ومن نسي الماء في رحله حتى تيمم وصلى أعاد في الوقت.
وروي عن مالك أنه لا يعيد، وإن أعاد فحسن.
وروى المدنيون عنه أنه يعيد أبدا. وبهذا قال الشافعي في قوله الجديد، وبه قال أبو يوسف.
وبالرواية الأولى أنه لا إعادة عليه قال أبو حنيفة محمد، الشافعي في قوله القديم.
والدليل لقوله لا إعادة عليه: قول الله -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا تيمم وهو غير واجد، فدخل تحت الأمر، سواء نسي
[ ٣ / ١٢١١ ]
الماء في رحله أو لم يكن في رحله؛ لأنه قد طلب طلب مثله فلم يجد، ولم يكلف إصابة الماء، وإنما كلف الطلب.
وش قول الني ﵇: «جعلت لي الأرض مشدا وطهورا، فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت»، وهذا عام سواء الماء في رحله أو لم يكن في ملكه.
وأيضا فإن الاعتبار في الماء بالقدرة على استعماله لا بالماء. ألا ترى أن المسافر إذا لم يقدر على الماء جاز له أن يتيمم ويصلي وإن أن الماء في ملكه بحيث لا يقدر عليه، مثل أن يحول بينه وبينه بلد آخر، أو غير ذلك، فإذا ثبت ذلك فالناسي للماء في رحله لا يوصف بأنه قادر عليه وعلى استعماله فلم تلزمه الإعادة.
وأيضا فإنه لو كان في برية، وطلب الماء حوله وبقربه، فلم يجده ولم يقف عليه، فتيمم وصلى ثم ظهر له بقربه بئر فيها ماء فإنه فلا إعادة عليه، كذلك إذ ظهر له الماء في رحله.
وأيضا فقد ذكرنا فيما تقدم أن كل من لزمه فرض التيمم والصلاة، فتيمم وصلى على ما كلف لم تلزمه الإعادة، ولا خلاف أن هذا ممن قد لزمه التيمم والصلاة، وفد فعل ذلك فلا إعادة عليه.
وش فإنه معر في نسيانه، فهو كمن لم يكن في ملكه، أو كان مريضا يخاف التلف من استعمال الماء، فكل معذور في تيممه إذا صلى
[ ٣ / ١٢١٢ ]
لم تلزمه الإعادة قياسا عليه إذا لم يكمن في ملكه أو كان مريضا.
فإن قيل: قوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وقول النبي ﵇: «الصعيد وضوء المسلم ما لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليمسسه بشرته»، فأباح - تعالى - هو ورسوله عيه السلام التيمم إذا لم يجد الماء، ومنع منه إذا وجده، وإنما يقال: لم يجد إذا طلب فلم يجد، وأما إذا لم يجده من غير طلب فإنه لا يقال له: لم يجده، وإنما يقال: لم يصبه، أو ليس عنده، فإذا ثبت ذلك فالذي نسي الماء في رحله لا يقلا له: لم يجد الماء؛ لأنه لم يطلبه، وأول الطلب يكون من رحله، ثم ما حوله، فلم يعتد بتيممه وصلاته.
قيل: هذا قد طلب طلب مثله، وبدأ برحله، والإنسان قد يعتقد الشيء في رحله فيطلبه وينسى وموضعه، فهو طالب له فلم يجده، فصار عادما له بعد أن طلبه، فهو غير واجد.
على أن الإنسان قد ينسى أن في رحله ماء، فيطلب من حوله فلا يجد، وهذا قد طلب من غير رحله فلم يجد، وأنتم تقولون: إذا نسي الماء في رحله، واجتهد في الطلب من غير رحله فلم يجد وتيمم وصلى فإنه يعيد الصلاة، مع أنه قد اجتهد في الطلب من غير رحله فلم يجد، فصار ظاهر الآية حجة لنا وحجة عليكم.
فإن قيل: فإن التيمم بدل عن مبدل، لو كان عالما قادرا على مبدله لم يعتد به، فوجب إذا كان ناسيا له أن لا يعتد به. أصله إذا نسي أنه قادر على الرقبة فصام لم يعتد بصومه.
[ ٣ / ١٢١٣ ]
قيل: الفرق بين الموضعين: هو أنه قد يجوز أن يعدل عن الماء إلى التيمم مع وجود الماء على وجه ماء، ولم يجز العدول عن الرقبة مع وجودها عل وجه ما، فبان بهاذ أن الرخصة قد تدخل في ترك الماء مع وجوده لعذر، ولا تدخل الرخصة في ترك الرقبة مع وجودها، فبان الفرق.
وأيضا فإن التيمم روعي فيه خوف فوات وقت الصلاة، وليس للرقبة وقت يخاف فواته، فلهذا أعاد عتق الرقبة، ولم يعد الصلاة، والله أعلم.
فإن قيل: فإنه أمر متعلق بالطهارة فوجب أن يكون الناسي منه كالعامد في وجوب الإعادة، كالمتطهر بالماء النجس لا فرق بين أن يستعمله ناسيا أو متعمدا في أن عليه الإعادة.
قيل: عنه جوابان:
أحدهما: أن الماء النجس لم يجز استعماله في الطهارة على وجه، لا مع القدرة ولا مع العجز، قد جاز التيمم مع وجود الماء الطاهر على وجه.
الجواب الآخر: هو أن الماء لا يتنجس - عندنا - إلا بتغير أحد أوصافه، فهو أمر متيقن يبعد أن ينسى صاحبه كنه نجسا، وإن كان يجوز أن يستعمله مستعمل على طريق الجهل.
فإن قيل: قد وجدنا شرائط الصلاة كلها مبينة على أن لا فرق بين
[ ٣ / ١٢١٤ ]
أن يتركها ناسيا أو عامدا في إيجاب الإعادة، مثل الاستقبال للقبلة، وستر العورة، وإزالة النجاسة، والتكبير، والقيام، والركوع والسجود وغير ذلك، فكذلك الطهارة بالماء. ألا ترى أنه لو نسي نفس الطهارة لكان كتركها عامدا ي وجوب إعادة الصلاة، فكذلك نسيانه الماء كتركه عمدا في وجوب إعادة الصلاة.
قيل: إن أصل التيمم إنما أبيح لمراعاة الوقت - أعني الصلاة الذي يخاف فواته - فأي موضع يخاف فوت الصلاة فيه مع تعذر الماء عليه لزمه التيمم، والذي نسي الماء في رحله، ولا يجد غيره يخاف فوت وقت الصلاة الحاضرة فلزمه التيمم باتفاق، كالمسافر لا يجد الماء، وكالمريض الخائف من استعمال الماء، وليس كذلك ما ذكرتموه من سائر الأوصاف؛ لأن تلك لازمة، سوءا خاف فوات الصلاة أم لا، فبان الفرق. ألا ترى أن المتمتع إذا لم يحضره يسر، وهو موسر ببلده فإنه يدل إلى الصيام، فيصوم ثلاثة أيام في الحج خوف فواتها، لا يعيد إذا قدر على الرقبة بعد ذلك.
على أن سرت العورة - عندنا - ليس بفرض، وكذلك إزالة النجاسة، والذي نسي القبلة أيضا فصلى إلى غيرها إن ذكر بعد
[ ٣ / ١٢١٥ ]
خروج الصلاة لم تلزمه الإعادة.
على أن هذه الأشياء إذا نسيها فإنه لم يأت بها لا ببدلها، والذي نسي الماء قد أتى بالبدل الذي هو التيمم، ولا يلزم على هذا من نسي الطهارة بالماء والتيمم جميعا؛ لأنه لم يأت ببدل، وكذلك من نسي القيام والركوع والسجود وغير ذلك، فلم يلزم ما ذكرتموه.
فإن قيل: قولكم: إن الاعتبار في جواز التيمم بعدم القدرة على استعمال الماء لا بعدمه في الملك إلى آخر الفصل فإننا نقول: إنما يعتبر جواز التيمم بعدم القدرة على الماء إذا لم ينسب هو في ترك تلك القدرة إلى التفريط. فأما إذا نسب في ترك تلك القدرة إلى التفريط فلا يكن كعدم القدرة، بل يكن كوجود الدرة عليه، والإنسان إذا كان في ملكه ماء في بلد آخر، ولا ماء معه في موضعه فإنه يتيمم؛ لأنه غير منسوب إلى التفريط في ترك هذه القدرة، فأما من نسي الماء في رحله فهو مفرط في ترك هذه القدرة - وإن كان لا يقدر على استعماله - فلم يكن كعدم القدرة عليه.
وأما ما ذكرتموه من البئر يظهر عليها بعد تيممه وصلاته فإننا نقول: لا فرق بين البئر وبين ناسي الماء في رحله؛ وذلك متى كان مفرطا فيه لزمته الإعادة، ومثل أن يكون قد عرف تلك البئر أصلا، فإننا ننظر فيه، فإن كان مفرطا في طلبها، مثل أن يكون لها أعلام لا تخفى، وعليها أمثال وآثار مثلها تعلم، ففرط في طلب ذلك فإن عليه الإعادة، وإن كانت البئر في موضع خفي مغطى بشيء حيث لا يعثر
[ ٣ / ١٢١٦ ]
عليه فلا إعادة عليه، واعتبار طلب الماء في الرحل على هذه الصفة متى كان مفرطا في طلبه فعليه الإعادة، وإن لم يكن مفرطا فلا إعادة عليه، فإذا كان ذلك سقط ما ذكرتموه ولم يلزمنا.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أننا على هذا الوجه متفقون؛ لأننا نقول: إن طلب في رحله طلب مثله فلم يجده، هر أنه قد خبأه في موضع خفي عليه عند الطلب، فإنه غير مفرط، فلا إعادة عليه، وإن ترك الطلب أصلا في رحله فإنه مفرط وعليه الإعادة.
والجواب الآخر: هو أن يكون نسي أن في رحله ماء أصلا، كان عنده أنه لا ماء عنده، فطلب من غير رحله فلم يجد فإن هذا أيضا لا إلى يكون مفرطا؛ لأن النسيان عذر أتاه من قبل الله - تعالى -، فكان عنده أنه لا ماء في رحله، فلطلب من جهة أخرى، فلم يفرط فيما على من الطلب، فصار بمنزلة من غلب على ظنه أنه لا ماء في هذه الجهة، فطلبه من جهة أخرى فلم يجد، وليس عليه أن يطلب الماء من جميع الجهات، وإنما هو على ما يغلب على ظنه أنه يجده في تلك الجهة، فيكون الخلاف ها هنا واقعا، في الأول اتفاق.
والأولى عندي أنه إن لم يتعرض لطلب الماء في رحله أصلا أن يكون مفرطا عليه الإعادة، ويكون ها وجه قول مالك: إنه يعيد أبدا.
ويكون وجه قوله: لا إعادة إذا طلبه في رحله فلم يجده؛ لأنه خفي موضعه من رحله فلم يفرط، والله الموفق.
[ ٣ / ١٢١٧ ]
ويجوز: أن نحرر لموضع الخلاف قياسا فنقول: قد تيمم لعذر هو عجز عن استعمال الماء حين خاف فوات الوقت فلم تجب عليه الإعادة. أصله المريض المسافر إذا لم يجد الماء، ورد المعذور بالتيمم إلى مثله أولى من غير جنسه، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٢١٨ ]
فصل
قد مضى [في] الكلام في الصلاة على الجنازة في الحضر بالتيمم إذا خاف فوات الكلام على أبي حنيفة، وفي آخر الكلام عن الشعبي الطبري لم أستقصه.
ورأيت أن أفرده ها هنا، وذلك أن الشعبي وابن جرير الطبري يقولان: صلاة الجنازة غر مفتقرة إلى الطهارة أصلا، لا بالماء ولا بالتيمم، وليست عندهما صلاة وإنما هي دعاء.
قالا: هي كالصلاة على الني ﵇. ألا ترى إنها لا تفتقر إلى ركوع ولا سجود فلم تفتقر إلى الصلاة.
والوجه أن يدل على أنها تسمى صلاة، والدليل على ذلك: ما روي أن النبي ﵇ صلى على النجاشة وكبدا أربعا، وما روي أنه ﵇ صلى على مسكينة.
[ ٣ / ١٢١٩ ]
وروي أنه ﵇ صلى على شهداء أحد، وروي عنه لم يصل.
وروي أنه صلى على حمزة، فإذا ثبت إنها تسمى صلاة، فقال الله - تعالى -: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق﴾، فأمر بغسل هذه الأربعة الأعضاء لمن قام إلى الصلاة، والألف واللام في الصلاة للجنس، فهو عموم في كل ما يسمى صلاة إلا أن تقوم دلالة.
وأيضا قول النبي ﵇: «لا صلاة إلا بطهور»، فهو عام في كل
[ ٣ / ١٢٢١ ]
صلاة ما لم يمنع منه دليل.
وقال: «لن تجزئ عبدا صلاته حتى يسبغ الوضوء».
وأيضا فإن كل عبادة افتقر افتتاحها إلى التوجه إلى القبلة والتكبير فإنها مفتقرة إلى الطهارة، أصله سائر الصلوات.
وفإن صلاة الجنازة مفتقرة إلى التوجه، وستر العورة، وإزالة النجاسة، والتكبير، وقطع الكلام فيها، وكذلك هي في وجوب الطهارة مثل سائر الصلوات.
وأما قولهم: إنها لم تفتقر إلى ركوع وسجود ولم تفتقر إلى طهارة، فإننا نقول: الصلوات تختلف، فمنها أربع ركعات، ومنها ثلاث، ومنها ركعتان، ومنها ركعة - هي الوتر -، ومنها ما فيه ركوعان ومنها ما لا ركوع فيه ولا سجود كالطواف، وقال ﵇: «الطواف بالبيت صلاة»، فليس من أجل خلافها للصلوات ما يخرج عن جميع
[ ٣ / ١٢٢٢ ]
أحكامها. ألا ترى أنها شاركت الصلوات في التوجه والتكبير والسلام فهي مثلها في الطهارة.
فأما إلى الصلاة على النبي ﵇ فإنها قول لا فعل. ألا ترى أنها لا تفتقر إلى شيء مما في الصلوات من الأفعال فلم تفتقر إلى الطهارة، والله أعلم.
[ ٣ / ١٢٢٣ ]