٤٧٦ - مسألة:
كلّ ما افتتح أو يفتتح [عنوة]، فإن مالكًا - ﵀ - لا يرى قسمته بين الغانمين، ويكون وقفا يصرف خراجها في مصالح المسلمين أبدًا، وهو الّذي لا يسعه القليل من أرزاق المقاتلة والجند في أمصار المسلمين الذابين عن حريمهم وأموالهم وإصلاح سبيلهم، وبناء مساجدهم وإصلاح شربهم، وما لا تملك الإحاطة به ممّا لا بدَّ للمسلمين منه، ولولا ذلك فسد الأمر، ولم يمكن إصلاح ما لا بدَّ منه، إِلَّا بالمال الجسيم، ولا يقيمه (١) إِلَّا الخراج الّذي ترده الأرض المفتتحة.
و[قال]: إن رأى الإمام العدل في وقت (٢) قسمة الأرض، إذا افتتحها الغانمون بينهم، فعل ذلك ومضى على ما يراه من المصلحة، ووافقنا أبو حنيفة والشّافعيّ على أن أرض السواد فتحت عنوة.
وقال أبو حنيفة: إن عمر -﵁ - لم يقسمها بين الغانمين، وأقر سكانها فيها، وضرب عليها الخراج الّذي هو الجزية، وهي ملك لأصحابها.
وفرق بين المتاع وغيره من الأراضي، وقال: إذا غنمت الأراضي،
_________________
(١) في الأصل: "بقيمة". وفي (ط): "أعلم ". والمثبت أقرب للصواب، والله أعلم.
(٢) في الأصل: "وقف". والمثبت من (ط).
[ ٢٤٦ ]
فالإمام بالخيار بين قسمتها بين الغانمين، و[بين] أن يملكها سكانها الذين هم فيها، ويضرب عليها الخراج وهي الجزية، [وبين أن يجلي سكانها عنها، ويأتي بقوم كفار غيرهم، فيسكنهم فيها ويملكهم إياها، ويضرب عليها الخراج، وهو الجزية].
فوافقنا في أرض السواد وما فعله عمر -﵁ - فيها، وخالف فيما سواه من الخيار، وقال: إن عمر -﵁ - أقرها على أملاكهم، وضرب عليهم الخراج.
وقال الشّافعيّ مثل قولنا، إنها فتحت عنوة، ولكن عمر -﵁ - قسمها بين الغانمين، لأهل الخمس خمسها، وأربعة أخماسها للغانمين، ثمّ رأى المصلحة في نقض القسمة فنقضها، وأن الإمام إذا غنم أراض، فلا يجوز له إِلَّا قسمتها بين الغانمين، وأن حكم الأراضي حكم المتاع وغيره.
وبقولنا قال الأوزاعي.
إذا صالح الإمام قومًا من الكفار على أن أرضهم لهم، وجعل عليها شيئًا، فهو كما يصالحهم على أن يؤدوا جزية رقابهم، فإن أسلموا سقط عنهم ما جعل على أرضهم، كما تسقط الجزية، وكذلك إذا اشترى مسلم منهم أرضهم، ثمّ أسلموا يسقط الخراج عن المسلم، على خلاف بين أصحابنا في بيع الأرض، وكون الخراج على المسلم.
وبمثل قولنا قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن الصلحي إذا أسلم لا يسقط عنه خراج أرضه، الّتي صالح عليها، وكذلك لو اشتراها منه مسلم.
٤٧٨ - مسألة:
إذا أسر مسلم فأحلفه المشركون أن لا يخرج من دارهم ولا يهرب، على أن يخلوه يذهب وينصرف، فإنّه يقيم ولا يهرب.
[ ٢٤٧ ]
وقال الشّافعيّ: لا يسعه أن يقيم، وعليه أن يهرب ويمينه يمين مكره.
٤٧٩ - مسألة:
الفيء و[خمس] الغنيمة لا يخمّسان، ويجريان مجرى الجزية والخراج، فينصرف الجميع في مصالح المسلمين، وكان النّبيّ - ﷺ - يأخذ من ذلك قوته وقوت عياله، لا سهم له معين، وكذلك كان يفعل الأئمة بعده.
وقال أبو حنيفة: أربعة أخماس الفيء للغانمين، والخمس مثل قولنا.
وحكى عنه الطحاوي مثل قولنا في الفيء كله.
وقال الشّافعيّ [٢٩/أ]: يخمّس الفيء، فيكون لمن ذكر الله تعالى في كتابه؛ مثل خمس الغنيمة لله وللرسول ولذي القربى، وأربعة أخماسه يصرفه النبيّ - ﷺ - حيث شاء، وبعد موته على قولين:
أحدهما: أنّه يصرف في المصالح، فيبدأ بالأهم فالأهم.
والثّاني: أنّه يصرف في المقاتلة، ولم يختلف قوله في خمس الغنائم وخمس الفيء أنّه يخمس، فيستحقه من ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١].
١١ - فصل:
وليس في الخمس سهم لله مفرد يصرف لعمارة الكعبة.
وقال طاووس وغيره من التابعين: إنّه يصرف إلى الكعبة، وهو مذهب أبي العالية (١).
وهو غلط. ولم يقله مالك وأبو حنيفة والشّافعيّ.
_________________
(١) هو: أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري: الإمام الحافظ المفسر، أدرك زمان النبيّ - ﷺ - وهو شاب، وأسلم في زمن أبي بكر ﵁، سمع من كبار الصّحابة كعمر وعلي وأبيّ ﵃ وغيرهم، أخرج له الستة. توفي: ٩٠ هـ. انظر: السير: ٣/ ٢٤٦، التهذيب: ٤/ ٢٠٧.
[ ٢٤٨ ]
قال الشّافعيّ: ويعطى القرابة للذكر مثل حظ الأنثبين.
وخالفه المزني وأبو ثور [فقالا]: الذكر والأنثى سواء.
وقال مالك وأبو حنيفة: إنّما يعطون بالفقر.
٤٨١ - مسألة:
[عندنا: أن] الأنبياء لا يورثون، وكل ما تركوه يكون صدقة يصرف في مصالح المسلمين، وبه قال أهل العلم كافة.
وقالت الشيعة: يورثون، فإن فاطمة والعباس وزوجات النّبيّ - ﷺ - ﵃- ظلموا حيث منعوا الميراث.
[ ٢٤٩ ]