خواطب الفقه الإمام الحافظ الأوحد، قاضي الجماعة بقرطبة، أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد، ﵁، من مدينة المرية، بمسألة يسأل عنها، وهي:
الجواب، رضي الله عنك، مع الرغبة إلى فضلك أن تقف على هذا السؤال، وتنظره، فقد وقع فيه ما أوجب الكشف عنه وذلك، أبقاك الله:
ما تقول في الرجل العاصي، التارك للصلاة المفروضة، عامدا حتى خرج وقتها، هل تجب على تاركها، عمدا اعادتها، واجبا أم استحبابا؟ وان كان يجب عليه ذلك فرضا واجبا، هل يكون ذلك بالأمر الأول، أو بأمر ثان مبتدأ؟ وإن كان بأمر ثان، كما ذكر بعض الفقهاء، فبين صفته، والدليل على وجوبه، وان كان لا يوجد، بينة لنا، أيضا، يأجرك الله. ولقد قال بعض من ناظر في هذه المسألة: إن النبي ﷺ قضى الصلاة يوم الوادي، بعدما طلعت
[ ١ / ١٢٥ ]
الشمس، ويوم شغله المشركون عن الصلاة بعد غروب الشمس، هل يقال في الجميع قضى النبي ﷺ أو أداها؟ وبين لنا ما يجب في قول من قال: قضى النبي ﵇ إن كان يجب عليه شيء، أم لا، وفسر لنا الجميع نوعا نوعا، وفصلا فصلا، وما يجب في ذلك، فهذا أمر قد وقع، وأحببنا الوقوف على مذهبك على حقيقته، مَانّاَ متفضلا، والله يأجرك، ويحسن جزاءك.
فأجاب، أدام الله توفيقه وتسديده، بجواب نصه: تصفحت أرشدنا الله واياك، سؤالك ووقفت عليه، ومن نام عن الصلاة أو تركها، ناسيا لها، أو متعمدا، لعذر أو لغير عذر، حتى خرج وقتها، فعليه أن يصليها بعد خروج وقتها، فرضا واجبا، ولا يسعه تأخيرها، عن وقت ذكره اياها، ان كان أنْسِيهَا، ولا عند وقت قدرته عليها، ان كان تركها لعذر غلبه عليها.
وأما ان كان تركها متعمدا لتركها، متهاونا بها دون عذر
[ ١ / ١٢٦ ]
غلبه عليها، فهو عاص لله ﷿ في تأخيرها عن وقتها، وفي تأخيرها بعد وقتها، بما أخرها.
وهذا كله مما لا اختلاف فيه بين أحد من علماء المسلمين.
هل قضاء الفوائت واجب الأول أم بالأمر الثاني؟
واختلف المتكلمون منهم في الاصول، هل وجب بالأمر الأول أو بأمر ثان ولا تأثير في وجوبه، إذ قد أجمعوا أن في الشرع أدلة كثيرة على ذلك.
فمن قال: ان ذلك واجب بالأمر الأول، قال الأدلة الواردة في الشرع على ذلك مؤكدة له، ولو لم ترد، لا ستغنى عنها به.
ومن قال: ان ذلك لا يجب بالأمر الأول جعل الأدلة الواردة في الشرع على وجوب ذلك استئناف شرع، لا مزية للأمر الأول عليها في انحتام الوجوب؛ كل منهما فيما وقع الأمر به. وهذا هو مذهب المالكيين من البغداديين، وهو الصحيح عندي.
ومن الدليل على صحته أن من أمر أن يفعل فعلا في وقت بعينه، ففعله في غير ذلك الوقت، فقد عصى الأمر بترك ما أمره بفعله في
[ ١ / ١٢٧ ]
الوقت وفعل بعد الوقت ما لم يأمره بفعله، لأن الأمر، بالفعل في الوقت، لا يتناول الفعل بعد الوقت، بنص ولا بدليل بل تحديد الوقت لفعله يدل على أنه لا يفعل بعد الوقت عند من يقول بدليل الخطاب، وهو مذهب الإمام مالك ﵀.
الا ترى انه استدل بقول الله ﷿،
﴿ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾
[سورة الحج الآية: ٢٨]
على أنه لا يضحى بالليل.
وأيضا فلو كان الأمر بفعل العبادة في الوقت يتناول فعلها بعد الوقت كما يتناول فعلها في الوقت، لا كتفى الله، ﷿ في ايجاب صوم شهر رمضان،
بقوله: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾
[سورة البقرة الآية: ١٨٥]
عن قوله: ﴿فمن كان منكم مريضا او على سفر فعدة من أيام أخر﴾
[سورة البقرة الآية: ١٨٥]
كما اكتفى بقوله:
﴿ولو أن قرآنا سُيرت الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى﴾
[سورة الرعد الآية: ١٨٤]
عن ذكر الجواب بما دل عليه الكلام.
[١] ومثل هذا في القرآن لا يحصى اذ من البلاغة في النطق الايجاز فيه وحذف ما يستغني الكلام عنه لدلالته عليه.
أدلة وجوب قضاء الفوائت:
[ ١ / ١٢٨ ]
فاذا ثبت هذا، فالأدلة على وجوب قضاء الصلوات الفوائت، عمدا بعد الوقت كثيرة منها:
صلاة النبي ﷺ الصبح بأصحابه بعد أن طلعت الشمس اذ نام عنها في الوادي.
وصلاة العصر بعد غروب الشمس يوم الخندق.
وقوله ﵊ ﴿إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو نسيها، ثم فزع إليها، فليصلها كما كان يصليها في وقتها الحديث﴾ وقوله ﷺ فيه:
" أو نسيها "، يدخل فيه التارك لها عمدا: لأن النسيان، في اللغة هو الترك، فيحمل على عمومه في السهو والقصد، لا سيما وهو في العمد أظهر منه في السهو، لأنه حقيقة في العمد، ومجاز في السهو، اذ انما الحقيقة فيه، في السهو،
أنسيت ولا نسيت.
وقد روى عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: ﴿من نسي صلاة فليصل إذا ذكر، لا كفارة لها الا ذلك﴾ اذ الكفارة لا تكون الا فيما يلحق فيه الاثم، وهو العمد دون عذر، لأن الله ﷿ قد تجاوز لامة محمد نبيه ﷺ عن النسيان والسهو، قال رسول الله ﷺ ﴿تجاوز الله لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهو عليه﴾.
[ ١ / ١٢٩ ]
وقوله في الحديث: ﴿فليصل إذا ذكر﴾ معناه: فليصل متى ذكر تركه الصلاة عمدا: لأن التارك في لها، عمدا، لا ينفعك من أن يعتريه الذهول عن ذكرها في بعض الأحيان على أغلب الأحوال.
مصطلح الاداء والقضاء
والأداء يستعمل فيما صلي من الصلوات في وقتها، والقضاء فيما صلي منها بعد فوات وقتها.
والأصل في ذلك: ان الاداء لما جاء من الأمانات المعينات، قال ﷿:
﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾
[سورة النساء الآية: ٥٨]
، وقال ﴿ومن أهل الكتاب من ان تامنه بقنطار يؤده اليك، منهم من ان تامنه بدينار لا يؤده اليك الا ما دمت عليه قائما﴾
[سورة آل عمران الآية: ٧٥]
وكانت الصلوات المفروضات موكولة إلى أمانات العبادة: قال الله ﷿:
﴿انا عرضنا الأمانة﴾ يريد ما تعبد به عبادة من الإيمان به وشرائع دينه،
﴿على السموات والأرض والجبال﴾
[سورة الاحزاب الآية: ٧٢]
وكانت أوقاتها معنيات – سمي فاعلها في وقتها مؤديا لها.
وأن القضاء. لما جاء في الديون الثابته في الذمة بالمعاوضات والمبادلات قال رسول الله ﷺ للتي سألته: هل تحج عن أبيها أرأيت لو كان على ابيك دين، أكنت قاضيته؟ قالت نعم. قال: فدين الله احق ان يقضى وكانت الصلوات المفعولة بعد الوقت
[ ١ / ١٣٠ ]
واجبة عن عوض وبدل، وهو الصلاة التى كانت عليه في الوقت – سمى فاعلها بعد الوقت قاضيا لما وجب عليه منها في وقتها، سواء تركها في وقتها مفرطا فيها، أو متهاونا بها، أو متعمدا لتركها أو ناسيا، أو كان قد نام عنها، أو غلبه على فعلها عذر غالب.
فإذا لم تختص تسمية فعل الصلاة بعد الوقت بالقضاء، بأحد هذه الوجوه دون سائرها، لم يمتنع أن يقال في صلاة رسول الله ﷺ الصبح يوم الوادي، بعد الطلوع، والعصر يوم الخندق بعد الغروب – إن ذلك قضاء لا أداء. وقد تقرر وعلم: أن رسول الله ﷺ لم يترك صلاة العصر يوم الخندق إلى بعد غروب الشمس إلا لغلبة المشركين إياه على فعلها في الوقت بكل حال، أو نسيانه اياها، لاشتغاله بما دهمه من أمرهم، فلا يمتنع في اللسان، أن يسمى فعل الصلاة في وقتها (أو) بعد وقتها قضاء وأداء، لانها واجبة في الموضعين جميعا، والدين الواجب على الرجل يجوز أن يقال فيه أداه عن نفسه، وقضاه عنها، قبل حلوله، وبعد حلوله؛ الا أن الأولى تسمية فعل الصلاة في وقتها أداء، وبعد وقتها قضاء، لما ذكرته وشرحته.
فالاداء لما وجب بالامر الاول، والقضاء لما وجب بالامر الثانى،
[ ١ / ١٣١ ]
[٢] هذا هو المختار، وبالله تعالى / التوفيق، لا شريك له.