وليس للمسح على الخفين عند مالك ﵀ حد محدود، لا للمقيم ولا لمسافر، يمسح ما بدا هل ما لم ينزعهما أو تصبه جنابة.
وبه قال الليث بن سعد، والأوزاعي، وهو قول الشافعي في القديم.
وعن مالك فيه روايات لا تصح، والصحيح ما حكيناه.
وقال أبو حنيفة والشافعي في قوله الجديد.
هو موقت محدود، فللمسافر ثلاثة أيام بلياليها، وللمقيم يوم وليلة من وقت ما أحدثا، وبه قال الثوري،
[ ٣ / ١٢٥٩ ]
وأحمد، وإسحاق.
والدليل لقولنا: ما رواه عمر وأنس أن النبي ﵇ قال: «إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر فامسح عليهما وصل فيهما ما لم تنزعهما أو تصبك جنابة» فأباح المسح ما لم يحدث أحد هذين إما النزاع أو الجنابة، ولم يخص وقتا من وقت.
وأيضا ما روي عن عطاء بن يسار قال: سألت ميمونة زوج النبي ﷺ عن المسح على الخفين فقلت: أفي كل ساعة يمسح على الخفين؟.
[ ٣ / ١٢٦٠ ]
فقالت: نعم، ولم تخص مؤقتا من وقت.
أيضا ما روي أن النبي ﷺ مسح على خفيه غب روابة المغبرة.
وفي حديث حذيفة أتى سباطة قوم فبال قائما ثم توضأ فسمح على خفيه.
وأيضا قول النبي ﷺ: «إذا لبستهما على طهر فامسح عليهما»، فثبت عنه ﵇ جواز المسح، ولم يثبت عنه فيه توقيت.
وأيضا ما روي عن خزيمة بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: «يمسح
[ ٣ / ١٢٦١ ]
المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة».
وروي فيه: والله لو استزدناده لزادنا.
وروي: لو استزاده السائل لزاده، والصحابي لا يجوز أن يقطع على علم رسول الله ﷺ أنه يزيد السائل إذا استزاد حتى يحلف عليه، ويكون ذلك ظنا منه بل إنما يكون ذلك إذا تحقق بعلم قد تقدم منه، علمه من النبي ﵇ في جواز الزيادة على ذلك.
وأيضا ما روي عن أبي بن عمارة أنه قال: سألت رسول الله عن المسح فقلت: أمسح على الخفين؟ فقال: «امسح». فقلت: يوما؟. فقال: «ويومين وثلاثة وما شئت».
ورواه سعيد بن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن
[ ٣ / ١٢٦٢ ]
أيوب قال: حدثني عبد الرحمن بن زرين عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن عبادة بن نسي عن أبي بن عمارة - وصلى رسول
[ ٣ / ١٢٦٣ ]
الله ﷺ في بيته القبلتين - أنه قال: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟. قال: «نعم ويومين». قلت: وثلاثة يا رسول الله؟. قال: «نعم». حتى بلغ سبعا. ثم قال رسول الله ﷺ: «نعم وما بدا لك».
ورواه يحيى بن معين قال: حدثنا عمرو بن الربيع قال: حدثني يحيى بن أيوب بإسناد مثله.
وقد روي أيضا من حديث أنس عن النبي ﷺ مثله.
وروي عن عقبة بن عمر أنه قدم المدينة فدخل على عمر
[ ٣ / ١٢٦٤ ]
الخطاب ﵁ وعليه خفان في يوم الجمعة -، فقال عمر: منذ كم لبستهما أو تمسح عليهما؟. قال: منذ الجمعة وهذه الجمعة. فقال: أصبت السنة، والصحابي إذا أطلق السنة فهي سنة النبي ﷺ.
فإن قيل: ما استدللتم به من ظواهر الأخبار التي قبل حديث خزيمة وأبي بن عمارة فغناه عموم يخصها ما روي عن شريح بن هانئ قال: أبيت عائشة فسألتها عن المسح على الخفين. فقالت: سل عليا، فإنه كان يسافر مع الني ﷺ. قال: فأتيت عليا فسألته، فقال: قال رسول الله ﷺ: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة».
وروى صفوان بن عسال الرمادي قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «يمسح المسافر ثلاثة أيام لياليهن، والمقيم يوما ليلة».
[ ٣ / ١٢٦٥ ]
وروى صفوان قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم.
وروى عوف بن مالك الأشجعي قال: كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فأمر المسافر أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يوما وليلة.
[ ٣ / ١٢٦٦ ]
قالوا: والاستدلال من هذه الأخبار من وجهين:
أحدهما: أن الني ﵇ فرق في المسح بين المسافر والمقيم، فسقط قول من قال: إنه غير موقت؛ لأنه لا يفرق بينهما.
والوجه الآخر: أن النبي ﵇ جعل وقت المسح للمسافر محدودا بالثلاثة، وللمقيم يوما وليلة، والحد الوارد في الشرع إما يفيد أحد أمرين: إما المنع من النقصان عنه، أو المنع من مجاوزته، كآخر وقت الظهر، والميقات لما جاز قبله علم أنه للمنع من المجاوزة عنه، فلما تقرر أن للمسافر أن يمسح دون ثلاثة الأيام، وللمقيم دون اليوم والليلة علم أنه حد للمنع من مجاوزته.
ثم دليل الخطاب بخلاف المذكور فلا يجوز خلاف ما حد في أخبارنا.
قيل: عن هذه الأخبار أجوبة:
أحدها: أن عبد الرحمن بن مهدي - إمام في الحديث -، وقد قال: لا يصح عن النبي ﵇ في التوقيت في المسح على الخفين حديث.
وقال أيضا: حديثان لا أصل لهما، التسليمتان في الصلاة، والتوقيت في المسح على الخفين.
وأما حديث صفوان بن عسال فإنما رواه عاصم
[ ٣ / ١٢٦٧ ]
عن زر عن صفوان. وعاصم قد تكلم أصحاب الحديث في حفظه. فقال يحيى بن معين على عاصم: روى الحديث فهو ضعيف.
وكذلك طعن على أي عبد الله الجدلي في روايته عن خريمة، فتكلم في دينه فقيل: إنه كان صاحب راية المختار بن أبي عبيد.
[ ٣ / ١٢٦٨ ]
وإن كان في حديث لو مضى السائل في حديثه لزاده.
وجواب آخر: وهو أن في بعضها أنه خرج من النبي ﵇ على سؤال سائل سأل عن جواز المسح ثلاثا، وسأل عن جواز المسح للمقيم يوما وليلة، فقال: نعم، لم يرد بهذا الحد الذي لا يتجاوز.
ولو لم ينقل أنها ردت على سؤال سائل لجاز أن تحمل على ذلك؛ لأنه قد روي عن الحسن أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يوقتون في المسح على الخفين.
[ ٣ / ١٢٦٩ ]
وروى هشام بن حسان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يوقت في المسح على الخفين.
[ ٣ / ١٢٧٠ ]
فإذا كان كذلك لم يثبت الحد بثمل هذا؛ لأن الحدود سبيله أن تثبت بما ثبت به المسح، فلو كانت كنفس المسح لوردت مورده، ولم يختلف فيها. ألا ترى أن الحدود والمقادير لم تثبت بمثل هذا.
وجواب آخر: وهو أنه لو ثبت الحد فيما رويتموه لم يمتنع أن يكون متقدما، ثم يرد ما فيه زيادة حكم، وقد روينا عن أبي بن عمارة ما رواه عن النبي ﷺ من مضيه إلى السبعة، ثم قال: «نعم وما بدا لك»، وقوبل الزيادة في الحكم يجوز، فتستعمل الأخبار كلها، فمن اختار أن يمسح ثلاثا جاز، ومن اختار التجاوز جاز.
وجواب آخر: وهو أن النبي ﷺ تكلم على الغالب من أمر المقيم أنه يمسح يما وليلة؛ لأنه أكثر ما يلبس في الحضر، وأن الغالب من أمر المسافر أن يبقى خفه في رجله ثلاثة أيام وأمر بالاختيار من ذلك، ولم يرد منع من تجاوز ذلك، ولا جعله حدا لا يتجاوز، ولو أراد ذلك لأكده بأن يقول: ولا يجوز تجاوز ذلك؛ حتى لا يختلف فيه، فلما وقع خلاف الصحابة في ذلك علم أنه لم يرد الحد.
فإن قيل: فقد روى عبد الرحمن النبي ﵇ أبي بكرة عن أبيه أبي بكرة أنه اقل: رخص رسل الله ﷺ للمسافرين ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم
[ ٣ / ١٢٧١ ]
في يوم وليلة إذا تطهر ولبس الخفين أن يمسح عليهما، وهذا أجود خبر لهم، والاستدلال لهم به من وجهين.
أحدهما: كما استدلوا به من الأخبار المتقدمة.
ووجه آخر: وهو أن الراوي قال: أرخص في المسح، والرخصة في ورود إباحة على أصل محظور، فعلم أن المسح على الخفين كان محرما محظورا، وإذا كان محظورا فالقدر الذي أبيح جاز فعله، فأما الزائد عليه فمحرم على أصل الحظر.
قيل: قد قلنا: إنه لا يصح في التوقيت حديث. فإن صح هذا جاز أن يكون ﵇ أرخص في هذا لم يمنع من الزيادة عليه بما ذكرناه، فيكون هذا أيضا جوابا لسائل سأل: هل يرخص له في هذا القدر؟، فخرج جوابه له عنه، لم يرد أن يكون ذلك حدا؛ إذ لو أراد الحد لم يزد على ذلك في حديث أبي بن عمارة.
وأيضا فيحتمل أن تكون الرخصة متوجهة إلى نفس المسجد دون أن يتعرض للتوقيت بالدلائل التي تقدمت.
وأيضا فإنه قد نبه على أنه رخصة للحاجة، وسائر الرخص مباحة ما دامت الحاجة، كالفطر والقصر في السفر، والتيمم للمريض، وشد الجبائر، وأكل الميتة، وما أشبه ذلك، ولم يقع فيها حد ما دامت الحاجة، فكذلك إن احتاج إلى لبس الخف أكثر من ذلك مسح ما دامت حاجته.
[ ٣ / ١٢٧٢ ]
فإن قيل: المسح على الخفين رخصة كما ذكرتم، غير أنه ﵇ أرخص للمسافر في ثلاثة أيام، وللمقيم في يوم وليلة، والرخص إنما تستباح على قدر الحاجة، فأما الزيادة على قدر الحاجة فلا، كأكل الميتة لما كان رخصة جاز فيه قدر الحاجة، ووجدنا الحاجة في المسح للمقيم تدعوه في يوم وليلة؛ لأنه إنما يستديم لبس الخف يوما وليلة، فأما استدامته في أكثر من ذلك فعليه فيه مشقة، فالحاجة هي في نزعه بعد اليوم والليلة، وفي المسافر ثلاثة أيام؛ لأنه وإن احتاج إلى المسح على خفيه فإنما يستديمه ثلاثة أيام، والمشقة عليه في نوعه في هذا القدر، فلم يجز أن يمسح في أكثر من ثلاثة أيام؛ لأن لبسه أكثر من هذا غير محتاج إليه، وعليه في مشقة.
قيل: عن هذا جوابان:
أحدهما: أن لبس الخفين قد أبيح مع زوال المشقة، لولا هذا لما جاز لبسه إلا مع وجود المشقة، فإذا أرخص فيه مع عدم المشقة وجب أن يجوز المسح ما دام الإنسان مختارا للبسه.
والجواب الآخر: هو أنه لو ثبت أرخص فيه للمشقة، فإن الفطر والقصر في السفر أبيح لأجل المشقة التي تلحق، وليس ذلك محدودا، وقد يكون من الملوك الذين يترفهون في سفرهم أكثر من ترفه غيرهم في المقام، ويلبسون خفافهم أكثر من لبس غيرهم، وقد يحتاج المسافر إلى لبس الخف أكثر من ثلاثة أيام أيضا، خاصة في السفر في مواضع الثلوج، والجد في السفر، وغير ذلك، ألا ترى إلى
[ ٣ / ١٢٧٣ ]
قول عمر ﵁ لعقبة مستحب من الجمعة إلى الجمعة، فقولكم: إن المشقة تلحق في هذا القدر، وأن لبسه في الزيادة عليها فيه المشقة غلط، ونحن نعم أن العسكر في الغزوات قد يشتد خوفهم ليلا ونهارا، ويكون البرد شديد يثقل عليهم نزع خفافهم، ولو أنه بعد خمسة أيام، فلم يثبت ما ذكروه.
فإن قيل: إن لطهارة على ثلاثة أضرب:
فطهارة ترفع الحدث عن جميع الأعضاء، وهي الطهارة بالماء، فيجوز أن يصلي بها غير موقت.
والثاني: طهارة لا ترفع الحدث عن جميع الأعضاء أصلا، وهو التيمم، فيصلي بها موقتا، لا يصلي به إلا صلاة واحدة، لا يجمع فيه بين صلاتي فرض.
والثالث: طهارة فيها المسح على الخفين فلا يرتفع الحدث عن الرجلين، فهو دون الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وفوق التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فلم يبلغ حكم الطهارة التي فيها المسح على الخفين مرتبة الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وكانت أبلغ من التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فجاز أن يصلي بها أكثر من صلاة واحدة، ولم تبلغ مرتبة الطهارة التي ترفع الحدث عن جميع الأعضاء في أنه يصلي بها غير موقت.
قيل: إن هذا التقسيم مليح في ظاهره، فاسد في باطنه؛ وذلك
[ ٣ / ١٢٧٤ ]
أنه يفسد بالمسح على الجبائر، فإن المسح عيا لا يرفع الحدث عن العضو الذي تحتها، كما لا يرفعه المسح على الخف، وهو في المسح على الجبائر غير موقت، وليس حكمه حكم الطهارة بالماء في جميع الأعضاء، وهو أعلى رتبة من التيمم الذي لا يرفع الحدث أصلا، فسقط هذا.
وجوب آخر: وهو أن المسح على الخف تابع لنا في الأعضاء المغسولة، فالحدث يرتفع أصلا كما يرتفع بالماء، وكما هو في الجبائر، وليس يجوز أن يجمع في طهارة واحدة تطهير وحدث على ما بيناه فيمن معه ماء قليل لا يكفيه فإنه يتمم ولا يستعمله.
وجواب آخر: وهو أن المسح على الخفين أبيح مع القدرة على نزعهما، والجبائر أبيح المسح عليهما للضرورة، كما أبيح التيمم للضرورة، فصارت الرخصة في المسح على الخفين أبلغ منها في الجبائر، فإذا جاز أن يمسح على الجبائر غير موقت - وهو في معنى التيمم - كان في المسح على الخفين أولى بالجواز، وصار المسح على الخفين بمنزلة الغسل. ألا ترى أن الجمع بين الصلاتين قد جاز بالمسح كما جاز بالغسل، وإن لم يجز ذلك في التيمم.
وأيضا فإن المسح جميع الرأس في الطهارة أعلى رتبة من مسح بعضه، وجوزتم الاقتصار على البعض مع قدرته على مسح كله، كما جاز مسح الفخين مع قدره على نزعهما وغسل الرجلين، فلما جاز أن
[ ٣ / ١٢٧٥ ]
يصلي بمسح بعض رأسه غير موقت كان في مسح الخفين كذلك، ولا يلزم على هذا أن بمسح بعض الرأس بالماء يرفع الحدث، وليس كذلك المسح على الخفين؛ لأن هذا يلزم في الجبائر مثله.
وأيضا فقد كان ينبغي على ما وصفتموه أن الحدث عن الرجل وحدها لا يرتفع أن يجعلوا الثلاثة الأعضاء التي ارتفع عنها الحدث تقديرا على الحساب يكون له أن يصلي بها ثلاثة صلوات أو ثلاثة أيام في الحضر والسفر فيكون موقتا على هذا الوجه، فأما أن يكون للحاضر وقت، وللمسافر وقت، وقد اشتركا فيما ارتفع الحدث عنه، وفيما لم يترفع عنه لا معنى للتفرقة.
فإن قيل: ما ذكرتموه من حديث خزيمة عنه جوابان:
أحدهما: أنه (إن) كان ظنا من خزيمة لا تحقيقا؛ لأنه ربما كان ﵇ يزيد، وربما لم يزد. كيف وقد نقل في الخبر أنه قال: ظننت أننا لو استزدناه زادنا؟.
والجواب الثاني: هو أنه لو تحقق أن النبي ﵇ كان يزيدهم أن لو سألوه الزيادة فإنما يكون للزيادة حكم إذا فعله النبي ﵇ وأمر به، فأما قبل أن يأذن فيه فلا حكم له، وإن تحقق منه أنه كان يزيد.
قيل: قد نقل في خبر خزيمة ما ذكرناه فلا يجوز أن يظن بالصحابي أن ينقل إلينا أن السائل لو استزاده لزاده، ويكون ذلك
[ ٣ / ١٢٧٦ ]
تخمينا وظنا منه، فيقطع على حكم صاحب الشريعة أنه يفعل ذلك من غير علم منه قد سبق بذلك. فإن صح أنه قال: ظننا، فإنه يجوز أن يكون الظن بمعنى اليقين، كما قال - تعالى -: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾، وهذا كثير، فيطابق معنى ما قطع عليه في الخبر ولا يتنافى.
وأما الفصل الثاني فإن الصحابي إذا تحقق من النبي ﵇ أنه كان يزيد السائل لو سأله عنه فقد تحقق جوازه، ولا يحتاج إلى إيجاد الفعل؛ لأننا قد نعلم جواز أشياء، وأنها مباحة في شرعنا فإن لم يفعلها، وقد نعلم إباحة الشيء من جهة النبي ﵇ بعلم متقدم، وأن المسح أكثر من ثلاث يجوز، فلا يحتاج إلى أن يأمر به في كل وقت، ولو سئل عنه لأجاب بإباحته، فلم يلزم ما ذكروه.
فإن قيل: ما ذكرتموه عن أبي بن عمارة، فإننا نقل: إن الرجل إنما سأله عن جواز المسح لا عن كيفيته ومقداره. ألا ترى أنه قال: يا رسول الله، أمسح؟، ولم يقل: كم أستديم المسح؟. فالنبي عليه السلم بين له جواز المسح، ونحن نقول: إن المسافر يمسح أبدا يومين وثلاثة وسبعة، ولكن على الصفة التي نقولها، وخبرنا قصد به بيان المدة والوقت.
[ ٣ / ١٢٧٧ ]
قيل: أبي بن عمارة سأل عن جواز لمسح وعن صفته له هو موقت أم لا؟ فقال له ﵇ حين سأله عن اليومين والثلاثة: " نعم، وسبعا ما بد لك "، ففهم عنه أنه يجوز غير موقت. هذا ظاهر الخبر، فحمله عليه، وحمل خبر الثلاثة على سؤال سائل أولى؛ لأن في هذا زيادة حكم مستفاد، ويشهد له سائر الرخص؛ لأنها ليست موقتة، وإنما هي على حسب الحاجة.
فإن قيل: خبر عقبة بن عامر مع عمر ﵁ عليه سؤالان:
أحدهما: أننا قد نقلنا عن الصحابة خلافه، فلا يكون قوله حجة.
والآخر: هو أنه قد اختلف فيه، فقيل: قد على أبي بكر، وقيل: إنه قدم على عمر، وفيه ألفاظ مختلفة.
قيل: إن صح نقلكم عن بعض الصحابة في التوقيت فهو متأول على ما تأولنا عليه قول النبي ﵇ من سؤال سائل، ويكون جوابه لعقبة بأنه أصاب السنة أولى.
وأيضا فإن الإمام من الصحابة إذا قال في الخطبة بحضرة الصحابة مثل هذا كان أولى من قول غيره.
[ ٣ / ١٢٧٨ ]
وأما اختلاف الرواية فيه عن أبي بكر أو عمر، فإنه يجوز أن يكون في سفرتين، إحداهما أنه قدم فيها على أبي بكر، والأخرى على عمر، ولو نسي الراوي القدوم على من كان منهما، وضبط حديث المسح على الخفين لما ضر ذلك؛ لأن الفائدة من الحكم المقصود جواز المسح المدة التي ذكرناها، وهذا بمنزلة أن يقول النبي ﵇ قولا يتعلق به حكم، فقال أحد الراويين: أن النبي ﵇ قاله في وقت، وقال الآخر: إنه قاله في غير ذلك الوقت، وقد ضبط القول الذي يتعلق به الحكم واتفقا عليه ولم يضر ذلك، ولزم العمل بالقول الذي قاله ﵇ فكذلك ها هنا … إذا ضبط الراوي القول في المسح ونقله، واختلف الرواة فيه، فقال بعضهم: هذا القول كان من أبي بكر، وقال بعضهم: إنه كان من عمر عمل عليه؛ لأن كل واحد منهما إمام يقتدى به، ويقبل قوله، مع جواز أن يكون القول قد تكرر منهما جميعا.
ويجوز أن نقول: هو ممسوح في الطهارة فوجب أن لا يكون محدودا، أصله مسح الرأس والجبائر.
وأيضا فإن الفرض متعلق بالرجلين إذا كانتا باديتين، فإذا سترهما الخف انتقل الفرض إليه على حسب أصله، كاللحية إذا نبتت على الوجه، وسترت بشرة الوجه، لما انتقل الفرض … إليها من بشرة الوجه انتقل إليها على حسب ما أن متعلقا بالبشرة على التأييد من غير توقيت.
وأيضا فإن المسح مسحان: مسح على الجبائر، ومسح على
[ ٣ / ١٢٧٩ ]
الخفين، فلما تقرر أن المسح على الجبيرة غير موقت فكذلك المسح على الخفين رخصة.
فإن قيل: مسح الرأس واللحية عزيمتان، ومسح الخفين ورخصة.
ألا ترى أنه لو مسح شعر لحيته ورأسه، ثم سقط شعره لم ينتقض حكم مسحه، ولو مسح على خفيه ثم بدت رجله انتقض حكم مسحه.
فأما مسح الجبائر فلا فرق بينهما وبين الخفين؛ لأن مسح الجبيرة ما دامت الحاجة، وقد بينا أن حاجة المسح على الخفين هي ثلاثة أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم.
قيل: أما قولكم: إن مسح الرأس عزيمة فلهذا لم يتوقت وليس كذلك مسح الخفين فجوابه: أنه لا يتأثر لهذه العلة؛ لأن الجبيرة ليست بعزيمة، وهي غير موقتة مثل العزيمة. على أن العلة المتعدية أولى من غير المتعدية.
وقولكم: إن حاجة المسح على الخفين ما ذكرتموه فقد بينا فساده، وأن الحاجة قد تدعو إلى أكثر من ذلك فسقط أيضا، وصار كالجبائر وسائر الرخص، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٢٨٠ ]