المستحب والمسنون عند مالك ﵀ في الرأس مسحة واحدة.
وهي عندي أن يرد يديه من مؤخر رأسه إلى مقدمه؛ لأن مسح جميع الرأس واجب؛ وهو أن بدأ من مقدمه إلى مؤخره فرد يده بعد ذلك إلى مقدمه مسنون، ولو بدا بالمسح من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى المؤخر، وهذا مذهب ابن عمر، ووالحسن البصري، وأحمد بن حنبل.
[ ١ / ١٨٩ ]
وقال أبو حنيفة: المسنون مرة واحدة على الصفة التي ذكرتها من مذهبنا، ولكنه يقول: الفرض مسح الرأس، وتمامه رد اليدين إلى المقدم، وهو المسنون وسمعت بعض أصحابه يقول: ثلاث مسحات بماء واحد.
وقال الشافعي: المسنون ثلاث مسحات، في كل واحدة يبدأ بمقدم رأسه إلى قفاه ثم يردها إلى حيث بدأ، فهذه مسحة واحدة وكذلك الثانية والثالثة.
والدليل لقولنا: استصحاب الحال، وان المسنون والمستحب يحتاجان إلى شرع كما يحتاج الوجوب إلى دلالة من الشرع.
فإن قيل: قد قامت الدلالة، وهب أن النبي ﷺ توضأ مرة مرة، وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصالة إلا به»، والوضوء عبارة عن غسل جميع أعضائه، ثم توضأ مرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، وبيَّن الفضل في ذلك.
[ ١ / ١٩٠ ]
قيل: الوضوء مأخوذ من الوضاءة وهذا يتوجه إلى ما يغسل حتى يضء.
فإن قيل: فقد بيَّن ما أردناه في الخبر الآخر، وهو أنه ﵇ مسح برأسه ثلاثًا، كما غسل وجهه ثلاثًا.
[ ١ / ١٩١ ]
قيل: لعمري إنه قد رُوِيَ هكذا، ولكن الذي داوم على فعله هو الأفضل، وفي عُظْم الأخبار عن عثمان، وعلي، وابن عباس ﵁، وعن غيرهم أيضًا مثل عبد لله بن زيد،
[ ١ / ١٩٢ ]
والرُّبيِّع، وأكثر الصحابة أنهم كانوا يحكون وضوءه، ويعلمونه الناس أنه ﵇ غسل وجهه ويديه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح برأسه مرة واحدة، ففرق بين الغسل والمسح، وقد تقدم العلم بالفرق بينهما من طريق الصورة والهيئة، فلم يكن الفرق بينهما ههنا إلا في العدد، فإذا تبين أن الفضل في غسل اليدين ثلاثًا تبين أن الفضل في مسح الرأس مرة واحدة، إذ المداومة لا تكون إلا في الأفضل، ويكون مسحه إياه في بعض الأحوال ثلاثًا ليعلم أنه جائز؛ لئلا يظن ظان أنه لا يجوز.
ويحتمل أن يكون الماء الذي مسح به رأسه جف في يده، -
[ ١ / ١٩٣ ]
وعندنا - يجب مسح جميعه فاحتاج أن يجدد الماء حتى يتممه بثلاث مسحات؛ لأن أرض الحجاز حارة، والريح بها يجفف، والمياه قليلة يشفق الإنسان في استعمالها، فإذا كان هذا محتملًا مع كون لفظ مسح لفظ فعل لا يقع إلاَّ على فعلة واحدة لم يترك بهذا المحتمل ظواهر الأحاديث، ومداومته ﵇ على الفرق بين الغسل والمسح مثل هذا.
دليل من القياس: اتفقنا في التيمم على المرة الواحدة، والمعنى في ذلك: أنه مسح في طهارة، فكل مسح في طهارة مثله، سواء كان مسحًا بماء أو بغير ماء، فإن المستحب فيه مرة واحدة.
وإن شئت قسته على مسح الخفين والجبائر؛ بعلة أنه مسح بالماء.
فإن قيل: لأصحابنا في الخف والجبائر وجهان.
قلت: الصحيح منهما ما قلناه.
فإن قيل: نحن نقيس ذلك على غسل الوجه؛ بعلة أنه عضو تعبدنا بمباشرته بالماء فإذا كان المستحب فيه ثلاثًا كان الرأس مثله.
قيل: قد حصل لنا قياس بإزاء هذا القياس، ولنا فضل الترجيح، وهو أن قياسنا يسند إلى مداومة فعل النبي ﷺ في مسحه الرأس واحدة، وإلى فعل الصحابة ﵃ الأكثر في أكثر أفعالهم.
[ ١ / ١٩٤ ]
فإن قيل: قلنا الترجيح برد الماء إلى الماء.
قيل: ونحن رددنا مسحًا إلى مسح، ومسحًا بالماء أيضًا إلى مسح بالماء على ما بيناه في أظهر الوجهين في الجبائر والخف.
ولنا ترجيح آخر: وهو أن مسح الرأس أخف من الغسل، فلما خفف بأن جعل فيه المسح في العدد، ولما كان الغسل في الوجه أثقل من المسح أكد بالعدد، ألا ترى أالخلاف قد حصل في مسح جميع الرأس ولم يحصل في جميع الوجه.
وأيضًا فلو كررنا المسح في الرأس لصار أشق من الغسل أو حصل في معناه، وكل أحد يعلم أن الوجه في غالب الأحوال مكشوف يلاقي البرد والرياح ويصير من ذلك على ما لا يصير عليه ما يتستر من الإنسان وكذلك اليد يعمل بها ويباشر بها وبالرجل ما لا يحصل في الرأس مثله، ولهذا يتوقى الإنسان من كشف ﴿اسه أو شيء منه وخاصة في الأوقات التي تتخوف فيها النزلات والزكام، فكان المسح فيه على كل حال أخف، وكذلك خفف في العدد، والله أعلم.
فإن قيل: فإن الطهارة تشتمل على مغسول وممسوح، فلما ساوى الممسوح المغسول في الوجوب وجب أن يساويه في المسنون، ألا ترى أن
[ ١ / ١٩٥ ]
الصلاة تشتمل على أفعال وأذكار، ثم لما ساوت الأذكار الأفعال في الوجوب ساوتها في المسنون، فالذكر الواجب فاتحة الكتاب، والمسنون السورة.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن أركان الطهارة قد اختلفت في الممسوح والمغسول في الوجوب - عندكم -، فقيل جميع الوجه واجب، وليس مسح جميع الرأس واجبًا، فلما افترقا في الوجوب من هذا الوجه وجب أن يفترقا في المسنون من المسح.
والجواب الآخر: هو أن المسح الواجب في الأصول قد فارق موضع الوجوب في الغسل. ألا ترى أن المسح في التيمم لم يسن فيه التكرار، وإن كان قد سن في غسله بالماء.
وأما الذكر في الصلاة فقد اختلف المسنون منه والمفروض، فقراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة منها، وقراءة السورة في ركعتين من الظهر والعصر والمغرب وعشاء الآخرة، فإن أردتم أن يكون في الطهارة شيء مسنون في المسح فالسنة في مسح الرأس مرة واحدة؛ لخفة المسح من الغسل، وبالله التوفيق.
[ ١ / ١٩٦ ]