إذا قال: "أنت علي كظهر أمي اليوم"، كان مظاهرًا تلزمه الكفارة بالعود في اليوم وبعده كمن لم يوقت، وهو أحد قولي الشّافعيّ والليث بن سعد وابن أبي ليلى.
وقال أبو حنيفة: يتأقت ويبطل الظهار بمضي اليوم، ولا كفارة عليه إن عاد، وهو الثّاني للشافعي.
٧٧٩ - مسألة:
الذمي لا يلزمه ظهار، وبه قال أبو حنيفة، وألزمه الطّلاق دون الظهار.
وقال الشّافعيّ: يلزم المشرك الطّلاق والظهار، فإن أمكنه أن يطلقها فلم يفعل فعليه الكفارة، فإن أعتق صح، وإن لم يقدر عليه لم يجز له الصوم، وأطعم ستين مسكينًا [٤٦/ب].
٧٨٠ - مسألة:
إذا كان المظاهر مضارًّا بترك الكفارة مع قدرته عليها، دخل عليه الإيلاء وضرب له الأجل من يوم ترفعه [امرأته] إلى الحاكم.
وروي عن مالك من يوم ظاهر، والأول أصح.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يدخل عليه إيلاء، ولو أقام ما أقام لم يكفر.
[ ٣٦٠ ]
ومن ظاهر من أمته، لزمه الظهار فيها كالحرة، وكذلك أم ولده، وبه قال علي ابن أبي طالب وابن الزبير -﵃-، وسفيان والثوري.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد: لا ظهار من أمة ولا أم ولد، وإنّما الظهار من الزوجات حرائرا وإماء، وهو قوله ابن عمر -﵄-.
٧٨٢ - مسألة:
اختلف النَّاس في كفارة الظهار بماذا تجب؟
فقال قوم: بمجرد الظهار، ولا يشترط العود، وبه قال مجاهد وسفيان الثّوريّ.
وقال جماعة: إنّما تجب بشرطين: الظهار والعود.
واختلفوا في العود على مذاهب، فقالى مالك: هو العزم على الوطء.
وروي عنه أنّه: الوطء نفسه، ولكن يقدم الكفارة عليه.
وروي عنه أنّه: العزم على الإمساك والوطء، [وإلى هذا ذهب وأشار في الموطَّأ، وتابعه أحمد على أنّه العزم على الوطء].
وقال الحسن وطاووس والزهري: هو الوطء نفسه، كما حكي عن مالك أيضًا.
وقال أبو حنيفة: الكفارة لا تجب بالظهار والعود، ولكن تحرم المرأة بالظهار، ولا يجوز وطؤها إِلَّا بالكفارة، فشرط استباحة الوطء الكفارة حسبُ، حتّى إنّه لو لم يختر وطأها أبدًا، لم تكن عليه كفارة.
وهو عنده مثل الطّهارة لصلاة النافلة، فلا تجب عليه إِلَّا أن يشاء، فإن أراد صلاة النافلة فشرطها الطّهارة مقدمة عليها.
وحكى الطحاوي عن أبي يوسف عنه أنّه قال: إذا وطئها قبل الكفارة وماتت أو مات، فلا كفارة عليه، وقد أن محرمًا في وطئها قبل الكفارة،
[ ٣٦١ ]
وإن أراد الوطء بعد ذلك، لم يجز له حتّى يكفر، وكذلك لو وطئها ألف مرّة قبل التكفير، وقيل: إنّه قول اللَّيث.
وقال الشّافعيّ: العود هو إمساكها، مع القدرة على طلاقها.
وقال أصحابه: العود هو أن يقدر على الطّلاق، فلا يفعل.
قال بعضهم: هذا يبطل بالرجعية إذا ظاهر منها، فإنّه قادر على طلاقها، ولا يكون عائدًا، فلا يفعل.
قال بعضهم: وقال داود هو إعادة اللّفظ.
إذا وطئ المظاهر قبل أن يكفر لم تسقط عنه، ولم تجب عليه إِلَّا كفارة واحدة غير أنّها تكون قضاءً.
وقال مجاهد: تلزمه بالوطء كفارة أخرى، فتجب عليه كفارتان.
وقال قوم: تسقط الكفارة أصلًا بالوطء قبلًا.
٧٨٤ - مسألة:
إذا وطئ المظاهر من ظاهر منها؛ نهارًا ناسيًا في خلال الصوم، أو ليلًا عامدًا، فقد قطع التتابع ويستأنف الصوم، وبه قال أبو حنيفة ومحمد وسفيان.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف وأبو ثور: لا ينقطع إِلَّا بالوطء نهارًا عامدًا.
وهو موضع إجماع.
٧٨٥ - مسألة:
إذا كان فرضه الإطعام، لم يجز له أن يطأ، حتّى يطعم ولا في خلال الإطعام كالصيام، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وحكي عن الثّوريّ في بعض الروايات عنه: جواز الوطء قبل الإطعام.
[ ٣٦٢ ]
لا يجوز في الظهار، إِلَّا رقبة مؤمنة، وكذلك كلّ رقبة واجبة، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي وأحمد وإسحاق والحسن.
وقال قوم: يجوز في الظهار المؤمنة والكافرة؛ منهم: عطاء والنخعي والثوري وأبو حنيفة.
٧٨٧ - مسألة:
لا يجزئ في الكفارة عتق مكاتب، سواء أدى من كتابته شيئًا أم لا، فإن أعتقه عن كفارته نفد عتقه ولم يجزه، وبه قال الشّافعيّ والأوزاعي والثوري وزفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه إِلَّا زفر: إن كان قد أدى من نجومه شيئًا لم يجزه، وإن لم يؤد شيئًا أجزأه استحبابًا.
٧٨٨ - مسألة:
من اشترى بعض من يعتق عليه من أقاربه، ونوى [٤٧/أ] بشرائه عتقه عن كفارته لم يجزه؛ كانت الكفارة من ظهار أو قتل أو يمين أو فطر رمضان، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: يجزئه استحبابًا.
٧٨٩ - مسألة:
إذا كانت كفارات من جنس واحد كلها ظهار أو قتل أو عن يمين كلها، فأعتق بعددها رقابًا، فليس عليه تعبين كلّ رقبة عن الأولى والثّانية والثالثة، بلا خلاف.
وإن كانت مختلفة بعضها عن ظهار وعن قتل وعن يمين فأعتق بعددها رقابًا، ولم يعين لكل كفارة رقبة، فإنّه جائز عندنا كالجنس الواحد، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا بدَّ من التعين والنية، لكل واحدة رقبة تخصها،
[ ٣٦٣ ]
فأمّا إن كانت عليه كفارات لا يدري هي عن ظهار أو قتل أو غيره، فلا خلاف أنّه إذا صام أو أطعم أو أعتق، ونوى به عن كفارته، أجزأه ولم يفتقر إلى التعيين.
من كان له مسكن يحتاج لسكنه، وثمنه يساوي رقبة ظهاره، لم يجزه الصوم، كذلك لو كانمت رقبته تخدمه، وكذلك دابة يركبها لم يجزه الصوم، وبه قال الأوزاعي.
وقال أبو حنيفة مثله في الرقبة محتاجها، فإن لم يجدها ووجد ثمنها أو قيمتها، وهو محتاج إليها لسكن أو ركوب، جاز له العدول إلى الصوم.
وقال الشّافعيّ: يجوز العدول إلى الصوم، مع وجود الرقبة والمسكن، مع الحاجة إليه.
٧٩١ - مسألة:
الاعتبار في الكفارة وقت الأداء، مثل أن يحلف وهو معسر، فحنث وهو موسر أو بالعكس، وبه قال أبو حنيفة.
قال: وإن ظاهر وعاود موسرًا ثمّ أعسر، فلم يقدر على العتق صام.
وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدهما: إن العتق قد تقرر في ذمته؛ لأنّه عاد وهو موسر، فلا ينتقل عنه بعسره، وإن عاد وهو معسر، فقد تقرر الصوم عليه وإن أيسر، غير أنّه إن أعتق أجزأه.
والثّاني: مثل قولنا في اعتبار وقت التكفير.
وقول آخر: يعتبر أغلظ أحواله؛ أي: وقت قدر على العتق من حين الوجوب إلى حين الأداء، فإن كان عند الوجوب من أهل العتق، وأعسر عند التكفير لم يتغير الفرض على العتق، وإن كان معسرًا عند الوجوب وأيسر عند الأداء، ففرضه العتق لم يجزه الصوم.
[ ٣٦٤ ]
أجمع الفقهاء على أن في الرقاب عيوبًا لا تجزئ معها؛ مثل: قطع اليدين والرجلين أو قطع جميعهما.
وقال داود: يجزئ ما يقع عليه اسم [رقبة] بأي عيب كان؛ لقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣]، ولم يخص.
٧٩٣ - مسألة:
فأمّا قطع يد أو رجل فيجزئ عند أبي حنيفة، وكذلك يد ورجل إذا كان من خلاف، ولا يجوز مقطوع الإبهامين.
وقال مالك والشّافعيّ: لا يجزئ شيء من ذلك.
٧٩٤ - مسألة:
لو شرع في صوم الكفارة لعسر، ثمّ أيسر ووجد الرقبة، لم يجب عليه رجوع، ويستحب له أن يعتق إذا صام اليوم واليومين.
وقال الشّافعيّ مثل قولنا.
وقال أبو حنيفة والمزني: يلزمه العتق، ويترك الصوم.
[وعلى هذا أصولهم في التَّيمُّم: إذا عدم الماء ودخل في الصّلاة ثمّ طرأ عليه الماء، وقد مضت هذه المسألة في كتاب الطّهارة مستقصاة].
٧٩٥ - مسألة:
إذا كان من أهل الإطعام، فأطعم ستين مسكينًا أجزأ، بلا خلاف.
وإن أطعم الطّعام كله لمسكين واحد لم يجزه، وإن كان في ستين يومًا، وبه قال الشّافعيّ وزفر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجزئه.
٧٩٦ - مسألة:
مقدار الإطعام عندنا نصف صاع لكل مسكين.
[ ٣٦٥ ]
وقال أبو حنيفة: صاع.
وفيه خبران أحدهما يشهد لنا، والآخر يشهد له.
اختلف عن مالك في القدر.
فروي عنه في الأظهر عنه: مدّ بمدّ هشام بن إسماعيل (١)؛ وهو مدّ وثلثان بمدّ النبيّ - ﷺ -.
وروي عنه: مدّان، قيل: وهو قدر مد هشام.
وروي عنه: مدّ بمدّ النبيّ - ﷺ -، وبه قال [٤٧/ب]، الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان برًّا، فنصف صاع بالحجاجي، وهو أربعة أرطال بالبغدادي، وإن كان تمرًا أو شعيرًا فصاع، وهو ثمانية أرطال بالبغدادي.
واختلف عنه في الزبيب، فقال: نصف، وقال: صاع.
٧٩٧ - مسألة:
إذا مرض المظاهر في صومه فأفطر ثمّ صح، بني على صيامه، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يستأنف، وهو الثّاني للشافعي.
_________________
(١) هو: أبو الوليد هشام بن إسماعيل بن هشام بن الوليد المخزومي المدني، حمو عبد الملك بن مروان وأميره على المدينة خلال (٨٣ - ٨٧ هـ). انظر: الكامل في التاريخ: ٤/ ٢٠٨ و٢٤٣، تاريخ الإسلام: ٦/ ١٨ و٢٨ و٢١٤.
[ ٣٦٦ ]