١٠٣٦ - مسألة:
يبدأ بالقسامة أهل الدِّم، وبه قال الشّافعيّ في أحد قوليه.
وفي القول الثّاني قال: لا يشاط (١) الدِّم بالقسامة.
وبقول مالك قال أحمد وربيعة والليث.
وقال أبو حنيفة: [إذا ادعى الدِّم على رجل أو أهل محلة، أنّهم قتلوا مورثهم، فينظر]؛ القول قول المدعى عليهم إن لم يكن القتيل موجودًا، وإن كان موجودًا فللإمام أن يجمع خمسين رجلًا من صلحاء الناحية، إن كان فيهم خمسون فأكثر، فيحلفون خمسين يمينًا كلّ واحد يمين، فإن كانوا دون الخمسين، فرقت الأيمان عليهم، فإن كانوا خمسة وعشرين، حلف كلّ واحد يمينين، ولو كانوا خمسة، حلف كلّ واحد عشر أيمان، ولو لم يوجد إِلَّا واحد، حلف خمسين يمينا، فإذا حلفوا وجبت عليهم الدية، فإن ادعي على أهل محلة، وكان الّذي أسسها وخطها وبناها حيًّا، وجبت الدية على السكان، كانوا ملاكًا أو غير ملاك.
وقال أَبُو يوسف: الدية على السكان على كلّ حال.
_________________
(١) يشاط بمعنى يهلك، قال عمر ﵁: القسامة توجب العقل ولا تشيط الدِّم. انظر: لسان العرب: ٧/ ٣٣٨.
[ ٤٥١ ]
فأمّا إن وجد القتيل في مسجد، حلف أهل المحلة، وكانت الدية في بيت المال.
وإن ادعي على رجل من غير تلك المحلة، فدعواهم عليه براءة لأهل المحلة، ثمّ يكون القول قول المدعى عليه، فيحلف ويبرأ.
هذا جملة مذهبه، وحاصله: أن البداية بالمدعى عليه، كسائر الدعاوى.
ومضى الكلام في تبدئة (١) المدعيين، فإذا حلفوا فإن كان القتل عمدًا وجب القود لهم، وبه قال الشّافعيّ في القديم وأحمد، وهو قول ابن الزبير ﵄.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في الجديد: لا تجب بالقسامة إِلَّا الدية، ولا يشاط بها الدِّم، ورووه عن عمر -﵁ -.
١٠٣٨ - مسألة:
إذا ادعى الدِّم على جماعة، وحصل اللَّوث (٢) على أنّه قتل عمدًا، اختار الأولياء واحدًا من المدعى عليهم، فأقسموا عليه وقتلوه.
وروي عن مالك: أنّهم يقسمون على الجماعة، ثمّ يختارون منهم واحدًا، ولا يقتل أكثر من واحد، وبه قال ابن سريج، لكنه يقول: يؤخذ من الباقين ما يصيبهم من الدية لو أخذت من الكل.
وقال الشّافعيّ في قوله الّذي يوجب فيه القود: إن الجماعة تقتل إذا أقسم عليها.
_________________
(١) في الأصل: "بقية"، والمثبت من (ط).
(٢) اللُّوْث، بفتح اللّام وإسكان الواو: وهو قرينة تدل على قتل القاتل بأمر بين؛ ما لم يكن الإقرار، أو كمال البينة فيه، أو في نفيه. انظر: جامع الأمهات: ٥٠٧، تحرير ألفاظ التنبيه: ٣٣٩.
[ ٤٥٢ ]
اللَّوْث [عند مالك] يثبت بأحد أمرين: إمّا شاهد، أو قول الميِّت: "دمي عند فلان".
واختلف قوله في اشتراط عدالة الشّاهد، فقال: يقبل غير العدل.
وقال ايضًا: لا يكون إِلَّا عدلًا مرضيًّا. وروي: أن شهادة المرأة لوث.
والأصح: أنّه لا يقبل إِلَّا شهادة عدل، أو قول الميِّت.
وقد بيَّنَّا مذهب أبي حنيفة.
و[أمّا] الشّافعيّ فإنّه قال: لا يقبل قول المقتول: "دمي عند فلان"، ولا يكون فيه قسامة ولا غيرها، واللوث عنده: بالشّاهد، وكذلك بوجود قتيل في دار فيما بين قوم، أو في بلد أو محلة فيها أعداؤه، ولا يدخلها غيرهم، أو أن تكون جماعة في صحراء فيفترقون عن قتيل، أو يوجد قتيل وإلى جانبه صاحب سكين مخضوبة بالدم، وليس ثمّ أثر سبع، ولا أثر قدم إنسان آخر، أو يكون زحام فيفترقون عن قتيل، أو صفين في حرب ويوجد في أحدهما قتيل، فالغالب أن أهل الصف الآخر قتلوه.
١٠٤٠ - مسألة:
لا قسامة في عبد قتل عمدًا أو خطأً، فإن كان لسيده شاهد على قتله، حلف معه يمينًا واحدة، واستحق [٦٢/أ] قيمته، وإن لم يكن له شاهد، وادعى قتله على رجل، حلف المدعى عليه يمينًا واحد كالأموال.
وقال أبو حنيفة (١): تجب القسامة فيه كالحر.
واختلف قول الشّافعيّ.
_________________
(١) في الأصل: "يوسف"، والمثبت من (ط)، أمّا أبو يوسف فالمشهور عنه أنّه يقول بقول مالك، وروي عنه كقول أبي حنيفة، وروي عنه أنّه قال، تعقله العاقلة بلا قسامة. انظر: السير لمحمد بن الحسن: ١٦٣، مختصر اختلاف العلماء للجصاص: ٥/ ١٩٢ - ١٩٣.
[ ٤٥٣ ]
إذا وجبت القسامة على أولياء المقتول، فإن كان القتل عمدًا وهم متساوون في القود، حلف كلّ واحد منهمِ مثل ما يحلف الآخر سواء، فإن كانوا خمسين، حلف كلّ واحد منهم يمينًا، وإن اقتصروا على اثنين، حلف كلّ واحد خمسًا وعشرين، وإن كان القتل خطأ، حلف كلّ واحد بقدر ميراثه.
وللشافعي قولان: أحدهما مثل قولنا، والآخر: يحلف كلّ واحد خمسين يمينًا.
١٠٤٢ - مسألة:
إذا قتل العبد عبدًا عمدًا، فسيد المقتول بالخيار بين أن يقتل القاتل ويستحييه ليتملكه، فإن استحياه سقط القود، ورجع الخيار لسيد القاتل بين أن يفديه بقيمة المقتول، أو يتركه لسيد المقتول، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: ليس لسيد المقتول إِلَّا القصاص أو العفو، فإن استحياه سقط القود، ولم يكن عليه شيء، ورجع إلى سيده.
١٠٤٣ - مسألة:
إذا كسر حر يد حر، أو عبد يد عبد، أو عظمًا ممّا ليس بمخوف، ويمكن فيه القصاص اقتص منه، وما كان مخوفًا منه؛ مثل: الفخذ والمنقلة والمأمومة، فلا قصاص فيه.
وقال أبو حنيفة: لا قصاص في كسر عظم إِلَّا في السن، وبه قال الشّافعيّ.
١٠٤٤ - مسألة:
وفي قتل المسلم خطأً الدية والكفارة؛ كان في دار الحرب قد أسلم، أو خرج إلى دار الإسلام ثمّ أسلم، أو كان مسلمًا ثمّ دخل دار الحرب على كلّ حال.
[ ٤٥٤ ]
وقال أبو حنيفة: إذا أسلم في دار الحرب، ولم يخرج منها حتّى قتل، فلا قود فيه ولا دية وفيه الكفارة، وأمّا إذا خرج إلى دار الإسلام، ثمّ عاد إلى دار الحرب فقتل، أو أسلم في دار الإسلام ثمّ دخل دار الحرب فقتل، وجبت فيها الدية والكفارة، وأمّا الأسير فعلى وجهين عندهم.
وقال الشّافعيّ: من دخل من دار الإسلام إلى دار الحرب فقتل، فلا دية فيه.
واتفق هو وأبو حنيفة فيه إذا أسلم في دار الحرب، فلم يخرج منها حتّى قتل، في أنّه لا دية فيه.
لا كفارة واجبة في قتل العمد على أي وجه كان، وبه قال أبو حنيفة والثوري.
وقال الشّافعيّ: عليه الكفارة.
١٠٤٦ - مسألة:
وإذا قتل المسلم في دار الحرب خطأ، ففيه الدية والكفارة، وإن قتل عمدًا، ففيه القود.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا قود فيه.
١٠٤٧ - مسألة:
تستحب الكفارة في قتل العبد خطأ.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هي واجبة مثل قتل الحر (١).
١٠٤٨ - مسألة:
لا كفارة في قتل الذمي.
_________________
(١) تكررت هذه المسألة في الأصل.
[ ٤٥٥ ]
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: هي واجبة مثل قتل الحر.
إذا قتل صبي مسلم حرًّا مسلمًا [خطأ] فعليه الكفارة، وكذلك المجنون المسلم، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليهما.
١٠٥٠ - مسألة:
إذا شج رجل رجلًا شجة دون الموضحة، أو جرحه على يده جراحة خطأ، فبرأت وبقي شين من الشجة والجراحة، وجب في الشين حكومة، فإذا كانت الحكومة في الشجة أكثر من أرش الموضحة، لم ينقص من الحكومة شيء، وهو قول أبي حنيفة فيما أظن.
وقال الشّافعيّ: لا يبلغ أرش الشين أرش الموضحة، ولا بد أن ينقص منه شيء، قال: لأنّها لو كانت موضحة معها شين، لم أزد على موضحة، فإن بلغ أرش الشين أرشها، علمنا أنّه قد أخطأ في ذلك؛ لأنّه إذا كان في الموضحة خمس من الإبل، لم يجز أن يجب فيما دون الموضحة خمس. قال القاضي: ورأيت لمالك مثل هذا وليس يقوى في نفسي.
وحجة مالك: أن الشين يذهب الجمال، وإذا ذهب الجمال، جاز أن يكون فيه أكثر من دية الموضحة.
واستدل الشّافعيّ: أن اليد الشلاء إذا قطعت، فلا يجوز أن يكون فيه أكثر من دية الموضحة، ممّا قطعت وهي صحيحة؛ لأنّ هذا يوجب الغلظ في الحكومة.
١٠٥١ - مسألة:
لا كفارة في الجنين يسقط ميتًا بضرب أو قتل أم، وبه قال أبو حنيفة.
وقال [٦٢/ب] الشّافعيّ: فيه الكفارة.
[ ٤٥٦ ]
السحر له حقيقة ويمرض من تعلّق به، ويتغير عن طبعه ويموت، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال قوم: ليس له حقيقة، وإنّما هو تخييل.
١٠٥٣ - مسألة:
يقتل الزنديق ولا يستتاب، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: تقبل توبته ولا يقتل.
وروي عن أبي حنيفة مثل قولنا.
١٠٥٤ - مسألة:
تقتل المرتدة إن لم تتب كالمرتد، وبه قال الشّافعيّ وأحمد وإسحاق، وهو قول أبي بكر -﵁ -، والحسن والزهري والأوزاعي والليث.
وروي عن علي -﵁ - أنّها تسترق، وبه قال قتادة.
وقال أبو حنيفة: لا تقتل لكنها تحبس، إن كانت في دار الإسلام حتّى تسلم، وإن لحقت بدار الحرب استرقت، وإن كانت أمة أجبرها سيدها على الإسلام، وروي هذا المذهب عن ابن عبّاس -﵄-.
١٠٥٥ - مسألة:
اختلف النَّاس، هل يستتاب المرتد أم لا؟
وإذا استتيب ويجب قتله، هل هو واجب أم مستحب؟
واختلف في مدة الاستتاب، فحكي عن الحسن: أنّه لا يستتاب، ويجب قتله حين يرتد.
وقال عطاء: إن كان مولودًا مسلمًا فإنّه لا يستتاب، وإن كان كافرًا أسلم ثمّ ارتد استتيب.
وعندنا وأبي حنيفة والشّافعيّ: يستتاب.
[ ٤٥٧ ]
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: واجبًا، وقال ايضًا: مستحب.
١٠٥٦ - مسألة:
إذا ثبت وجوب استتابته، فهل تأخيره ثلاثًا واجب أو مستحب؟
قولان عن مالك، وكذا عن الشّافعيّ إذا قال: إنها واجبة، فأحد القولين: إنّه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل، والثّاني: ثلاثًا مثل قولنا.
وقال أبو حنيفة: يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيّام، أو في ثلاث جُمَع.
وعن علي -﵁ -: أنّه يستتاب شهرًا.
وقال الزّهريُّ: يستتاب ثلاث مرات.
وقال سفيان: يستتاب أبدًا.
[ ٤٥٨ ]