ولاية الأخ لأم في النكاح
وسئل في عقد نكاح بولاية أخ لأم؟
فأجاب: إن كان الأخُ للأم ابنَ عم البنت أو وصيًّا صحَّ إنكاحُه إيَّاهَا، وإلا فلا يصِحُّ، وهو مفسوخ قبل البناءِ وبعده.
خطبة الرجل على خطبة غيره
وسئل في رجلٍ خطب بنتًا لوالدها ووقع بينهما التقاربُ والتراكُنُ في كل شيءٍ، حتى لم يبق إلا الإشهادُ بينهما، فتوفي والد الزوجة، ثم خطبها آخر وعقد عليها معه أخوها؟
فأجاب: نكاح الثاني ممنوع، لأنه بعدما ركن الأولُ، لكنه لا يُفسخ على القول الصحيح، ويؤمر الزوج بأن يعرض الزوجة على الأول، فإن تركها له فيسوغ له البقاء على النكاح، وإلاَّ يستحب له أنْ يطلقها. فإن تزوَّجَها الأولُ كان ذلك له، وإلا فللثاني أن يتزوجَها.
[ ١٣٧ ]
النكاح بشاهد واحد
وسُئل في رجل خطب بنتًا وتحدَّث مع وصِيّهَا، ووقع الاتفاقُ والتراكن وشهد عليها شاهدٌ واحدٌ ووالدُ الزوجِ، ثم أنكر الوصيُّ؟
فأجاب: النكاحُ غيرُ ثابتٍ، لأن والدَ الزوجِ لا يُقْبَلُ، لأنه شهد لولده، والنكاح لا يثبت بشاهد واحدٍ.
الصيغة في عقد النكاح
وسئل: عن رجل تحدث مع رجل آخر في تزويج شقيقته البكر واتفق معه على شيء معلوم من نقد، وكالئ وعروض وغير ذلك، ثم ساق الزوج بعضَ العروض
ودفعها للزوجة على العادة في ذلك، وهما لم تقع بينهما الشهادةُ، والبكر المذكورة يتيمةٌ مهملةٌ دون وصي، ثم توفي الزوج.
فهل للزوجةِ أن ترثه بمجرد ما وقع بينهما من غير إشهاد؟
فأجاب: لا ميراث بينهما إلا أن يثبتَ وقوعُ صيغةِ النكاح، والمراد بالصيغة أن يثبت من الزوجين ما يستلزم النكاحَ مثل أن يقول الزوج: قد تزوجت وشبهه، وتقول المرأة إن كانت مالكة أمرَهَا: قد تزوجتُك أو رضيت وشبه ذلك، أو يقول وليها إن كان مجبِرًا: قد زوجتك، وشبه ذلك، فإن
[ ١٣٨ ]
كانت الزوجةُ يجب استئمارُهَا فَتُسْتَأْمَرُ وتُرَضَّى بما يدل على الرضى في حقها، فإن لم يقعْ شيءٌ من هذا فلا يَصِحُّ النكاحُ، ولا يَحْصُلُ فيه ميراثٌ.
صداق المتوفَّى زوجُهَا قبلَ البِنَاءِ
وسئل فيما يجب للزوجة من صداقها إذا مات زوجُها قبل البناءِ بها؟
فأجاب: تُوَفَّى الزوجةُ ما يجبُ لها من نصفِ صداقِها ومن نصف سياقتها، وإن أتى ذلك على المال كله.
الزواجُ في مدَّةِ الاستبراءِ من الزنى
وسئل في بكرٍ تزوجتْ، ثم أتتْ بولدٍ لشهرينِ من تاريخ العقدِ وثبتَ ذلك، وفُسِخَ النكاحُ بغير طلاقٍ، ثم أراد تزوجَها وردَّها لملكه؟
فأجاب: المشهور أنه لا تحل لزوجها أبدًا، لأنه تزوجها في استبراءِ الزنى، فهي بمنزلة من تزوجت في العدة.
وفي المذهب قولٌ آخر: أنه يجوز له أن يتزوجها بعد الاستبراءِ بثلاثِ حِيض، ووجهه: أنه لا يرى الماءَ الفاسدَ كالصحيح، وهو قول لَهُ وجهٌ من النظرِ صحيحٌ، فمن قلَّدَهُ لم نعترضه.
وإن كان هذا الرجلُ لم يمسها بعد الولادة يفتقر إلى استبراء.
[ ١٣٩ ]
الزواج في العِدَّة
وسئل في امرأةٍ اعْترفتْ بتمام عِدَّتها بالأقراء وعُقِد عليها النكاحُ، ثم بعد ذلك زعمت أنها لم تحضْ إلا حيضتَيْن؟
فأجاب: هذا النكاحُ فاسدٌ، يُفسخ قبلَ الدخولِ وبعدَهُ، وإنْ طال وولدت الأولادَ، فإن فسخ قبل الدخول صحَّ للرجلِ أن يتزوجَهَا بعد ذلك بعقدٍ آخَر صحيح.
نكاح المرتَدِّ
وسُئل عن رجل تنصر وتزوج في أرض العدوّ نصرانيةً وأقام معها سنين، ثم عاد إلى الإسلام وأسلم وأسلمتْ هي معه في زمان واحد، وخرجا إلى بلاد المسلمين، هل يُقَران على نكاحهما أو يُفسخ بطلاق، وبعد ذلك يُنشئان عقدًا آخر، وعلى أنهُ يفسخُ فما يكون الحكمُ فيهما اليوم، إذ هما باقيان على ما كانا عليه لم يفرق بينهما، وهل يؤدب كل واحدٍ منهما أم لا؟
فأجاب: تصفحت السؤال أعلاه، والجواب أنَّ المرتدَّ لا يُقَرُّ على
[ ١٤٠ ]
نكاحه في حال ردته على المشهور، وهو مذهب المدونة.
وقال ابنُ الماجشون: إنه يقر، وذهب إليه ابنُ حبيب.
والمشهور المعول عليه هو الأول، فيفسخ النكاح المسؤول عنه بطلاق، وتتربصُ المرأةُ حتى يمضيَ لها ثلاثةُ أطهار ويردها الزوجُ إن أحَبَّ، ولا يلحق واحدًا منهما أدبٌ في إبقاءِ الزوجة معه في الأيام التي أبقاها، مراعاةً للخلاف، والولد لاحق.
من حرَّمَ على نفسه الزواجَ
وسئل في رجل قال: متى حل لي الزواجُ في هذه الجزيرة فهو حرام عَلَيَّ؛ ثم أقام
بعد ذلك فيها، فأراد الزواج خوف العنت للعصمة؟
[ ١٤١ ]
فأجاب: إن كان قصد بقوله: متى حل لي الزواج، متى تزوجتُ، فلا يتزوج بهذه الجزيرة. وإن لم يقصد ذلك، وإنما قصد تحريمَ الزواج، فلا شيء عليه.
تحريم الزوجة
وسئل فيمن قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام؟
فأجاب: إن قصد الثلاثَ بقوله: أنت حرام، لزمَهُ ذلك وإن لم يقصدْ الثلاثَ وكانت الزوجةُ مدخولًا بها لزمه الثلاثُ على المشهور.
وفي المذهب قول: إنه تلزمه طلقة واحدة بائنة.
وقد رجحه بعضُ أشياخِ المذهب، وهو قول صحيح له وجه من النظر مَن قلده لم يُعْتَرضْ فيه.
وسئل فيمن قال لزوجته: هي عليه حرام كلحم الخنزير. ما يلزمه في يمينه من الطلاق؟
وقد سئل الحالف، فقال: إنه لم ينو طلاق الثلاث.
فأجاب: قد اختلفت العلماء قديمًا وحديثًا فيمن قال لزوجته: أنت عليَّ حرام، على أقوال كثيرة ذكر ابنُ العربي منها خمسة عشر قولًا يتحصل منها في المذهب خمسةُ أقوال.
[ ١٤٢ ]
فقال مالك وابنُ القاسم في المدونة: هي ثلاث في المدخول بها ولا يُنَوَّى وفي غير المدخول بها له نيته: من واحدةٍ أو غيرها.
وقال عَبدُ الملك: هي ثلاث على كل حال.
وقال أبو مصعب وابنُ عبد الحكم: هي ثلاث في المدخول بها، وفي غيرها واحدة.
وقال عبد العزيزبن أبي سلمة: هي واحدةٌ رجعيةٌ مطلقًا.
وروى ابن خويز منداد عن مالك: إنها واحدة بائنة في المدخول بها وغيرها.
وكان بعضُ الشيوخ - رحمهمالله - ممن له الفتوى ببلدنا هذا، يعتمد هذه الرواية، ويُفتي بها، ويرى أن ذلك جارٍ على مذهب المدونة المتقدم ذكره، لأنه إنما فرَّق فيها بين المدخول بها وغيرَهَا، لأن البينونة لم تكن عندهم إلا بالثلاث في المدخول بها، أما عندنا فإنها تَبِينُ بالواحدة. فالمدْخول بها اليوم نظير غير المدخول بها إذ ذاك، فحكمها واحد.
[ ١٤٣ ]
وقد أشار إلى هذا اللخمي في بعض أبحاثه.
وقد رجح ابنُ رشد القولَ بتصديق من يزعم أنه لم يُرِد بالحرام الطلاقَ، وصحَّحَه، وجاءت به روايةٌ في العتبية.
ومن باب أولَى تصديقُه إذا زعم أنه أرادَ غيرَ الثلاث.
فمن أخذ بهذا القول الأخير فهو مخلِّصٌ، إن شاءالله.
تحريم الزوجة التي لم يدخل بها
وسئل في رجل له زوجة لم يدخل بها، فقال في حال حرج: هي عليه حرام ثلاث مرات، ثم قال بعد ذلك في فور واحد: اشْهَدُوا علَيَّ أنها مطلقةٌ.
فأجاب: يُنَوَّى هذا القائلُ: هي عليه حرام، فإن نوى بها الثلاثَ لزمته؛ وَإن قال: إنه لم ينو بها الثلاث، فإن كان قولُه: اشهدوا بطلاقها، متصلًا بالتحريم، فتلزمه طلقتان: طلقة بالتحريم، وهذه الأخرى، وإن لم يكن متصلًا وكان بعد سكوته فيلزمه طلقةٌ واحدة بائنة بالتحريم خاصة.
من قال لزوجته: امشي عن وجهي
وسئل فيمن قال لزوجته: امشي عن وجهي، ما لي بك حاجة، فخرجت إلى دار والدها؟
فأجاب: إن قصد بقوله ذلك الطلاقَ لزمه، وإن لم يقصد به الطلاقَ فلا شيء عليه.
[ ١٤٤ ]
النية في تحريم الزوجة
وسئل في رجل قصد غشيان زوجته، فلم تطاوعه، فقال لها في الحين: هي عليه حرام في هذه الساعة، وخرج عن السرير حيث كان معها مضطجعًا.
فما يجب عليه في قوله هذا؟
فأجاب: ذكر مُوَصِّلُهْ وزعم أنهُ الحالفُ، وأنه لم ينو بقوله: هي عليَّ حرام، طلاقًا ولا تحريمًا، وإنما أراد الامتناعَ منها في الحال.
والجواب: أنه لا يلزمه، لعدم النية على الصحيح.
تحريم الزوجة عقب طلاقها
وسئل فيمن طلق زوجه وحرَّمَها عقب الطلاق تحريمًا مُرْدَفًا على الفور، وزعم بعد وقوع الطلاق أن نيتَه بالتحريم تأكيد الطلاق الأول، ولم يقصد به إلا واحدةً خاصة.
فهل تُسمَعُ دعواه هذه أم لا؟
فأجاب: إن كان التحريم متصلًا بالطلاقِ فيلزمه طلاقُ الثلاثِ، ولا يُصدق فيما ادعى من التأكيد. وأما إن كان بعد سكوته وانقطاع اللفظ
[ ١٤٥ ]
بالطلاق، فإن كان قصد بالطلاق الطلاقَ المتعارفَ عند الناس اليومَ، وهو المملك، فلا يرتدف، وإن قصد الرجعي فيرتدف وهو مصدق فيما يدعي من القصد.
مراجعة الزوجة التي حرمت بعد طلاق الثلاث
وسئل فيمن طلَّق زوجتَه ثلاثًا،. ثم قال بعد إيقاعه للطلاق: متى حلت حرمت، متى ما حلت حرمت، ثم تزوجت هذه المطلقة بعد ذلك وفارقها الزوج الثاني،
والأول يريد رجوعها.
هل له ذلك أم لا؟
فأجاب: إنَّ له أن يُراجعَها.
الطلاق والمراجعة في يوم واحد
وسئل فيمن حلف باللازمة أن لا تبقى زوجُه في ملكه، وأراد طلاقها ومراجعتها في يوم واحد.
فأجاب: يجب عليه طلاقها، ويجوز له مراجعتُها في يوم واحد.
مراجعة المطلقة
وسئل في رجل حلف باللازمة لزوجه أن لا تخرج من الدار، فأشهد بطلاقها رجلًا واحدًا وامرأتين، وخرجت المرأةُ من الدار بعد إشهاده، وهو يريد ارتجاعها؟
فأجاب: يُشْهِدُ الآن بطلاق زوجته شاهدًا آخر، ثم يردها.
[ ١٤٦ ]
مراجعة الزوجة الحامل
وسئل فيمن راجع زوجه بعد مضي ستة أشهر من الحمل؟
فأجاب: إن كانت حاملًا في الشهر السادس ولم تدخل في السابع فتجوز مراجعتُها على الصحيح، وأما إن كانت بعدما دخلت في الشهر السابع فلا تجوز مراجعتها على المشهور.
فإن راجعها فيه فُسخ النكاح، فإن لم يفسخ حتى تضع وبقيت حية تم النكاح ولم يفسخ، لزوال الحمل.
خُلْعُ المَرأة التي أَضرَّ بها زوجُها
وسئل عن امرأة اختلعتْ لزوجها بأقلَّ مما يجب لها عليه في مطالبها قِبَلَهُ، وضمن
عنها الدرك في ذلك، وطلقها زوجها عليه. ثم بعد ذلك شهد شهودٌ بالسماع أنه كان يضربها إلى الافتداء منه، فإن وجب الغرم على الزوج، فهل له مطالبةُ الضامن؟ وهل تعمل شهادة السماع في مثل هذا؟ فإن أعلمت فما معناها وكيفيتها؟
فأجاب: إذا ثبتَ الضررُ لم يلزم للزوجة الخلعُ باتفاق، ولا ضامن
[ ١٤٧ ]
الدرك على الصحيح، ويكفي في ثبوت الضرر شهادةُ السماع.
من أوقف طلاق زوجتِهِ على تنازلها عن صداقها
وسئل في رجل سألته زوجُه طلاقها فقال لها: إن تركتِ مالكِ عندي من صداق وسياقة فلكِ ذلك، فقالت له: نعم. فأتى بشاهدين وأشهدهما بذلك وتراضيا به وضمنت الزوجةَ أمُّهَا، وأشهدت على نفسها أنها متى قامت بسنتُهَا تطلبُ ما ذكر فالأم حاملة عنه، ولم يسم الرجلُ طلاقًا، ولم يلفظ به حين إشهاد الزوجة وأمها بما ذُكر، وإن بعض الناسِ سأله عند انصرافه من موطن الإشهاد، فقال له: إني بريء منها على خير، ثم سأله ثان وثالث فقال لهما مثل قوله للأول، فمكث أيامًا قلائل، ثم قال: إني لم أطلقها ولا أشهدت بطلاقها، ولم أوقعه عليها حين انصرافها.
فهل الطلاق واقع على حكم الخلع أم لا؟
وهل يرد إلى نيته في قوله: برئت منها؟
بينوا لنا ما يلزمه في ذلك كله.
فأجاب: إن ثبت ما ذُكر بشهادة العدول، أو اعترف الزوج به لزمه الطلاق، وإن لم يلفظ به، قياسًا على ما قالوا فيمن قال لزوجته: إن أعطيتني كذا فارقتك، إِن فُهم من قرائن الأحوال وبساط الكلام أنه أراد وجهَ الخلع، أنه يلزمه الطلاقُ والخلعُ.
وهذه المسألة المسؤولُ عنها كذلك، لأن بساط الحال وضمان الكلام، وهو حاضر
ساكت، وقوله بعد ذلك: برئت منها على خير، يقتضي أنه أراد الطلاقَ والخلع.
[ ١٤٨ ]
سقوط النفقة على الناشز
وسئل هل للناشز نفقةٌ على زوجها أم لا؟
فأجاب: إن ثبت عند القاضي نشوزُ المرأةِ على الوجه المذكور في السؤال، تسقط نَفَقَتُهَا مدةَ نشوزِها.
نفقة زوجة المفقود
وسئل في امرأة فُقِدَ زوجُها، ورفعَتْ أمرها إلى القاضي بموضعها بعد فقده بمدة، وكانت قد أخذتَ نفَقتَها وكسوتَهَا من مال المفقود من يوم الفقد إلى يوم رفعها لأمرها فحكم لها القاضي بالنفقة والصرف وسائر فرضها من يوم رفع الأمر، ولم يثبت لها شيئًا مما قبل ذلك.
فهل ما حكم به القاضي صَحيحٌ أم لا؟
بينوا لنا وجهَ الصوابِ في ذلك.
فأجاب: ما حكم به القاضي هو فقه المسألة.
نفقةُ الزوجة قبل الدخول
وسئل في من طُلب بالنفقة قبل الدخول؟
[ ١٤٩ ]
فأجاب: إن كان قد دُعي الزوجُ للدخول وامتنع لغير عذر بالزوجة قُضِيَ عليه بالنفقة وإلاَّ فلا.
حضانة جدتين ليتيم
وسئل عن رجل كان له زوج فتوفيت وتركت له بنتًا من نحو عام، فأخذتها جدتها للأم فحضنتها مدةَ ستةِ أعوام، حتى نفدَ مالُ البنت ولم يبق منه إلا بعضُ أرض،
فأراد والدها وجدها للأب أخذَها، والتزمت جدتها للأب أن تنفق عليها وتربيتها وتجري عليها النفقة وسائر المؤنة إلى أن تتزوج، ليبقى مال البنت على ملكها، وقصدها بذلك الرفق بالبنت وتوفير ما بقي من مالها.
فتفضلوا بالجواب مأجورين مشكورين.
فأجاب: إنه نُقل في كتاب الاستغناء الخلافُ فيما إذا كانت لليتيم جدتان جدة للأم وجدة للأب، ولم يكن معه إلا دار قيمتها عشرون دينارًا أو نحوها، فأرادت جدة الأم بيعها عليه لتنفق ثمنها عليه، وقالت جدةُ الأب: أنا أنفق عليه من مالي ويكون معي وتبقى له داره رفقًا به، وليس له مال تجري عليه منه النفقةُ عند جدة الأم، فحكي عن بعض المفتين من الشيوخ
[ ١٥٠ ]
أن الجدةَ للأم أولَى بالحضانة. وقال المشاوَر: يُنظرُ إلى الأرفق بالصبي، لأنهما وليان جميعًا؛ فوجه القول الأول البقاء مع الأصل في أن الجدة للأم أولى بالحضانة مقدمة في الحضانة.
ويعضد هذا القولَ، القولُ بأن الحضانةَ حق للحاضن، ووجه الثاني أنَّ الحضانةَ أصلُها الرفق بالمحضون، ولذلك قدم فيها النساء على الرجال لما ظهر من الشفقة والحنان وحسن القيام على التربية، ويعضده القول بأن الحضانةَ حقٌ للمحضون، وقيل: إنها حق لهما معًا.
والظاهر عندي في هذه المسألة المسؤول عنها: أنه إن كان بقاء الصبية مع جدتها للأم يؤدِي إلى الإجحافِ بها في يسارةِ مالها، ويُخاف أن يُباعَ عليها وتصيرَ فقيرةً من فقراء المسلمين، وكانت جدة الأب تلتزم نفقتها وجميعُ مؤنها وهي في الرفق بها وحسن التربية بمنزلة الجدة للأم، والأب ضعيف لا كبير مال معه يواسيها به، أن تنتقل حضانتُها إلى جدة الأب، ولا تمنع من زيارة جدتها للأم والمقام معها في بعض الأيام. وإن كان لا يؤدي إلى الإجحاف بها كثيرًا وكان لأبيها من أن يواسيها وامتنع من ذلك بخلًا منه، لا إضرار بجدة الأم أن تبقى معها ولا تنتقل
إلى الجدة للأب، والنظر في ذلك إلى القاضي، أعانهالله ووفقه، فيما يظهر له من مخايل الأمور والأحوال وما يثبت عنده في ذلك.
[ ١٥١ ]
إلحاق بنت بنسب أبيها للشبهة
وسئل في رجل تُوفي عن زوجة وبنت منها، وأُلفِيَ في صداقهما طلقةٌ ومراجعةٌ، والرسمان غيرُ مشهودَين، والبنت عن وطء بعد المراجعة.
فأجاب: تُلحقُ البنتُ به للشبهة الدالة علَى أنَّهَا ابنَتُه.
اتهامُ زوج زوجتَهُ بالزنى
وسُئل فيمن اتَّهَمَ زوجه بالزنى، والزوجة حامل منه؟
فأجاب: إنَّ تحققَ أنها وقعت في الزنى وجب عليه أن يُمسك عنها، حتى تضع حملها، وإن لم يحقق أمسك عنها على جهة الورع، من غير وجوب.
من أقرت أن رجلًا جامعَها غلبةً ثم أنكرت
وسئل في امرأةٍ ذاتِ حَمْلٍ، أقرتْ أنَّ رجلًا دخل عليها غلبةً وجامعها، ثم أنكرت بعد الإقرارِ؟
فأجاب: إن كانت المرأةُ غيرَ متزوجةٍ لا يجوز لها أن تتزوج حتى تضعَ؛ وإن كانت متزوجةً لا يجوز لزوجها أن يَقربها، إلا بعد ثلاثِ حِيَضٍ، وإن حملت من الماء الفاسد فلا يقربُها حتى تضع، وإذا أنكرتْ قُبِلَ إنكارُهَا بعد اعترافها.
[ ١٥٢ ]
شُرْب الرجلِ لبنَ زوجتِه
وأما الثالثة فلا نصَّ في الرجل يشرَبُ لبن امرأته في الحولين أو بعدهما.
تزوج زوجة المفقود وقسمة ماله
وسئل عن جماعة من الفرسان فُقِدوا في معترك القتال بين المسلمين والنصارى
منذ عامين ونصف وثبت بالسماع الفاشي المستفيض على ألسنة أهل العدل وغيرِهم أنَّهمْ قُتلوا واستشهِدُوا، ولم يعش منهم إلا أربعة لا غير، وذلك لكثرة تردد الفكاكين إلى أرض لورقة ونواحيها، وخرج الأسرى من المسلمين منها كلهم يشهدون بذلك، ومنهم من شهد فيه على التعيين بأنه مات هناك، وذلك أيضًا بالسماع الفاشي المستفيض، وأنه لم يثبت حياة واحد منهم ولا سمع أنه حي بوجه طول المدة، فهل يجوز لنسائهم أن يتزوجن وتقسم أموالُهم؟ أو لا تكون الشهادة عاملةً في مثل هؤلاء إلا من شهد فيه على التخصيص بأنه مات بالسماع الفاشي المستفيض؟ ومن تزوجت منهن باجتهاد من الحاكم هل يفسخ نكاحْها ويُنقضُ حكمُ الحاكم أم لا؟
[ ١٥٣ ]
فأجاب: الجواب وبالله التوفيق أنه إن ثبت فيمن فقد من المسلمين المسؤول عنهم أعلاه أنه كان في العسكر متوجهًا للقتال، ورُئي في المعترك، أن الحكم بموته وقسم ماله وتزوج زوجته كما ذُكر في السؤال، صحيح، سواء شهد فيه على التخصيص أنه مات أو شهد بالسماع المستفيض، فقد أفتى القاضي أبو عبد اللهبن الحاج رحمهالله في بعض المغازي الواقعة بأرض الأندلس بين المسلمين والكفار في رجل شُهد فيه بالسماع الفاشي أنه استشهد في تلك الواقعة، وثبت رسم آخر أنه رُئي في العسكر، أنه يحكم بموته في تاريخ ثبوت موته على السماع ويرثه ورثته الأحياء يومئذ، ولا يحكم بموته الآن، ولا يُعمَّر كما يُعمَّرُ المفقودُ وليس لزوجته نفقةٌ في ماله، هي كالمتوفَّى عنها زوجُهَا.
وذكر اللخمي فيمن فقد في زمن الطاعون وفيمن توجه إلى بلد فيه طاعون أنه يحمل أمره على الموت، فتعتد امرأته ويقسم ماله، قال: وذكر بعض أصحابنا عن مالك أن الناسَ أصابتهم سنةً بطريق مكة سعالٌ. وكان الرجل لا يسعل إلا يسيرًا حتى يموت فمات في ذلك عالم وفقد ناس ممن خرج فلم يأت لهم خبر حياة ولا
موت، فرأى أن تُقسم أموالُهم ولا يضرب لهم أجل المفقود ولا غيرُه، فهذا بعضُ ما حكم فيه في هذه النازلة، ويدل على أنه مبني على غلبة الظن في ذلك، فما حكم به صحيح لا مجال فيه لاعتراض معترض.
[ ١٥٤ ]