء باللبن، والاختلاط كقولهم: خلطت الدراهم بالدنانير.
وأما أن يكون موضوعها للتبعيض فليس كذلك، وإن دخلت لذلك في موضع فبدلالة.
ثم لو قال: بعض رؤوسكم إلا اليسير منه لكان إطلاق البعض عمومًا فيه؛ لأنَّه ذو أجزاء، وليس بعضه بأولى من بعض، فكذلك لما أضاف المسح إلى الرأس -وهو ذو أبعاض وأجزاء - لم يكن بعضه أولَى بالمسح من بعض، ثم لو قال: إلا الهامة، أو النُّقْرة، أو جمعها في الاستثناء لصح، فدل ذلك على أنه ينبغي أن يستوفي حكم العموم فيه، كما لو نص على البعض لوجبت هذه البعيضة فيه.
[ ١ / ١٦٦ ]
فإن قيل: فإن دخول الحرف الزائد فيه لا بد له من فائدة، وإلا كان دخوله وخروجه بمنزلة واحدة، ونحن إذا جعلنا الباء للتبعيض جعلنا لها فائدة، وأنتم تجعلون دخولها لسقوطها.
قيل له: لعمري إن استعمالها على فائدة أولى، وإن كانت تدخل في مواضع زوائد كقولهم: دخلت البيت، وشكرتك وشكرت لك، ونصحتك ونصحت لك، غير انَّنَا نجعل لها فائدة صحيحة، وهي التأكيد، ومعنى التأكيد: أنَّه قد كان يجوز أن يظن ظان أن المسح لمت كان أخف من الغسل أنه يجوز الاقتصار في مسحه على البعض.
فقيل: وإن كان المسح أخف من الغسل فلا بد من استيفاء المسح في جميعه، كما قال -تعالى - ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾، وهذه فائدة صحيحة، ولا ينبغي أن تقترح علينا كل فائدة.
فإن قيل: فإن الله -تعالى - لما قال: ﴿وَامْسَحُوا﴾ كان هذا عمومًا في المسح، فأي مسح أوقعه جاز، قليلًا كان أو كثيرًا.
قيل: لو تجرد ذكر المسح من غير أن يلصق بشيء لكان كما تقولون، فأمَّا إذا الصقه بشيء وجب أن يستوفي المسح في ذلك الشيء إلا أن تقوم دلالة، كما قال: اشتر حاجة بدرهم، أو اخدمني بدرهم، لوجب أن يستوفي الدرهم، وإن كان لو تجرد قوله: اخدمني، لوقعت الخدمة على القليل والكثير، فإذا قال: بدرهم، وجب أن يستوفي الخدمة بدرهم لا ببعضه.
[ ١ / ١٦٧ ]
فإن قيل: فقد تقول العرب: مسحت يدي بالمنديل، وبرأس اليتيم ويريدون بعضه.
قيل: هذا يعبم بدلالة، ولو لزم هذا للزم في العموم ألا يكون حقيقة لاستيفاء الجنس؛ لأنَّه قد يطلق في موضع ويراد به البعض؛ كقولهم: غسلت ثيابي، وانحدر التجار إلى دار الخليفة، فيعلم أن تجار الصين وخراسان خارجون من ذلك، وأنَّ لم يرد غسل كل ثيابه حتى لا يبقى بخرقة على سوأته، وإنما يعلم هذا بدلالة اقترنت إليه، وكذلك ما نحن فيه.
دليل: وهو أن عليه بيقين، فمن زعم أنه إذا مسح ببعض رأسه من غير عذر وصلى فقد سقط عنه حكم الصلاة فعليه الدليل.
فإن قيل: نعارض بمثل هذا فنقول: الأصل براءة الذمة من الطهارة، وقد اتفقنا على أن الصلاة واجبة بيقين، ولا تجوز بغير طهارة، فمن زعم أن الذي وجب عليه مسح بعض رأسه، وأن هذه القدر يسقط عنه حكم الصلاة التي هي عليه بيقين فعليه الدليل.
دليل: وهو أن النبي ﷺ توضأ ومسح بجميع رأسه، وأفعاله على الوجوب -عندنا - حتى تقوم الدلالة.
وأيضًا فقد قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به».
فظاهره أن الصلاة لا تقبل على غير هذه الصفة إلا أن تقوم دلالة.
[ ١ / ١٦٨ ]
فإن قيل: إن سلمنا لكم أن أفعاله على الوجوب فقد فعل ﵇ ضد ذلك، وهو أنه مسح بناصيته، وفي بعض الأخبار ببعض رأسه،
[ ١ / ١٦٩ ]
فقد حصل منه الفعلان جميعًا، فليس لكم أن تحملوا مسحه لجميع الرأس على الوجوب إلا ولنا أن نحمل مسحه ببعضه على الوجوب، وتحصل المعارضة، فنستعملها جميعًا، ونقول: مسحه البعض أتى بالوجوب، ومسحه الجميع أتي بالمستحب.
وقوله: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»، يتناول خبرنا كما يتناول خبركما يتناول خبركم.
قيل: أما روي أنه مسح بناصيته، فالناصية اسم مشترك، يحتمل أن يراد بها البعض، ويحتمل أن يراد بها الكل، فلان ناصيته مباركة. وقال تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾، قيل: الرؤوس والأقدام، فإذا كان من الأسماء المشتركة لم يجز الحجاج به، وصار بمنزلة عين ولسان تقع على عين الإنسان، وعين الميزان وعين الركبة، ويقع اللسان على لسان بني آدم وعلى لسان الميزان ولسان النار.
[ ١ / ١٧٠ ]
وأما ما: إنه مسح ببعض رأسه، فيحتمل أن يكون ذلك لعذر أو تجديد وضوء، فإذا احتمل ذلك، وهو لفظ يقتضي فعل مرة، ولا يجوز فيها ادعاء العموم ويحتمل ما تقولون، فلم يكن أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فإما أن يسقطا أو نستعمله على ما نقول.
فإن قلتم في خبرنا مثل هذا واستعملتموه.
قلنا لكم: استعماله أولى؛ لأنه يسقط حكم الصلاة التي هي عليه بيقين بيقين مثله لا بمحتمل.
وهذا إذا صح حديث الناصية أو سلمناه تسليم نظر؛ لأن الحديث غير صحيح عند أهل النقل؛ لأنَّ الذي رواه معقل بن مسلم عن أنس.
وحديث المغيرة بن شعبة صحيح مرسل عن المغيرة.
[ ١ / ١٧١ ]
وعلى أنه لو صح لكانت فيه حجة لنا؛ لأن النبي ﷺ لما لم يقتصر على مسح الناصية حتى قرن إلى ذلك مسحه على العمامة عُلم أنه لا يجوز الاقتصار على الناصية، ويُصرف مسحه على العمامة إلى العذر.
وأيضًا: فإنه إذا كانت لأصحابه بأجمعها أو أكثرها ينقلون وضوء سول الله ﷺ فعلًا ورواية، وأنه نسح جميع رأسه، ثم شذت رواية بأنه مسح بناصيته أو ببعض رأسه، وحكيت منه فعلة وقعت منه في بعض الأوقات، كان حملها على ما ذكرناه من العذر أو التجديد أولى؛ لأنه لو أراد أن يعلم الواجب لكان يبين؛ كما قال لما توضأ مرة مرة «هذا وصيغة الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به»، ثم أعلمنا في المرتين والثلاث أنهما استحباب وفضل.
دليل من القياس: اتفقنا على أن مسح الرأس، والمعنى في ذلك: أنه عضو تعبدنا بمباشرته في نفسه بالمسح فيجب أن يستوفي.
فإن قيل: ينتقض بسقوط اليسير من الرأس من حيث لا نقصده.
قيل: الوجه والرأس في ذلك بمنزلة واحدة؛ لأنه معلوم أن تتبع
[ ١ / ١٧٢ ]
كل شعرة في الرأس لا يمكن، كل جزء من الوجه في التيمم لا يمكن؛ لأننا نعلم أن محاجر العين والأجفان وأجزاء يسيرة تسقط، وخاصة التراب - عندكم - يعلم أنه لا يصيب أجفان العين ولا هدبها، ولو كلفوا ذلك لشق المشقة التي لا تخفى.
فإن قيل: مسح الوجه في التيمم بدل منه في الغسل وليس الرأس بدلًا لشيء.
قيل: أليس كان الأصل غسل الوجه؛ ثم وقع البدل بما يخالفه من المسح؟ فاجعلوه كالمسح على الخفين الذي كان الأصل فيه غسل القدمين، ثم نقل إلى المسح الذي يخالفه، فإذا لم يجب استيفاء مسح الخفين لم يجب استيفاء مسح الوجه، فلما لم تقتصروا على مسح بعض الوجه كما اقتصرتم على مسح بعض الخفين علمنا أن العلة لم تكن في مسح الوجه في التيمم أنه بدل من الغسل، بل إنما هو عزيمة وحكم مستأنف عند عدم الماء.
فإن قاسوا مسح الرأس على مسح الخفين بعلة أنه مسح بالماء لا لمرض احترازًا من الجبيرة.
[ ١ / ١٧٣ ]
قيل: لا ينجيكم هذا من النقض؛ لأن الإنسان لو كان على يده سلخ أو احتراق نار لا يضره مسح الماء عليه ويضره صبه عليه لوجب أن يستوفي مسحه عليه بالماء فقد انتقضت العلة.
ثم مع هذا فالعلة في الخف أنه رخصة، ومسح الرأس عزيمة فكان رده إلى مسح الوجه في التيمم أولى؛ لأنه عزيمة مثله.
دليل من القياس: اتفقنا ف يغسل الرجلين والعلة في ذلك؛ أنه عضو تعبدنا بمباشرته بالماء، يسقط حكمه في التيمم، فكذلك في الرأس، فيجب استيفاؤه.
فإن رجحوا قياسهم على الخف بأنهم ردوا مسحًا بالماء إلى مسح بالماء.
رجحنا نحن بأنه عضو مباشر بالمسح، فرده إلى الوجه المباشر في التيمم بالمسح أولى، ورد عزيمة إلى عزيمة أولى.
فإن زادوا في الكلام في الباء وأنها للتبعيض بأن يقولوا: إن الباء في كلام العرب تدخل لمعنيين؛ تارة للإلصاق، وتارة للتبعيض، فالفعل إذا لم يتعد إلى مفعوله إلا بحرف الباء كانت للإلصاق، كقولهم: مررت بزيد، لما لم يجز أني قال مررت زيدًا كان دخول الباء لإلصاق
[ ١ / ١٧٤ ]
الفعل بالمفعول. وإذا تعدى الفعل إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض، فلما تعجل ههنا من غير دخول الباء؛ لأنَّه لو قال: وامسحوا رؤوسكم صح، علم أن الباء دخلت للتبعيض، وحمله على الإلصاق حمل على ما لا يفيد.
قيل: هذا الذي ذكرتموه دعوى على العرب، وقد حكينا عنهم ما قالوه في موضوعها، فلو وردت في موضع للتبعيض خرجت عن موضوعها بدلالة، ولو أكد بقوله -تعالى -: وامسحوا برؤوسكم كلها لصح، ولو استثنى بقوله: إلا الهامة لصح، فإذا صح دخول الاستثناء، والتأكيد فيه مع دخول الباء، كما حسُن مع سقوطها علم أنها لم تدخل للتبعيض، (وإذا حسن التأكيد والاستثناء مع دخولها كما يحسن مع سقوطها علم أنها لم تدخل للتبعيض)، وهذا مما يدل على أن وجوبها كسقوطها؛ مثل قولهم: دخلت البيت وإلى البيت، وكقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾.
[ ١ / ١٧٥ ]
على أننا قد جعلنا لدخولها فائدة، وهي التأكيد، على ما تقدم ذكره.
وقد ذكر بعض أصحابنا أن المراد من قوله -تعالى -: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾؛ أي امسحوا رؤوسكم، ثم حُذف ذكر الأيدي، وأقيم الرؤوس مقامها، فينبغي أن تكون الباء للإلصاق على ما ذكره المخالف؛ لأن الفعل ههنا لا يتعدى إلا بها.
على ما ذكره باطل بقوله -تعالى - في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾، فلم تدخل الباء للتبعيض، وإن صح أنقول: فامسحوا وجوهكم، فسقط ما ذكروه وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٧٦ ]