وأكثر النفاس عند مالك ﵀ ستون يوما. وقد حكي عنه أن يرجع إلى أكثر الوجود في النساء في غالب أحوالهن.
وعند الشافعي ستون يوما.
وعند أبي حنيفة أربعون يوما، وما زاد على ذلك فهو استحاضة.
والدليل لقولنا: أن أصل الحيض والنفاس مبني على الموجود في طباع النساء على حسب عادتهن فيه، وهن مختلفات في جوده على حسب اختلاف البلدان، واختلاف الأزمنة عليهن، واختلاف أسنانهن وطباعهن، فالمرأة الواحدة يختلف ذلك عليها بحسب احتداد الحرارة بها والبرودة، ويختلف عليها في الزمانين، وتختلف الحال في صغرها وكبرها، وكذلك يختلف في المرأتين على حسب طباعهما واختلاف
[ ٣ / ١٤٢٣ ]
أحوالهما وينتقل الحيض عليها من زمان إلى زمان، ويزيد زمان وينقص آخر، وبعضهن ترى الدم في النفاس أربعين يوما، وبعضهن تراه أقل من ذلك، وبعضه تراه أكثر، ولعل المرأة الواحدة يختلف حالها بين نفاسها في الولد الثاني وبين الأول، فإذا كان هذا هكذا صار حكم النفاس في ذلك كحكم الحمل، لأقله حد ولأكثره حد على حسب الوجود في عادتهن، فوجب الحكم بذلك في النادر والمعتاد كما كان في الحيض أيضا، فالرجوع إلى حكم الوجود أولى؛ لأنه قد وجد من نفاسها ستون يوما، ثم ترى بعد طهرا تاما، فيعلم أن ذلك نفاس إذا الوجود إليه انتهى.
وأيضا فقد حكي عن الأوزاعي أن المرأة كانت ترى الدم عندهم شهرين.
وأيضا فإن العلماء مجمعون على أن أقصى غاية النفاس عادة أربع حيض، فمن يقول: أكثر الحيض خمسة عشر، يقول: أقصى النفاس ستون، ومن يقول: أكثر الحيض عشرة، ويقول: أقصى النفاس أربعون، وقد دللنا على أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، فيجب أن يكون أكثر النفاس ستون يوما.
وأيضا فإن الأربعين يوما كانت عادة في النساء في النفاس وجب أن يكون أكثره زائدا على العادة، كدم الحيض الذي الست والسبع منه عادة فيهن زادت نهاية أكثره عليه.
ولنا من الظواهر قوله - تعالى -: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق
[ ٣ / ١٤٢٤ ]
الله في أرحامهن﴾، فجعلهن مؤتمنات على ذلك ليقبل منهن، فإذا ذكرت ذلك تعلق الحكم عليه إلا أن يقوم دليل.
وأيضا فإننا قد حكمنا لها بحكم النفاس والدم موجود فيما دون الأربعين وفي الأربعين فلا ينقل عنه إلا بدلالة؛ لأن العلم الموجب للحكم موجود.
فإن قيل: فقد روى ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «للنفساء أربعون يوما، فإذا مضت اغتسلت وصلت».
وروي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «تنتظر النفساء أربعين ليلة، فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، وإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغسل وتصلي».
[ ٣ / ١٤٢٥ ]
وروى عثمان بن أبي العاص أن النبي ﷺ قال: «أكثر النفاس أربعون يوما، وما زاد فهو استحاضة».
قالوا: وكذا روي أن أم سلمة قالت: كان النساء يقعدن على عهد النبي ﷺ في النفاس أربعين يوما».
[ ٣ / ١٤٢٦ ]
قالوا: ومعلوم أن وجود هذا القدر لا يتعلق بنساء الله زمان واحد، فثبت أن المراد كون مدتهن مقصورات على هذا القدر، وهذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكن إلا عن أمر من النبي ﵇.
قيل: أما خبر عائشة عنه ﷺ فيحتمل وجوها منها:
أنه خرج على سؤال قيل له: ما حكم النفساء ترى الدم أربعين يوما ثم ينقطع؟. فقال: النفساء التي هذه صفتها أربعين يوما، فإذا مضت، أي فإذا مضت الأربعين يوما بالدم اغتسلت وصلت.
ويحتمل أن تكون الألف واللام للعهد، وهي امرأة يعرفها النبي ﵇ هذه صفتها فأفتى فيها بذلك، وهذا ظاهر؛ لأنه ليس في العرف أن يبتدأ إنسان على غير سؤال فيقول: للنفساء أربعين يوما، وقد اختلف الناس في الألف واللام إذا دخلت على النكرة هل تكون للعهد وتعريفا للنكرة، أو للنجس؟ والأليق في هذا المكان أن تكون للتعريف والعهد لما ذكرناه من حال الابتداء.
[ ٣ / ١٤٢٧ ]
فإن قيل: فهذا كقوله ﷺ: «للفرس سهمان، وللفارس سهم».
قيل: هذا أيضا حجتنا؛ لأنه خرج كلامه على الفرسان الذين كانوا معه في المغنم، وهم أصحابه الذين يعرفهم، ولم يرد تعريف الجنس في كل فارس في الأرض أو البلد.
وأيضا فلا يمتنع أن تقوم الدلالة في الموضع أن ذلك للجنس، فلا ينبغي أن يحمل كل موضع فيه الألف واللام عليها.
وأما خبر ابن عمر عنه ﷺ: «تنتظر النفساء أربعين ليلة فإذا رأت الطهر قبل ذلك فهي طاهر، فإن جاوزت الأربعين فهي مستحاضة تغتسل وتصلي»، فإنه خبر لا يعرف، فإن صح فيحتمل أن يكن في امرأة جرت عادتها بذلك على السنين، وكثيرة الولادة، فحكم لها بعادتها، كما إذا زادت على عادتها في أيام الحيض - عندهم -.
ويحتمل أن يكون قوله ﷺ: «فإذا جاوزت الأربعين، وبعدها
[ ٣ / ١٤٢٨ ]
عشرين؛ لأنها أيضا متجاوزة، ولم يقل: أو ما تجاوز بالدلائل التي قدمناها.
وأما حديث عثمان بن أبي العاص فقد قيل: إنه موقوف عليه.
ويحتمل أن يكون قوله ﵇: «أكثر النفاس أربعين يوما، لمن لم يزل عادتها كذلك.
ويحتمل أن يكون وما زاد على عشرين يوما أخر؛ لأننا قد أقمنا الدلائل على الستين، فلو قال: أكثر النفاس أربعين وبعدها عشرون لما استحال إذا خلت الدلالة على الستين، ولم يقل: وأول الزيادة استحاضة، وإنما قال: وما زاد، فيحتمل أن يريد وما زاد فأفرط حتى تجاوز الأربعين بأكثر من عشرين الدلائل التي أقمناها.
وأما قول أم سلمة: كان النساء يقعدن على عهد النبي ﷺ أربعين، فهذا يدل على أنهن بعده - وقد تغيرت أحوالهن - فقالت هذا القول، فيحتمل أن يكون أولئك الناس كان طباعهن وعاداتهن في ذلك الوقت جارية الأربعين، ثم تغير الزمان، وقد بينا أنه يتغير بغير الأزمنة، وإنما خبرت عن حال كان النساء عليها في ذلك الوقت، ولم تقل لمن حضر: فاقعدن أنتن كذلك، وإنما أعلمتهن أن عادات أولئك كانت على خلاف عاداتكن.
وقولهم: إن هذا لا يتعلق بأهل زمان واحد غلط؛ لأننا قد بينا أنه يختلف عليهن باختلاف الأزمان.
[ ٣ / ١٤٢٩ ]
وقولهم: إن هذا الاتفاق من أهل عصر واحد لا يكون إلا عن أمر النبي ﵇ فقد بينا الاحتمال في صريح قول النبي ﷺ، وليس ما ذكروه اتفاقا وإنما هي روايات مختلفة، وألفاظ مختلفة محتملة.
فإن قيل: فقد روي عن عمر وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعامر بن عمير أن أكثر النفاس أربعين يوما، وما زاد فهو استحاضة.
[ ٣ / ١٤٣٠ ]
قالوا: والاستدلال بهذا من وجهين:
أحدهما: أن تقدير الأربعين في مدة النفاس لا يتوصل إليه إلا من طريق التوقيف، فصار هذا كروايتهم عن النبي ﵇.
والثاني: أن هذا القول نقل عنهم من غير خلاف من نظرائهم فتصير مَسْأَلَة إجماع.
ولأن المقادير التي تتعلق بها حقوق الله - تعالى - على غير وجه الفصل بين القليل والكثير لا يتوصل إلى إثباته إلا من جهة التوقيف أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على الأربعين، وما فرق ذلك مختلف فيه فلا يصلح إثباته إلا بتوقيف أو اتفاق.
قيل: هذا [هو] الذي ذكرتموه عن هذه الجماعة ليس بأولى من صريح قول النبي ﷺ، وقد تأولناه، فهذا بالتأويل أولى.
وأما الوجه الآخر: فإنه لا يجري مجرى الإجماع إلا أن تكون فتيا ظاهرة تنتشر منهم في الصحابة فلا يخالفون، فأما حكايات عنهم تتأول فلا يجيء منها ما ذكرتم.
على أنكم أنتم لا تحكمون بفتوى الصحابي إذا انتشرت، حتى إن بعضكم لا يجعله حجة فكيف يجري مجرى الإجماع.
[ ٣ / ١٤٣١ ]
وأما أن المقادير لا توجد إلا عن توقيف فأنتم تعلمون خلافنا لكم في الكفارات وغير ذلك من المقدرات.
ثم مع هذا كله فإننا استدللنا بالوجود الذي هو الأصل الذي ردنا صاحب الشريعة إليه بما بيناه فيما تقدم، وهو أقوى مما أوردتموه؛ لأنه أصل ثابت لا يعترض عليه بهذه الأشياء المحتملة.
وقد استدل بعض من وافقنا في المسألة باستلالات وقياسات أنا أذكر بعضها، وهو أن قال: لما اتفقنا على كون الأربعين نفاسا جاز أن يضاف إليها مثل نصفها، دليله العشرون.
ولأنه دم لأقله غاية فجاز أن يجاوز الأقل والعادة، دليله الحيض.
ولأن دم النفاس هو الحيض أي اجتمع في الرحم من أجل الحائل الذي هو الولد، ومتى عددنا لك شهر ستا أو سبعا حصل قريبا من ستين يوما فوجب أن يكون ذلك مدة نفاسها.
واعترض على ذلك باعتراضات كرهنا التطويل يذكرها، وفيما ذكرناه كفاية، وبالله التوفيق.
[ ٣ / ١٤٣٢ ]