الوقف [عندنا] جائز يلزم بالقول، وإن لم يحكم به حاكم، وإن لي يخرج مخرج الوصيَّة بعد موته، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو يوسف: يصح، وإن لم يخرجه عن يده.
وقال محمَّد: يصح إذا أخرجه عن يده، كقولنا في [إحدى] الروايتين [عن مالك].
وأمّا أبو حنيفة: فإن أصحابه قالوا عنه: إن الوقف عطية صحيحة، إِلَّا أنّه لا يلزم ما لم يحكم به الحاكم.
١٤٢٤ - مسألة:
اختلف عن مالك - ﵀ - في وقف الحيوان الرّقيق والخيل والماشية، فقال: يصح، وقال: لا يصح، وكذلك في السلاح، وبهذا قال أبو حنيفة وأبو يوسف.
وقال الشّافعيّ ومحمد: يصح، كالراوية الأخرى لمالك.
١٤٢٥ - مسألة:
رقبة الوقف على ملك الواقف عندنا، وبه قال جماعة الفقهاء أصحاب
[ ٦٠٢ ]
الشّافعيّ، وقد سمعته من أبي حامد (١) القاضي بالبصرة، وبه قال [أحمد] بن القطان (٢) وابن المَرزُبان (٣)، وكان أبو علي الطّبريّ (٤) يقول ذلك، ويحكيه عن الشّافعيّ، وغيره ينكره.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في قوله الآخر: إن الملك ينتقل عن الواقف، وعند أبي حنيفة بالحكم على أصله في الوقف، وعلى قول الشّافعيّ بإيجابه الوقف.
واختلف قول الشّافعيّ، هل ينتقل الملك إلى غير مالك، ويكون انتقاله لله، أو للموقوف عليهم؟
١٤٢٦ - مسألة:
اختلف قول مالك - ﵀ - في الواقف إذا لم يخرج الوقف عن يده إلى أن مات، فقال مرّة: إن علم أنّه يصرف منفعته إلى الوجه الّذي وقفه عليه إلى أن مات، فهو صحيح وإن لم يخرجه عن يده.
_________________
(١) هو: القاضي أبو حامد أحمد بن بشر العامري المروروذي الشّافعيّ: نزيل البصرة أحد رفعاء المذهب، من أصحاب أبي إسحاق المروزي، من مؤلفاته: شرح مختصر المزني، والجامع في المذهب. توفي: ٣٦٢ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٣/ ١٢، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ١٣٧.
(٢) هو: أبو الحسين أحمد بن محمَّد بن أحمد بن القطان البغدادي الشّافعيّ: من كبراء الشّافعيّين، آخر أصحاب ابن سريج وفاة، له مصنفات كثيرة منها: الفروع. توفي: ٣٥٩ هـ. انظر: طبقات الأسنوي: ٢/ ١٤٦، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ١٢٤.
(٣) هو: أبو الحسن علي بن أحمد بن المرزبان البغدادي الشّافعيّ: الإمام أحد أركان المذهب ورفعائه، صاحب أبي الحسين بن القطان وعليه تفقه، ودرس عليه الشّيخ أبو حامد أول قدومه بغداد. توفي: ٣٦٦ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٣/ ٣٤٦، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ١٤٢.
(٤) هو: أبو علي الحسن - أو الحسين - بن القاسم الطّبريّ الشّافعيّ: صاحب الإفصاح، تفقه ببغداد على أبي علي ابن أبي هريرة، ودرّس بها بعده، من مؤلفاته: المحرر في النظر، وهو أول كتاب في الخلاف المجرد. توفي: ٣٥٠ هـ. انظر: طبقات الشّافعيّة الكبرى: ٣/ ٢٨٠، طبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ١٢٧.
[ ٦٠٣ ]
وقال مرّة: يبطل إن لم يخرجه عن يده، وإن كان يصرف منافعه في وجهه.
فإذا لم يكن ارتفاقه ومنفعته في الوجه الّذي وقفه عليه، ولم يخرج الوقف عن يده حتّى مات، فهو باطل بلا خلاف في قوله.
واختياري أنا: أنّه إن كان يصرف منفعته في وجوهه، إلى أن مات ولم يخرج عن يده فهو صحيح.
وقال الشّافعيّ وأبو يوسف: يصح الوقف وإن لم يخرجه عن يده، وإن لم يصرف خراجه في وجوهه حتّى مات.
وقال [محمّد بن] الحسن: لا يصح حتّى يخرجه عن يده على كلّ حال.
وقف المشاع جائز؛ كهبته وإجارته، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف (١).
وقال محمَّد: لا يصح بناءً؛ على أصلهم في بيع المشاع وإجارته.
١٤٢٨ - مسألة:
إذا قال: "هذه الدَّار أو الضيعة وقف"، ولم يذكر لها وجهًا تصرف فيه، فإنّه يصح ويكون وقفًا، وكذا لو قال: "وقف على أولادي وأولادهم"، ولم يذكر من بعدهم: الفقراء، أو بني تميم، أو قومًا لا ينقطع نسلهم، فإنّه يصح ويرجع ذلك بعد انقراض من سمى إلى فقراء عصبته، فإن لم يكونوا فإلى فقراء المسلمين، وبه قال أبو يوسف ومحمد.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال: لا يصح.
_________________
(١) في الأصل بزيادة: "يصح الوقف، وإن لم يخرجه عن يده فهو صحيح، وقال الشّافعيّ". وهي تكرار خاطئ للمسألة الّتي قبلها.
[ ٦٠٤ ]
١٤٢٩ - مسألة:
إذا خرب المسجد وما حوله، لم يعد ملكًا لمن بناه، إذا لم يكن شرط ذلك، وبه قال الشّافعيّ وأبو يوسف.
وقال محمَّد: يعود ملكًا.
وقال سفيان: يباع ويشترى به ما يبنى به مسجد عامر في محلة عامرة؛ لأنّه إذا خرب لم ينتفع به.
١٤٣٠ - مسألة: من الهِبَة
يجوز هبة المشاع ويتأتى قبضه، كما يجوز بيعه؛ كان ممّا ينقسم كالدور والأرضين، أو لا ينقسم كالعبيد والثياب والجواهر وغير ذلك؛ سواء كان ممّا يقبض بالنقل والتحويل كالطعام والثياب، أو ممّا يقبض بالتخلية.
فإن كان ممّا يقبض بالنقل والتحويل صح قبضه، وإما بقسمه [٨٦/ب]، أو [بأن] يسلم الواهب الجميع إليه، فيأخذ حقه ويأخذ الباقي بيده وديعة، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: إن كان ممّا لا يصح قسمه كالعبد واللؤلؤة، جاز هبته، وإن كان ينقسم لم يجز.
١٤٣١ - مسألة: من العمرى
من أعمر عمرى، فإن قال: "أعمرتك داري أو ضيعتي"، فإنّه قد وهب له الانتفاع بذلك مدة حياته، فإذا مات رجعت الرقبة إلى المالك وهو المعمر، وإن قال له: "أعمرتك وعقبك"، فقد وهب له ولعقبه الانتفاع ما بقي منهم أحد، فإذا لم يبق منهم إنسان رجعت الرقبة إلى المالك؛ لأنّه وهب له المنفعة، ولم يهب له الرقبة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ في أحد قوليه: إنها تفسير ملكًا للمعمر، ولورثته ولا يعود للمعطي.
وقد قال الشّافعيّ مثل قولنا.
[ ٦٠٥ ]
ولا تجوز الرُّقبى (١) عند مالك وأبي حنيفة ومحمد.
وأجازها الشّافعيّ وأبو يوسف.
١٤٣٣ - مسألة:
من له أولاد ذكرر وإناث، فأراد أن يهب لهم شيئًا، استحب له التسوية بينهم في العطيّة، وهو قول أبي حنيفة والشّافعيّ.
وذهب شريح وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن: إلى أنّه يفضل المذكور، فيهب للذكر مثل حظ الأنثيين.
وقال طاووس وداود: إن لم يفعل ذلك، بطلت العطيّة وعادت الهِبَة للأب.
١٤٣٤ - مسألة:
إذا وهب الوالد لولده من صلبه هبة، فله أن يرتجعها ويعتصرها (٢) منه، وإن كان قد قبضها الولد، ما لم تتغير بيده أو يحدث دينًا (٣)، أو تتزوج البنت بعد قبض الهِبَة.
وقال الشّافعيّ: له أن يرجع في هبته، ويأخذها من يد كلّ من يقع عليه اسم ولد حقيقة، أو مجازًا كولده لصلبه، وولد ولده من أولاد البنين والبنات، ولم يعتبر طروء دين أو تزويج، فله أن يعتصرها على كلّ حال.
وقال أبو حنيفة: إذا وهب لذي رحم محرم بالنسب، لم يكن له أن
_________________
(١) الرُّقبى أن يقول: "إن من قبلك فهي لك وإن مت قبلي رجعت إلى". انظر: التعريفات: ١٤٩.
(٢) الاعتصار: ارتجاع المعطي عطيةً دونَ عِوَض لا بِطَوع المعطى. انظر: حدود ابن عرفة: ٢/ ٥٥٩.
(٣) في الأصل: "حدثا". والمثبت من (ط).
[ ٦٠٦ ]
يرجع، وإن وهب لغير ذي رحم محرم فله أن يرجع، وليس له أن يرجع فيما وهب لولده أو أخيه أو أخته وعمه وعمته، وكل من لو كان امرأة، لم يكن له أن يتزوج بها؛ لأجل النسب، وإن وهب لبني عمه أو أجانب، فله أن يرجع فيها.
١٤٣٥ - مسألة:
ومن وهب هبة ثمّ طلب عليها ثوابًا، وقال: "أردت الثّواب"، نظر فإن كان ممّن يطلب الثّواب من الموهوب له، فله ذلك كهبة الفقير للغني، وهبة الغلام لصاحبه، والرجل لأميره، ومن هو فوقه، وهو أحد قولي الشّافعيّ.
وفي الآخر: لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه، وبه قال أبو حنيفة.
[ ٦٠٧ ]