النِّكاح مندوب إليه وليس بواجب، وهو قول الفقهاء أجمع.
وقال داود: هو واجب على الرَّجل والمرأة مرّة في العمر؛ إن كان الرَّجل واجد [إلى] الطول الحرة وجب عليه نكاحها، وإن عدم لزمه نكاح الأمة.
٦٣٢ - مسألة:
وجه المرأة وكفّاها ليس بعورة، ويجوز لمريد النِّكاح أن ينظر إلى ذلك منها، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وقال قوم: ذلك عورة كجسدها لا يجوز النظر إليه.
وقال داود: يجوز أن ينظر إلى سائر جسدها سوى السوأتين.
٢٠ - فصل:
فأمّا نظر الزوج إلى فرج زوجته وأمته، والزوجة إلى فرج زوجها والأمة لسيدها، إذا جاز وطؤها فجاز.
وللشافعي قولان؛ أحدهما: يجوز، وقول: لا يجوز.
٦٣٣ - مسألة:
لا يجوز نكاح بغير ولي؛ إمّا قريب، أو مولى، أو وصي، أو
[ ٢٩٥ ]
سلطان، أو رجل مسلم، على ما يأتي في الدنيئة.
فأمّا عقد المرأة على نفسها، فلا يجوز [عندنا] بحال، وبه قال الشّافعيّ، وخالف في ولاية الوصي، أو رجل مسلم.
وقول عمر وعلي وابن عبّاس وابن مسعود وأبي هريرة - ﵃- مثل قولنا وقول الشّافعيّ، ومن التابعين: الحسن وسعيد بن المسيَّب، ومن الفقهاء: ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: يجوز عقدها بنفسها، وإن ولت رجلًا جاز، إن كانت عاقلة بالغة.
ووافق إذا وضعت نفسها في غير كفء، أن للولي فسخ النِّكاح.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا بدَّ من الولي، وإن عقدت بنفسها كان موقوفًا، فإن كان في كفء فعلى الولي أن يجيزه ويمضيه، فإن امتنع أجازه السلطان عليه، وإن كان غير كفء كان للولي فسخه.
وقال داود: إن كانت بكرًا فلا بد من الولي، وإن كانت ثيبًا لم يحتج [٣٧/ أ] لولي. وهذا خلاف الإجماع.
وقال أبو ثور: لا بدَّ من الولي، فإن عقد صح، وإن أذن لها فعقدت بإذنه صح.
٦٣٤ - مسألة:
تصح الوصيَّة بالنِّكاح [عندنا]، وهو أولى من الولي بذلك، وإن أوصى إليه وله بنات بوالغ ثيب وأبكار زوّجهن الوصي.
فإن عين له رجلًا بعينه لبكر صغيرة أو كبيرة؛ زوّجها جبرًا منه كالأب.
وإن لم يعين لم يزوج الصغيرة حتّى تبلغ وترضى، ولا يزوج الكبيرة البكر إِلَّا بإذنها كالثيب.
ومن أصحابنا من قال: إن الوصي إذا قال له: زوج بناتي من رأيت،
[ ٢٩٦ ]
فإنّه يقوم مقام الأب في تزويجهن بغير إذن الصغيرة والبكر [البالغة]، وهو يتخرج على قول مالك: إذا قالت الشيب لوليها: زوجني ممّن رأيت، فزوجها ممّن اختاره أو من نفسه، ولم يعلمها بعين الرَّجل قبل العقد، فإنّه يصح، وبه قال أبو حنيفة في تزويج الوصي.
وقال الشّافعيّ: لا ولاية لوصي مع ولي؛ لأنّ عارها يلحقه.
وهذا التعليل فاسد؛ لأنّ الحاكم يزوجها وعارها لا يلحقه.
[قال مالك: و] تجوز الوكالة في النِّكاح، وبه قال الشّافعيّ وأبو حنيفة.
وقال أبو ثور: لا تجوز.
٦٣٦ - مسألة:
الأبي تمام، قال مالكًا: يجوز للابن أن يزوج أمه، وبه قال أبو يوسف وأهل الأثر.
ومنعه الشّافعيّ.
٦٣٧ - مسألة:
الكفاءة (١) في الدِّين، ونكاح ما ليس بكفء في النسب ليس بحرام، وبه قال أهل العلم.
وقال بعض العراقبين: إنّه حرام.
٢١ - فصل:
اختلف قول مالك في النِّكاح الموقوف، فقال: يجوز بالقرب سواء وقف على [إجازة] الولي، أو الزوج، أو إذن المرأة، وقال أيضًا: لا يجوز أن يوقف.
_________________
(١) في الأصل: "الكفارة". وهو تحريف.
[ ٢٩٧ ]
وقال أبو حنيفة النكاح الموقوف ينعقد ويقف على الإجازة، فإن أجيز صح، وإلا بطل كقولنا فيه.
وفي وقوفه في الطرفين جميعًا؛ أعني: الولي، أو إجازة الزوج، مثل البيع سواء يقف على إجازة البائع أو المشتري.
هذا على قول جواز الوقف في النِّكاح.
[وقال الشّافعيّ: لا يجوز وقف النِّكاح على إجازة الزوج بحال]، ولا في البيع.
[ومسألة البيع تجيء في كتاب البيوع. إن شاء الله].
للأب أن يجبر ابنته البكر على النِّكاح؛ صغيرة كانت أو كبيرة، وبه قال ابن أبي ليلى والشّافعيّ وأحمد وإسحاق.
وقال الأوزاعي وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه: إن كانت صغيرة جبرها، وإن كانت كبيرة لم يجبرها.
فالخلاف في البالغ خاصّة.
٦٣٩ - مسألة:
ليس للجد أن يزوج ابنة ابنه بغير رضاها.
وقال الشّافعيّ: له ذلك إن كانت بكرًا؛ صغيرة كانت أو كبيرة كالأب.
وقال أبو حنيفة: يجبر الجد الصغيرة كالأب، ولا خيار لها إذا بلغت، وقال: إن لم يكن أب ولا جد، وكان أخ، أو عم، أو مولى، جبروا الصغيرة على النِّكاح، ولها إذا بلغت الخيار في قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا خيار لها.
وأمّا ذوو الأرحام مثل: الأم والخالة، فقال أبو حنيفة: إن النِّساء يعقدن، وإن لهن إجبار الصغيرة على النِّكاح.
[ ٢٩٨ ]
وقال محمّد وأبو يوسف: ليس لهن ذلك.
فالخلاف بيننا وبين الشّافعيّ في الجد، وبيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه في الجد والعصبة وذوي الأرحام.
وبقول مالك قال ابن أبي ليلى في الأب وحده.
الثيب الصغيرة يجبرها الأب كالبكر؛ أصيبت بنكاح أو غيره، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يعقد عليها حتّى تبلغ وتأذن، وبه قال محمّد وأبو يوسف.
٦٤١ - مسألة:
ولاية الفاسق صحيحة على الصغيرة والكبيرة من ولده، بكرًا كانت أو ثيبًا، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا تصح.
واختلف أصحابه: فقال بعضهم: إن كانت المنكوحة ممّن تجبر، لم يكن له ذلك، وإن كانت ممّن تستأذن جاز، ومنهم من قال بقولنا.
٦٤٢ - مسألة:
النِّكاح [٣٧/ب] يصح [عند مالك] من غير شهود.
وقال أبو حنيفة: لا بدَّ من شهود وإن كانوا فسقة، أو عبيدًا، أو محدودين في القذف، وبرجل وامرأتين.
وقال الشّافعيّ: لا يصح [إِلَّا] بشاهدين عدلين، [وبه] (١) قال الأوزاعي وسفيان وأحمد، وابن عبّاس - ﵄ -، وسعيد بن المسيَّب والحسن والنخعي.
_________________
(١) في الأصل و(ط): "وبقولنا". انظر: الاستذكار: ١٦/ ٢١٣، المغني: ٩/ ٣٤٩.
[ ٢٩٩ ]
[وبقولنا] (١) قال عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن بن علي - ﵃ -، ومن الفقهاء: عبد الرّحمن بن مهدي (٢) ويزيد بن هارون (٣) وداود.
٢٢ - فصل:
[في نكاح السر] إذا اشترطوا كتمان النِّكاح فسخناه.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: لا يبطل إذا حضر الشهود، فلا يضر كتمانهم.
لا يثبت النِّكاح والطلاق والرجعة بشهادة النِّساء، [ولا يثبت ذلك إِلَّا بشهادة عدلين]، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يثبت برجل وامرأتين.
٦٤٤ - مسألة:
للسيد أن يجبر عبده على النِّكاح.
وللشافعي قول: إنّه لا يجبره.
وأبو حنيفة يوافقنا.
_________________
(١) في الأصل و(ط): "وبه". انظر: الاستذكار: ١٦/ ٢١٢، بداية المجتهدت ٢/ ١٨. ولعلّه قلب من الناسخ، فإن اللفظة الأولى فوق الثّانية تمامًا في (الأصل)، والله أعلم.
(٢) هو: أبو سعيد عبد الرّحمن بن مهدي العنبري البصري: الثقة الأمين العالم بالحديث، سمع السفيانين والحمادين، ولزم مالكًا وأخذ عنه كثيرًا من الفقه والحديث، وكان يذهب إلى قوله، أخرج له الستة. توفي: ١٩٨ هـ. انظر: الديباج: ١٤٦، شجرة النور: ١/ ٨٧.
(٣) هو: أبو خالد يزيد بن هارون بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي: أحد الأعلام الحفاظ المشاهير، روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن إسحاق وشعبة وغيرهم، كان ثقة متقنًا، أخرج له الستة. توفي: ٢٠٦ هـ. انظر: السير: ٩/ ٣٥٨، التهذيب: ١١/ ٣٢١.
[ ٣٠٠ ]
لا يجبر السَّيِّد على إنكاح عبده إذا طلب العبد ذلك.
وللشافعي قول: إنّه يجبر.
وقول أبي حنيفة مثل قولنا.
٦٤٦ - مسألة:
إذا أذن السَّيِّد لعبده [في النِّكاح]، تعلّق المهر بذمة العبد، والنفقة والمهر من فوائد نظر إليه؛ لا من ما في يده قبل العقد، ولا من كسبه الّذي هو عوض حركاته.
[قال الشّافعيّ: يكون ذلك من مكاسبه الّتي هي حركاته؛ سواء] خدمة كانت أو صناعة.
٦٤٧ - مسألة:
إذا أعتق أمته على أن تنكحه وعتقها صداقها، وأعتقها على ذلك، فلها الخيار في أن تتزوج أو تدع.
وحكي عن الأوزاعي أنّه قال: يجب عليها زيجته على هذا الشرط.
وقيل: إنّه مذهب أحمد وداود.
وأصحاب أحمد يحكون خلافه، ويقولون: إذا استدعت منه عتقها بهذا الشرط، فنفس قوله: أعتقتك تعتق وينعقد النِّكاح.
وبقولنا قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
ومن ألزمنا ذلك احتج: بأن النبيّ - ﷺ - أعتق صفية وجعل عتقها صداقها (١).
_________________
(١) حديث صحيح متفق عليه عن أنس بن مالك ﵁. البخاريّ (٥٠٨٦)، ومسلم (١٣٦٥).
[ ٣٠١ ]
قال: والعتق مال، فيصح أن يقع عن مال، فكأنّه تزوجها على شيء عوضًا عن عتق، وذلك هو المهر، ولأنّه لا يجبر أن يعتقها أو يجعل عليها مالًا، فكأنّه جعل ذلك المال صداقها.
٢٣ - فصل:
قال الشّافعيّ: لا يلزمها النِّكاح، ولكن يلزمها قيمه رقبتها.
وعندنا: لا يلزمها شيء.
الأخ أولى بنكاح أخته عندنا من جدها.
وقال الشّافعيّ: الجد أولى.
٦٤٩ - مسألة:
يجوز تزويج العلّوية والعباسية والقرشية، أي شريفة كانت، من ولي وغيره من المسملين؛ لأنّ الكفء [عندنا] هو المسلم الدِّين، سواء اتفق الأولياء كلهم عليه أو اختلفوا، إذا أذنت ورضيت فليس لأحد من الأولياء الاعتراض عليها.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ: إن رضيت هي وجميع الأولياء صح، وإن أبوا كلهم ورضيت هي لم يصح، وإن رضي الأولياء كلهم وأبت هي لم يصح، وإن رضيت هي والأولياء إِلَّا واحدًا؛ فله فسخه.
وللشافعي قول: إنّه يكون مفسوخًا في نفسه.
ومن النَّاس من يقول: لو رضيت هي وجميع الأولياء لم يصح؛ لأنّ العار يدخل على غيرهم من القرابة ومن سيوجد؛ لأنّ دفع العار وحق الكفاءة لا يختص بالأحياء دون من يأتي بعدهم.
٢٤ - فصل:
قال أبو حنيفة: مهر المثل من الكفاءة، حتّى لو نقصت من مهر مثلها، كان للأولياء منعها وفسخه، إِلَّا أن يتم لها مهر مثلها.
[ ٣٠٢ ]
وقلنا نحن والشّافعيّ: إن حق المهر لها دونهم، لانظر لأوليائها فيه ولا حق، فإن دعت إلى كفء ورضيت بدون مهر مثلها، وجب على الأولياء إنكاحها، ولم يجز لهم الامتناع، وإن زوجها ولي ولها أولياء غيره، لم يكن لهم الاعتراض على العقد.
إذا غاب عن البكر أبوها، وعمي خبره وضربت له الآجال، ولم يعلم له مكان زوّجها أخوها بإذنها، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
وقال الشّافعيّ: يزوجها السلطان.
وكذلك يقول [٣٨/أ]، في الثيب إذا غاب أقرب أوليائها وفقد السلطان، وإن كان وليها الأقرب حاضرًا غير أنّه فاسق أو مجنون زالت ولايته، وانتقلت [إلى] الأقرب من باقي العصبة، فيتكلم أولى في البكر.
٢٥ - فصل:
يجوز للأخ أن يزوج أخته الثيب مع حضور أبيها إذا أذنت له، وإن كره الأب، وبه قال أبو حنيفة.
ومنع منه الشّافعيّ.
٦٥١ - مسألة:
اختلف عن مالك في الدنيئة؛ كالسقاية، والمسلمانية، والعربيّة، المعتقة، والفقيرة، [الّتي] لا عصبة لها إذا جعلت أمرها إلى مسلم، فزوّجها من تختاره.
فقال في رواية: إنّه يجوز.
وقال: لا يجوز، ولا يزوّجها إِلَّا السلطان.
وقوله أبي حنيفة: يجوز، فقيرة كانت أو غيرها، إذا كانت حرة بالغة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز إِلَّا بولي أو سلطان، وهو أحد قولي مالك.
[ ٣٠٣ ]
والدّليل على جوازه قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله - ﷺ -: "لا نِكاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ"، فقيل: يا رسول الله من الولي؟ فقال: "رَجُلٌ مِنَ المُسلِمينَ" (١).
إذا عقد الوليان النِّكاح على وليتهما، ولم يعرف الأوّل حتّى دخل الثّاني، فالداخل أولى بالنِّكاح عندنا، وبه قال عطاء.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد وإسحاق: الأوّل أولى على كلّ حال، وهو قول شريح (٢) والحسن وسفيان ومحمد بن عبد الحكم.
وقولنا هو قول عمر ومعاوية -﵄-.
وحكي عن علي ﵁ قول المخالف.
٦٥٣ - مسألة:
يجوز للولي أن يزوج نفسه من وليته إذا أذنت له، وكذلك من أعتق أمته وأذنت له، وبه قال ربيعة وسفيان وأبو حنيفة وأصحابه، إِلَّا زفر.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللّفظ ابن عساكر عن أبي هريرة ﵁. انظر: تاريخ دمشق: ٤٣/ ٦٩. وقال عنه المتقي الهندي: (وفيه المسيَّب بن شريك متروك). انظر: كنز العمال: ١٦/ ٥٣٠. أمّا الشطر الأوّل من الحديث؛ فقد أخرجه: أبو داود (٢٠٨٥)، والترمذي (١١٠١)، وابن ماجه (١٨٨٠). عن عائشة وأبي موسى وابن عبّاس وأبي هريرة وعمران بن حصين ﵃ وقال التّرمذيّ: هو حديث عندي حسن. قال الحافظ ابن حجر: "وقد اختلف في وصله وإرساله، قال الحاكم: وقد صحت الرِّواية فيه عن أزواج النبيّ - ﷺ -: عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش. قال: وفي الباب عن علي وابن عبّاس، ثمّ سرد تمام ثلاثين صحابيًا. وقد جمع طرقه الدمياطي من المتأخرين". انظر: التلخيص: ٣/ ٣٢٣.
(٢) هو: القاضي أبو أمية شريح بن الحارث الكندي الكوفي: الفقيه أحد الأعلام، أسلم في حياة النبيّ - ﷺ - وانتقل من اليمن زمن الصديق ﵁، وولاه عمر ﵁ قضاء الكوفة، ولقّبه علي ﵁ بأقضى العرب، أخرج له النسائي. توفي: ٨٠ هـ. انظر: السير: ٤/ ١٠٠، التهذيب: ٤/ ٢٨٧.
[ ٣٠٤ ]
وحكي عن المغيرة وأحمد: إن أذنت لوليها، فولى رجلًا أو. وكله أن يزوجها منه جاز.
وقال الشّافعيّ: لا يعقد له إِلَّا الحاكم.
وكذلك لو أن رجلًا له بنت صغيرة خطبها منه رجل، جاز أن يوكله في تزويجها من نفسه عندنا، وعند أبي حنيفة.
وأباه الشّافعيّ.
يصح النِّكاح بلفظ الهِبَة، إذا قصد به النِّكاح.
وسواء عندي ذكر المهر أم لا، إذا قصد النِّكاح، وكذلك لفظ البيع والصدقة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا ينعقد إِلَّا بأحد لفظين: النِّكاح أو التزويج.
وهذا متفق عليه، والخلاف فيما ذكرناه.
٦٥٥ - مسألة:
لا يجوز لأحد تزوج خامسة على أربع، وهو عندنا إجماع.
وقال قوم لا يُعَدُّون خلافًا: يجوز الجمع بين تسع.
وقال آخرون. يجوز أي جمع كان قليلًا كان أو كثيرًا.
٦٥٦ - مسألة:
يجوز للعبد أن يجمع بين أربع زوجات كالحر، وهو قول ربيعة وأبي ثور والزهري.
وحكي عن ابن وهب: أن مالكًا قال: لا يجوز أن يزيد على اثنتين، وهو قول أبي حنيفة والشّافعيّ وسفيان وأحمد.
[ ٣٠٥ ]
إذا عقد على امرأة حرمت عليه أختها، ما دامت الأولى في عصمته.
وكذلك إذا كان تحته أربع، حرم عليه أن يعقد على أربع سواهن، أو طلق واحدة من الأربع، هل يحل له أن يعقد على أخرى مكأنّها أو لا؟
الحكم في هذه المسائل كلها سواء.
فإن كان الطّلاق رجعيًا، لم يجز بلا خلاف.
وإن طلق قبل الدخول، حل له العقد على الأخت، وعلى أربع سوى الأربع، بلا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة.
فأمّا إذا دخل بها وبانت منه بخلع أو طلاق ثلاث، هل يعقد على أختها، أو على أربع سوى الأوّل، وهن في العدة؟
فإنّه يجوز عند مالك والشّافعيّ والزهري، ومن الصّحابة: زيد بن ثابت -﵁ -.
وقال سفيان وأبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز، ما دامت الأخت أو الأربع في العدة، وبه قال علي وابن عبّاس -﵃-.
٦٥٨ - مسألة:
لا ينفسخ نكاح الزوجة بزناها، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ والفقهاء كافة.
وحكي عن الحسن وأبي عبيد: أنّه ينفسخ نكاحها متى زنت، وروي نحوه عن علي -﵁ -.
٢٦ - فصل:
فأمّا الزانية؛ يجوز للزاني أن يعقد عليها وإن [٣٨/ب]، زنى بها، ويجوز لغيره أيضًا، وبه قال جميع الفقهاء.
وقال الحسن البصري: لا يجوز للزاني بها أن يعقد عليها أبدًا، وإن عقد كانا زانيين.
[ ٣٠٦ ]
ولست أعرف قوله في غير الزاني بها.
وقال قتادة وأحمد: إن ثابت جاز العقد عليها لكل أحد، وإن لم تتب لم يجز.
يجوز للولي غير الأب تزويج اليتيم قبل بلوغه، إذا كان ذلك نظرًا له فيه.
ومنع منه الشّافعيّ، وجعله على وجهين في الأب؛ إن كان الابن صغيرًا سليمًا جاز له، وإن كان مجنونًا لم يجز لأبيه ولا لغيره تزويجه.
٦٦٠ - مسألة:
خطبة النِّكاح ليست بواجبة [عندنا]، وبه قال جميع الفقهاء.
إِلَّا داود: فإنّه أوجبها.
احتج في وجوبها: أن النبيّ - ﷺ - خطب حين زوّج فاطمة -﵂ - (١).
وأفعاله على الوجوب؛ بقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
_________________
(١) لم أجد من أخرج هذا الأثر، ووجدت مثله عند ابن بطّال في شرحه للبخاري: ٧/ ٢٦٣. أمّا خطبة النّبيّ - ﷺ - عند تزويجه لفاطمة ﵂: فقد أوردها ابن عساكر عن أنس ﵁: ومطلعها: "الحمد لله المحمود بنعمه المعبود بقدرته ": وقال عقيبه: "غريب لا أعلمه يروى إِلَّا بهذا الإسناد". انظر تاريخ دمشق: ٥٢/ ٤٤٤. وقال ابن الجوزي: فيه عن جابر وأنس - ﵄- وساقهما بنفس اللّفظ الأوّل-. ثمّ قال: هذا حديث موضوع وضعه محمَّد بن زكريا؛ فوضع الطريق الأوّل إلى جابر ﵁: ووضع هذا الطريق إلى أنس ﵁، قال الدارقطني: كان يضع الحديث، وراوي الطريق الثّاني نسبه إلى جده فقال: محمَّد بن دينار، وهو محمَّد بن زكريا بن دينار. انظر: الموضوعات: ١/ ٤١٦ - ٤١٨.
[ ٣٠٧ ]
وقال - ﷺ -: "مَنْ عَمِلَ عَمَلَا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنا فَهُوَ مَرْدُودٌ" (١)، [وقد عمل النِّكاح بخطبة.
وقالوا: ويروى أنّه - ﷺ -]، قال: "كُلُّ أَمْرِ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فيهِ بذِكرِ اللهِ، فَهُوَ أَبْتَر" (٢)، [والنِّكاح أمر ذو بال].
٦٦١ - مسألة:
اختلف عن مالك في نكاح المريض والمريضة المخوف عليهما، فقال: يفسخ وإن صح المريض منهما.
فيدلُّ على أن الفرقة واجبة.
وروى ابن نافع: أنّه لا يفرق بينهما إذا صح، وكذلك إن كانا مريضين ثمّ صحا.
ويدلُّ هذا على أن الفرقة مستحبة.
والأول أظهر وأشهر.
والثّاني عندي أولى بالمذهب.
وقول أبي حنيفة: إنّه يجوز، وبه قال الشّافعيّ.
ويدلُّ على جوازه أن المهر يجب للمرأة؛ إمّا معجّلًا أو في الذِّمَّة، وهو بغير عوض من محجور عليه؛ لأنّه لا يقدر على الاستمتاع.
_________________
(١) حديث متفق عليه عن عائشة ﵂: واللفظ لمسلم؛ البخاريّ (٢٦٩٧)، مسلم (١٧١٨).
(٢) حديث حسن عن أبي هريرة ﵁؛ أخرجه أبو داود (٤٨٤٠)، والنسائي في الكبرى (١٠٣٢٨)، (١٠٣٢٩)، وابن ماجه (١٨٩٤). قال ابن الملقن: هذا الحديث حسن. وروي مرسلًا وموصولًا، ورواية الموصول إسنادها جيد على شرط مسلم. لا جرم قال الشّيخ تقي الدِّين بن الصلاح: رجال هذا الحديث رجال الصحيحين جميعًا سوى قرة؛ فإنّه ممّن انفرد مسلم عن البخاريّ بالتخريج له، ثمّ حكم على الحديث بالحسن. انظر: البدر المنير: ٧/ ٥٢٨.
[ ٣٠٨ ]
لا يجوز عقد النِّكاح على الحامل من زنا حتّى تضع، كان العاقد هو الزاني أو غيره.
واختلف عن أبي حنيفة فقال مثل قولنا في إحدى الروايتين، وبه قال أبو يوسف.
وقال الشّافعيّ: يجوز العقد عليها، وإن كنت لا أستحبه.
٦٦٣ - مسألة:
لا يجوز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، [ويجوز الجمع بينهما في الملك]، كما لا يجوز في النِّكاح، وهذا مذهب الفقهاء كافة.
إِلَّا أهل الظّاهر قالوا: كما جاز الجمع في الملك، جاز في الوطء.
٦٦٤ - مسألة:
إن تزوج امرأة حرمت عليه أمهاتها على التّأبيد بالعقد من غير دخول، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّْ وكافة الفقهاء، وكافة الصّحابة: ابن عبّاس وابن عمر وابن مسعود وجابر وعمران بن حصين -﵃-.
قال ابن عبّاس -﵄-: "أَبهِمُوا مَا أَبهَمَ تَعَالىَ، إِنَّ اللهَ حَرَّمَ أُمِّهَاتِ النِّسَاءِ مِن غَيرِ لَفظِ الدُّخُولِ، فَلَا يُشتَرَطُ فِيهِ الدُّخُولُ" (١).
وروي عن علي وابن الزبير -﵃- أن أمهات النِّساء لا يحرمن إِلَّا بالعقد والدخول، وبه قال مجاهد.
وقال زيد بن ثابت -﵁ -: إن طلقها قبل الدخول، جاز له
_________________
(١) لم أجده بهذا اللّفظ في كتب السُّنَّة المشهورة. وإنّما أخرجه ابن منصور في سننه: ١/ ٢٧٠، بلفظ: "هي مبهمة فأرسلوا ما أرسل الله واتبعوا ما بين الله -﷿ -"، قال: "رخص في الربيبة إذا لم يكن دخل بأمها وكره الأم على كلّ حال". وأخرج لفظة: "هي مبهمة" فقط: عبد الرزّاق في مصنفه: ٦/ ٢٧٤، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٣/ ٣٠٩، والبيهقي في الكبرى: ٧/ ١٦٠.
[ ٣٠٩ ]
أن يتزوج بأمها، وإن ماتت قبل الدخول، لم يجز له، وجعل الموت كالدخول.
قال داود: لا تحرم الربيبة على زوج أمها وإن دخل بها، إِلَّا أن تكون الربيبة في حجره.
وخالفه في ذلك جميع الفقهاء.
واحتج بقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النِّساء: ٢٣]، فحرّم الرّبيبة بشرطين: الدّخول بالأم، وأن يكون الرّبيبة في حجره، فإذا عدم أحد الشّرطين عدم التّحريم.
قالوا: ولأن الزّوج إنّما جعل محرمًا؛ لما يلحق من المشقة في استتارها عنده، وهذا المعنى لا يوجد، [إِلَّا]، إذا كانت في حجره.
واستدلوا بالظاهر في إباحة النِّكاح إذا لم يكن في حجره.
٦٦٦ - مسألة:
إذا وطئ أمة بملك اليمين، وعقد النِّكاح على أختها أو عمتها أو خالتها، قال ابن القاسم: النِّكاح صحيح، ولا يطأ حتّى يحرم فرج الأولى، فإن حرمه وإلا طلق الزوجة.
وقيل: لا يصح النِّكاح، وهو القياس، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: النِّكاح أولى، فيحرم عليه وطء الأمة، ويطأ الزوجة ولا يجوز له وطء الأمة ما دامت الحرة في عصمته، وهو قول أشهب.
فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في صحة النِّكاح، على أحد القولين.
وبيننا وبين الشّافعيّ [٣٩/أ] في أنّه لا يطأ الزوجة [عندنا]، حتّى يحرم فرج الأمة، وعنده يطأ الزوجة وتحرم الأمة.
[ ٣١٠ ]
٦٦٧ - مسألة:
إذا تزوج امرأة أو ملك أمة فقبّل أو تلذذ، وجبت بذلك الحرمة كالوطء، فتحرم عليه بنتها، وتحرم هي على أبيه وابنه، ولو كان في نكاح فاسد، وبه قال أبو حنيفة.
وزاد فقال: لو نظر إلى فرجها لكان كذلك، بخلاف ما سوى الفرج.
وظاهر مذهب الشّافعيّ: أن اللمس والقبلة لشهوة لا يوجبان ذلك، وكذلك لو وطئ دون الفرج.
وحكي عنه مثل قولنا.
ورأيت من يحصل منهم يقول: يمكن أن يكون هذا مذهب الشّافعيّ.
٢٧ - فصل:
[فأمّا ما قاله أبو حنيفة أن من ينظر إلى فرجها ملتذًّا، أنّه يحصل بذلك التّحريم، فإنّما نخالفه ونقول: إن ذلك لا يحرم، كما قال الشّافعيّ].
٢٨ - فصل:
الزِّنا عندنا لا ينشر الحرمة حتّى يحرم المصاهرة، فلا تحرم المزني بها على ابنه وأبيه، ولا أمها ولا ابنتها، كما قبل الزِّنا. هذا الأظهر من قول مالك.
وروي عنه: أنّها تحرم، وهو مثل قول أبي حنيفة.
وبالأول قال الشّافعيّ، وهو قول ابن عبّاس -﵄-، وسعيد بن المسيَّب وعروة بن الزبير والزهري وأبو ثور.
والقول الآخر مع أبي حنيفة، [وهو] قول عمران بن حصين - ﵁ -، وعطاء والشعبي وسفيان وأحمد وإسحاق؛ إنّه يحرم.
وقال الأوزاعي: إذا لاط غلام بغلام وولد للمفجور به بنت، لم يجز للفاجر أن يتزوجها؛ لأنّها بنت من قد دخل به، وبه قال أحمد، [وبه أقول].
[ ٣١١ ]
إذا زنى بامرأة فولدت بنتًا، جاز للزاني أن يتزوجها، وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة: هي حرام عليه.
واختلف أصحابه في علة التّحريم، فقال بعضهم: حرمت؛ لأنّها ربيبة بنت امرأة وطئها بزنا، والزنا [عندهم] يحرم الأم والابنة، وينشر حرمة المصاهرة، فعلى هذا يجوز لأخي الزاني أن يتزوجها.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إنّما حرمت؛ لأنّها ربيبته ومخلوقة من مائه، وعلى هذا لا يحل لأخي الزاني أن يتزوجها، لأنّه عمها.
[فإن ذهبوا إلى أنّها حرمت عليه؛ لأنّها مخلوقة من مائه، فإن الخلاف يحصل بيننا وبينه في هذه المسألة، وعلى هذا يناظرون اليوم ويبصرون، وهو الّذي حكيناه عن الرازي].
ولا خلاف في أنّها لا تسمى بنتًا له، ولا بينهما نسب.
٦٦٩ - مسألة:
لا يجوز نكاح المجوسيات، ولا أكل ذبائحهم، وبه قال أبو حنيفة والشّافعيّ.
وإن كان قد حكي عن بعض أصحابنا: أنّه يجيء على قولين في أن لهم كتابًا أو لا: أن تجوز مناكحتهم إذا كان لهم كتاب.
وقال أبو ثور: تجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم.
وقال إبراهيم (١) روي عن بضعة عشر من الصّحابة أنّهم قالوا: "لا تجوز مناكحتهم"، ولا نعرف فيه اختلاف حتّى جاءنا من الكرخي، يعني أبا ثور.
_________________
(١) هو: أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق البغدادي الحربيّ: الإمام الحافظ، معدود في تلاميذ أحمد، من مؤلّفاته: الغريب. توفي: ٢٨٥ هـ. انظر: طبقات الفقهاء: ١٧١، طبقات الحنابلة: ٢/ ٨٦.
[ ٣١٢ ]
من وجد طولًا لحرة لم يجز له نكاح الأمة، وإنّما يجوز بشرطين: عدم الطول، وخوف العنت، وبه قال الشّافعيّ، وهو قول ابن عبّاس وجابر -﵃-، وعطاء والحسن وطاووس والزهري.
وقال أبو حنيفة: إذا كانت تحته حرة، لم يجز له كإحدى الروايتين عن مالك، وإن لم تكن له حرة ووجد الطول لنكاح حرة، جاز له أن يتزوج الأمة، فجعل الطول قدرته على وطء الحرة، وبه قال النخعي والثّوريّ.
٦٧١ - مسألة:
لا يجوز لمسلم نكاح أمة كتابية أو مشركة، حرًّا كان أو عبدًا، وبه قال الحسن والزهري والأوزاعي والليث وسفيان والشّافعيّ، وغيره من الفقهاء.
إِلَّا أبا حنيفة وأصحابه، فإنهم جوّزوه للعبد والحر من المسلمين.
٦٧٢ - مسألة:
يجوز للمسلم نكاح أربع مملوكات على الشرط الّذي ذكر الله تعالى؛ من عدم الطول وخوف العنت، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: لا يجوز له أكثر من أمة واحدة.
وقال أيضًا: لا يجوز له نكاح أمة وتحته حرة.
ويجوز عندنا، والخيار للحرة.
٦٧٣ - مسألة:
إذا كان عادمًا للطول وخاف العنت، فتزوج أمة ثمّ أيسر، لم ينفسخ نكاح الأمة، [وبه قال جماعة الفقهاء].
وقال المزني: يفسخ النِّكاح من الأمة، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾
[ ٣١٣ ]
[الآية] [النِّساء: ٢٥]، فأباح نكاح الأمة لعدم طول الحرة، وهذا واجد.
[قال]،: لأنّ [المعنى] الّذي لأجله أبيح إنّما هو وجود شرطين: عدم الطول، وخوف العنت [٣٩/ب]، فإذا وجد انحل المعنى وارتفع، فوجب ارتفاع الحكم؛ ولأن نكاح الأمة إنّما جوزته الضّرورة، ومع عدم الضّرورة عدم الجواز كالميِّتة.
[قال]: وقد وجد ما يبطل العقد، فيستوي فيه ابتداؤه وانتهاؤه كالمرتدة لما لم تحل وهي مرتدة، بطل عقدها لما ارتدت.
ولو أن تحته امرأة فوطىء أمها بشبهة انفسخ نكاح الربيبة، ولو وطئها قبل عقد الربيبة، [بطل عقد الربيبة]، واستوى حال الابتداء والانتهاء، وكذلك الأخت من الرضاعة لا يجوز العقد عليها، ولو عقد ثمّ أرضعت انفسخ.
وهو قياس الابتداء بعلة وجود الطول.
٦٧٤ - مسألة:
إذا خطب الرَّجل امرأة فركنت إليه وركن إليها واتفقا، غير أن العقد لم يقع، لم يجز لأحد أن يخطبها، فإن خطبها ونكح فسخ، وكذا البيع.
وقد روي عن مالك: أنّه لا يفسخ، وبه قال أبو حنيفة.
وبالأول قال داود.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال: يحرم، لكنه لا يفسخ، وقال. لا يحرم غير أنّه لا يفسخ بوجه.
وقال: لو أذنت لوليها أن يزوجها، يحرم على الآخر أن يخطبها قولًا واحدًا.
٢٩ - فصل:
ذكر النَّاس الفوائد الّتي تضمنها خبر فاطمة بنت قيس -﵂ -، فأحببت ذكرها لينتفع بها.
[ ٣١٤ ]
قال أبو سلمة (١): قالت فاطمة -﵂ -: طلقني زوجي [أبو حفص]، وهو غائب بالشام ثلاثًا بتّ طلاقي، فأتاني وكيله بشيء من شعير فسخطته، فقال: ما لَكِ عندنا نفقة وأنا تطوعت به، فأتيت النبيّ - ﷺ - فأخبرته أنّه طلقني وبت طلاقى، وقال: لا نفقة لك، فقال لها: "اِعْتدِّي في بَيْتِ اِبْنِ أُمِّ مَكْتُوم، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ حَيثُ شِئْتِ، فَإذا حَلَلْتِ فَآذِنيني"، قالت: فآذنته - ﷺ -، فقلت: إن أبا يهم ومعاوية -﵄- خطباني، فقال: "أمّا مُعاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لا مَالَ لَهُ، وَأَمّا أَبو جَهْم فَلا يَضَعُ عَصاهُ عَنْ عَاتِقِه، اِنكَحي أُسامَة بنَ زَيدِ"، قالت: فكحته، فما رأيتّ منه إِلَّا خيرًا (٢).
ففيه ثلاث عشرة فائدة:
(١) - منها: أن الطّلاق الثلاث يقع؛ لأنّه - ﷺ - بيّن له أحكامه، ولم يقل: أنت زوجة.
(٢) - وقال الشّافعيّ: دلّ على إباحة الثلاث.
ومالك وأبو حنيفة يحرمانه، ولو كان محرمًا لأنكره - ﷺ -.
(٣) - ومنها: أن لا نفقة للمبتوتة.
(٤) - وطلاق الغائب يجوز.
(٥) - ومن طلّق البتة مضى عليه.
(٦) - ومنها: أن المطلقة لا قواعد، ولا تعقد في العدة.
(٧) - وكذلك: جواز التعريض من ذوي الهيئات دون غيرهم، لقوله: "إذا حللت فآذنيني".
_________________
(١) في الأصل: "سليمان". والمثبت من (ط). وهو: أبو سلمة عبد الله - وقيل: إسماعيل - بن عبد الرّحمن بن عوف المخزومي الزهريّ المدني: أحد فقهاء التابعين، وعدّه بعضهم سابع فقهاء المدينة، روى عن أبيه وعثمان وطلحة ﵃ وغيرهم، وأخرج له الستة. توفي: ٩٤ هـ. انظر: السير: ٤/ ٢٧٨، التهذيب: ١٢/ ١٠٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٤٨٠).
[ ٣١٥ ]
(٨) - ومنها: أنّها تعتد في غير بيتها، عند غير زوجها.
(٩) - وكذلك: أن المرأة تضع ثيابها عند الأعمى، وإن كان غير ذي محرم.
(١٠) - وأيضًا: جواز خطبة الرَّجل على خطبة أخيه، ما لم تركن إليه.
(١١) - وأيضًا: لا غيبة في الزوج إذا سئل عنه فأخبر المسؤول ما فيه.
(١٢) - وأيضًا: نكاح العربيّة المولى، لقوله - ﷺ -: "انكحي أسامة بن زيد".
(١٣) - وأيضًا: من حلف على طائر أنّه لا يسكت، أو أن فلانًا أكل جميع ما على المائدة، أو أنّه أدار عليه الدنيا والبلد، أنّه لا يحنث، لقوله في أبي جهم: "إنّه لا يضع عصاه عن عاتقه"، وهو لا بدَّ أن يضعها، وإنّما أراد بذلك الإكثار والمبالغة.
٦٧٥ - مسالة:
إذا أسلم المشرك وتحته أكثر من أربع نسوة ممّن يجوز للمسلم نكاحهن، مثل: أن يسلمن معه أو كن كتابيات، فإنّه يختار أربعًا منهن، سواء عقد عليهن عقدًا واحدًا أو متفرقات، ويفارق باقيهن، وبه قال الشّافعيّ ومحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن تزوج بهن في عقد واحد بطل نكاحهن جملة، وإن كان [في] عقود متفرقة لزمه نكاح الأوائل، وانفسخ نكاح الباقيات، فلا يثبت [٤٠/أ] له خيار.
فحصل الخلاف في المسألتين:
إذا تزوج بهن في عقد واحد، عندنا يصح نكاح الأربع، وعندهما يبطل.
[ ٣١٦ ]
وإذا عقد عليهن عقودًا جاز له أن يختار أربعًا؛ كن أوائل أو أواخر، وعندهم يثبت الأوائل دون الأواخر.
إذا أسلم الكافر وتحته مجوسية أو وثنية، أو من غير أهل الكتاب؛ عرض عليها الإسلام، فإذا أسلمت بالقرب ثبتت على نكاحها، وإن أبت وقعت الفرقة، وبه قال أبو حنيفة، إن لم يكونا في دار الحرب، وإن كان في دار الحرب؛ فهو أحق بها إذا أسلمت في العدة.
غير أن أبا حنيفة يقول: لا تقع الفرقة بينهما في دار الإسلام، ما لم يعرض عليها الحاكم الإسلام ولو بقيت مائة سنة، وإذا عرض عليها [الإسلام] فلم تسلم، فرّق الحاكم بينهما بطلقة.
وقال الشّافعيّ: الزوج أحق بها إن أسلمت في العدة، كما لو أسلمت قبله، فإنّه أحق بها ما دامت في العدة. ولم يفرق بين دار الإسلام ودار الحرب.
٦٧٧ - مسألة:
اختلاف الدارين لا تأثير له عندنا، وعند الشّافعيّ في فسخ النِّكاح.
وقال أبو حنيفة: إذا اختلفت الدَّار بالزوجين فعلًا وحكمًا؛ انفسخ نكاحهما، وإذا اختلفت بهم فعلًا دون الحكم؛ لم يفسخ.
أمّا اختلاف الدارين فعلًا وحكمًا، مثل الحرببين يدخل أحدهما دار الإسلام، فيعقد لنفسه مع الإمام ذمة مؤبدة، فإن نكاحه ينفسخ من الّتي في دار الحرب؛ لأنّه [لما عقد معٍ الإمام عقد الذِّمَّة]، صار من أهل الإسلام حكمًا، فاختلفت بهم الدَّار فعلًا وحكمًا.
وأمّا اختلاف الدارين فعلًا، فمثل المسلم يدخل دار الحرب، وزوجته في دار الإسلام؛ لا ينفسخ نكاحه؛ لأنّه لم يختلف الدارين حكمًا؛ لأنّه لا يصير في حكم من هو في دار الحرب.
[ ٣١٧ ]
وقد اختلف في هذه المسألة، ولم ينقض الخلاف فيها؛ لطولها في الأصل.
إذا ارتد أحد الزوجين قبل الدخول، وقعت الفرقة في الحال، بلا خلاف.
وكذلك بعد الدخول عندنا، وعند أبي حنيفة.
وقال الشّافعيّ: يكون الأمر مراعى لانقضاء العدة، فإن أسلم المرتد ثبتًا على النِّكاح، وإن لم يسلم حتّى انقضت انفسخ، وهكذا إذا ارتدا جميعًا.
وقال أبو حنيفة: إن ارتدا جميعًا، لم ينفسخ النِّكاح أصلًا، وإذا أسلما بقيا على نكاحهما عنده.
وقال: إذا كانا كافرين في دار الحرب وأسلم أحدهما بعد الدخول، كان النِّكاح موقوفًا على انقضاء العدة.
وهذا الفصل له حكمان عندنا: إن أسلمت أوَّلًا، فأمر الزوج موقوف على العدة، وإن أسلم أوَّلًا وهي غير كتابية، فقد بيّنا الحكم فيها، وأنّه يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت بالقرب وإلا وقعت الفرقة.
٣٠ - [فصل:
على أبي حنيفة فإنّه قال: إذا ارتدا جميعًا، لم يفسخ النِّكاح أصلًا.
قال: لأنّه لم يختلف بهما الداران، فوجب ألَّا ينفسخ النِّكاح، أصله إذا أسلما جميعًا بعد الكفر].
٦٧٩ - مسألة:
أنكحة أهل الشرك عندنا فاسدة، وطلاقهم لا يقع كانوا من أهل ذمة أو حربيين، وهو قوله ربيعة.
وقال أبو حنيفة والشّافعيّ، وقبلهما الزهريّ والأوزاعي وسفيان: إن
[ ٣١٨ ]
أنكحتهم صحيحة وطلاقهم واقع، حتّى لو طلقها وأسلما في الحال، لم يقرّا ولا تحل له إِلَّا بعد نكاح ثان، وكذلك لو طلقها في الشرك ثمّ أسلما، ولو وطئها بالزوجية لأحلها لزوج كان قبله طلقها ثلاثًا.
والأمر عندنا بخلاف ذلك.
الإمام (١) غير في الحكم بين أهل الذِّمَّة والمستأمنين من أهل الحرب، إِلَّا ما يجري على وجه الفساد من القتل والغصب والسّرقة، فإن هذه الأشياء يقوم عليها ويحكم بينهم فيها، وما سوى ذلك من البياعات والأنكحة والدعاوى في الأموال والزنا، فإن شاء حكم أو ترك.
وللشافعي فيه إذا كانوا أهل [٤٠/ب] دين واحد قولان، فإن كانوا أهل دينين فقول واحد: إنّه يجب عليه الحكم [بينهم].
ولا يحتمل المسألة عندنا، إِلَّا قول: إنّه لا يجب عليه.
٦٨١ - مسألة:
نكاح الشغار باطل [عندنا]، وبه قال الشّافعيّ.
وهو: أن يزوج كلّ واحد منهما ابنته من صاحبه بلا صداق، وبضع كلّ واحدة صداق الأخرى، فلا يجوز، وبه قال أحمد وإسحاق.
وقال عطاء والزهري وسفيان وأبو حنيفة: هو صحيح، وشرطهم فاسد، ولكل واحدة صداق مثلها.
٦٨٢ - مسألة:
نكاح المتعة فاسد [مفسوخ].
وصفته: أن ينكحها إلى مدة شهر أو سنة أو قدوم الحاج.
والمسألة عندنا إجماع أنّه لا يجوز، وهو قول عمر وعلي [وابن عمر]
_________________
(١) في الأصل: "الأمر". والمثبت من (ط).
[ ٣١٩ ]
وابن عبّاس وابن مسعود وابن الزبير -﵃-، [وهو قول مالك] والشّافعيّ وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري، والفقهاء بأسرهم.
وذهبت الشيعة إلى صحته، وروي ذلك عن ابن عبّاس -﵄-.
وحكي عن زفر: أن الشرط يفسد، ويصح النِّكاح على التّأبيد.
تُرَدّ المرأة بخمسة عيوب: الجنون، والجذام، والبرص، والرتق، والقرن.
والرتق: انسداد الفرج.
والقرن: عظم يكون فيه.
وبه قال الشّافعيّ.
وقال أبو حنيفة والثوري: لا ترد بعيب أصلًا.
٦٨٤ - مسألة:
لا يكون بيعُ الأمة المزوَّجة طلاقَها ولا عتاقَها، وهي زوجة كما كانت، وبه قال الفقهاء أجمع، ومن الصّحابة: عمر وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص -﵃-.
وقال ابن عبّاس وابن مسعود وأبيّ بن كعب -﵃-: بيع الأمة طلاق، واحتجوا بقوله تعالى. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النِّساء: ٢٤]، فحرّم تعالى علينا المزوّجات من النِّساء، إِلَّا إذا ملكتهن أيماننا.
وظاهره يقتضي أن كلّ من ملك أمة مزوّجة بملك يمين حلت له؛ سواء كانت مسبية أو مبيعة.
قالوا: ولأنّه حدوث ملك فيها، فرفع حكم النِّكاح، وأبطله كالمسبية ذات زوج حربي.
[ ٣٢٠ ]
إذا عتقت الأمة تحت حر فلا خيار لها، وبه قال الشّافعيّ، ومن الصّحابة: ابن عبّاس وابن عمر وعائشة -﵃-، ومن التابعين: ابن المسيَّب وسليمان بن يسار، وجماعة، وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق.
وقال الشّعبيّ والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لها الخيار تحت الحر، [كما لها تحت العبد].
٦٨٦ - مسألة:
إذا عتقت تحت عبد فوطئها بعد علمها سقط خيارها.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يسقط.
واختلف قول الشّافعيّ، فقال مثل قولنا، وقال أيضًا: إنها تعذر بالجهالة في ذلك ولها الخيار.
٦٨٧ - مسألة:
لا خلاف بين العلماء أن العِنِّين (١) يؤجل إذا طلبته زوجته.
وقال الحكم وداود: لا يؤجل، ولا خيار للزوجة فيه، واحتجوا بما روي: أن امرأة أتت رسول الله - ﷺ -، قالت: إن رفاعة طلقني وبت في طلاقي، فتزوجت عبد الرّحمن بن الزببر، وإنّما معه مثل هدبة الثّوب، فقال له - ﷺ -. "لا تَرْجِعِي إِلى رِفَاعَة، حَتى تَذُوقِي عَسِيلَتَه وَيَذُوقَ عَسِيلَتَكِ" (٢).
فقد أخبرت عن عجز عبد الرّحمن، ولم يضرب له أجلًا.
وكذا امرأة شكت إلى علي -﵁ -: أمر زوجها وضعفه،
_________________
(١) العِنين: هو العاجز عن الوطء، وربما أشتهاه ولا يمكنه. انظر: تحرير ألفاظ التنبيه: ٢٥٥.
(٢) حديث صحيح متفق عليه عن عائشة ﵂؛ البخاريّ (٥٢٦٠)، مسلم (١٤٣٣).
[ ٣٢١ ]
فقالت: "ما ينتشر عليه"، فقال: "ولا عند السحر"، قالت:"لا" قال: "ليس عند أسك هذا خير" (١). ولم يضرب له مدة.
فرقة العنين طلقة بائنة، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشّافعيّ: فسخ.
٦٨٩ - مسألة:
إذا أقر الزوج بالوطء، وأنكرته وادّعت أنّه عنين، فالقول قول الزوج، وبه قال الشّافعيّ [٤١/أ]، وأبو حنيفة.
وقال أحمد: القول قولها؛ لأنّه مدّع، والأصل عدم الوطء.
٦٩٠ - مسألة:
إذا ظهر أن الزوج مقطوع الأنثيين خصي فلها الخيار، وبه قال أبو حنيفة.
واختلف قول الشّافعيّ، فأحد القولين: لا خيار لها.
_________________
(١) أخرجه مسدد في مسنده بسند منقطع عن الحكم بن عتبة. انظر: المطالب العالية: ٨/ ٢٩٤. وسعيد بن منصور في سننه عن هانئ: ٢/ ٨١، بلفظ: "فقال: هلكت وأهلكت، قالت: فرق بيني وبينه، قال: اصبري، فإن الله لو شاء ابتلاك بأشد من ذلك". والبيهقي أيضًا: ٧/ ٢٢٧، وقال: "قال الشّافعيّ في سنن حرملة: هذا الحديث لو كان يثبت عن علي ﵁ لم يكن فيه خلاف لعمر ﵁، ثمّ ساق الكلام إلى أن قال: مع أنّه يعلم أن هانئ بن هانئ لا يعرف، وأن هذا الحديث عند أهل العلم بالحديث، ممّا لا يثبتونه لجهالتهم بهانئ بن هانئ".
[ ٣٢٢ ]