أقل الحيض عند مالك ﵀ فيما تترك له الصلاة والصيام هو أقل ما يوجد في النساء، وذلك لمعة أو دفعة من دم.
وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام بلياليها.
وبمثل هذا قال محمد بن مسلمة في العدد.
وحكي عن مالك مثله في العدد والاستبراء لا في ترك الصلاة.
وقال الشافعي: أقله يم ليلة.
والدليل لقولنا: قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو
[ ٣ / ١٣٦٣ ]
أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ فسماه أذى وأمر بالاعتزال فيه، ولم يفرق بين قليله وكثيره، فكل دم خارج ممن يجوز أن تحيض في زمان يصلح فيه فهو دم حيض … إلا أن يقوم دليل.
فإن قيل: المحيض ليس هو الحيض، وإنما هو مكان الحيض الذي هو الرحم، فإذا ثبت أنه محيض صح ما قلتم، ولا نسلم أنه يسمى محيضا بخروج دفعة من دم.
قيل: إنما كني باسم المحيض عن الدم؛ لأنه يخرج منه، ولم يجعله كناية عن دم مخصوص، فمن زعم أنه كناية عن دم كثير دون دم قليل فعليه الدلالة.
وأيضا فقد بين النبي ﵇ صفة دم الحيض فقال: «هو أسود ثخين له رائحة»، فعلمنا أن المحيض كناية عن الدم الذي هذه صفته،
[ ٣ / ١٣٦٤ ]
قليلا كان أو كثيرا إلا أن يقوم دلالة.
وأيضا فإذا كان اسم المحيض كناية عن الرحم فهو يستحق الاسم في حال خروج الحيض وفي خلاله، فالظاهر يقتضي أن نعتزل هذا المكان على كل حال، في حال الدم وفي خلاله، كان الدم قليلا أو كثيرا إلا أن تقوم دلالة.
وعلى أنهم لا يخالفوننا في اعتزالها في هذا الدم القليل، ولكنهم يراعون أي وقت ينقطع.
فإن انقطع دون المدة التي جعلوها حدا لأكثر الحيض كان حيضا.
وإن زاد كان حيضا واستحاضة، ويكون الحيض منه هو المحدود في أقل الحيض - عندهم - على اختلاف بينهم فيه.
وإن انقطع دون يوم وليلة - عند الشافعي - أو ثلاثة أيام - عند أبي حنيفة فهو غير حيض.
ولنا أن نستدل في ابتداء المسألة بقول النبي ﷺ: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة»، وهذا إنما ذكره ﵇؛ ليعلمنا أن الحكم بتعلق بوجود الدم الذي صفته، ولم يفرق بين قليله وكثيره؛ إذا لو كانت المدة صفة فيه لم يحذفها منه، كما لو يحذف علامات الدم نفه عام إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فما رواه عروة عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت
[ ٣ / ١٣٦٥ ]
أبي حبيشة قالت: يا رسول الله، إني أستحاض فلا أطهر. فقال: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت وأذهب وقدرها فاغسلي عنك الدم وصلى»، وإقبالها إنما تعرفه بأمارته ولونه، فلولا أن الجزء الأول الذي تعرفه من الحيض، ومحكوم له بحكمه لم يأمرها بترك الصلاة في إقبالها، ولكان يقول لها: إذا عرفت الدم وأقبل فلا تتركي الصلاة حتى يمضي يوم وليلة أو ثلاثة أيام.
وأيضا فإنه لما كان دم النفس تتعلق بالأحكام بوجوده من ترك الصلاة والصوم والامتناع من الوطء، ولم يكن لأقله حد غير وجوده وجب أن يكون دم لحيض مثله؛ لمشاركته إياه في علته.
فإن قيل: فقد روي في حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنه ﷺ قال لها: «اتركي الصلاة يوم حيضتك يوم محيضك»، فوجب أن يكون
[ ٣ / ١٣٦٦ ]
اليوم مقدرا فيه.
قيل: هذا دليل لنا؛ وذلك أنه أراد وقت حيضتك، أي في يوم الذي تحيضين فيه، كما تقول: كلم زيدا يوم يقدم فلان، فإنما معناه في اليوم، أي: وقت قدومه منه، ولم يقل: دعي الصلاة بعد يوم حيضتك وبعد ليلته، فصار هذا حجة لنا.
وأيضا فإن أصل دم الحيض والنفاس المرجوع فيه إلى الوجود في النساء؛ لأنه يختلف فيهن بحسب طباعهن، وبحسب أسنانهن، وبحسب اختلاف الأزمنة عليهن، وباختلاف الحرارة فيهن؛ لأنه يقل ويكثر وينتقل، فجعل ذلك معتبرا بوجوده منهن وفيهن، وقد يوجد من تحيض دفعة، كما يوجد من تحيض أكثر من ذلك، ووجد من تحيض أكثر من صاحبتها، فينبغي أن يحكم في ذلك يقدر ما قد وجد ويوجد.
وأيضا فإن النبي ﵇ سمى دم الاستحاضة لما خرج من عادة النساء دم عرق وفساد، وهو الزائد على خمسة عشر يوما، أو عشرة أيام، فوجب أن يكون ما دونه دم حيض قليلا أو كثيرا.
والدليل على صحة قولنا أيضا: أننا لا نعلم خلافا أن المرأة المبتدأة بالدم تترك الصلاة لرؤيته، فلولا أن ذلك دم حيض لم يجز
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
لها ترك الصلاة التي عليها بيقين بدم مشكوك فيه، فثبت بهذا أن رؤية الدم بالمبتدأة دم حيض إلا أن يتبين أنه ليس بحيض بدليل يقارنه، وهو أن يزيد على خمسة عشر يوما.
فإن قيل: قد روي أن النبي ﵇ قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، وأقل مما يقع عليه اسم أيام ثلاثة.
قيل: هذا إنما هو خطاب لا المرأة بعينها، وفتوى لها، ولا يجب إذا كانت امرأة على صفتها أن يكون حالها كحالها، وخلافنا في امرأة ليست لها أيام، وهي مبتدأة، أو تكون لها أيام فيما مضى ثم تتغير، وقد علمنا اختلاف أحوال النساء، واختلاف أحوال الدم عليهن من زيادة ونقصان، وانتقال من زمان إلى زمان.
وعلى أن هذا أمر منه ألا تزيد على الأيام التي كانت تعتادها، ولم
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
يعترض للنقصان. فإن كنتم تستدلون من دليل الخطاب، وأن دون ما يسمى أياما لا تترك له الصلاة فأنتم لا تقولون بدليل الخطاب، ولو قلتم به لم يمتنع أن يلحق المسكوت عنه بالمنطوق به بدلالة، قد ذكرنا أدلة.
ونقول أيضا: لما كان دم الحيض دما تزجيه الرحم يمنع الصوم والصلاة جاز أن يكون أقله ساعة، ودفعة من دم، ودليله دم النفاس.
ونقول أيضا: إن الحيض مما يسقط الصوم والصلاة إذا دام ثلاثة أيام، فوجب أن يحكم لما دونه بحكمه إذا وجد على صفته كدم النفاس.
أو نقول: الحيض يتغير به حكم الطهر كالنفاس، فيجب أن يستوي حكم قليلهما؛ لاشتراكهما في العلة.
وهذه القياسات بعينها تلزم أصحاب الشافعي أيضا في اليوم والليلة.
فإن قيل: فد روي عن عثمان بن أبي العاص، وأنس في الحيض أنهما قالا: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة، وما بعد ذلك فهو استحاضة.
[ ٣ / ١٣٦٩ ]
قيل: الراوي لحديث أنس هو: الجلد بن أيوب، وهو مجهول لا يعرف، فإن صح ذلك فيحتمل أن يكون في امرأة بعينها، كان أقل.
[ ٣ / ١٣٧٠ ]
حيضا ثلاثة أيام وأكثره عشرة؛ حتى يتفق مع ما قدمناه من الدلائل.
فإن قال قائل من أصحاب الشافعي: فإنه قد روى عن علي ﵁ أن ما زاد على خمسة عشر يوما فهو استحاضة، واقل الحيض يوم وليلة.
قيل: يجوز أن يصرف هذا أيضا في امرأة بعينها بدلالة، يوجز أن يكون هذا في العدة.
على أنه قد روي عنه أنه حضر رجلا خاصم امرأة له طلقها منذ شهر عند شريح، فالت: انقضت عدتي. فقال علي ﵁ لشريح: قل. فقال شريح: إن انقضت عدتها بما يعرفه الناس فقد بانت منه.
[ ٣ / ١٣٧١ ]
فقال علي: قالون. أي قد صدقت، فدل هذا على أن ما قل قد يكون حيضا.
فإن قيل: فأنتم لا تجعلون دفعة من دم تعتد بها في العدة.
قيل: القياس هذا.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين العدة وغيرها إذا كان الطهر بين الحيضتين تاما، وإنما يستحسن الاستظهار في العدة احتياطا للفرج والنسب حتى يخرج من الخلاف، وهذا سمعته من الشيخ أبي بكر ﵀.
[ ٣ / ١٣٧٢ ]
فإن قيل: فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أقل الحيض. . . .
في غالب الوجود، والعرف الدائم في الغالب، فأما دونه فمحكوم له بحكمه؛ لأنه قد وجد، كما أنه ليس في الغالب من تحيض خمسة عشر يوما، ولها الحكم هو من دون ذلك، ونحمله على ما ذكرناه بالدلائل التي تقدمت أيضا.
فإن قيل: فقد قال الله - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾، فاحتمل أن يكون أراد كل دم موجود خارج عن العرف العام والخاص، واحتمل أن يكون أراد دما موجودا متعلقا بالعرف الخاص أو العام، فلما اتفقوا [على ذلك دل] على أن ما زاد على خمسة عشر يوما أو سبعة عشر لا يكون حيضا عن كان الدم موجودا، علم أنه أراد بذلك الوجود المعتاد لا الوجود النادر الشاذ.
قيل: هذا يلزمك في اليوم والليلة، ويلزم من يقول الثلاث؛ لأنه
[ ٣ / ١٣٧٣ ]
ليس هذا هو المعتاد، بل هو نادر، والمعتاد في غالب أحوال النساء السبع والثماني إلى العشر، وما نقص عنه أو زاد إلى الخمسة عشر فهو نادر فثبت أنه - تعالى - أراد الموجود المعتاد على حسب اختلافه فيهن.
فإن قيل: فإن قوله - تعالى -: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى﴾، فإنما جعل الحيض أذى، ولم يجعل الأذى حيضا، فبينوا أولا أن هذا حيض حتى نسلم لكم ما تقولون.
قيل: قوله - تعالى -: ﴿قل هو أذى﴾، أي ما تتأذون هب كناية عرفنا صفته، ولم يفرق فيما يتأذى به بين قليله وكثيره.
وعلى أنه قد بينه النبي ﵇ بقوله: «دم الحيض أسود ثخين له رائحة»، فكأن الله - تعالى - قال: قل هو أذى إذا كانت صفته ما قال النبي ﷺ.
فإن قيل: فإن قياسكم دم الحيض على دم النفاس لا يستقيم؛ لأن العلة في دم النفاس أنه يجوز أن يزيد على خمسة عشر يوما.
وأيضا فإن أقله قد وجد.
قيل: علتكم هذه لا تتعدى، ولا تصح على أصل أبي حنيفة، وعلى أصحاب الشافعي تصح، ولكن علتنا المتعدية أولى منها.
[ ٣ / ١٣٧٤ ]
ثم إذا جاز أن يكون أقل النفاس دفعة من كان في الحيض أجوز؛ لن دم النفاس يجتمع في الرحم على الحمل ويكثر، فكان ينبغي أن لا يتعدى بقليله بل يزاد في أقله كما زيد في أكثره، وأن ينقص من قليل الحيض كما نقص في أكثره عن النفاس، فلما اعتدل بالأقل في النفاس كان في الحيض أولى.
وما ذكروه من أن دفعة من دم قد وجد في النفاس، فمثله قد وجد في الحيض، وما حجتنا فيه إلا الوجود.
فإن قال شافعي: إن الأصول تشهد لقولنا، وذلك أن الحيض يسقط الصوم والصلاة فوجب أن يكون أقله محيطا بإسقاط هذه الفرائض، وأقل زمان يسقط هذه - عندنا وعندكم - يوم وليلة.
قيل: هذه دعوى. على أن جنس الحيض يسقط جنس الصلاة والصيام، ولما لم يتخصص بصلاة دون صلاة في أكثره لم يتخصص بزمان دون زمان في أكثره ولا في أقله. على أن هذا يلزم في أقل النفاس.
فإن قيل: أكثره مقدر فكذلك أقله.
قيل: دفعة من دم مقدرة فهي كالنفاس سواء، وهذا ينقض ما قالوه، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٣٧٥ ]