الإقرار بالدين في الصِّحَّة والمرض سواء، في المحاصة على قدر حقوقهم، فأمّا إذا كانت التركة تفي الجميع، فلا خلاف أنّهم جميعًا يستوفون ديونهم، وأمّا إذا لم تف التركة بالجميع، فإنهم يتحاصون عندنا وعند الشّافعيّ على قدر ديونهم.
وقال أبو حنيفة: غريم الصِّحَّة مقدم على غريم المرض، فيبدأ باستيفاء دينه، فإن فضل عنه شيء صرف لغريم المرض، وإن لم يفضل شيء فلا شيء له.
وهذا عندنا إذا كان الإقرار لمن لا يتهم فيه، فإن كان ممّن يتهم فيه، كإقراره لزوجته أو لبنيه أو لمن يتهم فيه بدين، فإقراره غير مقبول.
وعند أبي حنيفة: لا يقبل إقراره لوارث أصلًا.
وللشافعي في إقراره في المرض لوارث قولان.
١٣٣٣ - مسألة:
إذا أقر في مرضه لوارث لا يتهم فيه، قبل إقراره؛ مثل: أن تكون له بنت وابن عم، فيقر لابن عمه بدين فيقبل، ولو أقر لابنته لم يقبل؛ لاتهامه في أن يزيدها على حقها وينقص ميراث ابن عمه، [ولا يتهم أن يفضل ابن عمه على ابنته، فقبل إقراره له].
[ ٥٦١ ]
وقال أبو حنيفة: لا يقبل إقراره لوارث بحال.
واختلف أصحاب [٧٩/ أ] الشّافعيّ، فقال بعضهم: يجيء على قولين، ومنهم من قال: يلزم، قولًا واحدًا.
إذا مات رجل وخلف ابنن أو ثلاثة أو أكثر، فأقر أحدهم بأخ آخر وأنكره الباقون، لم يثبت نسبه، ولا عند أبي حنيفة والشّافعيّ.
لكنه عندنا وعند أبي حنيفة يشاركه فيما يزيديه؛ لإقراره أنّه أخ مثله وابن للميت، كما أنّه وابن فيعطيه المقر ممّا يزيده مقدار نصيبه من الميراث بقدر قسطه، ممّا يصير إليه.
وصورة المسألة: رجل مات وخلف ابنين، فأقر أحدهما بثالث، فإن المقر يعطيه ثلث ما بيده، وهو نصيبه من جهته لو أقر الأخ الآخر، أو قامت له بينة.
وقال أبو حنيفة: يعطيه نصف ما بيده.
وقال الشّافعيّ: ليس له شيء من الميراث؛ لأنّ نسبه لم يثبت.
١٣٣٥ - مسألة:
إذا مات رجل وخلف ولدًا واحدًا فأقر بأخ، لم يثبت نسبه وأعطاه نصف ما بيده، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يثبت نسبه.
١٣٣٦ - مسألة:
إذا قال لرجل: "لك علي مال"، ولم يذكر مبلغه، فليس فيها لمالك نص.
[ ٥٦٢ ]
وكان شيخنا أبو بكر يقول له: "سمّ ما شئت ممّا يتمول"، فإن ذكر قيراطًا (١) أو حبَّة قبل ذلك منه، وحلف عليه أنّه لا يستحق أكثر من ذلك، إن لم يصدقه على مبلغه وادعى أكثر، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وروي عن ابن الموّاز أنّه قال: يلزمه مائتا درهم، إن كان من أهل الورق، أو عشرون دينارًا، إن كان من أهل الذهب؛ لأنّه أولى مال تجب فيه الزَّكاة.
ويجيء عندي على مذهب مالك: أن يلزمه ربع دينار، وإن كان من أهل الورق فثلاثة دراهم.
إذا قال: "له علي مال عظيم"، اختلف فيه.
فقال أبو حنيفة: يلزمه مائتا درهم إن كان من أهل الورق، أو عشرون دينارًا إن كان من أهل الذهب.
وقال الشّافعيّ: لا فرق بين قوله: "مال"، أو"مال عظيم" أنّه لا يتقدر، ويقال له: "سمّ ما شئت"، [فإن سمّى فلْسًا] (٢) أو حبّة، قبل منه].
وليس لمالك فيه نصّ، وكان الأبهري يقول يقول الشّافعيّ.
والذي يقوى في نفسي: قوله أبي حنيفة.
١٣٣٨ - مسألة:
إذا قال: "له علي دراهم كثيرة"، ليس لمالك فيها نصّ ولا لأصحابه، غير محمَّد بن عبد الحكم، قال: يلزمه ما زاد على ثلاثة دراهم كثيرة.
_________________
(١) القيراط: جزء من أجزاء الدّينار؛ فعند الحنفية (١/ ٢٠) ومقداره = ٢١٢.٠ غ، وعند الجمهور (١/ ٢٤) ومقداره = ١٧٧.٠ غ. انظر: المكاييل والموازين الشرعية: ٢٣.
(٢) الفِلْس: عملة مضروبة من غير الذهب والفضة، تقدّر بسدس الدرهم، وهي عند الحنفية (٥٢١.٠) غ، وعند الجمهور (٤٩٦.٠) غ. انظر: المكاييل والموازين الشرعية: ٢٨
[ ٥٦٣ ]
وقد قال: يلزمه سبعة دراهم.
وقال أبو حنيفة: تلزمه عشرة دراهم، إِلَّا أن يقر بأكثر منها، وإن قال: "أقل من عشرة"، لم يقبل منه.
وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه مائتا درهم.
وقال الشّافعيّ: يلزمه ثلاثة دراهم، كما لو قال: "علي دراهم".
قال القاضي: والذي يقوى في نفسي أن القول بثلاثة دراهم ممكن،
وكذلك مائتي درهم؛ لأنّ القولين نهاية في الكثرة بدليل الشّرع؛ لأنّ الثّلاثة مقدرة في القطع والنِّكاح، والمائتين مقدرة في نصاب الزَّكاة.
والذي يقوى في نفسي: قول أبي يوسف ومحمد.
١٣٣٩ - مسألة:
إذا أقرّ فقال: "له علي ألف ودرهم"، ولم يسمّ الألف من أي جنس هي، ولم يكن الدرهم الزائد تفسيرًا للألف، بل يكون الدرهم المعطوف على الألف مفسرًا، والألف هو موكول إلى تفسيره فيها وبيانه، فيقال له: "سمّ أي جنس [٧٩/ ب] شئت"، فإن قال: "أردت ألف جوزة"، أو"ألف بيضة"، قبل قوله، وقيل له: "احلف على ذلك"، وإن خالفه المدعي، وقال: "كلها دراهم"، لم يلزمه ذلك بقوله من أجل الدرهم المعطوف.
وكذلك لو قال له: "علي ألف وكر حنطة"، أو"ألف وجوزة"، أو "ألف وبيضة"، أو "ألف وعبد"، أو "ألف وثوب"، لم يكن في جميع هذا العطف تفسيرًا للمعطوف عليه عندنا وعند الشّافعيّ، وسواء كان العطف من جنس ما يكال أو يوزن أو يعد، أو من جنس ما لا يكال ولا يوزن ولا يعد؛ كالثياب والعبيد.
وقال أبو حنيفة: إذا كان العطف من جنس ما يكال أو يوزن أو يعد، فهو تفسير للمعطوف عليه المجمل، فتلزمه الدراهم إذا قال: "ألف
[ ٥٦٤ ]
ودرهم"، وفي الجوز: "ألف وجوزة"، والحنطة: "ألف وكُرّ (١) حنطة"، كُرًّا زائد على الألف، وإذا كان معطوفًا من جنس ما لا يكال ولا يوزن ولا يعد، فإنّه لا يكون تفسيرًا للمعطوف عليه، وهو وفاق من الجميع فيما لا يعد ولا يوزن ولا يكال، وخالفنا فيما سوى ذلك.
وقال أبو ثور: يكون العطف تفسيرًا للمعطوف عليه على كلّ حال؛ سواء كان المعطوف ممّا يكال أو يوزن أو يعد أو لا.
الاستثناء في الإقرار على ثلاثة أضرب:
- استثناء القليل من الكثير، وهذا ما لا خلاف فيه.
- وكذلك أيضًا استثناء النّصف، وهو ضرب آخر.
- والضرب الثّالث: الكثير من القليل، وهو جائز عندنا وعند الشّافعيّ وأبي حنيفة وغيرهما.
وقال عبد المالك بن الماجشون: لا يجوز.
١٣٤١ - مسألة:
الاستثناء من غير الجنس المستثنى منه، يجوز عندنا وعند الشّافعيّ؛ سواء كان الاستثناء ممّا يكال أو يوزن أو يعد.
ووافقنا أبو حنيفة عليه، إذا كان ممّا يكال أو يوزن أو يعد في أنّه يصح؛ مثل أن يقول: "له علي ألف درهم إِلَّا كر حنطة"، أو "إِلَّا عشرين جوزة"، أو "إِلَّا دينارًا".
وخالفنا فيه إذا كانت ممّا لا يكال ولا يوزن ولا يعد، أنّه لا يصح عنده.
_________________
(١) الكُرّ: (٧٢٠) صاعًا، فمقداره عند الحنفية (٢٣٤٠) كغ، وعند الجمهور (٨.١٤٦٨) كغ. انظر: المكاييل والموازين الشرعية: ٤٢.
[ ٥٦٥ ]
وقال محمَّد بن الحسن وزفر: الاستثناء من غير الجنس لا يصح أصلًا؛ سواء كان ممّا يكال أو ممّا يوزن أو ممّا يعد أو لا.
إذا قال: "لفلان علي ألف درهم في كيس"، أو "مائة رطل تمر في جراب"، أو "ثوب في منديل"، كان هذا إقرارًا عندنا بالدراهم والتّمر والثوب، دون الأوعية، فإنها للمقر مع يمينه، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أهل العراق: الأوعية مع ما أقر به فيها للمقر له.
١٣٤٣ - مسألة:
إذا أقر فقال: "له علي كذا كذا درهمًا"، قال محمَّد بن عبد الحكم: إنّه يلزمه أحد عشر درهمًا، وإذا قال: "له علي كذا وكذا درهمًا"، لزمه أحد وعشرون درهمًا، وبه قال أبو حنيفة في المشهور عنه.
وقال الشّافعيّ: إذا قال: "له كذا درهمًا"، لزمه درهم واحد، فإن قال أيضًا: "له كذا كذا درهمًا، لزمه درهم واحد أيضًا، وإذا قال: "له كذا وكذا درهمًا"، لزمه درهمان.
وقال المزني في موضع: يلزمه درهم أو أكثر.
واختلف أصحاب الشّافعيّ على طرق ووجوه. والصّحيح ما ذكر.
١٣٤٤ - مسألة:
إذا أقر العبد الّذي ليس بمأذون له في التجارة، بإقرار يتعلّق بالعقوبة في بدنه جاز إقراره؛ مثل: قتل العمد، والزنا، والسّرقة، والقذف، وشرب الخّمْرِ، قبل ذلك منه، وأقيم عليه حد ما أقر به، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ [٨٠/ أ].
وقال المزني ومحمد بن الحسن وداود: لا يقبل منه هذا الإقرار، كما لا يقبل في المال وما يتعلّق بالرقبة.
ووافقونا في الزِّنا والردة، أنّه يقبل إقراره فيهما.
[ ٥٦٦ ]
إذا أقر العبد المأذون له في التجارة بحقوق تتعلّق بالتجارة؛ مثل أن يقول: "داينت فلانًا، فله علي ألف درهم ثمن مبيع"، أو "مائة درهم أرش عيب"، أو "من قرض"، فإنّه يقبل منه كما يقبل في الجنايات الّتي تتعلّق بالعقوبة، وكل ما كان في دين ليس متضمن التجارة، فإنّه يكون في ذمته، ولا يؤخذ من المال الّذي في يديه ولا يؤخذ منه؛ مثل: أن تقوم البينة بإقراره أنّه غصب من فلان شيئًا، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يؤخذ من المال الّذي في يديه، كما يؤخذ منه ما يتضمن التجارة.
١٣٤٦ - مسألة:
إذا أقر يوم السبت بدرهم لشخص، ثمّ أقر يوم الأحد بدرهم، فهو درهم واحد عندنا وعند الشّافعيّ ومحمد وأبي يوسف.
ولا فرق عندنا وعندهم بين المجلس الواحد والمجالس.
وقال أبو حنيفة: إن كان في مجلس واحد، كان إقرارًا بدرهم واحد، وإن كان الإقرار في مجالس، كان إقرارًا مستأنفًا.
١٣٤٧ - مسألة:
إذا قال: "لزيد علي مائة ثمن مبيع، لم يسلم إلى ومنعني منه"، سئل المقر له، فإن قال: "نعم، المائة الّتي بعته بها شيئًا، لم أسلمه إليه"؛ فإما أن يسلم البائع المبيع ويقبض المائة، أو يسلم إليه المقر المائة ويأخذ المبيع، على خلاف النَّاس فيمن يبدأ بالتسليم، وإن قال المقر له: "هذه المائة لي عندك، وليس لك عندي مبيع، وإنّما هي من شيء آخر أستحقه عليك، وليس لك عندي مبيع"، فإن القول قوله إنّه لم يبعه شيئًا ويحلف، فإذا حلف سقطت المائة الّتي أقر بها المقر، ولم يستحق عليه شيئًا، ومثل ذلك قال الشّافعيّ.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو مقر بالمائة لزيد مدع عليه المبيع،
[ ٥٦٧ ]
فالقول قول المقر له وإن أنكر أنّه لم يبعه شيئًا، واستحق المائة.
وقال أبو حنيفة: إن ادعى أن المائة ثمن مبيع معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن هذا العبد، ولم يسلمه إلي"، فإن أقر له بذلك، قلنا لهما: يسلم كلّ واحد منكما للآخر، وإن أنكر المقر له المبيع، حلف أنّه لم يبعه شيئًا وسقطت المائة عن المقر، كقولنا.
وإن ادعى المقر أن المائة ثمن مبيع غير معين؛ مثل أن يقول: "هي ثمن عبد لم يسلمه إلي"، أو "ثمن ثوب منعني منه"، وأنكر ذلك المقر، حلف المقر له ولزمت المقر المائة.
١٣٤٨ - مسألة:
لو شهد شاهد لزيد على عمرو بألف، وشهد له شاهد آخر عليه بألفين، فإن أبهما ولم ينسباها إلى جهة صح.
وكذلك إن نسباها إلى جهة جاز؛ مثل أن يقولا: "ثمن عبد"، أو نسبها أحدهما إلى ثمن عبد، ولم ينسبها الآخر إلى شيء، أو نسبها الآخر إلى شيء بخلاف ما نسبها إليه الأوّل، جاز وقبل ذلك وتثبت له ألف بشهادتهما، وله أن يحلف مع الشّاهد الّذي زاد ألفًا أخرى إن اختار ويأخذها، وبه قال الشّافعيّ.
ووافقنا أبو يوسف ومحمد في أنّه يقضى له بألف بشهادتهما.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت له بهذه الشّهادة شيء أصلًا. وهو أيضًا لا يقول بالشّاهد واليمين.
[ ٥٦٨ ]