إذا كان في الخف خرق يسير مما دن الكعبين، يظهر من الرجل شيء يسير جاز المسح عليه، وإن تفاحش لم يجز المسح ووجب نزعه وغسل الرجلين. وبه قال الشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا يجوز المسح سواء كان الخرق يسيرا أو كبيرا، وبه قال أحمد.
وقال الثوري، وأبو ثور، وإسحاق: إنه يجوز المسح عليه ما دام يمكنه المشي فيه.
وقال الأوزاعي: يجوز المسح، ويمسح على ما ظهر من الرجل وعلى باقي الخف.
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
وقال أبو حنيفة: إن كان الخرق مقدار ثلاث أصابع لم يجز المسح، وأن كان دونها جاز، وذهب إلى جواز التفليق إن كان في فرد خف، وإن كان في الخفين جميعا لم يلفق أحدهما إلى الآخر، فإذا كان في فرد خف خروق في مواضع منه متفرقة قال: إن بلغ كله إذا … ضم بعضه إلى بعض ثلاث أصابع لم يجز المسح عليه، وإن كان أقل من ثلاث أصابع مسح عليه، وإن كان في خف واحد قدر أصبع مثلا، وفي الآخر قدر أصبعين لم يلفق، وجاز المسح على الخفين جميعا وإن بلغ الجميع ثلاث أصابع.
فحصل الخلاف في المسح بالخروق على خمسة مذاهب.
والدليل لقولنا في جواز المسح إذا كان الخرق يسيرا، ما روي عن النبي ﷺ وعن الصحابة ﵃ في المسح على الخفين، وفي جوازه قولا وفعلا، في السفر والحضر، ولم يفرقوا بين أن يكون الخف صحيحا أو فيه خرق يسيرا أو كثير؛ لأن اسم الخف لا يزول عنه مع كون الخرق فيه، فلو خلينا وهذا الظاهر من فعلهم وقولهم لجوزنا المسح على الخف بأي خرق كان، ولكن قامت دلالة منعت من المسح إذا تفاحش الخرق، ولم تقم دلالة في المنع من الخرق اليسير، فبقي على حكم الظاهر في جواز المسح؛ لأن اسم الخف موجود.
وأيضا فإن خفاف الناس تختلف على حسب أحوالهم وحاجاتهم، وفي الجدة والخلوة، فرخص له في المسح ترفيها لحاجتهم إلى
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
الخفاف، وأنهم يحتاجون إلى لبسها في أسفارهم ومواضع البرد والثلوج، والمشي في طول الطرق، وحيث لا يجدون من يخرزها لهم، فعفي لهم عن الخرق اليسير. كما عفي عن العلم القليل في الصلاة؛ لأنه يشق التحرز منه، فكذلك يشق التحرز من الخرق اليسير في الخف في مثل ما ذكرنا، وليس كل أحوال الناس تتفق؛ لأن منهم من لا يستحسن لبس الخف المخرق، ومنهم من لا يمكنه غير ذلك، ويشق تتبع كل خرق يسير في خف، خاصة للماشة في طرقهم كلها، وقد عفي عن الدم اليسير الذي يشق التحفظ منه في الصلاة كدم البراغيث، وكذلك عفي عن الغرر اليسير في البياعات، وعن أشياء أخرجت عن أصولها؛ للرفق والحاجة إليها.
وأيضا فإن المعنى الذي لأجله جوز المسح على الخف الصحيح السليم هو أن الحاجة تدعو إلى لبسه، وتلحق المشقة في نفسه في نزعه، وهذا المعنى موجود لا محالة فيمن في خفه خرق يسير.
وأيضا فإن المسح على الخفين رخصة عامة لجميع من يحتاج إلى لبسه فلو قلنا: لا يمسح على خف مخرق صارت الرخصة خاصة لبعض أصحاب الخفاف دون بعض.
فإن قيل: قد روي أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه إلى أن غسل رجليه، ثم قال: «هذا وضوء لا يقبل الله الطهارة
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
إلا به»، فهو على عمومه إلا، يقوم دليل المسح.
وكذلك ظاهر القرآن يدل على غسل الرجلين لكل صلاة إلا أن يقوم دليل.
قيل: الآية والخبر وردا فيمن كانت رجلاه باديتين، فإما كانتا في الخف جاز المسح بما روي عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة في المسح على الخفين لم يخصوا خفا فيه خرق من غيره.
فإن قيل: فإن ظهر من رجله ما يلزمه غسله عند ظهور جميعه، فوجب أن لا يجوز له المسح عليه، أصله إذا كان كبيرا.
قبل: ليس المعنى ما ذكرتم؛ إن الكبير يكون نادرا، وليس هو الغالب، ولأن أكثر القدم يظهر، ليس كذلك اليسير؛ لأن خفاف الناس في الغالب لا تخلو منه، مثل أن يظهر منه ظفر أو رأس أصبع، وقد عفت الشريعة في الرخص عن القليل، كما ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، وكدم البراغيث.
فإن قيل: فإن الرجلين لو كانتا باديتين لكان الفرض فيهما الغسل، وإذا كانتا مستورتين جاز المسح، فإذا تخرق بعض الخف، وظهر بعض الرجل فلا بد من تغليب أحدهما على الآخر، فتغليب حكم الغسل أولى؛ لأنه أصل، والمسح بدل عنه.
قيل: إذا تفاحش ظهور الرجل فهو كما قلتم، يغلب حكم الغسل،
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
فأما إذا كان الخرق يسيرا غلب عليه حكم المسح، كما قلنا في الدم: الأصل كون الثوب طاهرا من الدم، فإن حصل فيه دم البراغيث غلب حكم العفو عنه، وإن كان على غير ذلك غلب حكم الإزالة، وكذلك حكم العمل القليل في الصلاة يخالف الكثير.
على أنه إنما يغلب حك الأصل وهو المبدل على البدل إذا جد جميع المبدل، وها هنا لم يجد حكم جميع المبدل من ظهور القدمين أو أكثرهما. ألا ترى أن واجد الرقبة في الكفارة يمنع جواز البدل الذي هو الصم؛ لأن القبة - التي هي الأصل - موجودة فمنعت البدل، وليس كذلك إذا وجد بعض الرقبة، لم يقدر على باقيها، فإن الصوم - الذي هو البدل - جائز؛ لأن جميع الأصل معدوم، فكذلك ظهور القليل من القدم لا يمنع المسح الذي هو البدل، ويصير في حكم ما لم يظهر.
فإن فصلوا بين الموضعين بأن واجد بعض الرقبة لا يقدر على باقيها، والذي ظهر اليسير من رجله يقدر على الغسل، الذي هو الأصل.
قيل: هذا الفرق لا ينجي مما ذكرناه؛ لأننا قد رأينا الفصل بين ظهر المبدل مع البدل وبين عدمه، وهو موجود في الموضعين جميعا، وإنما كسرنا ما قلتم بما ذكرناه فلم.
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
فصل
فأما التقديم في الكلام مع أبي حنيفة فيستدل بظاهر قوله - تعالى -: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، إلى قوله: ﴿وأرجلكم﴾، وبالخبر عن النبي ﷺ في غسل الرجلين إلا أن يقوم دليل. وحصل الاتفاق منها ومنه على جواز المسح مع الخرق اليسير، ولم يقم دليل على جوازه مع الخرق الذي هو مقدر.
فإن قيل: الأخبار الواردة في جواز المسح لم يفرق فيها بين القليل والكثير.
قيل: لم يرد فيها حد محدود، فمن قدر بثلاث أصابع فعليه الدليل، والقديرات تحتاج إلى دليل من صاحب الشرع ﵇، ولما لم يكن في تقدير الخرق دلالة من كتاب ولا سنة ولا اتفاق ولا قياس لم يثبت حكمه، وقد ثبت في الأصول العفو عما يغلب على الظن قلته، كما ذكرنا في العمل القليل في الصلاة، والغرر اليسير في البياعات.
وأيضا فإنه لا ينفك في قدر ذلك بثلاث أصابع ممن قدره بأربع أصابع أو أصبعين بغير دليل.
وأيضا فإنهم يقولون: إن التقديرات والحدود والكفارات لا تؤخذ قياسا، وهذا من التقدير الذي لا أصل له يرجع إليه، فلا ينبغي أن يثبت من جهة القياس لو كان هناك أصل يقاس عليه، نحن نعلم أن
[ ٣ / ١٣٠١ ]
خفاف الصحابة ﵃ وأكثرهم عرب - لم تخل من خروق فيها، وكذلك من بعدهم، ولم ينقل عن أحد منهم تحديد وامتناع من المسح إذا كان على حد محدود.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يكون اليسير منه مجوزا، ولا يجوز في الكثير ولا يكون بنيهما حد يفرق بين القليل والكثير حتى نعلمه؟.
قيل: هذا جائز قد ورد الشرع به في مواضع، ووكلنا إلى ما يغلب على الظن من القلة أو الكثرة، كالعمل في الصلاة، وغير ذلك مما لا حد محدودا فيه بين القليل والكثير غير الرجوع إلى غلبة الظن.
فإن قيل: إذا ثبت أن يسير الخرق لا يمنع المسح؛ لأن مواضع الخرق التي يدخلها الغبار لا تمنع جواز المسح، والكثير الذي يظهر معه أكثر الرجل يمنع احتيج إلى حد يفصل بينهما، فوجب أن يكون من طريق الاجتهاد مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرجال؛ لأن الحكم في الأصول يتعلق بذلك، كمسح الرأس ومسح الرجلين.
قيل: إن الحد في ذلك لا يجوز أن يقف على تحكمنا نحن وتقديرنا من غير أصل يرجع إليه من كتاب أو سنة أو اتفاق أو قياس على علة أو تنبيه، فإذا عدم جميع ذلك فليس غير الاجتهاد الذي يختلف بحسب اختلاف المجتهدين؛ لاختلاف حال المجتهدين فيه.
فأما مسح الرأس فليس فيه تقدير، وعليه أن يمسح الجميع - عندنا -، فإن سقط منه اليسير من حيث لا يقصد فليس هو مقدرا ولا محدودا، وأما الرجلان فلا يمسحان.
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
فإن أرادوا مقدار المسح على الخف ين فليس فيه أحد، وإنما يمسح ظاهرهما وباطنهما، فهو على ما تقضيه العادة في مسح أكثره، وقد قال مالك ﵀: إنه إن مسح أعلاهما أعاد الصلاة في الوقت، ولم يحد في مسح أعلاه ثلاث أصابع ولا غيرها، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٣٠٣ ]