ويمسح على العصائب الجبائر إذا كان يخاف نزعهما، وسوءا وعضها على طهر تام أو حدث، ولا إعادة عليه إذا كان قد صلى، رهب قال أبو حنيفة. والشافعي يقول: إن وضعها على طهارة تامة ثم برأ من مرضه ففي الإعادة قولان، وإذا شدها على موضع الوضوء والغسل وهو محدث فالإعادة واجبة قول واحد.
والدليل لقولنا: ما روي أن عليا ﵁ قال انكسرت إحدى زندي فشددتها، وسألت النبي ﷺ عن الوضوء، فقال: «امسح عليها»، ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، فلو كان الحكم يختلف لسأله ﵇
[ ٣ / ١٣٤١ ]
هل شدها على طهر أو هو محدث؟. ثم كان يبين له الحكم في ذلك، فلما لم يسأله، وأطلق له المسح مع جواز أن يكون شدها هو محدث علم أن الحكم لا يختلف.
وأيضا فإن ضرورة الخف لأنه يسمح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطرا غير مختار، فلم يكلف أن يعصب على الجرح وهو متطهر، مع جواز أن يتفق الجرح والكسر عليه وهو محدث فلا يمكنه الغسل، ليس كذلك الخف. ألا ترى أن الجنب مأخوذ عليه نزع خفه، وليس ذلك على الكسير المجروح.
ولا إعادة عليه، لاه قد صلى على الوجه المأمور به على حسب قدرته، فصار بمنزلة من تعذر عليه استعمال الماء وخاف فوات الصلاة فإنه يبج عليه التيمم، ولا إعادة عليه، وكذلك من عجز عن قيام في الصلاة وجب عليه أن يصلي على حسب قدرته وطاقته، ثم لا إعادة عليه، وكذلك من لم يقدر على الرقبة في الظهار وقدر على الصيام جب عليه الصوم ولا إعادة عليه متى قدر على الرقبة، وكذلك من عجز عن كفارة اليمين حتى دخل في الصوم لم يجب عليه الرجوع في الكفارة إذا قدر، وهذا كله لأنه قد أدى الفرض على ما وجب عليه.
فإن قيل: فإن الصحابة ﵃ قالت: إن من لم يجد ماء، ولم يقدر على التيمم، مثل المصلوب ومن حبس في الحش إنه يصلي ويعيد الصلاة، ولم يطرحوا الفرض الذي لزمه بالعجز. ومنهم
[ ٣ / ١٣٤٢ ]
من قال: لا يصلي، ولكنه يقضي، فقد بطل ما قلتم.
قيل: ليس تقدرون أن تعينوا على أحد من الصحابة أنه نص على هذه المسألة - وعندنا - أن المصلوب لا يصلي ولا يقضي، وكذلك المهدوم عليه إذا لم يقدر على ماء ولا تيمم.
وأما المحبوس في الحش فقد قال مال في رواية ابن القاسم عنه: إنه يتيمم على الأرض النجسة، ولكنه يعيد في الوقت استحبابا إن قدر على أرض طاهرة. ويجوز أن يصلي في المكان النجس كالثوب النجس إذا لم يجد غيره.
وقد قال أصحابنا في المصلوب والمهدوم عليه غير ما حكيناه، قد ذكرت قبل هذا اختلافهم فيه، فلو قلنا: إنهما يعيدان الصلاة لما ضر، لأن صاحب الجبائر قد مسح على الجبائر فناب المسح عن الغسل، وكما ناب التيمم عن الغسل، وهؤلاء لم يأتوا بأصل ولا بدل فافترق الحكم.
فإن قيل: فما تقولون فيمن منعه مانع من الماء فصلى؟
قيل: إن كان تيمم لم تكن عليه إعادة، وإن لم يتيمم مع القدرة فعليه الإعادة، عن لم يقدر على التيمم أيضا فهو كمسألة المصلوب.
فإن قيل: لو لطخه إنسان بنجاسة وهو في الصلاة، ومنعه أن يخرج منها حتى صلاها.
[ ٣ / ١٣٤٣ ]
قيل: لا إعادة عليه، لأنه لو ابتدأ في الصلاة بنجاسة لعذر النسيان استحببنا له الإعادة في الوقت، وليس بواجب.
وهذا أيضا إنما يلزم المزني، لأنه يقول: لا إعادة على صاحب الجبيرة إذا شد العصائب على طهارة، لأنه عاجز فتلزمه هذه الأسئلة أو يفرق بينهما فلا يلزمه ذلك.
فإن قيل: قد اتفقنا على أنه لو مسح على الخف وقد لبسه على الخف وقد لبسه على غير طهر أن الإعادة واجبة، فكذلك في العصائب، المعنى الجامع بينهما، أنه مسح على حائل دون العضو المأمور بغسله، وهو محدث قبل غسله.
قيل: هذا غلط فاحش، لأن لابس الخف على غر طهر ممنوع من الصلاة، عاص بفعلها فن مسح الخف، وصاحب الجبائر مأمور بالصلاة، عاص بتركها على ما هو عليه.
ثم نقول أيضا: ليس المعنى في الخف ما ذكرتم، وإنما المعنى فيه أنه عند كل صلاة قادر على غسل رجليه، وإنما يترك ذلك ترخيصا واختيارا للترفه.
أو نقول: العلة فيه أنه يجب عليه نزع الخف وغسل رجليه عند الجنابة، وليس كذلك صاحب الجبائر.
ثم نعارض بأصل آخر فنقول: اتفقنا على أنه لو تكلف المشقة العظمى في نزع العصائب، فغسل أو مسح بعد تكلفة ونزعها، ثم صلى
[ ٣ / ١٣٤٤ ]
لم تكن عليه الإعادة، والعلة فيه: أنه قد صلى على قدر طاقته وعلى ما كلف وأمر، فكذلك إذا مسح ولم ينزعها. وقد كان وضعها على غير طهر، فيكون هذا القياس أولى؛ لشهادة الأصول له.
وقد روي عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا في غزوة فاشتد عليهم البرد، فأمرهم النبي ﵇ أن يمسحوا على العصائب والتساخين، لم يقل لهم: إن كنتم لبستموها على طهارة، وذلك للضرورة، والعصائب: العمائم. وقد اتفقنا على أنه لا يجوز المسح على العمائم مع القدرة على مسح الرأس.
فإن قيل: ففي الخبر أنه أمرهم بالمسح على التساخين، وهي الخفاف، وقد اتفقنا على أنه لا يجوز المسح عليها إذا … لبست على غير طهارة، ولم يسألهم ﵇ هل لبسوها على طهارة؟ كما لم يسألهم عن العمائم.
قيل: لو خلينا والظاهر لم يكن بين الأمرين فرق، ولكن قامت دلالة في الخف صرنا إليه، وبقي مسح العصائب.
على أننا فرقنا بين الأمرين من طريق المعنى فلم يلزم ما ذكرتموه.
يجوز أن نحتج بالظاهر من قوله - تعالى -: ﴿يريد الله بكم اليسر لا يريد بكم العسر﴾، من العسر تكليف وضعها على طهارة، أو إعادة الصلاة بعد الرخصة في المسح الذي هو يسير.
[ ٣ / ١٣٤٥ ]
وأيضا قوله - تعالى -: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾، فدليله أنه لا يريد التثقيل علينا، وفي موضع العصائب على طهارة تثقيل علينا، وكذلك الإعادة.
وقوله أيضا: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، أي من ضيق. وهذه عمومات في كل موضع إلا ما خصه الدليل، والله أعلم.
ويجوز أن نحتج بقوله - تعالى -: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، وهذا واجد للماء فيجب استعماله على الوجه الذي يقدر عليه، ولا يقدر على استعماله إلا المسح على الجبيرة، ولم يفرق بين أن يكون وضعها على طهر أو محدثا، فهو عموم إلا أن يقوم دليل.
ونقول.: هو خائف من نزعها للغسل، فجاز له المسح عليها عند وجوب الوضوء، أصله إذا وضعها على طهارة، فإذا ثبت المسح سقطت الإعادة؛ لأنه قد أدى الصلوات على ما أمر وكلف كما بيناه، وكما لو كان وضعها على طهارة.
وأيضا فقد تدركه العلة وهو غير متوضئ، فيخاف أن يصيبه الماء غسلا أو مسحا فيحتاج إلى تغطية ذلك بالعصائب والخرق، ثم تدركه الطهارة، فكما يخاف من قلعها قد يخاف من الماء قبل شدها، فجاز له المسح وسقطت الإعادة.
[ ٣ / ١٣٤٦ ]
فإن قيل: هو حائل أحدثه بفعله للمسح عليه فوجب أن يمسح عليه إذا وضعه على غير طهر، كالخفين.
قيل: قد ذكرنا الفرق بين ذلك وبين الخفين مما فيه كفاية.
وفرق آخر: وهو أن مسح الخفين - عندكم - موقت، ومسح الجبائر غير موقت؛ لأنه قادر على نزع الخفين غير خائف، هذا [غير] خائف لا يقدر على نزع الجبائر، فبان الفرق بين الموضعين.
وأيضا فإن العلة تأتيه بغير اختياره، يخاف استعمال الماء، فإذا أتته العلة بغير اختيار، فوضع الجبائر عليها ضرورة بغير اختياره، فجاز المسح عليها عن لم يكن وضعها على الوضوء. ألا ترى أن الله - تعالى - قد جوز المسح على شعر الرأس في الوضوء وإن كان حدث على غير وضوء؛ لأنه حدث بغير اختياره فكذلك يجوز المسح على الجبائر وإن كانت على غير وضوء؛ لأنها حدثت بغير اختياره، فإذا ثبت أن له أن يمسح فمسح وصلى فقد أدى ما كلف على ما كلف، والله الموفق.
[ ٣ / ١٣٤٧ ]
في غسل الجمعة