وقال الفقيه الإمام الحافظ أبو الوليد ابن رشد، ﵁ بعد حمد لله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وأهل بيته:
سألت - وفقنا الله واياك - عن الحد الذي يجوز للانسان، بالبلوغ اليه التصرف في ماله، ويرتفع عنه التحجير فيه، ذكرا كان أو اثنى، بكرا كانت او ثيبا. ذوي ابن القاسم كانوا أو يتامى، مولى عليهم كانوا او مهملين، بغير ولاية، وأحكام افعالهم في جميع احوالهم.
فأنا أبين ذلك لك، ملخصا بمبلغ وسعى ومنتهى طاقتي،، ان شاء الله تعالى وبه أستعين، لا رب غيره.
شروط اربعة لصحة التصرف في المال
اعلم - ايدك الله - ان التصرف لا يصح للانسان في ماله الا بأربعة أوصاف، وهي البلوغ، والحرية، وكمال العقل، وبلوغ الرشد
فأما اشتراط الحرية في ذلك فلأن العبد لا يملك ماله ملكا مستقرا إذ لسيده انتزاعه منه فهو مجبور عليه فيه لحق الملك
[ ١ / ٢٨٧ ]
وأما الرشد، فلأن الله ﵎ جعل الاموال قوام العيش وسببا للحياة، وصلاحا للدين والدنيا، ونهى عن اضاعتها وتبذيرها في غير وجوهها، نظرا منه لعباده، ورأفة بهم، فقال: ﴿ولا تبذر تبذيرا ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين﴾ [سورة الاسراء الآية: ٢٦،٢٧] وقال ﴿والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، وكان بين ذلك قواما﴾ [سورة الفرقان الآية: ٦٧]
وأمرنا الا نمكن منها السفهاء حراسة لها من أن تبذر وتنفق في غير وجوهها، فقال ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما / وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا، وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم﴾ [سورة النساء الآية: ٥]
وأما اشتراط البلوغ وكمال العقل في ذلك فلانهما جميعا مشترطان في صحة الرشد وكماله، إذ لا يصح رشد من صبي لضعف ميزه، بوجوه منافعه، ولا من مجنون لسقوط ميزه وذهاب رأيه؛ فوجب الاحتياط للأموال وقطع مادة الضرر عنها، بأن يمنع من التصرف فيها من ليس بأهل التصرف فيها، ويحجر عليه فيها، ويحال بينه وبينها، خشية الإضاعة لها، امتثالا لأمر الله تعالى فيها.
تحديد البلوغ:
فصل وأما البلوغ فحده الاحتلام في الرجال، والمحيض في النساء أو ابن القاسم يبلغ احدهما من السن أقصى سن من لا يحتلم واختلف فيه من خمسة عشر عاما إلى ثمانية عشر عاما واختلف قول
[ ١ / ٢٨٨ ]
مالك فيمن وجب عليه حد، وقد انبت ولم يبلغ اقصى سن من لا يحتلم فادعى أنه لم يحتلم، هل يصدق فيما ادعاه، أو يقام عليه الحد بما ظهر من انباته، على قولين: الأصح منهما تصديقه والا يقام عليه الحد بشك في احتلامه ولا اختلاف عندي أنه لا يعتبر بالإنبات فيما بينه وبين الله تعالى من الاحكام.
تحديد العقل:
واما العقل فمحله القلب، وحده علوم يتميز من وصف بها من البهيمة والمجنون وهي كالعلم بأن الاثنين اكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان وان الجزأين لا بد ان يكونا مجتمعين، أو مفترقين وأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا وما أشبه ذلك.
تحديد الرشد:
فصل، فحد البلوغ وكمال العقل بنيان، تدرك معرفتهما بأدنى حظ من النظر والاستدلال.
وأما الرشد فحده حسن النظر في المال، ووضع الامور فيه مواضعها، واختلف هل من شرط كما له الصلاح في الدين، ام لا على قولين.
وهو مما يخفي ولا تدرك معرفته الا بطول الاختبار في المال والتجربة له فيه، ولهذا المعنى وقع الاختلاف بين أهل العلم في الحد الذي يحكم للانسان فيه بحكم الرشد، ويدفع اليه ماله، ويمكن من التصرف فيه.
[ ١ / ٢٨٩ ]
أربعة أحوال للرشد والسفه
فصل، والاختلاف في هذا انما هو على حسب الاحوال، وهي تنقسم إلى أربعة اقسام:
[١]- حال الأغلب من صاحبها السفه، فيحكم له فيها بحكمه وان ظهر رشده.
[٢]- وحال الاغلب من صاحبها الرشد فيحكم له فيها بحكمه وان ظهر سفهه.
[٣]- وحال محتملة للرشد والسفه، والأظهر فيها السفه، فيحكم له فيها بحكمه، ما لم يظهر رشده.
[٤]- وحال محتملة، أيضا للرشد والسفه، والأظهر فيها الرشد فيحكم له به ما لم يظهر سفهه، على اختلاف كثير بين أصحابنا في بعض هذه الاقسام.
[١]
فصل، فأما الحال التي يحكم له فيها بحكم السفه، وان ظهر رشده فمنها حال الصغير.
لا اختلاف بين مالك وأصحابه: أن الصغير، الذي لم يبلغ الحلم من الرجال والحيض من النساء، لا يجوز في ماله معروف من هبة ولا صدقة ولا عطية ولا عتق، وان أذن له في ذلك الاب أو الوصي، ان كان ذا أب او وصي.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وان باع، أو اشترى، أو فعل ما يشبه البيع والشراء، مما يخرج عن عوض، ولا يقصد فيه إلى فعل معروف كان موقوفا على نظر وليه، ان كان له ولي: فإن رآه سدادا وغبطة أجازة وانقذه، وان رآه بخلاف ذلك رده وابطله، وان لم يكن له ولي قدم له ولي، ينظر له في ذلك بوجه النظر والاجتهاد، وان غفل عن ذلك حتى يلي امره، كان النظر اليه في اجازة إنقاذ ذلك او رده.
واختلف إذا كان فعله سدادا او نظرا، مما كان يلزم الولي أن يفعله، هل له أن يرده، أو ينقضه ان آل الامر إلى خلاف ذلك، بحوالة سوق، أو نماء فيما باعه او نقصان فيما ابتاعه، أو ما يشبه ذلك فالمشهور المعلوم بين المذهب أن ذلك له، وقيل: ان ذلك ليس له، وهو الذي يأتي على ما وقع لاصبغ في الخمسة: وعلى رواية يحيى في كتاب التخيير والتمليك، خلاف ما يقوم مما وقع لاصبغ في نوازله من كتاب المديان والتفليس.
ويلزمه ما أفسد وكسر في ماله، مما لم يؤتمن عليه، ولا يلزمه، بعد بلوغه ورشده عتق ما حلف بحريته، وحنث به، في حال صغره.
واختلف في ما حلف به في حال صغره، وحنث به في حال رشده فالمشهور أنه لا يلزمه وقال ابن كنانة: ذلك يلزمه.
[ ١ / ٢٩١ ]
ولا يلزمه يمين فيما ادعى عليه به، واختلف إذا كان له شاهد واحد هل يحلف مع شاهده أم لا، فالمشهور أنه لا يحلف، ويحلف المدعى عليه: فان نكل غرم، ولم يكن على الصغير يمين اذ بلغ، وان حلف برئ إلى بلوغ الصغير، فاذا بلغ؛ حلف وأخذ حقه، فان نكل لم يكن له شيء، ولا يحلف المدعى عليه ثانية. وقد روى عن مالك والليث أنه يحلف مع شاهده.
ولا شيء عليه فيما بينه وبين الله من الاحكام، والحقوق، لقول رسول الله ﷺ رفع القلم عن ثلاثة، فذكر منهم: "الصبي حتى يحتلم "
فصل ومنها حال البكر ذات الاب أو الوصي، ما لم تعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها، وقد اختلف في حده، على ما سنذكره بعد ان شاء الله تعالى، أو ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها على مذهب من لا يعتبر تعنيسها.
ومنها حال من تثبت عليه ولاية من قبل الاب، أو من قبل السلطان، حتى يطلق منها، على قول مالك، وكبراء أصحابه، خلافا لابن القاسم.
[ ١ / ٢٩٢ ]
[٢]
وأما الحال التي يحكم له فيها بحكم الرشد، وان علم سفهه، فمنها حال السفيه إذا لم تثبت عليه ولاية من قبل أبيه ولا من قبل السلطان على مذهب مالك وأكثر أصحابه، خلافا لا القاسم ايضا، وحال البكر اليتيمة إذا لم تكن في ولاية على مذهب سحنون.
[٣]
وأما الحال التي يحكم فيها بحكم السفه، ما لم يظهر رشده، فمنها حال الابن بعد بلوغه، في حياة ابيه، على المشهور في المذهب، وحال البكر ذات الاب، أو اليتيمة التي لا وصي لها إذا تزوجت ودخل بها زوجها من غير حد ولا تفرقة بين ذات الاب واليتيمة، على رواية ابن القاسم عن مالك، خلافا لمن حد في ذلك حدا، أو فرق بين ذات الاب واليتيمة على ما سنذكره ان شاء الله.
[٤]
فصل: وأما الحال التي يحكم له فيها بحكم الرشد، مالم يظهر سفهه فمنها حال البكر المعنس على مذهب من يعتبر تعنيسها، واختلف في حده، أو التي دخل بها زوجها، ومضى لدخوله بها العام او العامان او السبعة اعوام، على الاختلاف في الحد المؤقت في ذلك بين من وقته، او حال الابن ذي الأب بعد بلوغه والابنة البكر ذات الاب بعد بلوغها على رواية زياد عن مالك.
[ ١ / ٢٩٣ ]
تطبيق الحالات الاربع على الابن
فصل، ولا يخرج عن هذا التفصيل الذي فصلناه وقسمناه إلى اربعة اقسام، شيء من الاختلاف الحاصل بين اصحابنا في هذا الباب.
وأنا أذكر من ذلك ما حضر لي حفظه باخصر ما اقدر عليه، ان شاء الله.
أما الابن فهو في ولاية أبيه، ما دام صغيرا، لا يجوز له فعل الا بإذنه ولا هبة ولا صدقة، وان كان ذلك باذنه، فاذا بلغ فلا يخلو امره من ثلاثة احوال:
احدها: ان يكون معلوم الرشد.
والثاني: ان يكون معلوم السفه.
والثالث: ان يكون مجهول الحال، لا يعلم رشده من سفهه.
فأما إذا كان معلوما بالرشد، فأفعاله جائزة، ليس للاب ان يرد شيئًا منها وان لم يشهد على اطلاقه من الولاية، فقد خرج منها من بلوغه مع ما ظهر من رشده.
وأما إذا كان معلوما بالسفه فلا يخرجه الاحتلام من ولاية ابيه وأفعاله كلها مردودة: غير جائزة.
وأما إذا كان مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه؛ فاختلف فيه على قولين احدهما: انه محمول على سفهه، حتى يثبت رشده وهو نص رواية يحيى عن ابن القاسم في كتاب الصدقات والهبات، قال فيها: ليس الاحتلام بالذي يخرجه من ولاية ابيه، حتى تعرف حاله، ويشهد العدول على صلاح امره، وهو ظاهر سائر الروايات عنه وعن مالك [٥٠] ﵀ في المدونة وغيرها، من ذلك ما وقع في المدونة في الكتاب
[ ١ / ٢٩٤ ]
الاول من النكاح وفي كتاب الهبة والصدقة وفي متاب الجعل والاجارة.
والثاني: انه محمول على الرشد حيث يثبت سفهه، ويخرج بالاحتلام من ولاية ابيه، إذا لم يعرف سفهه، وان لم يعرف رشده روى ذلك زياد عن مالك، وهو ما وقع في اول كتاب النكاح في المدونة في قوله: إذا احتلم الغلام فله ان يذهب حيث شاء الا ان يتأول انه اراد: بنفسه لا بماله كما تأول ابن أبي زيد ﵀.
واستحسن بعض الشيوخ الا يخرج من ولاية ابيه حتى يمر به بعد الاحتلام العام ونحوه، والى هذا ذهب ابن العطار في وثائقه؛ على انه اضطرب في ذلك قوله فذكر انه يجوز للرجل تسفيه ابنه الا ان يكون معلوما بالسفه، ولم يفرق بين قرب ولا بعد.
وحكى غيره من الموثقين: ان تسفيهه جائز، وان لم يعلم سفهه، إذا كان بحرارة بلوغه قبل انقضاء عامين.
فصل: فان مات الاب، وهو صغير، وأوصى به إلى احد، او قدم عليه السلطان، فلا يخرج من ولاية وصي ابيه او مقدم السلطان، حتى يخرجه منها الوصي او السلطان ان كان الوصي مقدما من قبله.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وأفعاله كلها مردودة وان علم رشده ما لم يطلق من الحجران هذا قول ابن زرب: ان الوصي من قبل القاضي لا يطلق من الولاية الا باذن القاضي وقد قيل: ان اطلاقه من إلى نظره، بغير اذن القاضي جائز وان لم يعرف رشده الا بقوله، وقيل لا يجوز اطلاقه اياه بغير اذن القاضي الا ان يكون معروفا بالرشد إذا عقد له بذلك عقدا ضمنه معرفة شهدائه لرشده.
وأما وصي الاب فاطلاقه جائز، وهو مصدق فيما يذكر من حاله، وان لم يعرف ذلك الا من قوله، وقيل: ان اطلاقه لا يجوز الإ إن تبين حاله ويعلم رشده؛ وهي رواية أصبغ عن ابن القاسم، في كتابه الوصايا من العتبية.
فصل: وأما قولنا إن افعاله كلها مردودة وان علم رشده ما لم يطلق من ثقاف الحجران، الذي لزمه هو المشهور في المذهب المعمول به؛ وقد قيل: ان حاله مع الوصي كحاله مع الاب، وانه يخرج من ولايته إذا علم رشده، او جهل حاله على الاختلاف المتقدم وهو ظاهر ما وقع في كتاب الهبة والصدقة من المدونة قوله:
فقد منعهم الله تعالى من أموالهم مع الاوصياء بعد البلوغ، الا بالرشد فكيف مع الأباء الذين هم أملك بهم الاوصياء، وانما الاوصياء بسبب
[ ١ / ٢٩٦ ]
الأباء ونحوه لابن الماجشون في الواضحة قال ان البكر: إذا عنست أو نكحت جازت افعالها كانت ذات أب او وصي.
وأما ابن القاسم فمذهبه: ان الولاية لا تعتبر بثبوتها، إذا علم الرشد ولا بسقوطها إذا علم السفه، أعني في اليتيم لا في البكر، وقد روى ابن وهب عن مالك مثل قول ابن القاسم.
وروى زونان عن ابن القاسم: ان من ثبتت عليه ولاية فلا تجوز افعاله حين يطلق منها، وان ظهر رشده، مثل قول مالك وكبار أصحابه.
فصل: فان مات الاب ولم يوص به إلى أحد، ولا قدم عليه السلطان وصيا ولا ناظرا، ففي ذلك اربعة اقوال:
احدها: قول مالك وكبراء اصحابه: ان افعاله كلها بعد البلوغ جائزة نافذة رشيدا كان او سفيها معلنا بالسفه او غير معلن اتصل سفهه من حين بلوغه أو سفه بعد أن أونس منه الرشد من غير تفصيل في شيء من ذلك.
والثاني: قول مطرف وابن الماجشون: انه ان كان متصل السفه من حين بلوغه، فلا يجوز شيء من افعاله، وأما ان سفه وبعد ان اونس منه الرشد، فافعاله جائزة عليه، ولازمة له ما لم يكن بيعه بيع سفه وخديعة بينة مثل ان يبيع ثمن ألف دينار بمائة دينار وما أشبه
[ ١ / ٢٩٧ ]
ذلك فلا يجوز عليه ولا يتبع باثمن: ان افسده، من غير تفصيل بين ان يكون معلنا او غير معلن به.
والثالث قول اصبغ: إنه كان معلنا بالسفه، فافعاله غير جائزة وان لم يكن معلنا به فافعاله جائزة من غير تفصيل بين ان يتصل سفهه او لا يتصل.
[٥١] (٤) وذهب ابن القاسم إلى أن ينظر إلى حاله، يوم بيعه وابتياعه فان كان رشيدا جازت افعاله، وان كان سفيها لم يجز منها شيء من غبر تفصيل بين ان يتصل سفهه او لا يتصل، واتفق جميعهم: ان افعاله جائزة لا يرد منها شيء، ان جهلت حاله، ولم يعلم بسفه ولا رشد.
تطبيق حالات الرشد والسفه على البنت البكر
فصل: وأما الابنة البكر فلا اختلاف أيضا بين اصحابنا ان افعالها مردودة غير جائزة ما لم تبلغ المحيض، فاذا بلغت المحيض فلا يخلو أمرها من ثلاثة احوال:
أحدها ان تكون ذات أب
والثاني ان تكون يتيمة ذات وصي قد اوصى عليها او سلطان
والثالث: ان تكون يتيمة لا وصي لها من قبل ابيها ولا مقدما من قبل السلطان.
[١]
فأما ذات الاب فاختلف فيها على ثمانية اقوال:
أحدها: رواية زياد عن مالك: انها تخرج، بالمحيض، من ولاية أبيها، ومعنى ذلك عندي: إذا علم رشدها، أو جهل حالها، وأما إذا علم سفهها فهي باقية في ولايته.
[ ١ / ٢٩٨ ]
والثاني قول مالك في الموطأ والمدونة وفي الواضحة من رواية مطرف عنه: أنها في ولاية ابيها حتى تتزوج ويدخل بها زوجها ويعرف من حالها أي يشهد العدول على صلاح امرها، فهي على قول مالك هذا – ما لم تنكح، ويدخل بها زوجها ويعرف من حالها في ولايته، مردودة افعالها وفاذا دخل بها زوجها، حملت على السفه، وأقرت في ولايته وردت افعالها ما لم يظهر رشدها،، ان علم رشدها وظهر حسن حالها جازت افعالها وخرجت من ولاية ابيها وان كان ذلك بقرب بناء زوجها عليها، الا ان مالكا استحب في رواية مطرف عنه: ان يؤخر أمرها العام نحوه، استحباب من غير ايجاب.
والثالث: انها في ولاية ابيها ما لم تعنس، او يدخل بها زوجها ويعرف من حالها، فهى، على هذه الرواية، بعد التعنيس محمولة على الرشد، مجوزة افعالها، ما لم يعلم سفهها وقبله: مردودة افعالها وان علم رشدها.
[٤] ولا تخلو ان تزوجت، ان يكون دخول زوجها بها قبل حد التعنيس أو بعده، فان دخل بها قبل حد التعنيس فهي من يوم يدخل بها إلى ان تبلغ حد التعنيس، محمولة على السفه، حتى يتبين رشدها وبعد بلوغها حد التعنيس محمولة على الرشد حتى يعلم سفهها.
وان دخل بها بعد التعنيس فلا يؤثر دخوله في حكمها الذي قد ثبت لها بالتعنيس، من كونها محمولة على الرشد حتى يتبين سفهها.
وقد اختلف في حد التعنيس هذه فقيل: اربعون عاما وقيل: من الخمسين إلى الستين.
[ ١ / ٢٩٩ ]
[٥] وروى عن مالك ان هباتها واعطياتها وعتقها جائزة بعد التعنيس ان اجازها الوالد، معناه ان قال الوالد في المجهولة الحال: انها رشيدة في احوالها؛ اذ التي علم سفهها لا يجوز للوالد اجازة اعطياتها والتي علم رشدها لا يجوز للوالد ردها اعطياتها.
فعلى هذه الرواية لم يحمل المعنسة المجهولة الحال على السفه ولا على الرشد واعمل قول الوالد في ذلك.
فهذا القوا الثالث يتفرع على ثلاثة اقوال، على ما بيناه، تتمه خمسة اقوال.
والقول السادس: انها في ولاية أبيها حتى تمر بها سنة بعد دخول زوجها وهو قول مطرف في الواضحة، وظاهر قول يحيى بن سعيد في المدونة.
فعلى هذا القول، تكون افعالها قبل دخول زوجها بها، مردودة وان علم رشدها، وبعد دخول زوجها؛ ما بينة وبين انقضاء العام مردودة ما لم يعلم رشدها وبعد انقضاء العام جائزة ما لم يعلم سفهها ووافقه ابن الماجشون، في تجويز السنة وخالفه في ترك الاعتبار بالتعنيس فرأى انها إذا عنست وعلم حسن حالها، وخرجت من ولاية ابيها ووصيها.
والقول السابع: أنها في ولاية ابيها حتى تمر بها عامان، وهو قول ابن نافع في كتاب الصدقات، والهبات من العتبية.
[ ١ / ٣٠٠ ]
والقول الثامن: انها في ولاية أبيها حتى تمر بها سبعة أعوام.
وهذا القول يعزى إلى القاسم، وبه جرى العمل عندنا.
وقال ابن ابى زمنين: إن الذى ادرك عليه الشيوخ ان تجوز افعالها، وتخرج من ولاية ابيها إذا مضى لها في بيت زوجها من الستة اعوام إلى السبعة، ما لم يجدد / الاب عليها السفة، قبل ذلك.
[٥٢] وهذا قريب من القول الثامن، فيكون حالها، بعد هذا الامد، محمولا على الرشد حتى يعلم خلافه، على ما بيناه. وقول ابن ابى زمنين: «ما لم يجددالاب عليها السفة قبل ذلك» به كان يفتى القاضى ابن زرب، ﵀، واليه ذهب ابن العطار في وثائقه، وهو أمر مختلف فيه، كان ابو عمر اتلاشبيلى نصف ﵀ يذهب إلى ان ذلك لا يجوز عليها، ولا يلزمها، الا ان يكون قد تضمن عقد التجديد للسفه معرفه شهدائه لسفهها، وبه كان يفتى ابو عمر ابن القطان، ﵀، وهو القياس على مذهب من حد لجوازافعالها حدا، لانه حملها، ببلوغها اليه، على الرشد، وأجاز افعالها، فلا يصدق الاب، في ابطال هذا الحكم لها، بما يدعيه من سفهها، الا ان تعلم صحة قولها.
ويتخرج قول ابن ابى زمنين، ومن ذهب نذهبه، على الرواية، التى
[ ١ / ٣٠١ ]
رويت عن مالك: ان عتقها وهباتها وصدقاتها جائزة بعد التعنيس ان أجازها الوالد.
وقد تكلمنا على معنى الرواية، بما يؤيد تأويلنا هذا فيها.
بين التسفيه ةالإيصاء على البنت بعد الزواج
فصل: اختلف، ايضا، المتأخرون من شيوخنا، الذين حكموا باعمال التسفيه عليها، في الاب يولى على ابنته بعد دخول زوجها بها، وقبل ان تبلغ الحد، الذى وقت لجوازافعالها؛ ثم تتراخى مدته. إلى ان تبلغ ذلك الحد، ثم يموت بعد ذلك، هل يلزمها حكم تلك الولاية الثابتة ام لا، على قولين؛ فمنهم من رأى ايصاءه عليها لازما كتجديده السفه عليها، الذى لا تنفك عنه وتخرج منه الا بثبات رشدها بالبينة العادلة، ومنهم من لم ير ذلك لازما لها، بخلاف تجديد السفه عليها، وقالوا: ذلك بمنزلة الاب يولى على ابنته، وهى بكر ثم يزوجها، فتقيم مع زوجها سبع سنين او أكثر فيموت: ان الايصاء، ساقط عليها، واحتجوا، ايضا برواية أشهب عن مالك، الواقعة في كتاب الوصايا من العتيبة.
ولم أعلمهم اختلفوا في لزوم الولاية لها، إذا وصى عليها، بعد دخول زوجها بها، ثم مات، قبل بلوغها الحد الذى وقت لخروجها من ولايته، ولا يبعد دخول الاختلاف في ذلك بالمعنى.
وأما من أوصى على ابنته، وهى صغيرة، او بكر، ثم مات وهى بكر قبل دخول زوجها بها، أو بعد دخول زوجها بها: قبل مضى المدة الموقتة لخروجها من ولايته، فالولاية لها لازمة.
[ ١ / ٣٠٢ ]
[٢]
فصل: واما ان كانت يتيمة، ذات وصى من قبل أبيها، أو مقدم من قبل القاضى، فلا تخرج من الولاية وان عنست، أو تزوجت، ودخل بها زوجها وطال بها زمانها، وحسنت حالها، ما لم تطلق من ثقاف الحجران، الذى لزمها بما يصح اطلاقها منه به، وقد بينا ذلك قبل هذا، هذا هو المشهور في المذهب المعمول به.
وقد تقدم من قول ابن الماجشون: أن حالها مع الوصى كحالها مع الاب، في خروجها من ولايته بالتعنيس، أو النكاح؛ يريد مع طول المدة وتبين الرشد، وهى رواية مطرف، وابن عبد الحكم، وعبد الرحيم عن مالك.
[٣]
واما ان كانت يتيمة لم يول عليها أب ولا وصى، فاختلف فيها على قولين: أحدهما: أن افعالها جائزة إذا بلغت المحيض، وهو سحنون في العتبية، وقول غير ابن القاسم في المدونة ورواية زياد عن مالك.
والثانى: ان افعالها مردودة ما لم لم تعنس.
واختلف في تعنيس هذه على خمسة اقوال: احدها، وثلاثون سنة، وهو قول ابن الماجشون، وقيل أقل من الثلاثين، وهو ابن نافع، وقيل: اربعون، وهى رواية مطرف عن مالك، وأصبغ عن ابن القاسم،
[ ١ / ٣٠٣ ]
وقيل من الخمسين إلى الستين وهى رواية سنحنونعن ابن القاسم.
وفي المدونة لمالك من رواية ابن القاسم عنه: ان افعالها لا تجوز حتى تعس وتقعد عن المحيض، او ما لم تتزوج ويدخل بها زوجها، وتقيم معه مدة، يحمل أمرها فيها على الرشد، قيل: اقصاها العام، وهو قول ابن الماجشون، واليه ذهب ابن العطار في وثائقه، وقيل: ثلاثة اعوام ونحوها.
[٥٣] وقال ابن ابى زمنين: ان الذى أدرك الشيوخ عليه: ألا تجاز / افعالها حتى يمر بها في بيت زوجها مثل السنتين والثلاث.
احكام السفيه
فصل: قد أتينا، بحمد الله، على شرطنا من بيان الحدود المتميزة بين من يجوز فعله ممن لا يجوز في الأبكار وغيرهن، فنرجع الان إلى ذكر القول في احكام افعال من لا تجوز افعاله من السفهاء البالغين؛ إذ قد تقدم القول في احكام افعال الصبيان، فنذكر من ذلك ما أمكن ذكره، وحضر حفظه على شرط الايجاز والاختصار، وترك التطويل والاكثار، ان شاء الله وهو المستعان.
اعلم، أيده الله، أن السفيه البالغ يلزمه جميع حقوق الله، التى اوجبها على عبادة، في بدنه، وماله، ويلزمه ما وجب بدنه من حد او قصاص ويلزمه الطلاق، كان بيمين حنت فيها، أو بغير يمين، وكذلك الظهار وينظر له وليه فيه بوجه النظر؛ فان رأى ان يعتق عنه،
[ ١ / ٣٠٤ ]
وتمسك عليه زوجيه، فعل، رأى الا يعتق عنه، وان آل ذلك إلى الفراق بينهما، كان ذلك، ولا يجزئه الصيام ولا الإطعام، إذا كان له من المال ما يحمل عتق رقبته. وقال محمد بن المواز: إذا لم له وليه، ان يكفر عنه بالعتق فله هو ان يفكر بالصيام، فلا تطلق عليه في مذهبه، الا بعد ان يضرب له الايلاء، ان طلبت امرأته ذلك، لان له ان يفكر بالصيام.
وعلى القول الاول، تطلق عليه من غير ان يضرب له أجل الايلاء، إذا رفعت المرأة ذلك، وهو قول أصبغ، ولا حد في ذلك عند ابن القاسم.
وقال ابن كنانة: لا يعتق عنه وليه الا في اول مرة، فان عاد إلى الظهار، لم يعتق عنه، لان المرة الواحدة تأتى على الحليم والسفيه والى هذا ذهب محمد بن المواز.
وأما الايلاء فان دخل عليه بسبب يمين بالطلاق، وهو فيها على حنث، او بسبب امتناع وليه عن ان يكفر عنه في الظهار، لزمه، وأما ان خلف على ترك الوطء فينظر إلى يمينه، فان كانت بعتق او صدقة او ما أشبه بذلك، مما لا يجوز له فعله، ويحجر عليه في ذلك وليه، لم يلزمه به إيلاء، وان كانت بالله تعالى، لزمه الايلاء ان لم يكن له مال، ولم يلزمه إن كان له مال.
وان كانت يمينه بصيام ارجبه على نفسه، أو صلاة او ما أشبه ذلك مما يلزمه، لزمه الايلاء.
[ ١ / ٣٠٥ ]
وعلى قول محمد بن المواز يلزمه الايلاء باليمين بالله تعالى، وان كان له مال.
ولا يلزمه هبة، ولا صدقة، ولا عطية، ولا شىء من المعروف في ماله، الا ان يعتق أم ولده. فيلزمه عتقها، لانها تشبه الزوجة التى ليس له فيها الا الاستمتاع بالوطء.
واختلف هل يتبعها مالها ام لا على ثلاثة اقوال: أحدها: انه يتبعها، وهو قول مالك في رواية أشهب عنه، والثانى: انه لا يتبعها وهى رواية يحيى عن ابن القاسم، الثالث: التفرقة بين ان يكون مالها قليلا او كثيرا، وأراه قول اصبغ.
وقال المغيرة وابن نافع: لا يلزمه عتقها ولا يجوز عليه، بخلاف الطلاق.
ولا يجوز إقراره بالدين، الا ان يقربه في مرضه فيكون في ثلث ماله، قاله ابن كنانة، واستحسن ذلك أصبغ، ما لم يكثر، وان حمله الثلث.
وأما بيعه وشراؤه، ونكاحه، وما أشبه ذلك، مما يخرج عن عوض، ولا يقصد به قصد المعروف، فانه موقوف على نظر وليه، ان كان له ولى: ان رأى ان يجيزه اجازه، وان رأى ان يرده رده، بوجه النظر له والاجتهاد، وان لم يكن له ولى قدم له القاضى ناظرا، ينظر له في ذلك نظر الوصى، فان لم يفعل حتى ملك امره، كان هو مخيرا في رد ذلك واجازته: فان رد بيعه وابتياعه وكان قد أتلف الثمن،
[ ١ / ٣٠٦ ]
الذى باع به، او السلعة التى ابتاعها، لم يتبع ما له بشىء من ذلك.
واختلف ان كانت امة فأولدها، فقيل: إن ذلك فوت، ولا ترد، وقيل: ان ذلك ليس بفوت كالعتق وترد، ولا يكون عليه من قيمة الولد شىء.
واختلف ان كان قد أنفق الثمن فيما لا بد له منه، مما تلزمه اقامته، المسلمين يتبع ماله بذلك ام لا، على قولين.
وان كان الذى اشترى المشترى منه، أمه، فأولدها أو أعتقها، او غنما فتناسلت او بقعة فبناها، أو شيئًا له غلة فاغتله، كان حكمه في جميع ذلك، حكم من اشترى من مالك، فيما يرى، فاستحق من يده ما اشترى بعد ان أحدث فيه ما ذكرت، ترد إلى المولى / عليه الامة التى [٥٤] اعتقها وينقض العتق فيها، ويأخذ الامة التنى ولدت وولدها منه بالقيمة على الاختلاف المعلوم في ذلك، وان كان الولد من غيره بتزويج، أخذهم مع الام، وكذلك يأخذ الغنم ونسلها وكان عليه فيما بناه قيمة بنيانه قائما، وكانت الغلة، التى اغتل، له بالضمان.
هذا كله ان كان لم يعلم بانه مولى عليه، لا يجوز بيعه، وأما ان علم أنه مولى عليه، متعد في البيع بغير اذن وليه، فيما بناه، قيمته منقوضا. واختلف، فيما فوت السفيه من ماله بالبيع والهبة والصدقة والعتق، وما أشبه ذلك، فلم يعلم به حتى مات، هل يرد بعد الموت ام لا، على قولين.
[ ١ / ٣٠٧ ]
واختلف، إذا تزوج، فلم يعلم وليه بنكاحه حتى مات هل ترد المرأة ويلزمه الصداق ام لا، على ثلاثة اقوال:
أحدها: انه لا ميراث لها، ولا صداق، الا ان يكون قد دخل، فيكون لها منه قدر ما تستحل به.
والثانى: ان لها الميراث وجميع الصداق.
والثالث: ان لها الميراث، وينظر الولي في النكاح: فان كان نكاح غبطة مما لو نظر فيه الولي في حياته لم يفسخه وأجازه، فلها الصداق مع الميراث، دخل بها او لم يدخل بها، وان كان نكاحه نكاح فساد، وعلى غير وجه غبطة، وجب لها الميراث، وردت الصداق، دخل بها، او لم يدخل بها، ويترك لها في الدخول ربع دينار؛ وهذا قول اصبغ في الخمسة، والقولان المتقدمان لابن القاسم، وهما جاريان على الاختلاف في فعله هل هو على الجواز حتى يرد، او على الرد حتى يجاز.
واختلف هل يزوجه الولي بغير امره كالصغير، ام لا يزوجه إلا بامره، على قولين قائمين من المدونة، منصوصين في الواضحة.
وكذلك اختلف، أيضا، هل يخالع عنه بغير اذنه ام لا، على قولين فله في المدونة: الا يخالع عنه الا باذنه، وروى عيسى عن ابن القاسم: انه يخالع عنه بغير اذنه كالصبي.
ويلزمه في ماله ما افسد وكسر؛ ما لم يؤتمن عليه باتفاق، ومما ائتمن عليه باختلاف.
[ ١ / ٣٠٨ ]
ولا تلحقه يمين فيما ادعى به في ماله. وأما إذا ادعى عليه مما يجوز عليه فيه اقراره فتلحقه فيه اليمين، ويحلف مع شاهده في حق يكون له، فان حلف استحق حقه، وان نكل عن اليمين حلف المدعي عليه وبرىء في مذهب ابن القاسم، وقال ابن كنانة: ان نكل عن اليمين حلف المدعى، وبرىء إلى ان تحسن حاله فيكون له ان يحلف مع شاهده، ويستحق حقه كالصغير إذا بلغ.
ويعقل مع العاقلة ما لزم العاقلة من الجرائر ويجوز عفوه عن دمه، خطأ كان او عمدا. واختلفت في عفوه عما دون النفس مما في بدنه من الجراح او الشتم هل يجوز ذلك أم لا على قولين:
احدهما: قول مطرف وابن الماجشون: ان عفوهم لا يجوز في شىء من ذلك.
والثانى قول ابن القاسم: ان عفوهم، عن كل ما ليس لمال جائز.
واختلف في شهادته، ان كان مثله لو طلب ماله أخذه، وهو عدل: فروى اشهب عن مالك: أن شهادته جائزة، وقال اشهب: لا تجوز، وهذا الذي يأتى على المشهور من مذهب مالك: ان المولى عليه لا تجوز أفعاله، وان كان رشيدا في احواله، حتى يخرج من الولاية.
هذه بندة من احكام المولى مختصرة، ملخصة، مجموعة. وهي قائمة من الاصول، استخرجتها منها بجد عنايتى، وإعمال نظرى.
والله ولى التوفيق والهداية، وما توفيقى الا بالله، ﴿وما كنا لنهتدى لولا ان هدانا الله﴾.
﴿سورة الاعراف: ٤٣﴾
[ ١ / ٣٠٩ ]
تمت مسألة التسفيه والترشيد بحمد الله، وحسن عونه لا اله غيره.