[قال مالك]: لا اعتكاف إِلَّا بصوم، وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وسائر الفقهاء، إِلَّا الشّافعيّ، فإنّه قال: ليس من شرطه الصوم، واشترط الصوم من الصّحابة: ابن عبّاس وابن عمر وعائشة -﵃-، [وجماعة من التابعين.
وقد حكي عن علي وابن مسعود ﵄: أنّه يصح بغير صوم]، ومن التابعين: الحسن البصري.
وروي عن علي -﵁ - أنّه قال: لا اعتكاف إِلَّا بصوم.
وحكى ابن جرير عن الشّافعيّ أنّه كان يقول ببغداد: من شرط الاعتكاف الصوم، وهم يغلطونه ويقولون: إنّما نصّ في القديم أن الصوم مستحب فيه.
٤٣٥ - مسألة:
ولا يجوز الاعتكاف إِلَّا في مسجد، وبه قال الشّافعيّ.
وخالف أبو حنيفة في المرأة، فقال: تعتكف في بيتها.
[وقول الشّافعيّ مثل قولنا: لا فرق بين الرَّجل والمرأة في ذلك].
ولا فرق عندنا بين الجامع وغيره من المساجد، إِلَّا أن يعتكف أيّام الجمعة، فلا يعتكف [إِلَّا] في الجامع.
[ ٢٢٧ ]
فأمّا المرأة فلا جمعة عليها، فليس عليها أن تعتكف في الجامع، وتعتكف في أي مسجد شاءت.
وروي عن حذيفة -﵁ - أنّه قال: "لا يَصِحُّ الاِعتِكَافُ إلَّا في ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المسجِدِ الحَرَامِ ومَسجِدِ المدِينَةِ ومَسجِدِ إِبرَاهِيمَ" (١).
وقال الزّهريُّ: لا يصح إِلَّا في الجامع. وهذا غلط.
إن نذر اعتكاف شهر، فلم يقل: متتابعًا، لزمه متابعته، كما لو نصّ عن التتابع، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يلزمه التتابع، إِلَّا أن ينص عليه أو ينويه، وبه قال زفر.
والمسألة مبنية على أن اسم الشهر يتناول الأيَّام والليالي، ولو حلف لا يكلم فلانًا شهرًا، كان اللّيل والنهار في ذلك سواء.
٤٣٧ - مسألة:
من وطئ في اعتكافه فسد، ولم تجب عليه كفارة بلا خلاف بين من أوجب الصوم فيه ومن لم يوجبه.
وحكي عن قوم وجوب الكفارة. وهو فاسد.
٤٣٨ - مسألة:
ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل، بطل اعتكافه، وبه قال أبو حنيفة واحد قولي الشّافعيّ، وقال: إن باشر أو قبّل فلم ينزل، فلا شيء عليه.
وعندنا يبطل اعتكافه، وفي القول الآخر: لا يبطل.
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزّاق في مصنفه: ٤/ ٣٤٨، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٢/ ٥٠٣، والطبراني في الكبير: ٩/ ٣٠١ - ٣٠٢. قال الهيثمي: رجاله رجال الصّحيح. انظر: مجمع الزوائد: ٣/ ١٧٣.
[ ٢٢٨ ]
السِّباب والغِيبة لا نصّ عندنا فيه أنّه يبطل الاعتكاف أم لا.
غير أنّه إن كان قذفًا يجري مجرى الكبائر، فعندي: أنّه ينقض، كما قال: إذا سكر المعتكف في اللّيل ينتقض اعتكافه.
وقال قوم: ينتقض اعتكافه بالسباب والغيبة.
٤٤٠ - مسألة:
لا يجوز أن يشترط إن عرض له شيء، خرج من اعتكافه، ولم يعد إليه.
وهذا ينبغي أن يرتب: فإن دخل بهذا الشرط، لزمه المضي فيه، ولا يخرج منه إِلَّا لضرورة، ويبني على اعتكافه، وإن خرج بغير ضرورة، انتقض ولزمه ابتداءه.
وإن نذر اعتكافًا على هذه الصِّفَة، لم يلزمه الدخول فيه، فإن دخل فيه لزمه إتمامه ولم يخرج منه إِلَّا لضرورة، وصار مثل من دخل في اعتكاف من غير نذر، فإنّه يجب عليه إتمامه بالدخول فيه.
[ ٢٢٩ ]