لا شفعة إِلَّا لشريك مخالط، ولا شفعة للجار، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول عمر وعثمان وعلي -﵃-، ثمّ سعيد بن المسيَّب وأبي سلمة ابن عبد الرّحمن وربيعة والأوزاعي وأحمد وإسحاق.
وذهب أبو حنيفة: إلى ثبوتها للجار، وبه قال سفيان، وقيل: إنّه مذهب ابن مسعود ﵁.
١٣٧٠ - مسألة:
إذا باع الشريك نصيبه من أجنبي، وشريكه حاضر يعلم ببيعه، فله الشُّفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته، إِلَّا بمضي مدة يعلم في مثلها أنّه تارك للشفعة، فروي عن مالك: سنة، وروي: خمس سنين، أو أن يرفعه المشتري إلى الحاكم فيوقفه، فإما أخذ وإما ترك، غير أن مطالبته بالشُّفعَةِ ليس على الفور.
وذكر هشام (١) عن محمَّد بن الحسن: أنّها على خيار المجلس، إذا
_________________
(١) هو: هشام بن عبيد الله الرازي الحنفي: الإمام الفقيه، تفقه على أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وروى كتبهما، وألف: "النوادر". انظر: الجواهر المضية: ٣/ ٥٦٩، الطبقات السنية (٢٦٣٤).
[ ٥٨٠ ]
بلغه البيع وهو في المجلس، فإنّه شهد على الطلب، ويكون على مطالبته أبدًا.
واختلف قول الشّافعيّ، فحكى المزني في المختصر، ونقله من الأم: أن حق الشُّفعَةِ على الفور، فمتى أخر المطالبة بها بعد العلم وإمكان المطالبة، سقطت الشُّفعَةِ؛ مثل خيار الرَّدِّ بالعيب، وهو كقول أبي حنيفة.
وقال في السُّنن: إن حق المطالبة ثابت ثلاثة أيّام، فإن لم يطالب حتّى مضت ثلاثة أيّام من وقت علمه بالبيع، سقطت شفعته، وهذا مذهب الثّوريّ.
وقال في القديم: فيها قولان: [أحدهما] أن حق المطالبة ثابت أبدًا لا يسقط، إِلَّا بالتصريح بالإسقاط.
والثّاني: أنّه ثابت ما لم يصرح بالترك، أو ما يدلُّ عليه من قوله: كقوله للمشتري: "بعني هذا الشَّقص، أو هبه لي"، وللمشتري أن يقدمه إلى الحاكم، فيلزمه الحاكم إسقاط الشُّفعَةِ، أو أخذها مثل قولنا، غير أنا نزيد: أنّه إن ترك وطالت المدة، حتّى يعلم أن مثله تارك فيها للشفعة، سقطت شفعته.
فللشافعي في المسألة أربعة أقوال:
أضعفها: أن يكون حق المطالبة على التراخي.
١٣٧١ - مسألة:
اختلف عن مالك - ﵀ - في الشُّفعَةِ في الثمار، إذا كانت على النخل إذا باع أحد الشريكين حصته منها، فقال: فيها الشُّفعَةِ للشريك.
وفي رواية أخرى قال: لا شفعة له، وقال: هذا رأي رأيته وأستحسن أن تكون فيها الشُّفعَةِ، وبه قال أبو حنيفة. وقال الشّافعيّ: لا شفعة له في ذلك.
[ ٥٨١ ]
من اشترى شقصًا بثمن في ذمته إلى أجل، فللشفيع أخذه بذلك الثّمن إلى الأجل، إن كان مليئًا ثقة، وإلا أن بمليء ثقة يضمن الثّمن إلى ذلك الأجل، وبه قال الشّافعيّ في القديم.
وقال أبو حنيفة: للشفيع أن يعجل الثّمن ويأخذ الشَّقص، أو ينتظر حلول الأجل فيؤدِّي الثّمن ويأخذ بالشُّفعَةِ، وبه قال الشّافعيّ في الجديد، وليس له أن يأخذ بالثّمن مؤجلًا.
وحكى ابن سريج عن الشّافعيّ أنّه قال في كتاب الشروط: إن الشفيع يأخذ الشَّقص في الحال، بسلعة تكون قيمتها لو بيعت إلى عند حلول الأجل قدر الثّمن؛ ليصل الشفيع إلى حقه، ويتصرف المشتري إلى وقت الأجل فيما يجري له مجرى الشَّقص.
١٣٧٣ - مسألة:
لو ورث رجلان دارًا، فمات أحدهما وله ابنان، فورثا نصف الدَّار عن أبيهما، فباع أحدهما حصته، فتنازع أخوه وعمه في الشُّفعَةِ، فاختلفت الراوية عن مالك، فقال: الأخ أولى بما باعه أخوه من عمه. وكذلك يقول إذا ورثه جماعة منهم إخوة لأمه والباقون عصبة، أو ورثه زوجات وإخوة لأم، فأهل كلّ سهم أولى بما باعه أحدهم ممّن لا يدخل معهم في سهمهم. وهذا استحسان.
وقال أيضًا: كلّ من له [٨٣/أ] ملك في ذلك الشيء، فله الأخذ بالشُّفعَةِ بحقه فيما باعه بعض الشركاء. وهذا هو القياس.
واختلف قول الشّافعيّ، كما اختلف عن مالك.
وقال أبو حنيفة: كلهم فيه سواء، يأخذون بالشُّفعَةِ على قدر استحقاقهم. كإحدى الروايتين لنا، وهو القياس.
[ ٥٨٢ ]
الشُّفعة تجب على قدر الأنصباء، فيأخذ كلّ واحد من الشركاء من المبيع بقدر ملكه فيه؛ إذا باع صاحب الثلث وله شريكان لأحدهما النّصف وللآخر السدس، فإن الثلث يقسم بينهما على أربعة أسهم؛ لصاحب النّصف ثلاثة أرباع، ولصاحب السدس الربع.
فإن أردت ألَّا يقسط بينهما منكسرًا، فأقل ماله؛ نصف صحيح، وثلث صحيح، وسدس صحيح، ستة أسهم، ثلاثة سهام، فإذا قسمت على أربعة، ولصاحب السدس الربع كان منكسرًا، ولكن خذ اثني عشر، يكون لصاحب النّصف ستة، ولصاحب الثلث أربعة، ولصاحب السدس سهمان.
فإذا باع صاحب الثلث سهمه، فقد باع أربعة أسهم، لصاحب النّصف ثلاثة، ولصاحب السدس سهم، فيكون لصاحب النّصف تسعة أسهم من اثني عشر سهمًا بالملك القديم ستة، وبالشُّفعَةِ ثلاثة، ولصاحب السدس ثلاثة من اثني عشر بالملك القديم سهمان، وسهم بالشُّفعة، وإلى هذا ذهب الحسن البصري وابن سيرين وعطاء، والشّافعيّ في أحد قوليه، وهو القديم.
وقال في الجديد مرّة هو وأبو حنيفة: إن الشُّفعَة تستحق على عدد الرؤوس، فإذا كانت دار لثلاثة أنفس لأحدهم النّصف، والآخر الثلث والآخر السدس، فباع صاحب الثلث حصته، فإن المبيع يقسم على صاحب النّصف والسدس بالسوية، فيأخذ كلّ واحد منهما نصف المبيع بالشُّفعَةِ، وبه قال الشّعبيّ والنخعي والثوري، وهو اختيار المزني.
١٣٧٥ - مسألة:
حق الشُّفعَةِ [عندنا] موروث لا يبطله الموت، إذا وجب له ومات قبل علمه، أو علم ومات قبل التمكن من الأخذ، فإنّه ينتقل إلى ورثته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: الشُّفعَةِ تبطل بالموت، ولا تورث بعده.
[ ٥٨٣ ]
إذا بني مشتري الشَّقص، وعمّر وغرس، ثمّ طلب الشفيع حقه، فليس له مطالبة المشتري بقلع ما بنى وغرس، فإما أعطاه الثّمن وقيمة ما عمر وغرس وبنى مضافًا إلى الثّمن، وإلا لم تكن له شفعة، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق والأوزاعي.
وذهب الثّوريّ وأبو حنيفة والمزني: إلى أن للشفيع إجبار المشتري على قلع البناء والغرس.
وذهب قوم: إلى أن له أن يعطيه ثمن الشَّقص لا غير، ويترك البناء والغرس في موضعه.
١٣٧٧ - مسألة:
اختلفت الرِّواية عن مالك في الشُّفعة فيما لا يقسم؛ مثل: الحمام والبئر والرحى والطريق والبناء، فقال: في ذلك كله الشُّفعة. وقال: لا شفعة فيه.
والذي يقوى في نفسي: أن فيها الشُّفعة، وبه قال الثّوريّ وأبو حنيفة وابن سريج.
وبالقول الثّاني قال الشّافعيّ، وحكي: أنّه مذهب عثمان بن عفان - ﵁ -.
١٣٧٨ - مسألة:
عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع، فإذا استحق المبيع من يد الشفيع، رجع به على المشتري، ورجع به المشتري على البائع، فأخذ منه الثّمن، ولا شيء للشفيع على البائع، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة مثل قولنا إذا أخذ الشفيع من المشتري، فأمّا إن أخذ بالشُّفعَةِ من البائع على أصلهم، فإن الشفيع يرجع على البائع؛ لأنّه منه أخذ الشُّفعة.
[ ٥٨٤ ]
وذهب ابن أبي ليلى: إلى أن عهدة الشفيع على البائع بكل وجه، قال: لأنّ [٨٣/ب] المشتري يأخذ الشَّقص، فإذا استقر ملكه عليه أخذه الشفيع، فكأن المشتري صار وكيلًا للبائع، فجرى مجرى الوكالة، وقد تقرر أن العهدة تتعلّق بالموكل لا بالوكيل، فكذلك هاهنا.
إذا وهب له شقص على غير عوض، اختلف قول مالك فيه، فقال: لا شفعة في ذلك، وقال أيضًا: فيه الشُّفعة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا شفعة فيه.
١٣٨٠ - مسألة:
إذا وجبت له الشُّفعة، فبذل له المشتري مالًا على ترك الأخذ بالشُّفعَةِ، جاز ذلك وملكها.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز ذلك، ولا يملك المال وعليه رده.
وهل تسقط شفعته أم لا؛ على وجهين عنده.
١٣٨١ - مسألة:
إذا باع رجلان من الشركاء نصيبهما في صفقة واحدة، لم يكن للشفيع أخذ حصة أحدهما دون الآخر والمشتري واحد، فإما أخذ الجميع أو ترك، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: له أخذ أحدهما، كما له أخذهما جميعًا.
١٣٨٢ - مسألة:
لو أقر أحد الشريكين أنّه باع شقصه من رجل، فأنكر الرَّجل الشراء ولم يقم بينة بذلك، وقام الشفيع يطلب الشُّفعة، لم يكن له شيء حتّى يثبت الشراء، وبه قال بعض أصحاب الشّافعيّ.
وذكر أن المزني غلط حين قال: للشفيع أخذ الشَّقص.
[ ٥٨٥ ]
وقال أبو حنيفة: للشفيع الأخذ بالشُّفعَةِ، كما قال المزني وبعض أصحاب الشّافعيّ.
١٣٨٣ - مسألة:
إذا كانت دار بين ثلاثة شركاء، فاشترى أحدهم نصيب بعض شركائه، فإن شريكه يقاسمه فيه على قدر ملكهما، وليس للذي لم يبع ولم يشتر أن يأخذ الجميع من المشتري؛ لأنّ المشتري قد ساواه بملكه القديم معه، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول أصحاب الشّافعيّ، فقال بعضهم كقولنا، وقال آخرون: لا شيء للمشتري، ويأخذ الشفيع الّذي لم يبع جميعه بالشُّفعَةِ، قالوا: لأنّ الشفيع إنّما يستحق الشُّفعة لنفسه على غيره، فلو جعلنا للمشتري شيئًا؛ لكان شافعًا من نفسه لنفسه، والإنسان لا يستحق شيئًا على نفسه.
ولأنّه لو كانت دار بين رجلين، فباع أحدهما نصيبه من الآخر، ثمّ قال المشتري: أنا لا أختار أخذ المبيع بالشراء، وإنّما آخذه بالشُّفعَةِ، لم يكن له ذلك؛ لأنّه قد اشترى لنفسه، فأخذه بالشُّفعَةِ أخذ عن نفسه. وهذا باطل.
والدّليل لمالك قول النّبيّ - ﷺ -: "الشُّفْعَةُ للشَّريكِ الذِي لمْ يُقاسِمْ" (١).
ولم يفرق بين أن يكون مشتريًا أو غيره.
وأيضًا: فإن الشريك قد ساوى شريكه الّذي لم يبع في شركته شائعًا، فوجب أن يساويه في استحقاق الشُّفعة، ولا يجوز أن يكون شراؤه مسقطًا لحقه؛ لأنّه إلى التأكيد أقرب؛ لأنّ الشراء موجب الملك، وأخذه له بالشُّفعَةِ تقرير للملك الموجب بالشراء.
_________________
(١) من الأحاديث الشائعة في كتب الفقهاء، قال الزيلعي عنه: غريب. انظر: نصب الراية: ٤/ ١٧٢. وقال ابن حجر: لم أجده هكذا. انظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية: ٢/ ٢٠٢. وإنّما أخرجه مسلم (١٦٠٨)، عن جابر ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قضى بالشُّفعَةِ في كلّ شركة لم تقسم.
[ ٥٨٦ ]
وأيضًا: فإنّه شريك مخالط بملك متقدم، فوجب أن يكون شريكًا فيما يبيع شريكه الّذي لم يبع، أو يكون قياسًا على ما لو كان المشتري غيره.
١٣٨٤ - مسألة:
المسلم والذمي في أخذ الشُّفعة من المسلم سواء، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ، وحكي عن الثّوريّ.
وقال الشّعبيّ وأحمد: لا شفعة للذمي.
[ ٥٨٧ ]