وقال الفقيه الإمام / الحافظ قاضي الجماعة ابو الوليد ابن رشد
[ ١ / ١٣٥ ]
﵁:
وقع في سماع أصبغ من كتاب العتق مسألة وهي:
وسئل ابن وهب عن اختين اشترتا اباهما، فعتق عليهما وهما من حرة، كانت أمها حرة، فتوفيت احداهما، فورثها ابوها، ثم توفي الاب، قال: ترث الباقية النصف بالرحم والولادة، وترث نصف النصف الباقي بالولاء، ويبقى الربع فلهما النصف: نصف هذا الربع الباقي، لان اباها جر ولاء ولده، لانه حين عتق، جر ولاء ولده بعضهم إلى بعض، وكان مولاهما جميعا، فجر ولاء هذه إلى هذه، وولاء هذه إلى هذه، فصار لها ها هنا سبعة اثمان الميراث.
(شرح مسألة العتبية بعد طلب)
قال ابو الوليد بن رشد: فسألنى سائل ان أشرح له معنى هذه المسألة، الذى من أجله صار للباقية من الأختين من ميراث ابيها سبعة اثمان؛ لأنه قال فيها: " ان الاب جر ولاء هذه إلى هذه وولاء هذه إلى هذه ". ولم يبين وجه الجرور، كيف هو، ولا ما حكمه
وما سأل عنه لا يخفى على من عرف كحم الميراث بالولاء، وأنا أذكر
[ ١ / ١٣٦ ]
من ذلك جملة ملخصة تبين له بها معنى ما أشكل عليه منها، إن شاء الله تعالى.
قال رسول الله ﷺ: «انما الولاء لمن أعتق». ونفى به أن يكون أحد أحق من المعتق بولاء ما أما أعتق، ولم يكن فيه دليل على أنه لا ولاء الا لمن أعتق، فالولاء يجب للمعتق، ولمن يجب له بسبب المعتق، ممن ينجر اليه عن المعتق، أو يجره اليه المعتق، على ما أحكمته السنة عن النبي ﷺ.
من ذلك أن الموالى ثلاثة: مولى الرجل الذى أعتقه، ومولى أبيه ومولى أمه. فالولاء ينجر عن السيد المعتق إلى ولده وعصبته، الأقرب فالاقرب، لقول رسول الله ﷺ: «الولاء للكبر».
والعبد المعتق يجر ولاء ولده الذين لم يعتقوا، وولاء مواليهم إلى مواليه، والأمة المعتقة تجر ولاء ولدها، الذين لم يعتقوا، وولاء مواليهم إلى مواليها أيضا، إذا كان ولدها من زنا، او كان قد نفاهم أبوهم بلعان أو ان كان عبدا أو كافرا.
فلما اعتقت الابنتان أباهما، في مسألتك التى سألت عنها وكانتا حرتين لم تعتقا، ثم توفى الاب بعد موت احدهما، وجب ان ترث الابنة
[ ١ / ١٣٧ ]
الباقية النصف بالرحم والولادة، وترث نصف النصف الباقى بالولاء، لانه أعتق عليها نصفه، ونرث نصف الربع الباقى بجرور الولاء، لان النصف الثانى الذى أعتق منه على اختها الميتة، ينجر اليها نصف ولائه، لأنها، أعنى الباقية، لما أعتق عليها نصف أبيها، جر إليها الأب نصف ولاء ابنته الميتة على ما بيناه، من أن العبد المعتق يجر، إلى مواليه، ولاء ولده.
تنظير لجرور الولاء
الا تعرف انها لو ماتت، بعد الأب لورثت أختها الباقية منها النصف بالرحم، ونصف النصف الباقى بجرور الولاء لانها ابنة مولى، لها نصف ولائه، واذا جر الأب اليها نصف ولاء اختها فهو يجر اليها، أيضا، نصف ولاء ما أعتقت على ما بيناه. والذى أعتقت انما هو نصف أبيها الثانى، فلها ولاء نصف هذا النصف، وهو فوجب لها ثلاثة أرباع ولاء ابيها، النصف بعتقها اياه. والربع يجر الولاء على ما بيناه، وهذا كله بين.
تنظير آخر
ومما يزيده بيانا وايضاحا ان الابنة الميتة، لو أعتقت عبدا أجنبيا لكان للابنة الباقية، نصف ولائه، لانه مولى ابنة رجل أعتق عليها نصفه، فذلك يكون لها نصف ولاء النصف الثانى، الذى أعتقه من أبيها، لأن المرأة ترث بالولاء من أعتق من أعتقت.
[ ١ / ١٣٨ ]
غلط ابن القاسم بإدخاله «شركة الولاء» كسبب للميراث
وقد روى عن ابن القاسم في الاختين اللتين اشترتا أباهما فأعتق
أن الأب ان توفى قبلهما فورثتاه ثم توفيت احداهما: ان الاخت الباقية ترث النصف بالنسب، ونصف النصف بشركة الولاء، ونصف الربع بجرور الولاء اليها.
وهو غلط ظاهر، والصحيح ما ذكرناه من ان لها النصف بالنسب، ونصف النصف بجرور الولاء، وهو منصوص عليه لابن الماجشون.
تنطير أوسع لجرور الولاء
ولو ان امرأتين لم تعتقا اشترتا / اباهما، فعتق عليهما، ثم [٤] اشترت احداهما مع ابيها، أخا لهما لأبيهما، فعتق عليهما، ثم مات الاخ بعد موت ابيه واخته التى لم تشتره، لكان لأخته التى اشترته مع ابيها، من ميراثه سبعة اثمانه ونصف ثمنه، لانها ترث النصف بالنسب، ونصف النصف الباقى وهو الربع، بولاء العتاقة، لان نصفه أعتق عليها، فلها نصف ولائه بذلك ونصف الربع الباقى، هو الثمن، لان النصف الثانى الذى أعتق منه على ابيه لها نصف ولائه، لان اباه عتق عليها وعلى اختها الميتة، فصار نصفه مولى لمولى؛ لها من ولائه النصف، فوجب لها بذلك ربع ولائه، لان المرأة ترث بالولاء معتق معتقها، وترث
[ ١ / ١٣٩ ]
أيضا، نصف الثمن الباقي، لان الثمن، الذي وجب للاخت الميتة من ولائه، لها نصفه، لأنها ابنة لمولى، لها من ولائه النصف، والمرأة ترث بالولاء معتق معتق ولد من اعتقت.
وبالله التوفيق، لا شريك له.