الصعيد عند مالك ﵀ هو الأرض، فيجوز التيمم على كل أرض طاهرة، سواء كانت حجرا لا تراب عليها أو عليها تراب، أو رمل أو زرنيخ أو غير ذلك.
وبه قال أبو حنيفة محمد وأبو يوسف إلا على صخر لا تراب عليه فإن أبا يوسف قال: لا يجزئه.
وقال الشافعي: لا يجوز التيمم بغير التراب أصلا، إذا تيمم فلا بد أن يعلق بيده منه شيء يمسح به وجهة وذراعيه، ولا بد عنده من التيمم على التراب ومن الممسوح به.
[ ٣ / ١٠٦٥ ]
والدليل على لقولنا: قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا﴾، والصعيد اسم للأرض. قال - الله تعالى - ﴿فتصبح صعيدا زلقا﴾، قيل: إنها أرض زلقة.
وروي أن النبي ﷺ قال: «يجمع الخلائق يوم القيامة على صعيد واحد» أي أرض واحدة، فالاسم الأخص من الصعيد يتناول الأرض نفسها، ولم يخص - تعالى - صعيدا من صعيد. فأي أرض كانت فهي صعيد. وأراد بقوله: ﴿طيبا﴾ أي طاهرا.
وقد قيل: إن الصعيد لما تصاعد من الأرض، فليس يختص بموضع منها دون موضع، والصخر متصاعد من الأرض، وكذلك الرمل وغيره، فهو عموم في كل ما تصاعد منها إلا أن يقوم دليل.
وقد ذكر ابن الأعرابي أن الصعيد اسم للأرض، واسم للتراب،
[ ٣ / ١٠٦٦ ]
واسم للطريق، واسم للقبر. فإذا كان يتناول كل واحد من هذه حقيقة فإما أن نجعله للعموم فيتناول جميعها، أو يكون من الأسماد المشتركة، كقولهم: عين ولسان لون. فقوله تعالى: ﴿فيتمموا صعيدا طيبا﴾ اسم نكرة في إثبات لا يكون عموما، بل يكون شائعا في الجنس لا يتناول صعيدا بعينه، بل يتناول كل ما يقع عليه اسم صعيد على طريق البلد، والأرض والتراب والطريق والقبر من جنس أحد، فأي صعيد قصد جاز التيمم عليه إلا أن يقوم دليل، بمنزلة قولك: اضرب رجلا، فإنه لا يختص برجل دون رجل فأي رجل ضربه قد امتثل المأمور به، وإن كان الجنس مختلفا فلاسم مشترك لا يمكن ادعاء العموم فيه، لا صرفه إلى وجه دون وجه لا بدليل، فدل على أنها من المراد، وأن المراد جميعها.
وقد قام الدليل على أن الأرض مقصودة، وما تصاعد منها مقصود، وذلك أن النبي ﷺ قال: «جعلت لي الأرض مسجدا طهرا، فأينما أدركتني الصلاة فتيممت وصليت»، فذكر الأرض ولم يخص
[ ٣ / ١٠٦٧ ]
موضعا منها، وجمع بين الصلاة والتيمم عليها، ثم آكد ذلك بقوله: «فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت». وقد تدركه في موضع من الأرض لا تراب عليه، وفي موضع فيه رمل أو جص أو غير ذلك كما تدركه في أرض عليها تراب.
ولنا أيضا ما رواه العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر أشياء، إلى أن قال: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فأخبر أن
[ ٣ / ١٠٦٨ ]
الطهور من الأرض هـ ما كان مسجدا، وقد ثبت أن الصلاة جائزة على كل موضع من الأرض، فكذلك التيمم، ولا يختص بموضع عليه تراب من غيره.
وأيضا: ما روي عن عبد الله بن عمر أنه مضى إلى ابن عباس ﵄ فكان في حديثه أن قال: بال رسول الله ﷺ قائما، فأتاه رجل فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى قام وضرب بيده على الحائط ومسح بها وجهه، ثم ضرب أخرى ومسح بها كفيه، ومعلوم
[ ٣ / ١٠٦٩ ]
أن الحائط لا تراب عليه، فدل على أن التيمم لا يفتقر إلى مسموح به.
وأيضا ما رواه سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن عمار أنه قال: أجنبت فتمعكت فأخبرت رسول الله ﷺ فقال: «إنما كان يكفيك هكذا، وضرب بيده على الأرض، ثم أدناها منه ونفخ فهيا، ثم مسح بها وجهه»، فحكى أن النبي ﷺ نفخ في يديه ومسح بهما وجهه، وهذا نص على أن التراب ليس من شرطه؛ إذ لو كان من شرطه لما نفخهما.
[ ٣ / ١٠٧٠ ]
ولنا أيضا ما رواه عمرو بن دينار عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن قوم جاءوا إلى رسل الله ﷺ فقالوا: إنا نكون في الرمال فلا نقدر على الماء ثلاثة أشهر وأربعة أشهر، وفينا النفساء والحائض والجنب. فقال: «عليكم بالأرض»، وهذا يدل على جواز
[ ٣ / ١٠٧١ ]
التيمم بالرمال؛ لأنها أرضهم، ويتناوله اسم الأرض، ولو كان اسم الأرض لا يقع إلا على التراب لقال لهم: انتظروا وصولكم إلى الأرض، فلما قال لهم: «عليكم بالأرض» أي أرضكم التي أنتم بها دل على ما قلناه.
وأيضا فإن أحدا لا يمتنع أن يقول: جلسنا على الأرض، ونزلنا بأرض مصر والبصرة والحجاز وبني فلان، وإن كان موضع الجبال والحجر.
وأيضا فإن التيمم ثبت على وجه الترفيه والرخصة فيما كان مضيقا على من تقدم من الأمم فوجب أن لا يختص بموضع التراب كالصلاة، وهذا الذي دل عليه قوله ﷺ: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا».
وأيضا فإن ما جاز أن يكون قرارا لماء جاز أن يتيمم به. أصله موضع التراب، وهذا موجود في موضع الرمل.
وأيضا فإن موضع يجوز السجود عليه فأشبه موضع التراب.
فإن قيل: قوله تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فأمر بالمسح من الصعيد، فشرط الممسوح به؛ لأنه لا يقال: مسح منه إلا بأخذه جزءا منه. واقتضى هذا أيضا أن يكون الصعيد ما يمكن الأخذ منه، وهو اللين الناعم، وهذه صفة التراب،
[ ٣ / ١٠٧٢ ]
وأنتم تجعلون الجبل صعيدا، وهو لا يمكن الأخذ منه.
وأيضا فإن قوله: ﴿منه﴾ يدل على التبغيض؛ لأن من للتبعيض والهاء في ﴿منه﴾ كناية عن مذكر فهي ضمير التراب لأنه يذكر.
أحدها: أنه يجوز أن يكون ﴿منه﴾ صلة في الكلام، كقوله: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة﴾، والقرآن شفاء.
جواب آخر: وهو أننا لو سلمنا أنه أراد غير الصلة فإنما أراد به ﴿منه﴾ الموضع الطاهر من الصعيد، والهاء كناية عن الصعيد - وهو مذكر - فتقديره من بعض الصعيد، وهو المكان الطاهر الذي يجوز السجود عليه، وقد يذكر بعض أسماء المواضع ويؤنث، مثل بدر وحنين
[ ٣ / ١٠٧٣ ]
وواسط ودابق، وهذه مواضع من الأرض.
وأيضا فإن كل ما ليس له فرج فإنه يجوز أن يذكر ويؤنث، فيقال: أطفئ نارك، وأطفئت نارك، وهدم دارك، وقد قال تعالى: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾، ﴿وأخذت الذين ظلموا الصيحة﴾.
وأيضا فلو أراد - تعالى - بالصعيد الطيب التراب لقال: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم به، ولم يقل: منه، فلما قال: دل على أنه أراد من الأرض أو مما تصاعد من الأرض، فلا يخص بعض ما تصاعد منها من بعض، وقد يتصاعد منها الرجل والجص وغير ذلك.
وأيضا فقد ورد القرآن في هذه الآية بقوله: ﴿منه﴾، ووردت
[ ٣ / ١٠٧٤ ]
آية أخرى قيل أخرى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾، وإن تيمم بتراب جاز بقوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
فإن قيل: يبنى المطلق على المقيد، فالمطلق قوله: ﴿فامسحا بوجوهكم وأيديكم﴾، والمقيد: ﴿منه﴾.
قيل: لا يبنى المطلق على المقيد إلا بدليل.
يحتمل أيضا أن يكن قوله - تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. أي من المقصود، ولأن معناه: اقصدوا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم من المقصود الذي هو الصعيد، وقد ذكرنا أن اسم الصعيد حقيقة إما أن يكون لنفس الأرض على ما ذكرناه، أو لما تصاعد منها فهو المقصود، ولا يخص التراب منه دون غيره، وإن كان الصعيد اسما للأرض ولما تصاعد منها فذلك مقصود لا يختص موضع تراب من موضع غيره.
فإن قيل: فقد روى أبو عوانة عن أبي مالك
[ ٣ / ١٠٧٥ ]
الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ فقال: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا».
[ ٣ / ١٠٧٦ ]
وروى عن سعيد بن مسلمة بهذا الإسناد عن حذيفة أنه ﵇ قال: «جعل ترابها طهورا»، وهذا نص؛ لأنه ﵇ خص التراب بالطهور وما عداه فليس بتراب، فدليله أن غير التراب ليس بطهور.
قالوا: وهذه زيادة في الخبر على قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فكان الزائد أولى.
قالوا: وأيضا فإن قوله ﵇: «جعلت الأرض مسجدا وطهورا» مطلق، وقوله «وترابها طهورا»، مقيد، فيبنى المطلق على المقيد، كما علمناه وأنتم في الشهادة في قوله: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ بنيناه على قوله - تعالى -: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وكذلك أطلق - تعالى - قوله في موضع في الكفارة فقال: ﴿فتحرير رقبة﴾،
[ ٣ / ١٠٧٧ ]
وقيدها في موضع بالإيمان، فلا يجوز من الرقاب في الكفارات إلا مؤمنة.
قيل: أما قولكم: إن النبي ﷺ نص على التراب فإننا نقول بموجبه. ويجوز التيمم على التراب.
فأما دليله فلا يلزم: لأن الأرض هي غير التراب، والتراب غيرها فلا يخص دليل الخطاب ما ليس من جنسه. ألا ترى أنه لما قال ﵇ «في سائمة الغنم الزكاة» كان دليله ألا زكاة في عاملة الغنم، ولا في عاملة البقر، فكذلك دليل قوله: «ترابها طهورا» أن غير ترابها مما يضاف إليه ليس بطهور، وكما لو قال: رملها طهور. لكان دليله أن ترابها ليس بطهور، وكذلك لو قال: صوف الغنم طاهر. دل على أن لحمها وجلدها وقرنها ليس بطاهر. فأما أن يكون نفسها ليس بطاهر فلا.
وإن جاز أن يكون في دليل الخطاب ما يعم الجنس وغير الجنس فهو ضعيف، وقضى عليه القياس الذي ذكرناه فيحلق المسكوت عنه بالمنطوق به.
وقولكم: إن في خبركم زيادة هي ذكر التراب فإننا نقول بالزائد وبالمزيد عليه، فنجوز الأمرين جميعا، وهذا زيادة في الحكم لا محالة فهو أولى من الاقتصار على الزائد حسب.
[ ٣ / ١٠٧٨ ]
وقولكم: إنما يبنى المطلق على المقيد في هذا فهو غلط من وجهين:
أحدهما: أنه يحتاج إلى دليل.
والوجه الآخر: هو أن الأرض المطلقة ليست هي تراب، والتراب ليس هو الأرض: لأن التراب من الأرض بمنزلة الصوف من الغنم، والصوف ليس هو الغنم، فكذلك التراب ليس هو نفس الأرض.
وأما الشاهد المطلق فهو المقيد بالعدالة، وكذلك الرقبة نفسها مقيدة بالإيمان.
فإن قيل: ما روي عن عمار، وأن النبي ﵇ ضرب بيديه الأرض ثم نفخهما يجوز أن يكون نفخ حتى ذهب الغبارة وأثره، فيجوز أن يكن نفخ حتى جف الغبار ولم يذهب الأثر، وهذه فعلة واحدة تحتمل، فإذا لم يعلم على أي وجه وقت لم يصح الاحتجاج بها، ولا يدعي في ذلك العموم.
قيل: هذا خرج مخرج التعليم فلا يجوز أن يغفل بيانه، ولو كان الحكم فيه يختلف لبين لعمار الحكم فيه، كان عمرا وغيره ممن حضر ينقلون تفصيل ذلك، هل النفخ يزول معه الأثر أولا؟، وقد روي أنه قال لعمار: «أنفخ يديك»، ولم يفصل له صفة
[ ٣ / ١٠٧٩ ]
النفخ، وروي أنه ﵇ نفض يديه.
فإن قيل: فقد روي أنه ﵇ قال لأبي ذر: «التراب كافيك ".
قيل: قد روي: «التيمم كافيك»، وليس في قوله: «التراب كافيك وأن لم تجد الماء عشر حجج» أكثر من أنه أعلمه أن التيمم يكفيه، هذا هو الغرض، ويجوز أن يسمي له الأرض باسم التراب؛ لأن الغالب أنه يكون عليها.
وعلى أننا نقول بموجب الخبر، فيجوز التيمم بالتراب.
فإن قيل: دليله أن غير التراب لا يكفي.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الحكم علي باسم له لم ين ما عداه بخلافه - عندكم -، وإنما ذلك في الشروط في الأوصاف، والتراب اسم، ثم قد بينا أن الأرض غير التراب، دليل التراب هو الرمل وغيره، فإن اقتضى دليله أن التيمم على الرمل لا يجوز سلمت لنا الأرض التي لا تراب عليها، وإذا جاز التيمم على الأرض التي لا تراب عليها سلمت المسألة.
[ ٣ / ١٠٨٠ ]
وعلى أنه لو سلم الدليل لكان القياس الذي ذكرناه يخصه، فيصير تقديره، أن غير التراب من الذهب والفضة والنحاس والحيوان وغير ذلك لا يجوز إلا في الأرض الحجر وغير ذلك ما عدا الأنواع التي ذكرناها. وقد روي: «الصعيد كافيك»، وإذا أمكن استعمال الجميع كان أكثر الفوائد.
فإن قيل: فإنه ممسوح في الطهارة فوجب أن يكون من شرطه ممسوح به. أصله مسح أو الرأس في الطهارة.
وأيضا فإنه معدن في الأرض فوجب أو فلا يجوز التيمم له - يعنون الجص وغيره - أصله سحالة الحديد والذهب والفضة.
وأيضا فإن ذلك يتمول على وجه العادة فوجب أن لا يجوز التطهر
[ ٣ / ١٠٨١ ]
به. أصله المائعات كلها من الخل وغيره.
وأيضا فإن الطهارة تتعلق بجامد ومائع، ثم لما تعلقت الجامد وجب أن تتعلق بأعمها وجودا.
قالوا: وإن شئنا جوزنا فقلنا: هو أحد جنسي ما يقع به التطهر فوجب أن يتعلق بأعمها وجودا. أصلها الماء.
قيل: أما القياس على مسح الرأس في الطهارة فلا نسلم قولكم: ممسوح في طهارة؛ لأن التيمم ليس بطهارة على الإطلاق.
وعلى أن المعنى في الطهارة بالماء أن الحديث يرتفع، لا يتعرف في التيمم.
ألا ترى أن كل عضو من الأعضاء مثل الوجه واليدين لا بد أن يلاقيه الماء في جميع أجزائه، وليس من شرط التيمم ملاقاة التراب لكل جزء من الوجه واليدين.
وأيضا فإذا سقط مسح الرأس والرجلين في التيمم أصلا كان سقوط الممسوح به في الوجه واليدين أخف.
وقولكم: إنه معدن في الأرض فلا يجوز التيمم به كالحديد والذهب والفضة فإننا نقول: إن الصعيد - عندنا - هو الأرض نفسها، فالتيمم يقع عليها، سواء كانت جصية أو رملية، فأما على الكحل مفردا عن الأرض، وكذلك الجص وبالزرنيخ فلا يجوز التيمم عليه، فلا يلزم ما ذكرتموه.
[ ٣ / ١٠٨٢ ]
وقولكم: إنه يتمول في العادة، فإنه في حال ما يتمول لا يجوز التيمم به فإما مع كونه مع الأرض فالمقصد الأرض لا هو.
وعلى أن الذهب والفضة كالمودعين في الأرض فليسا من جنسها.
وأما المائعات غير الماء فلا مدخل لها في شيء من الطهارات. ألا ترى أن الاستنجاء بها لا يجوز، ويجوز بما (من جنس الأرض.
وأما قولكم: إن لطهارة هو لما تعلقت بالمائعات تعلقت بأعمها وجودا، وهو الماء، فإننا نقول: إن الأرض في التيمم أعم وجودا، فهي في أن أحدا لا ينفك منها كانت أعم وجودا من الماد، كما إنها عامة في الصلاة عليها، وشرط التيمم - عندنا - أن يكون على الأرض دون ما ينفصل منها إلا في موضع ضرورة. مثل أن يكون في مركب لا يقدر على الماء ولا على الأرض ومعه فإنه يتيمم به؛ لأجل كون التراب مختصا من بين سائر ما ينفصل من الأرض فجوزناه للضرورة.
وعلى أننا إذا سبرنا قول المخالف في كون التراب شرطا كالماء وجدناه فاسدا: لأن المأخوذ علينا في الطهارة بالماء أن يلاقي كل جزء من الأعضاء جزء من الماء، وهذا غير مأخوذ علينا في التيمم؛ لأن المتيمم إذا ضرب بيده على التراب ثم أمرها على وجهه فهو إلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده من التراب شيء، وكذلك إذا مسح يده اليمنى بيده اليسرى فإلى أن يبلغ المرفق ويديرها على باطن ذراعه لا يبقى منه شيء أيضا. وإذا كان هذا هكذا جاز في الجزء الأول ما يجوز في الأخير، أو لا يجوز في الجزء الأخير إلا ما يجوز في الأجزاء الأول، فلما لم توجبوا وجود التراب في الجزء الأخير وجب أن يكون
[ ٣ / ١٠٨٣ ]
الأول مثله، هذا مع قوله - تعالى -: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، فعم الوجه واليدين في المسح منه، ولم يقل: ببعض وجوهكم وبعض أيديكم.
ومعنى آخر: وهو أن التيمم أخف أمرا من التطهر بالماء، لأن الماء يرفع الحدث، والتيمم لا يرفعه. ألا ترى أن غسل جميع البدن في الجنابة يجب بالماء، ثم مع التيمم يسقط جميع حكم البدن إلا في الوجه واليدين، فإذا سقط ذلك في باقي البدن وهو الممسوح والممسوح به جاز أن يثبت المسح في الوجه واليدين وسقط الممسوح به وهو التراب.
ويجوز إذا كنا مسئولين أن نبني المسألة على جواز ضربة واحدة في التيمم للوجه واليدين.
فإن سلموا ل صحت المسألة: لأن كل عاقل يعلم أن الضربة الواحدة إذا مسح بها الوجه خلت اليدان من التراب، ومع هذا فيجوز
[ ٣ / ١٠٨٤ ]
أن يمسح بهما الذرعين، فلو كان التراب شرطا في كل جزء منه لما جاز ذلك.
وإن لم يجوزوا ذلك ولا سلموه لنا نقل الكلام إليه.
والدليل عليه: قوله - تعالى -: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾.
وأيضا قول النبي ﵇ لعمار: «إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفضهما ثم تمسح بهما كفيك ووجهك»، هذا موضع تعليم وبيان لا يجوز أن يهمله.
وكذلك روي أن عمارا حكى أن النبي ﷺ ضرب بيديه على الأرض، ثم نفشهما، وقيل: نفخهما مسح بهما كفيه ووجهه.
فقد تضمن هذه الخبر أدلة على المخالفين.
منها: أنه ﵇ قال لعمار: «اضرب بيديك على الأرض» ولم يذكر له التراب، فأكد الأمر فيه: ليعلمنا أن التراب ليس شرطا؛ لقوله: ثم ينفضهما.
[ ٣ / ١٠٨٥ ]
ومنها: أنه جمع الوجه والكفين في ضربة واحدة.
ومنها: جواز ترك الترتيب؛ لأنه قال: «تمسح كفيك ووجهك»، وفي حديث «ثم وجهك».
ومنها: جواز الاقتصار في المسح على الكفين دون الذراعين، وجميع ذلك مذهبنا.
وقد روى عن عمار أن النبي ﷺ قال: «التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين».
[ ٣ / ١٠٨٦ ]
وأيضا فقد ذكرنا أنه إذا ضرب بيده على الأرض فبدأ بمسح وجهه فإلى أن يبلغ حد الذقن لا يبقى في يده شيء من التراب، فإذا جاز في بعض الوجه ذلك، ولم يحج أن يعيد ضرب يديه على الأرض لم يحتج أن يضر بيديه ليديه؛ لأنه ليس كالماء الذي من شطره أن يماس كل جز من الأعضاء جزء من الماء.
وأيضا فلما أن التيمم لا يرفع الحدث وقد شرع فيه بإسقاط مسح الرأس والرجلين في الحدث الأدنى، وأكثر البدن في الحدث الأعلى جاز أن يقتصر فيه على ضربة واحدة للوجه والكفين.
فإن قيل في أصل المسألة: إن التيمم شرط يه المسح من أجل الحدث فيجب أن يكن واقعا بشيء من أجل الحدث؛ قياسا على الخفين والجبائر.
قيل: هذا لا يجب؛ لأن المسح على الخفين جعل بدلا من غسل الرجلين مع القدرة على غسلهما، فهو تابع لأعضاء قد غسلت فارتفع معها الحدث، وكذلك مسح الجبائر هو تابع لما يرتفع معه الحدث، والتيمم لا يرفع الحدث.
ألا ترى أنه يسقط حكم أكثر البدن في الجنابة في غير مسح في التيمم، فلا ننكر أن يجز المسح بغعي شيء أصلا بعد أن يضرب يديه على الأرض.
على أننا قد ذكرنا قياسا يجوز ما قلناه.
فإن قيل: فإن التراب خص بالذكر من بين سائر أنواع ما يخرج من الأرض، فصار بارعا مشارا إليه دون غيره من الأنواع في باب الطهارة، كما خص الماء في الطهارة من بين سائر المائعات، فلا ينبغي
[ ٣ / ١٠٨٧ ]
أن يقوم مقام ما خص بالذكر غيره مما لم يذكر.
قيل: هذا لا يلزم: لأن الأرض نفسها قد خصت بالذكر، كما خص التراب، ولم يخص في الذكر في الطهارة بغير الماء من المائعات.
على أن الماء قصد في نفسه؛ لأنه يرفع الحدث ويدفع الأنجاس عن نفسه وعن غيره، التراب لم يقصد لذلك؛ لأنه في حكم غيره من سائر الجامدات، كما أن الحجر خص في الاستجمار بالذكر، وقام غيره من الجامدات التي تنشف مقامه.
وقد روي أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم - لما نزلت آية التيمم ضربا بأكفهم على الأرض، ولم يقبضوا شيئا من التراب، ثم مسحوا أيديهم، فلو كان التراب شرطا لما ذهب لما عليهم مع مشاهدتهم التنزيل، وكون النبي ﵇ بينهم مبينا لهم أحكام ما ينزل عليهم، فيما ذكرناه من المسألة كفاية وبلاغ، وبالله التوفيق.
وقد جوز الشافعي التيمم على السباخ اليابسة، وهذه لا غبار عليها ولا تراب يعلق باليد، فكذلك ينبغي أن يجوز في غيرها مما لا تراب عليها: لأنه جنس من الأرض تجوز الصلاة عليه، والله أعلم.
[ ٣ / ١٠٨٨ ]