دعوى في إجارة وكراء
وسئل فيمن خدم مع أخيه في شغل البادية مدةَ عشرين سنة وكان له أملاكٌ بيد المخدوم يستغلها بطول المدة المذكورة، وكان يجري عليه النفقة، ثم توفي الأخ المخدوم فقام الخديم يطلب أجرته من الورثة وكراء أملاكه؟
فأجاب: له إجارتُهُ وكراءُ أملاكه، ويرجع عليه الورثة بما أنفق عليه موروثُهُمْ.
من دفع لغريمه حريرًا في دراهم
وسئل فيمن دفع لغريمه حريرًا في دراهم كانت عليه، دون تعيين ثمن فباعه في غير موضع الأمانة بأقل مما هو يساوي بموضع الأمانة؟
فأجاب: إذا كان الأمرُ كما ذُكر فيغرم صاحبُ الحق الذي باع الحرير متعديًا قيمته التي يقوّمه بها أهلُ البصرِ والمعرفة يوم التعدي، وهو يوم البيع.
تنازع أرباب ساقية وأصحاب أرض
وسئل في ساقيةٍ على فدان هي مرفوعة من الفدان بنحو قامتين ولجانب الساقية طريق لجهة الفدان ونبت بجانب الطريق على الفدان ثمرات وقع فيها التنازع بين صاحب الفدان وأرباب الساقية؟
[ ٢١٤ ]
فأجاب: يُرجَعُ فيها لأهل البصر، فإن رأوا أنَّ تلكَ الثمرات لأحد المتنازعيْن فيها كانت له، وإن أشكل قُسِمَتْ بينهما.
بين دائن وغريمه
وسُئل فيمن أخذ لغريمه حمارًا في حرير، وبقي عنده مدة؟
فأجاب: لصاحب الحمار أنْ يرجع بإجارة حماره على صاحب الديْن، ولصاحب الديْن أن يرجع على صاحب الحمار بقيمة علفه وإجارة مؤنته وعلفه.
تداع في صيغة طلاق
وسئل في رجل قال بمحضر شاهديْنِ من أهل موضعه لزوجته: تراها مخلصة يريد - بزعمه - من حقٍّ كان لها عليه، فقال أحد الشاهدين: ما قلتَ إلا مطلقة، وقال الآخر: ما عندي ما أشهد به في ذلك.
فهل يثبت الطلاق بالشاهد الواحد أو يكون القول قول الرجل على حسب زعمه؟
فأجاب: يحلف الزوج أنَّهُ ما أراد بقوله: مخلصة، إلا من الذي بقي لها قِبَلَهُ، وأنه لم يلفظ بمطلقة، ولا يلزمه شيء في الظاهر. وأما فيما بينه وبينالله تعالى فلا ينجيه إلاَّ الحَقُّ.
القيام بمظلمة
وسئل فيمن اشتكى به إنسانٌ إلى قائد موضعه بالباطل فأغرم
[ ٢١٥ ]
القائدُ المشتكَى به جُعْلًا ثقيلًا وهو يريد أن يأخذَ جُعْلَهُ مِن الذي اشتكى به بالحكم الشرعي، لكونه تسبب في إتلاف ماله.
فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إن ثبت أنَّ الرجلَ شكا الرجلَ الآخر إلى القائد، وأغرمه بسبب ذلك ولولا شكواه ما أغرمه القائد، فيغرم له ما أغرمه القائدُ، لأنه ظالم له ومتعد.
هذا هو الصحيح عندي مما قيل في المسألة.
تداع بين زوجةٍ وبين ورثةِ زوجها في حوائج وثياب
وسئل عن رجل اشترى لزوجه جملةَ حوائجَ من قصب ذهب وثوبي حرير وعقد جوهر وفرخة شرب، وغير ذلك ودفع ذلك كلَّهُ لزوجه المذكورة وألبسها إيَّاها على وجه المتعة والتمليك، ثم بعد ذلك اشترى قطيفتين ومطرحين وغير ذلك وجعل ذلك لداره، وبقيت الزوجة تلبس ما ساق لها وتتزيَّنُ به وتَمْتَهِنُ القطيفتين
والمطرحتين وغير ذلك مدةً أزيد من ثمانية أعوام، فلما توفي الزَّوْجُ في هذه الأشهر القريبة قام بعضُ ورثته يطلب ميراثه من جملة ما ذكر، ويدعيه ملكًا لموروثه.
فهل يجب للطالب من ذلك شيء مع بقاء ذلك بيد الزوجة هذه المدة، وسكوت الزوج مع علمه بامتهان ذلك كله ودفعه أوَّلًا على الوجه المذكور؟
فأجاب: إن ثبت أنَّ الزوجَ ملَّكَ زوجتَهُ تلك الحوائج كانت لها، وإلا فيحلف الورثةُ أنَّهمْ لا يعملون أنه ملَّكها إياها، ويقع فيها الميراث.
[ ٢١٦ ]
إشهاد كافلٍ ليتيمٍ بمالٍ في الصِّحَّةِ وفي المرض
وسئل في رجل كفل يتيمًا فأشهد له بمالٍ في صِحَّته بمعزةٍ، وفي مرِضهِ بخمسين دينارًا فِضَّةً مِنْ أجرةٍ له، ثمَّ تُوفِّي فتنازع ورثتُهُ في ذلك؟
فأجاب: أما المعزة فتجب له، وأما الخمسون مثقالًا فإنْ كانت قدرَ أجرته الواجبةِ له فتجب في رأس ماله، وإنْ كانت أكثر مما يجب له في أجرته كان قدر الأجرة من رأس ماله والزائد في ثلثه.
شهادة النساء في الاستهلال
وسئل عن رجلٍ تُوفي وترك زوجَهُ حاملًا فولدت ولدًا حيَّا واستهلَّ صارخًا، ثم توفيت الأم بعد وضعه بساعةٍ وعاش الابنُ بعدها ليلةً كاملة ثم توفي، ولم يحضر ذلك كله إلا النساء، فجاء حافز بيت المال وأراد الدخول في التركة لكون الأم لم يكن لها عاصب إلا الولد المذكور، فقيل له: إن الولد استهلَّ وعاش بعد وفاة أمه ليلةً كاملةً، فكلَّفَهُمْ إثباتَ ذلك.
فهل يا سيدي تعملُ شهادةُ النساءِ هُنَا في المسألة من دون يمين تلزم الورثةَ أو تلزم في وفاة الولد خاصة لكون لم يحضر ذلك رجل معهن؟
فأجاب: إن كان النساء من أهل العدالة قُبلت شهادتُهن ولا يحتاج إلى يمين، وإن كانت واحدةً، وهي من أهل العدالة، حلف معها.
[ ٢١٧ ]
نزاع في جاريةٍ غابَ سيِّدُها وأنفق عليها غيره
هذه المسألة هي مسألة الجارية الواقعة لشيخنا قاضي الجماعة الحافظ أبي القاسمبن سراج، أبقىالله بركته، ووقع فيها بينه وبين الكثير من معاصريه ممن يشاركه في النظر في الفقه وممن لا يشاركه، وصدر فيها من أجوبتهم، ما اشتهر في ذلك الوقت.
وصورة مسألة الجارية المنبهِ عليها: أنَّ تاجرًا من هؤلاء السفارة ترك جارية له كان قد تسراها بغرناطة، وغاب عنها إلى ناحية تونس بقصد حاجةٍ مَّا، فطالت غيبتُه بها وصارت الجاريةُ تَدَّعِي أنها بحال ضياع، فكفلها بعضُ حاشيةِ السلطان، ممَّن له وجاهةٌ في الدولة، وكتب على سيدها النفقة، إلى أنْ تَجملَ له قِبَلَهْ قريب من مقدار ثمنها، فرفع أمره إلى القاضي، وأثبت ديْنه ذلك المترتب من النفقة وغيبة مالك الجارية وصحة ملكه إيَّاها وحَلَف على المتجمل له وَقُوّمت الجارية وصُيِّرتْ في النفقة لكافلها، فأعتقها وتزوجَها، ووقف للتاجر ما فضل من ثمنها، وكان قليلًا، ثم قَدِم التاجرُ مالكُها الأول بعد بيعها بأشْهُر، فتظلَّم من بيع الجارية على هذه الصورة، وادَّعى أنَّه ترك لها ما تقوم به لأكثر مدة مغيبه، وأنها صَناع اليدين يمكنها إثبات نفقتها بعد نفاد ما ترك لها من صنعة يدها، وما أشبه هذا من الدعاوى التي ربما لم تثبت له، وكان يتعلق من الدولة بجهة لا تقصر عن تعلق خصمه، فكان هذا الخصام متكافئًا في الاستظهار بالوجاهة بين هذين الخصمين اللذين بغى بعضهما على بعض، وعَزَّ أحدُهما صاحبَهُ في
[ ٢١٨ ]
الخطاب، وظلمه سؤال نعجته هذه إلى نعجة له أخرَى، وثبت الشيخ على مقتضى حكمه وخالفه سواه في رأيه، ولم يتكلم شيخنا، أبقىالله بركته، بإثبات عجزها عن النفقة من صنعتها ولا
كلفها إثبات كون مالكها لم يترك لها نفقةً.
تصرف الوكيل في نطاق الوكالة
وسئل ابن عتاب وابن سراج عن توكيل جعفربن أشرس محمدبن شخيص عن الخصومة عنه، وله طلبه أو طولِبَ به وعلى الإقرار عليه والأنكار عنه توكيلًا أقامه في ذلك مقامه وبدلًا منه، ثم إنَّ ابنَ شخيص قال عن موكله جعفر: إنَّ موكله رضي بأن يأخذ من أخيه عبد الرحمن خمسين مثقالًا وتقسم الدار بينهما شطرين، فقيل لابن شخيص: لم يجعل لك موكلك البيع ولا المصالحة، فقال: إنما أقول هذا عنه على وجه الإقرار عنه حسبما قاله، وحضر جعفر موكل ابن شخيص فوقف على ما قاله وكيله ابن شخيص عنه، فأنكره وقال: إنه لم يأمره بشيء مما ذكر عنه ولا جرى له معه؟
فأجاب ابن سراج: وجه الإقرار والإنكار في الخصام معروف، ولم يجعل له موكله الإقرارَ عليه والبيع، ولا الإقرار عليه على غير وجهه، فلا تجز مقاله وامنعه واتهمه إن وقع في مثل ذلك ففيه ريبة واعتداء على موكله
[ ٢١٩ ]
وأجر المتخاصمين على ما كانا عليه.
[ ٢٢٠ ]