١٣٥٤ - مسألة:
من جنى على شيء لغيره، فأتلف عليه غرضه المقصود من ذلك الشيء، فقد لزمه قيمة ذلك لصاحبه، ويأخذ هو ذلك الشيء الّذي وقع التعدي فيه، ولا فرق في ذلك بين مركوب وغيره، ولا فرق بين أن يقطع ذنب بغلة القاضي أو أذنها، أو يزمنها حتّى تعرج ولا تبرأ من العرج، ولا فرق فيه بين بغلة القاضي والشّاهد والكاتب، وكل من يعلم أن مثله لا يركب مثل ذلك إذا جنى عليه؛ سواء كان حمارًا أو فرسًا أو بغلًا، ولا فرق أيضًا بين المركوب الّذي له، و[بين] القلنسوة والطيلسان والعمامة.
وكذلك [في] نظر القاضي ممّا يعلم أن مثله لا يلبس ذلك المجني عليه، ولا يستعمله فيما قصده له، وهذه هي الرِّواية المشهورة عن مالك.
وقد روي عنه: أن على الجاني قيمة ما نقص، ولا فرق على هذه الرِّواية بين الحيوان والعروض في كلّ شيء، ممّا يضمن بتلفه القيمة فيه.
وقال أبو حنيفة: إن جنى إنسان على ثوب لرجل، حتّى أذهب أكثر منافعه، فله أن يلزمه قيمته ويسلمه إليه، فإن أذهب ما هو نصف القيمة أو دون ذلك، فله عليه أرش ما نقص.
ففرق بين نصف القيمة أو أقل، وذهاب ما زاد على النّصف.
وأمّا الحيوان الّذي ينتفع بلحمه وظهره؛ مثل: البعير والدابة، فإنّه إذا
[ ٥٧٣ ]
قلع أحد عينيه، لزمه ربع قيمته لمن كان من النَّاس قاض كان أو غيره.
وقال في غير هذا الجنس: ما نقص من قيمته.
وقال الشّافعيّ: في جميع ذلك ما نقص من قيمته.
وقال في الثّوب إذا خرقه خرقًا صار به لا قيمة له، إِلَّا الشيء اليسير من القيمة: إن صاحبه بالخيار بين تسليمه للجاني ويأخذ قيمته، وبين أن يتمسك بالخرق ولا شيء له.
ومن غصب شيئًا ثمّ جنى عليه جناية، أخرجه بالخيار بين أخذه مع أرش نقصه، أو إسلامه إلى الغاصب وإلزامه قيمته يوم غصبه.
وقال سحنون: ليس له إِلَّا أخذه بلا أرش، أو إسلامه بالقيمة، وبه قال ابن الموّاز.
وإنّما يكون له الأرش في الجناية، إذا جنى عليه ابتداء بغير غصب، وفيه خلاف بين أصحاب مالك، وينبغي أن يفصّل:
فإن أبطل الغرض الّذي قصد به ملكه، فهو كالقطع لذنب مركوب الرئيس، وإن كان على غير ذلك، ففيه ما نقص.
وقال الشّافعيّ: لصحابه أرش ما نقص منه.
١٣٥٦ - مسألة:
إذا غصب منه دابة فضاعت، فدفع قيمتها ثمّ وجدت، لم ترد على صاحبها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: ترد.
١٣٥٧ - مسألة:
من جنى على عبد غيره فقطع يديه أو رجليه، نظر فيه:
فإن أبطل غرض سيده منه، فله أن يسلمه إلى الجاني، ويعتقه على
[ ٥٧٤ ]
الجاني إن كان فعل ذلك عمدًا ويأخذ قيمته، أو يمسكه ولا شيء.
وقد روي [٨١/ ب] عن مالك أيضًا: أن له ما نقص إن اختار إمساكه. وهذا يقوله في غير العبد.
فأمّا في العبد إذا أبطل أكثر منافعه متعمدًا، سلمه بقيمته وعتق على الجاني، وإن كان خطأ، فعلى ما فصلنا قبل.
وفي رواية أخرى: أنّه ليس له إِلَّا ما نقص ويمسكه، وبها قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفة: له أن يسلمه ويأخذ قيمته، أو يمسكه ولا شيء له، وهو موافق لما حكيناه عن مالك.
وقال الشّافعيّ: له أن يتمسك به، ويأخذ جميع قيمته من الجاني.
من مثل بعبده عتق عليه.
والمُثْلَة: أن يقطع أنفه أو يده، أو يقلع سنه أو عينه، وما أشبه ذلك.
واختلف قوله هل يعتق بنفس الجناية، أو بحكم الحاكم؟
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يعتق عليه بالمثلة.
١٣٥٩ - مسألة:
من غصب جارية فزادت عنده؛ بسمن أو تعليم صناعة أو غير ذلك، فغلت قيمتها ثمّ نقصت؛ بهزال أو نسيان الصناعة، فنقصت عن الزيادة قيمتها، ورجعت إلى ما كانت عليه أو أقل في القيمة؛ كان لسيدها أخذها بلا أرش ولا زيادة عليها، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: له أخذها وأرش ما نقص من الزيادة، الّتي كانت حدثت عند الغاصب. وجعل الزيادة عند الغاصب مضمونة.
[ ٥٧٥ ]
ولد المغصوبة إذا حدث بعد الغصب، غير مضمون على الغاصب، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: هو مضمون على الغاصب على كلّ وجه. بناء على أصله الّذي مضى ذكره.
١٣٦١ - مسألة:
إذا غصب دارًا أو عبدًا [أو ثوبًا] فبقي يزيده، لم ينتفع به في سكنى أو كراء أو استخدام أو لبس، إلى أن أخذه ربه من الغاصب، فلا أجرة عليه في المدة الّتي بقي ذلك يزيده لم ينتفع به، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: عليه أجرة المدة الّتي أقام في يده أجرة المثل.
١٣٦٢ - مسألة:
إذا سكن الغاصب في دار غصبها، أو أجرها وأخذ عنها أجرة، فالظاهر من قول مالك: أن عليه أجرة ما سكن، ورد الأجرة والغلة الّتي أخذها.
وكان أبو بكر الأبهري - ﵀ - يحكي لنا: أن هناك رواية أن الغلة للغاصب بالضمان، فأمّا العبد والحيوان، فالظاهر من قوله: أن ما ركب منه أو استخدم أو أكري وقبض كراءه، ليس لرب هذه الأشياء أخذه بغلة ولا كراء، وإنّما له عين شيئه، ما لم يتغير يزيد الغاصب.
وقال أبو الفرج المالكي عن مالك: إن ما ركب أو سكن فلا شيء عليه، وإن أكري وقبض غلة، غرمها وأمسك منها ما أنفق على ذلك.
وروى أشهب: أن رب الدابة أو العبد، يرجع بالكراء والغلة على الغاصب، ويقاصه بما أنفق على ذلك، كما ذكره أبو الفرج، وزيادة أخذ الكراء بما ركب واستخدم.
[ ٥٧٦ ]
وقال أبو حنيفة: لا يغرم الغاصب شيئًا؛ رباعًا كان ذلك أو حيوانًا؛ لأنّ الخراج له في جميع ذلك بالضمان.
وقال الشّافعيّ: إنّه يغرم جميع ذلك للمالك، وليس له في جميعه شيء وهو ضامن له.
العقار مضمون بالغصب، وكذلك النخل والأشجار، فمن غصب أرضًا فتلفت في يده بسيل أو حريق أو غيره، لزمه قيمتها يوم غصبها، وبه قال الشّافعيّ ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: كلّ ما لا يصلح نقله؛ كالعقار والضياع، فإنّه لا يكون مضمونًا بإخراجه عن يد مالكه، إِلَّا أن يجني الغاصب عليه فيتلفه أو شيئًا منه، فيضمنه بجنايته.
١٣٦٤ - مسألة:
من غصب حديدًا أو صفرًا أو رصاصًا، واتخذ منه آنية أو سيوفًا، أو [٨٢/أ] غصب فضة فصاغها حليًا أو ضربها دراهم، فإنّما عليه في جميع ذلك مثل ما غصب في صفته وزنته، وكذلك لو غصب ساجة فشقها وعملها أبوابًا، أو ترابًا فعمله بلاطًا، وكذلك في السّرقة إنّما عليه قيمة ذلك يوم الغصب.
واختلف قوله في الحنطة إذا طحنها دقيقًا، بل لو خبزها، لكان عليه مثلها، وأبو حنيفة يوافقنا في هذه المسائل، إِلَّا في الفضة إذا صاغها.
وقال الشّافعيّ: يردّ جميع ذلك على من غصب منه، وإن وقع نقص، رد الغاصب ما نقصه.
١٣٦٥ - مسألة:
من غصب لوحًا فأدخله في بناية، أو ساجة فبنى عليها، فإنّه يكلف قلع ذلك اللوح والساجة، ورده على صاحبه؛ سواء كانت الساجة غليظة أو
[ ٥٧٧ ]
رقيقة، كان البناء عليها أو على جنبها أو متصلًا بها، ولا يمكن قلعها إِلَّا بنقضه نقض، وبه قال الشّافعيّ.
واختلف أصحاب أبي حنيفة في هذه المسائل، فقال الكرخي عن أبي حنيفة: إن كان البناء عليها، كلف الغاصب قلعها ونقض البناء؛ لأنّ البناء على الساجة وضع في غير حقه، وإن كان متصلًا بها لا يمكن نزعها، إِلَّا بنقض البناء المتصل بها، أو على جنبها، لم يكلف نقض ذلك ولا إخراجها؛ لأنّ البناء قد وضع في حقه.
وحكى الرازي عن محمَّد: أنّه إذا لحقه ضرر في قلع الساجة، على أي وجه كان، لم يكلف قلعها؛ كان البناء فوقها أو متصلًا بها.
وهو أشبه بأصول أبي حنيفة؛ لأنّ من مذهبه: أن الغاصب لو غصب فسيلًا صغيرًا، أو غرسه في أرضه ونبت، لم يكلف قلعه للضرر في ذلك، فالساجة مثله.
وعندنا وعند الشّافعيّ: يكلف قلع النخل.
قال سحنون: إذا علم أنّه ينبت إذا حول قلع، وإلا كان للغاصب بقيمته مقلوعًا.
١٣٦٦ - مسألة:
من فتح قفصًا فيه طائر بغير إذن ربه، فطار ولم يقدر عليه، فإن الفاتح ضامن له.
وكذلك لو حل دابة من قيدها فهربت، أو عبدًا مقيدا لأجل الهرب، فهرب فعليه قيمته؛ سواء طار الطائر، وهربت الدابة عقيب الفتح والحل، أو بعد ساعة.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه على كلّ وجه.
وقال الشّافعيّ: إن طار الطائر، أو هربت الدابة عقيب الفتح والحل، فقولان: أحدهما: يضمن، والآخر: لا.
[ ٥٧٨ ]
وإن كان بعد الفتح والحل بساعة، فلا ضمان في ذلك.
إذا تعذر على الغاصب تسليم المغصوب، مثل: أن يغصب عبدًا فيأبق، أو دابة فتهرب، أو شيئًا فيسرق، أو يضيع منه، فيغرم قيمة ذلك، فإن القيمة تفسير ملكًا للمغصوب منه، ويصير المغصوب ملكًا للغاصب، حتّى لو وجد المغصوب، لم يكن له رد وأخذ القيمة، ولا للمغصوب منه أن يردّ القيمة ويأخذه إِلَّا بتراضيهما، وبه قال أبو حنيفة.
إِلَّا أنّه قال: لو ادعى من غصب منه أن قيمته مائة، وقال الغاصب: خمسون، وحلف وغرم خمسين، ثمّ وجد المغصوب وقيمته مائة كما ذكر، فإن له أن يرجع بالفضل فيأخذه من الغاصب. ونحن لا نقول به.
[وعندنا يرجع المغصوب بفضل القيمة، فيأخذها من الغاصب، وليس له أخذ المغصوب إِلَّا برضاهما].
وقال الشّافعيّ: إن المغصوب على ملك المغصوب منه، ويرد القيمة ويأخذ متاعه؛ شاء الغاصب أو أبى، وأمّا إن كتم الغاصب المغصوب، وادعى هلاكه حتّى أخذت منه قيمته، ثمّ ظهر بعد ذلك عنده، فإن للمغصوب منه أخذه، شاء الغاصب أو أبى ويرد القيمة.
١٣٦٨ - مسألة:
إذا أراق مسلم خمر ذمي، أو أتلفها عليه [٨٢/ب] ضمن قيمتها له، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا ضمان عليه، وكذلك إن أتلف عليه خنزيرًا.
[ ٥٧٩ ]