وإن مسح أسفل الخف دون أعلاه لم يجزئه، به قال أبو حنيفة، والشافعي، وعامة أصحابه، وهو عندنا إجماع الصحابة.
وقال المروزي في شرحه: يجوز الاقتصار على أسفله.
[ ٣ / ١٣٣٧ ]
وهو خلاف منصوص الشافعي.
واستدل له: بما رواه المغيرة أن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله، قالوا: وإنما مسح أعلاه وأسفله؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح جوازا ومسنونا.
قالوا: ولأن انكشاف جزء مما تحت القدم لما كان كانكشاف الجزء من ظاهر القدم في المنع من المسح، كذلك أيضا استتاره يجب أن يكون كاستتاره في جواز الاقتصار عليه.
والدليل لقولنا: ما روي عن عمر علي ﵄ أنهما قالا: لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكننا رأينا رسول الله ﷺ مسح على ظاهره، وموضع الدلالة منه: أنهما أخبرا أن المسح على ظاهره أولى، وأن له مزية على باطنه، فإذا جاز الاقتصار على باطنه لم تكن للظاهر مزية عليه، لأنه أراد الكمال فالجمع بينهما كامل مسنون، وإذا أراد الجواز فجعل الباطن جائزا كالظاهر كان الظاهر والباطن في الكمال سواء، وكذلك في المسنون والجائز، ولم يكن للظاهر مزية على الباطن.
وأيضا ما رواه أبو بكرة قال: رخص رسول الله ﷺ للمسافر ثلاثة أيام لياليها إذا تطهر فلبس أن يمسح على خفيه، والمسح على
[ ٣ / ١٣٣٨ ]
الخف يقتضي المسح على ظاهره، فثبت بهذا أن الرخصة توجهت إليه وحده.
ويجوز أن نقول: قد اتفقنا على أن الحدث حاصل، والصلاة عليه بيقين، فمن زعم أن حدثه ارتفع، وأن صلاته مجزئة فعليه الدليل.
وأيضا: فإنه لما لم يجز تعدي مسح الخف إلى غيره من الجورب وشبهه، لم يجز تعدي موضع المسح المنصوص عليه إلى غيره قياسا.
وفإن أسفل الخف يجري مجرى النعل، وظهر القدم يجري مجرى الخف. ألا ترى أن المحرم إذا لبس الخف كانت عليه الفدية، ولو لبس نعلا لم تجب عليه الفدية، ثم قد تكرر أنه لو لبس خفا بلا أسفل وله ظهر القدم كانت عليه فدية، ولو لبس خفا لا ظهر له على القدم وله أسفل القدم لم تجب عليه فدية. فإذا لم يكن بد من أن يجعل أحد الموضعين محلا للجواز فلأن يجعل ما هو في حكم الخف ويجري مجراه أولى مما يجري مجرى النعل.
وأيضا فإن أسفل الخف، وباطن الخف لا يكون محلا للمسح. ألا ترى أنه لو أدخل يده في خفه فمسح على باطنه لم يجزئه.
فأما قوله: إن النبي ﷺ مسح أعلى الخف وأسفله ليبين أنهما جميعا ملح للمسح فه صحيح، ولكنه ﵇ قصد أن يبين محل المسنون من مسح لا محل الجائز، والمعنى في مسح ظهر الخف: هو كونه ظاهرا من الخف، وليس كذلك أسفله؛ لأنه باطن.
[ ٣ / ١٣٣٩ ]
وما ذكروه من المعنى في الخبر فهو عكس، ولا يقول به أكثر أصحابنا؛ لأنهم اعتبروا جواز المسح بالمنع منه، وهذا لا يجوز، فسقط ولو اقتصرنا في المسألة على الإجماع لكفى.
فإن قال قائل: فإنه محل للمسح بالماء غير مستوعب فوجب ألا يتعين كمسح الرأس في الوضوء.
قيل: مسح الرأس - عندنا - مستوعب؛ لأنه عزيمة في الوضوء ليس برخصة، والمسح على الخفين رخصة فلا يتعدى به موضع إجازته.
فإن قيل: إن لكل موضع غسل غطاه خف تام فهو موضع للمسح كالظاهر من الخف.
قيل: فينبغي أن يستوعب جميعه على هذا التعليل، أو يقتصر على موضع الرخصة منه ولا يتعدى بقياس.
وما قلناه مرجح بما حكيناه من النص على أعلاه، والمنع من التعدي إلى غير الخف، فكذلك موضع الرخصة من المسح، وبالاحتياط للفرض، وإسقاط حكم الطهارة والصلاة وزوال الحدث بيقين.
وأيضا فإن الأصول تشهد له؛ وذلك أننا وجدنا قد تعلق بظاهر القدم في المحرم إذا لم يجد نعلين لبس الخفين وقطعهما أسفل الكعبين؛ فكذلك الإباحة يجب أن تتعلق بظاهر القدم دون الباطن، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٣٤٠ ]