قال القاضي - ﵀ -: فرض الله الجهاد على الكفاية منذ ابتدئ الإسلام.
وقيل: إنّه كان على الأعيان لقلّة [٢٦/ أ] الإسلام.
٤٤٢ - مسألة:
لا يستحق القاتل سلب قتيله من الكفار، إِلَّا أن يرى الإمام ذلك بحضرة القتال، فينادي به أن يجعله مخصوصًا لإنسان إذا كان جهده، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يستحق ما يقع عليه اسم سلب، من دابته وسلاحه وثيابه، ويأخذه من رأس الغنيمة، قتله مقبلًا أو مدبرًا إذا كانت الحرب قائمة.
المعروف للشافعي أن القاتل لا يستحق السلب، إِلَّا إذا قتله مقبلًا.
٤٤٣ - مسألة:
[قال مالك: أمّا] من قربت دورهم منا، لا ندعوهم لعلّمهم بالدعوة ونلتمس غرتهم، ومن بعدت دارهم وخيف أن لا يكونوا كهولًا، فالدعوة قطع للشك.
[ ٢٣٠ ]
وأمّا القِبط فلا يقاتلوا ولا يبيتوا (١)، حتّى يدعوا بخلاف الروم، ولم ير مالك أن الدّعوة بلغتهم، وكذلك القرازنة، صنف من الحبش.
وقال أبو حنيفة: إن بلغتهم الدّعوة، فحسن أن يدعوهم الإمام إلى الإسلام وأداء الجزية قبل القتال، وإن لم تبلغهم، فلا ينبغي للإمام أن يبتدئهم.
وقال الشّافعيّ: لا أعلم أحدًا من المشركين لم تبلغهم الدّعوة اليوم، إِلَّا أن يكون خلف الذين يقاتلونا قوم من المشركين، [مثل]: الخزر والترك لم تبلغهم الدّعوة، فلا يقاتلوا حتّى يدعوا، فإن قتل منهم أحدًا قبل ذلك، فعلى عاقلة القاتل الدية.
وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه.
ولست أعرف لمالك نصًا فيها، والذي عندي: أنّه لا شيء عليه كأبي حنيفة.
٤٤٤ - مسألة:
وتقسم الغنيمة في دار الحرب، ويكره تأخيرها إذا لم يكن هناك عذر، وبه قال الشّافعيّ
وقال أبو حنيفة: لا تقسّم حتّى تفسير في دار الإسلام، وإن قسّمت في دار الحرب، مضت كحكم حاكم لا ينقض.
٩ - فصل:
والغنيمة لا يستقر ملك الغانمين عليها بنفس المغنم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يملكون بنفس المغنم.
_________________
(١) في الأصل: "يسبوا". والمثبت من (ط). انظر: المدوّنة: ٣/ ٣.
[ ٢٣١ ]
ومن دخل دار الحرب وحده متلصصًا فغنم، أخذ منه الخمس.
ولم يفصّل مالك بين دخوله بإذن الإمام أو بغير إذن، وبه قال الشّافعيّ.
ومن أصحابه من قال: إن دخلها بغير إذن، لم يخمس.
وقال أبو حنيفة: لا خمس فيه حتّى يكون جماعة لهم منعة.
وقال أبو يوسف: إن كانوا سبعة ففيه الخمس.
٤٤٦ - مسألة:
والذين يستحقون الغنيمة هم: الذين شهدوا الواقعة، وحضروا قبل حصول الغنيمة.
وكل من جاء قبل أن تقضي الحرب وقبل حيازة الغنيمة، شارك فيها.
ومن جاء بعد إنقضاء الحرب وحيازة الغنيمة، لم يستحق شيئًا سواء كانت في دار الحرب، أو نقلت إلى دار الإسلام [وهذا مذهبنا]، وبه قال الشّافعيّ والليث والأوزاعي وأحمد وأبو ثور، وهو مذهب أبي بكر وعمر -﵄-.
وقال أبو حنيفة: إذا لحقهم المدد بعد إنقضاء الحرب وإجازة الغنيمة،
شاركوهم إذا كانت في دار الحرب ولم تقسَّم.
٤٤٧ - مسألة:
ولا يقتل الرهبان وأهل الصوامع، وهذا فيمن اشتغل عن قتال المسلمين بعبادته، ولا قوة فيه، ولا بطش، ولا تدبير، ولا مضرّة على المسلمين في بقائه، والشيخ الفاني، وبه قال أبو حنيفة.
وللشافعي قولان أحدهما: مثل قولنا، والآخر: يجوز قتلهم، وهو أصح قوليه.
[ ٢٣٢ ]
وتقام الحدود في دار الحرب على من وجبت عليه، بكل فعل يرتكبه المسلم في دار الإسلام، فيلزمه به الحدّ؛ سواء كان من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين كالزنا والسّرقة وشرب الخّمْرِ والقذف، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: [كلّ حد لله تعالى إذا ارتكبه المسلم، أعني: إذا ارتكب ما يوجب الحدّ في دار الحرب، فإنّه لا يجب عليه؛ إن زنى فلا حد، وإن سرق فلا قطع، وكذلك إذا شرب الخّمْرِ أو قذف].
[ولكن] إن كان الإمام بنفسه فيها أقام الحدّ، وإن لم يكن إمام لم يقم.
٤٤٩ - مسألة:
ولا يستعان بالمشركين على قتال العدو، ولا يعاونوا على قتال عدوهم.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يجوز ذلك.
٤٥٠ - مسألة:
وما أحرزه المشركون من أموال المسلمين، ثمّ غنمه المسلمون فإن وجده صاحبه قبل القسم، فهو أولى به بغير ثمن، وإن وجده بعده فهو أولى به [٢٦/ ب] بقيمته، وبه قال النخعي وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي.
غير أن أبا حنيفة يقول: إن المشركين إذا غنموا بدار الإسلام، لم يملكوه حتّى يصل إلى دار الشرك.
ومالك لم يفرق.
وقال القاضي: لا فرق عندي في ذلك، فإنّه يحصل لهم شبهة ملك بذلك سواء.
وقال الشّافعيّ: لا يملكون شيئًا، سواء حصل في أيديهم في دار
[ ٢٣٣ ]
الإسلام وحصل في دار الحرب أم لا، فإذا غنمه المسلمون بعد ذلك، فصاحبه أحق به قبل القسم وبعده، يأخذه من يد من صار في يده من الغانمين، ويدفع السلطان للغانم قيمته من مال المصالح.
وحكي أنّه قول أبي بكر وعلي وعبادة بن الصامت -﵃-، ومن التابعين: عطاء، و[من الفقهاء]: ربيعة.
وروي عن عمر -﵁ - أن صاحبه أحق به قبل القسم، ولا حق له فيه بعد القسم، وهو لمن حصل في يده.
وقال عمرو بن دينار والزهريْ إنّه للغانمين قبل القسمة وبعدها.
وقال أبو حنيفة: إذا دخل مسلم إليهم تلصصًا، وأخذ مال المسلم الّذي حصل في أيديهم، فإنّه يكون أولى به، إِلَّا أن يعطيه صاحبه قيمته، فيكون أولى به.
وهذا نتفق فيه نحن والشّافعيّ؛ لأنّه عندنا إذا حصل في يده بغير عوض، نهبه أو سرقه أو غيره، فصاحبه أولى به بلا ثمن.
ونحن وأبو حنيفة نقول: إن المشرك إذا أسلم ومال المسلم في يده، فهو له، ولا سبيل لصاحبه إليه.
وقال الشّافعيّ: صاحبه أولى به بغير ثمن.
فالخلاف بيننا وبين الشّافعيّ في موضعين: أحدهما: أن للمشرك يدًا وشبهة ملك على ما أحرز.
والموضع الآخر: أن صاحبه بعد القسم يأخذه بالقيمة.
ويقول أيضًا: إنهم إذا أسلموا وهو في أيديهم فهو لهم.
ويقول الشّافعيّ: هو لصاحبه.
والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة: أن المسلم إذا أخذ من أيدي الكفار شيئًا لمسلم بغير عوض، فنحن نقول: يأخذه صاحبه بلا شيء، ويقول أبو حنيفة: بالثّمن.
[ ٢٣٤ ]
للفارس (١) [عندنا] ثلاثة أسهم؛ سهم له وسهمان لفرسه، وبه قال عمر بن الخطّاب وعلي -﵄-، ولا مخالف لهما في الصّحابة، ومن التابعين: عمر بن عبد العزيز والحسن وابن سيرين ومن أهل المدينة، الأوزاعي ومن أهل الشّام، اللَّيث وأهل مصر، سفيان والشّافعيّ وأهل العراق، أبو ثور وأبو يوسف ومحمد وأحمد.
وقيل: إنّه لم يخالف في هذه المسألة غير أبي حنيفة وحده، ولم يقل بقوله أحد، قال للفارس سهمان؛ سهم له وسهم لفرسه.
وحكي عنه أنّه قال: أكره أن أفضّل بهيمة على مسلم.
٤٥٢ - مسألة:
الهجن والبراذين بمنزلة الخيل إذا أجازها الوالي.
و[الفرس من] الخيل: هي العراب.
والبراذين: هي النبطية أبًا وأمًا.
والهجن: أمه عربيّة وأبوه نبطي.
والمعرب: الّذي أبوه عربي وأمه نبطية.
وجميع ذلك سواء عندنا وعند أبي حنيفة والشّافعيّ.
وقال أحمد: للخيل العراب سهمان، وللبرذون سهم.
وقال مكحول (٢) والأوزاعي: لا يسهم إِلَّا لعربي، ولا يسهم لبرذون.
_________________
(١) في الأصل: "للغازين". والمثبت من (ط). انظر: المدوّنة: ٣/ ٣٢، الإشراف: ٢/ ٩٣٩.
(٢) هو: أبو عبد الله مكحول بن شهراب بن شاذل الهذلي الشامي: من أوساط التابعين فقيه محدث، روى عن أنس وأبي أمامة وواثلة ﵃ وغيرهم، أخرج له مسلم. توفي: ١١٦ ص. انظر: السير: ٥/ ١٥٥، والتهذيب: ١٠/ ٢٥٨.
[ ٢٣٥ ]
لا يسهم إِلَّا لفرس واحد، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
و[قال] الأوزاعي وأحمد وإسحاق: يسهم لفرسين، ولا يسهم لأكثر من ذلك، وبه قال أبو يوسف.
وخالف أبو بكر ابن الجهم (١) مالكًا، وقال: أنا بريء من هذا القول، فإني رأيت من انتهى إليّ من الفقهاء وأهل الثغور والمجاهدين، يقولون: يسهم لفرسين، وإن صاحب الفرس الواحد شبه بالرجل؛ لأنّ الفرس الواحد لا تؤمن عليه الحوادث، وهي من الاثنين أبعد. قال أبو بكر: ومالك - ﵀ - لم يجاهد فيشاهد الأمر، ولعلّه ذهب عنه ذلك.
٤٥٤ - مسألة:
إذا دخل دار الحرب فارسًا ثمّ مات فرسه قبل القتال، فلا سهم لفرسه
كما لو مات هو قبل القتال، فأمّا إن مات فرسه [٢٧/أ]، في القتال أو بعده،
أسهم له كما لو مات هو وقد شهد الوقعة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إذا دخل دار الحرب فارسًا، ثمّ مات فرسه قبل القتال (٢) أسهم له [من الغنيمة إذا حيزت].
٤٥٥ - مسألة:
اختلف النَّاس في فتح مكّة، فذهب مالك وأبو حنيفة، وجماعة من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، وأهل الأخبار والسير: إلى أنّها فتحت عنوة.
وقال الشّافعيّ وحده: فتحت صلحًا.
_________________
(١) هو: القاضي أبو بكر محمَّد بن أحمد بن الجهم المروزي المالكي، يعرف بابن الورَّاق: الإمام الأصولي الفقيه القاضي العادل، سمع القاضي إسماعيل وتفقه معه، من مؤلفاته: كتاب مسائل الخلاف، الحجة في مذهب مالك. توفي: ٣٢٩ هـ. انظر: الديباج: ٢٤٣، شجرة النور: ١/ ١١٨.
(٢) في الأصل: "الغنيمة". والمثبت من (ط).
[ ٢٣٦ ]
ومن غلّ عاقبه الإمام، ولم يحرق رحله ولم يحرم سهمه، وبه قال أهل العلم.
وقال أهل الحديث: يحرق رحله ويحرم سهمه.
٤٥٧ - مسألة:
وإذا ظهر منه التخذيل للمسلمين (١) لم يسهم له، وبه قال الشّافعيّ.
وقال العراقي: يسهم له.
٤٥٨ - مسألة:
إذا غنم المسلمون مواشي الكفار ودوابهم، وخافوا من كرّة العدو، وأخذها من أيديهم، فإنها تعقر؛ لئلا ينتفعوا بها، وكذلك إذا لم يتمكن من أخذها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تقتل ولا تعقر، وتخلى.
٤٥٩ - مسألة:
لم أجد نصًا لمالك في أمان العبد لمشرك، ولكنه قال: وأمان المرأة جائز، والصبي إذا عقل الأمان (٢).
وكذلك عندي: أمان العبد؛ لأنّه احتج بقول [النبيّ]- ﷺ -: "يُجيرُ على القَومِ أَدْناهُم" (٣)، والعبد للرقال في فيه من الأدنى.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "مواشي الكفار". وهي انتقال عين إلى السَّطر الأسفل.
(٢) في الأصل: "القتال". والمثبت من (ط). انظر: المدوّنة: ٣/ ٤١.
(٣) أخرج الحديث بهذا اللّفظ عبد الرزّاق في مصنفه: ٥/ ٢٢٥، عن سعيد المقبري منقطعًا. وللحديث شواهد ومتابعات بألفاظ متقاربة، ترفعه إلى دائرة الاحتجاج؛ منها: ما رواه أحمد: "يجير على أمّتي أدناهم" عن أبي هريرة ﵁ (٨٧٨٠)، من طريقه عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح، وأخرجه التّرمذيّ (١٥٧٩) عن عبد العزيز بن أبي حازم عن كثير بن زبد بهذا الإسناد بلفظ: "إن المرأة لتأخذ عن =
[ ٢٣٧ ]
وقال عنه ابن القاسم: لم يجعل ذلك أمرًا يكون بيد أدناهم، لا مدخل للإمام فيه، و[لكن] الإمام ينظر فيما فعل باجتهاده.
وقال الشّافعيّ: يجوز أمان العبد، ولا يجوز أمان الصبي؛ لأنّ الصبي لا تصح عقوده، فإن فعل رد المشرك إلى أمانه ولم يخفر أمانه؛ لأنّه دخل على أمان.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أمان العبد، إِلَّا أن يأذن له سيده في القتال.
ويجوز للإمام أن يمنّ على الأسرى الذين في أيدينا من الكفار؛ يطلقهم بغير شيء، وله أن يفادي بهم على مال، أو بمن في أيديهم من المسلمين.
فأمّا قتلهم واسترقاقهم وإطلاقهم على أداء الجزية ويكونون أحرارًا، فلا خلاف فيه، والخلاف في المن والفداء.
وقال الشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وأبو ثور مثل قولنا.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو بالخيار بين القتل والاسترقاق والمفاداة بالمسلمين وبالأموال، وليس له أن يمن.
وقال أبو حنيفة: ليس له المفاداة ولا المنن وهو أعم خلافًا.
٤٦١ - مسألة:
إذا دخل الحربيّ إلينا بأمان، فأودع وباع وترك مالًا، ثمّ قتل بدار الحرب أو مات، فإنّه يردّ ماله وودائعه إلى ورثته، ولا يكون مغنومًا.
_________________
(١) = القوم "، وقال: وهذا حديث حسن غريب، وسألت محمدًا (يعني البخاريّ) فقال: هذا حديث صحيح. وعند أحمد أيضًا: "يجير عليهم أدناهم" (٦٦٩٢)، و"يجير على المسلمين أدناهم" (٧٠١٢)، عن عبد الله بن عمرو ﵄، بأسانيد حسنة. راجع: مسند أحمد - طبعة مؤسسة الرسالة -.
[ ٢٣٨ ]
ولا خلاف في أمان ماله ما دام حيًّا، وكذلك نقول فيه بعد الموت عندنا، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه، والآخر مثل أبي حنيفة.
وقال أبو حنيفة: هو غنيمة.
إذا سبي الزوجان معًا، فأحد قولي مالك: إنهما على نكاحهما، وبه قال ابن القاسم وإن سبي أحدهما دون إلآخر.
وقال ابن القاسم في الرِّواية الأخرى [عند مالك]: إن السبي يهدم النِّكاح، سبيا جميعًا أو مفترقين.
وقال في موضع آخر: إن سبيت قبل الزوج، انفسخ النِّكاح وحلت لمالكها؛ إذ لا عهد لزوجها.
وهذا يدلُّ على أن سبي الزوج واسترقاقه، يحصل له عهدًا تبقى به - إذا سبيت بعده - معه على النِّكاح.
وعند الشّافعيّ: إذا سبيا انفسخ النِّكاح سبيا معًا، أو أحدهما قبل الآخر، وهو مذهب سفيان وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: لا ينفسخ نكاحهما إذا سبيا معًا، وينفسخ إذا سبي أحدهما قبل صاحبه، وهذا كله معناه: إذا استرقهم الإمام؛ لأنّ له أن يمن ويقتل أو يفادي على ما بيَّنَّا، فإذا استرق الرجال فوقعوا؛ حصل منه ما ذكرنا من الفرقة والبقاء.
٤٦٣ - مسألة:
وإذا تعين فرض الجهاد على أهل بلد؛ لقرب العدو منهم، وكان فيهم من يجد الزّاد ويقوى به على المشي، لزمه فرض الجهاد وإن لم يكن له راحلة، وهو عندنا كالحج.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ [٢٧/ب]: من شرطه الراحلة، إذا كان بينه وبين العدو قدر ما تقصر فيه الصّلاة.
[ ٢٣٩ ]
قال مالك: لا بأس بالجعائل في الثغور، يجعل القاعد للخارج، مضى النَّاس على ذلك، إن كانا من أهل ديوان واحد؛ لأنّ عليهم سد الثغور، وقد أدى القاعد إلى الخارج مائة دينار في أيّام عمر -﵁ -.
وأصحاب أبي حنيفة يكرهون ذلك ما كان بالمسلمين قوة، أو في بيت المال ما بقي بذلك، فإن لم يكن بهم قوة ولا مال، فلا بأس أن يجهز بعضهم بعضًا، ويجعل القاعد للشاخص.
وحاصل مذهبهم في ذلك: أن الجعالة له تكره إذا كانت على وجه البدل في الغزو في جميع الأحوال، وإذا كانت على جهة المعونة لم يكره.
وهذا ينبغي أن لا يكون فيه خلاف.
وقال الشّافعيّ: لا تصح النِّيابة في الجهاد أصلًا، بعوض ولا بغير عوض، فإن تطوع على إنسان وقع الجهاد عن نفسه.
وهذا أيضًا ينبغي أن لا يكون فيه خلاف.
قال: وإن جاهد بعقد [الجعالة] لم يصح، وكأنّه قال: إن جاهدت ذلك علي كذا وكذا، فإن جاهد لم يستحق عليه شيئًا. وهو موضع الخلاف.
٤٦٥ - مسألة:
[قال مالك]: ويسهم للتاجر والأجير إذا قاتلوا، وهذا ينبغي أن يفصّل:
فإن كان التاجر نوى الجهاد مع التجارة، أسهم له إذا حضر الوقعة قاتل أم لا، ولا أعلم فيه اختلافًا، وهو كالحاج ينوي التجارة، يسقط عنه الفرض وله الثّواب، قال الله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحجِّ: ٢٨]، وقال [ابن عبّاس ﵄]: المنافع: التجارة والربح. وقيل: الثّواب.
وإن قصد التجارة لا غير إِلَّا أنّه حضر، فإن قاتل أسهم له، وإن لم
[ ٢٤٠ ]
يقاتل لم يسهم له؛ لأنّه بالقتال لا بالدخول حصل ناويًا وفاعلًا.
والأجير أيضًا فيه تفصيل: فإن كان أجيرًا على فعل شيء بعينه؟ مثل: خياطة القميص، والأمر المعين الّذي لا يحتاج إلى ضرب مدة، وليس عليه إِلَّا ذلك العمل، فإن كان نيته مع ذلك الجهاد، وحضر الوقعة أسهم له قاتل أم لا.
وإن كان مستأجرًا للخدمة مدة معينة، فخروجه لذلك الزّمان مستحق عليه، فإن حضر الوقعة لم يسهم له، فإن قاتل وانتفع به المنفعة التامة أسهم له.
وأختلف قول الشّافعيّ فيهما معًا، فقال: سواء قاتلا أم لا، فإنّه يسهم لهما.
وقال أيضًا: لا يسهم لهما، إِلَّا أن يقاتلا فيرضخ لهما.
وعلى قوله: يسهم لهما، لم يفرق بين أن ينوي التاجر الجهاد أم لا.
فالخلاف بيننا وبينه في موضعين:
أحدهما: فيما إذا لم يقاتل وحضر ولم ينو الجهاد، ولا يسهم له عندنا، وعنده يسهم له على أحد القولين.
والموضع الآخر: أنّه يسهم له عندنا إذا قاتل، ولا يسهم له عنده وإن قاتل على القول الآخر.
ومن لم يبلغ الحلم وأطاق القتال فقاتل، أسهم له إذا كان ذكرًا مسلمًا [حرًّا].
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يسهم له.
٤٦٧ - مسألة:
إذا أسلم الحربيّ وخرج إلينا، أو خرج ثمّ أسلم وترك ماله وولده بدار الحرب، فلا خلاف أنّه أحرز ذمته ونفسه.
[ ٢٤١ ]
واختلف في ماله وولده الّذي تركه، فاختلف مالك وأصحابه فيه:
فقال أشهب وسحنون: قد أحرزه.
وقال مالك: هو فيء إذا غنمه المسلمون.
وقال غيره: يكون ماله وولده، إِلَّا أن يقسم ماله، فيكون له بالثّمن.
وقال الشّافعيّ: قد أحرز جميع ماله وولده وأرضه.
وقال أبو حنيفة: قد أحرز ما ينقل من ماله ويحول، وأرضه وعقاره إذا ظهر عليه المسلمون [٢٨/أ]، فهو غنيمة.
وإن سبيت منه زوجته وهي حامل منه، استرقت وحملها، وإن كان منفصلًا فهو حر لاحق [به].
وأمّا أرضه؛ فقد أطلق مالك ولم يفرق، وقال: أحرز ماله، وقال أيضًا: يكون ماله فيئًا ولم يفرق.
٤٦٨ - مسألة:
ومن سرق من الغنيمة حرًّا كان أو عبدًا ما يجب فيه القطع، قطع سواء كان من الغانمين أم لا، هذا قول مالك وابن القاسم -﵄ -.
وقال غيرهما من أصحاب مالك: إن سرق مقدار حقه منها لم يقطع، وإن زاد مقدار ربع دينار (١) قطع.
قال سحنون: من المسروق نفسه. وقال الشّافعيّ مثل هذا.
وقال: إن زاد ما سرقه مقدار ربع دينار، فعلى وجهين:
أحدهما: يقطع، والآخر: لا يقطع.
_________________
(١) في الأصل: "أربع دنانير". وهو تحريف، والمثبت من (ط). انظر: المدوّنة: ١٦/ ٢٦٥،الإشراف: ٢/ ٩٤٣.
[ ٢٤٢ ]
إذا أسر العدو حرًّا مسلمًا، فاشتراه رجل من المسلمين بغير أمره، كان له أن يرجع عليه بما اشتراه به.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يرجع عليه بشيء منه.
٤٧٠ - مسألة:
لا يجوز الرِّبَا بين مسلم وحربي في دار الحرب كدار الإسلام، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز.
٤٧١ - مسألة:
وإذا رأى الإمام أن يعطي القاتل سلب القتيل، أعطاه إياه من الخمس، لا من أصل الغنيمة.
وقال الشّافعيّ: يعطيه إياه من أصلها.
٤٧٢ - مسألة:
إذا وقع صبي وأمه في السبي، لم يفرق بينهما بالقسم، ولا في البيع حتّى يثغر.
وروي أيضًا عن مالك: حتّى يبلغ.
واختلف عن الشّافعيّ، فقال في أحد قوليه: حتّى يبلغ سبعًا أو ثمان سنين.
وقال أبو حنيفة: حتّى يبلغ.
ولم يختلف أبو حنيفة والشّافعيّ في ولد الحرّة، أنّه يخير إذا بلغ سبعًا أو ثمان سنين.
واختلف قول مالك فيه أيضًا مثل ولد الأمة.
[ ٢٤٣ ]
وحكي عن أحمد: أنّه لا يفرق بينهما وإن بلغ، هذا في ولد المسبية، وفي ولد الأُمَّة تكون لإنسان وإن لم تكن مسبية.
والخلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشّافعيّ قريب؛ لأنا نقول مثل قول كلّ واحد منهما، والخلاف البيّن بين الفقهاء وأحمد.
١٠ - فصل:
فأمّا التفرقة بين الولد وأبيه، فتجوز عند مالك.
ولا يجوز عند أبي حنيفة واحد قولي الشّافعيّ.
قال مالك: إذا بيع الولد فسخ البيع، إِلَّا أن تختار الأم ذلك.
وقال الشّافعيّ: البيع فاسد.
وقال أبو حنيفة: البيع صحيح، والنهي عن التفرقة كراهة.
٤٧٤ - مسألة:
لا يكون الولد مسلمًا بإسلام أمه دون أبيه، ويكون مسلمًا بإسلام أبيه دون أمه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: يكون مسلمًا بإسلام أمه مثل أبيه.
ووجدته لكثير من أصحاب مالك وأظنه عن مالك [ولست أحققه الآن].
واختلف قول مالك إذا سبي صبي، فقال: لا يكون على دين السابي، وهو على دين أبويه في الكفر، إِلَّا أن يعقل ويجيب إلى الإسلام.
وقال ابن القاسم: يكون على دين السابي.
إِلَّا أني رأيته ذكر كذلك في المجوس، ولا ينبغي أن يكون بينهم وبين غيرهم فرق من طريق القياس، وعلى هذا القول يقول الشّافعيّ: إذا سبي الصبي مع أمه لا يكون [على دين] السابي، ويكون على دين أمه.
[ ٢٤٤ ]
وينبغي أن يكون على قولنا الثّاني على دين السابي، إِلَّا أن يسبى مع أبيه، فيكون على دينه.
٤٧٥ - مسألة:
لا يتوارث الحملاء، إِلَّا أن تقوم على أنسابهم بيّنة.
[وفقه المسألة]: مثل: أن يخرج قوم من دار الحرب ثلاثة أو أربعة، فيسلمون أو يحصل من السبي شيء في ملك مسلم، ثمّ يعتقه المسلم فيصير حرًّا، وقد أسلم فيقر بنسب، فيكون مولاه الّذي أعتقه أحق بميراثه إن مات، إِلَّا أن تقوم بينة على صحة نسب فيورث به.
وإن أقر بولد فينبغي عندي: أن ينظر في حال الولد، فإن كان ممّا جاء معه، وفي جملته [٢٨/ب] لم يقبل إقراره به، وإن أقام في بلد الإسلام مدة، يمكنه أن يتزوج أو يتسرى بعد عتقه، ويولد له، فإذا أقر به على هذا الوجه قبل.
ولم يفصّل مالك هذا التفصيل من حيث أعلم.
وبقولنا قال الشّافعيّ، وله في الولد أقاويل.
ولا أعرْف الخلاف في هذه المسألة، وإنّما ذكرتها لئلا يكون فيها خلاف.
[ ٢٤٥ ]