الرد في النقود الجارية وصرفها
سئل عن مسائل تتعلق بالرد في الدراهم وبصرف نقود السكة الجارية بين الأندلسيين، وفيما يلي نصوص الأسئلة وأجوبتها، مع الملاحظ أن بعض المسائل تتكرر وفي تكرر أجوبتها مزيد تفصيل فقهي.
الأولى هل يجوز رد القيراط على الدرهم الصغير إذا وُزن الدرهم ولم يوزَن القيراط إذ جل الموازين ليس فيها ميزان القيراط؟
فأجاب: أما المسألة الأولى فهي جائزة للضرورة، لأن الأصل في المسألة المنع، وإن كان بالميزان، لأنه فضة بفضة وسلعة، وأصل المذهب المنع في ذلك، وقد كان مالك يمنع الرد مطلقًا، ثم قال: كنا نمنعه ويخالفنا فيه أهل العراق، ثم أجزناهُ للضرورة، ولأن الناس لا يقصدون به صرفًا، فتعليل مالك بهذا يقتضي جواز ما ذكر في الرد إذا غلب على ظنه وزن القيراط، لكونه لا يظهر فيه أثر كسر ونحو ذلك.
والثانية: إن بعض فقهاء الوقت يُفْتي بمنع صرف الدرهم الكبير بدرهمين صغيرين أو درهم صغير بقيراطين ويُفْتِي بمنع رد درهم صغير على درهم كبير أو قيراط على درهم صغير بالميزان المعروف بالقلسطون، ويعلل بأن التساوي بعد الوزن بالقلسطون غير حاصل، إذ بعض الدراهم أوزن من بعض فالمسرع فيه في الهبوط أثقل من البطيء، قال: فيجب على الإنسان
[ ١٨٣ ]
أن يعمل شاهدًا ويزن فيه بالصنجة؟.
فأجاب: وأما الثانية فإنها جائزة، ومنعُها علو وتنطع، وقد قال تعالى: (لا تغلو في دينكم) وقال النبي ﷺ: هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ.
هذا في الرد بالقلسطون، وأما مبادلة الكبير بالصغيرين على القول بجوازه فالذي
يترجح جوازه.
الثالثة: في القراريط المقروضة الجارية بين الناس، هل يجوز ردها على الدرهم الصغير أو على الكبير إذا اشترى بدرهم ونصف؟
فأجاب: أما المسألة الثالثة فإن شيخنا القاضي أبا عبد اللهبن علاق رحمهالله كان يجيز الرد في الدراهم الصغيرة المقطوعة من الكبار وفي القراريط المقطوعة من الدراهم للضرورة، ولأنّها مسكوكة، لأن أثر السكة فيها، ولأنّ مالكًا لم ينقل عنه أنّه منع التعامل بها، فلم تشبه قطعة الفضة التي ليس فيها أثر سكة، وهذا بين لما نذكره في المسألة الثانية إن شاءالله.
الرابعة: إذا قيل بالجواز هل يجوز رده ورد القيراط الصحيح بغير وزن القيراط إذ لا يوجد للقيراط ميزان في أكثر الموازين أعني في القلسطون؟ فهل يجوز رد القيراط صحيحًا كان أو مقروضًا بغير وزن لكن يعدون الدرهم إذ لا ضرورة فيه؟
وأما المسألة الرابعة فيقال: الأولى في الرد في الدرهم على المذهب المنع، لأنه فضة وسلعة بفضة، ومذهب مالك منع هذا، لكن أجازه في الرد
[ ١٨٤ ]
في الدرهم للضرورة، وخالف أصله، فقد روي عنه أنه قال: كنا نمنعه ويخالفنا أهل العراق، ثم أجزناه لضرورة الناس، ولأنهم لا يقصدون به صرفًا، فإذا تقرر هذا فيقال: كان الأولى في الوزن أن يكون بميزان غير القلسطون حتى يتحقق به مقدار النقص، فإن الدرهم إذا وزن بالقلسطون إنما يفيد معرفة وزنه من نقصه، وأما مقدار ما بين درهمين فلا، وجرى العمل من الشيوخ بالمسامحة في الرد به للضرورة، لأنه لا يوجد ميزان غيره لذلك، وقد يكون الدرهم يهبط في القلسطون من كل جهة، ويكون المردود عليه يهبط فيه من جهة واحدة وبالعكس، فقد تحقق عدم التساوي بين الدرهمين، ولكن سمحوا بهذا للضرورة مراعاة لمذهب أهل
العراق، فإنهم يجيزون فضة بفضة وسلعة، ويجعلون ما يقابل ما نقص من الفضة عن الفضة الأخرى في مقابلة السلعة، والإمام قد راعى هذا في مسألة الرد، وهم لا يشترطون تساوي الفضتين، فكذلك يلزم في هذا، فعلى هذا يجوز رد القيراط من غير وزن إذا لم يوجد له ميزان واضطر لذلك، لأنه إذا كان من تقدم من الشيوخ لا يمنع الرد بالقلسطون للضرورة وهو يتحقق فيه التفاضل لكون أحد الدرهمين أكثر وزنًا من الآخر ومراعاة لمذهب أبي حنيفة ولقول الإمام: أجزناه لضرورة الناس، ولأنهم لا يقصدون به صرفًا فكذلك هذا، وقد أخبرني به وابن القباب رحمهما الله أنه إذا كان المردود وازنًا في بعض الموازين لا يلزم البائع بدله، لأنه كالاختلاف في وجود العيب، فلم يراعيا ما يتوقع من الربا، ووجه ذلك ما تقدم، والله أعلم.
[ ١٨٥ ]
ووجه آخر: أن اعتبار الوزن في الرد لم ينقل عن مالك ولا عن أحد من أصحابه المتقدمين فيما يذكر، وإنما ذكره ابن الكاتب تأويلًا عن مسألة ابن البلاط لما سأله ابن عمر، وهي الواقعة في كتاب الصرف من المدونة إلى جواز الرد بغير قلسطون ولا ميزان عند بعدهما كان يذهب شيخنا الخطيب أبو عبد الله الحفار رحمهالله. تلقيت ذلك أنا منه واحتج بما ذكرته، وهو بينَّ إذا نظر في المسألة بالانصاف.
والذي يظهر - والله أعلم - أن الذي يعتبر من الشروط في الرد ما كان الخروج عنه يؤدي إلى الربا المتفق عليه بين أهل المذاهب المعتمدة، مثل عدم التناجز أو الردّ على الهبة والصدقة والسلف وما أشبه ذلك، وأما ما اختلف فيه فيجوز للضرورة، لأن مالكًا رضيالله عنه خالف أصله لذلك، فإن منعنا من غير نص منه على المنع خالفنا أصله الذي اعتمده من مراعاة الخلاف للضرورة.
الخامسة: ما معنى اشتراط الفقهاء في الدرهم المدفوع
[ ١٨٦ ]
والمردود أن تكون السكة
فيهما واحدة؟ هل معنى ذلك أن يكونا معًا مضروبين صحيحين كانا أو مقروضين؟
الجواب: وأما المسألة الخامسة وهو اشتراط أن تكون السكة واحدة فلم يشترطها فيما يذكر إلا ابن القباب رحمهالله، وكان شيخنا القاضي أبو عبد الله بن علاق رحمهالله يستشكله ويعترضه بأنه إن أراد التساوي في الجودة والرداءة فهذا لم يقله أحد، ولم يكن يشترطه فيما يعلم، وإن أراد أن لا يكون أحدهما من ضرب ستين درهمًا في الأوقية والآخر من ضرب سبعين فاشتراط الوزن يكفي.
تَغَيَّرُ السِّكَّةِ الجاريةِ
وسئل في من باع بسكة فقطعت، ماذا يجب له؟
فأجاب: للبائع دراهم سكته من الجارية يوم العقد، ولا يجوز له أخذ دراهم جديدة إلا قدر البالية، وإن طابت نفس الدافع بذلك. . .
[ ١٨٧ ]