قال الفقيه، الإمام الحافظ، ابو الوليد محمد بن احمد بن أحمد ابن رشد ﵁:
سأل عن آل النبي ﷺ الذين جاء فيهم: أن الصدقة لا تحل لهم وعن قرابته الذين جعل الله لهم حظا في الفيء، وخمس
[ ١ / ٣٣١ ]
الغنيمة، من هم؟ وما يحرم عليهم من الصدقة، ويجب لهم من الفيء حقا وخمس الغنيمة؟
فقلت: آل النبي ﵊، الذين جاء فيهم: ان الصدقة لا تحل لهم هم ذوو القربى، الذين جعل الله لهم حقا في الفيء وخمس الغنيمة فقال تعالى:
﴿واعلموا أنما غنتم من شيء فان لله خمسة وللرسول ولذي القربى﴾ [سورة الأنفال الآية: ٤١]
وقال تعالى ﴿وماأفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى﴾ [سورة الحشرة الآية: ٧]
لأن الله تعالى وجل عوضهم ذلك، من الصدقة، التي حرمهم اياها، إكراما لهم لأنها أوساخ الناس يغسلونها عنهم، فنزلهم الله تعالى عنها؛ لما في أخذها من الغضاضة والمهانة لكونها غسالة، وأبدلهم منها ما هو اخذه شرف ورفعة، لأنه مأخوذ على وجه الغلبة والعزة، واعلاه الذكر واعلاه كلمة الدين واصغار المشركين.
سبعة أقوال في تعيين آل النبي ﵇.
وقد اختلف أهل العلم في تعيينهم على سبعة أقوال:
أحدها: انهم بنو هاشم، وهم كل من يلتقي مع النبي ﵇، في هاشم أبي جده لأنه، ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن
[ ١ / ٣٣٢ ]
خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن سعد بن عدنان فبنو هاشم هم ولد عبد المطلب من بني هاشم، ما تناسلوا، وان بعدوا: آل عباس وآل على وآل جعفر وآل عقيل، اذ لم يعقب احد من ولد هاشم سوى عبد المطلب والى هذا ذهب أكثر أهل العلم.
والحجة لهم: ما روى أن رسول الله ﷺ قال: ﴿ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل واصطفى قريشا من كنانة بني هاشم من قريش واصطفاني من بني هاشم﴾.
وما روى، أيضا عن على بن أبي طالب، ﵁، أنه قال: " لما نزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين " قال لي رسول الله ﷺ ﴿يا على، اجمع لي بني عبد المطلب، وهم أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه﴾، وفي رواية أخرى عنه: قال: قال لي رسول الله ﷺ ﴿اجمع لي هاشم وهم أربعون رجلا، أو اربعون الا رجلا﴾
وما روى عن ابن عباس انه قال: نحن هم يعني آل محمد وقد أبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلها قربى﴾
والثاني: أنهم بنو هاشم المذكورون وبنو عبد المطلب خاصة من بني عبد مناف ما تناسلوا وان بعدوا والى هذا ذهب الشافعي.
[ ١ / ٣٣٣ ]
والحجة له إدخال رسول الله ﷺ بني عبد المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى لدخولهم معهم في الشعب وذلك ان كفار قريش اجمعوا لأمرهم على أن يقتلوا رسول الله ﷺ وبذلوا [٦٣] فيه لقومه بني هاشم ديته مضاعفة على أن يسلموه فأبوا ومنعوه وظاهرهم على ذلك بنو عبد المطلب فلما رأوا أنهم منعوه ويئسوا مما أرادوا اخرجوهم من مكة إلى الشعب وتعاقدوا على منابذتهم، وترك مناكحتهم ومبايعتهم، فأدخلهم رسول الله ﷺ من أجل ذلك في سهم ذوي القربى، وقال " انما بنو هاشم وبنو عبد المطلب هكذا وشبك بين أصابعه "
والثالث: انهم بنو هاشم وبنو عبد مناف كلهم ما تناسلوا، وان بعدوا.
وهذا القول يتخرج على ما روى ان الله ﷿، لما انزل: " وأنذر عشيرتك الاقربين " انطلق رسول الله ﷺ إلى رضفة جبل فعلا عليها، ثم قال: " يا بني عبد مناف، اني نذير لكم بين يدي عذاب
[ ١ / ٣٣٤ ]
شديد فبين بمناداته اياهم انهم عشيرته الاقربون وعشيرته الاقربون: هم آله على ما قاله اصبغ بن الفرج وغيره.
والرابع: انهم بنو هاشم وبنو عبد مناف وبنو قصي، وما تناسلوا، وان بعدوا.
وهذا القول يتخرج، ايضا على ما روى ان النبي ﷺ قال: ﴿يا بني هاشم، يا بني قصي يا بني عبد مناف، انا النذير، والموت المغير والساعة الموعد﴾ لانه لما انتهى لمناداته إلى قصي، دل ذلك على ان من فوقهم ليس من آله، الذين هم عشيرته الاقربون.
والخامس: انهم بنو هاشم وبنو عبد مناف، وبنو قصي وبنو كلاب، وبنو مرة وبنو كعب وما تناسلوا، وان بعدوا.
وهذا القول يتخرج على ما روى عن أبي هريرة قال: لما نزلت: " وأنذر عشيرتك الاقربين " قام نبي الله ﷺ فنادى: يا بني كعب بن لؤى، انقدوا انفسكم من النار، يا بنى عبد مناف: انقذوا انفسكم من النار، يا بني عبد المطلب انقذوا انفسكم من النار يا فاطمة ابنة محمد انقذي نفسك من النار، فاني لا املك لكم من الله شيئًا، غير ان لكم رحما سابلها ببلالها "
[ ١ / ٣٣٥ ]
ان هذا الحديث يدل على ان آله وعشيرته الاقربين بنو كعب فمن دونهم.
والسادس: انهم بنو هاشم، وبنو عبد مناف، وبنو قصي وبني كلاب وبنو مرة وبنو كعب وبنو لؤي وبنو غالب.
والى هذا ذهب اصبغ بن الفرج من اصحابنا واستدل بما روي ان رسول الله ﷺ نادى، يوم نزلت: " وأنذر عشيرتك الاقربين " يا آل قصي، يا آل غالب يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله اعملوا لما عند الله، فاني لا املك من الله شيئًا "
والسابع: انهم قريش كلهم وهو بنو فهر فمن دونهم، وما تناسلوا وان بعدوا وقيل: انهم بنو النضير بن كنانة فمن دونهم وما تناسلوا وان بعدوا.
والى هذا ذهب جماعة من الصحابة، على ما روى ابن عباس، انه قال: نحن هم - يعني آل محمد وقد ابى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها قربى.
ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا ما روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ حين انزل الله عليه " وأنذر عشيرتك الاقربين " يا معشر قريش واشتروا انفسكم من الله، لا اغنى عنكم من الله شيئًا.
[ ١ / ٣٣٦ ]
هل تحل الصدقة لموالي آل البيت؟
فصل، فهذا جملة الاختلاف في تعيين آل النبي ﵇ واختلف في مواليهم، فقيل انهم يدخلون مدخلهم، فيما لهم من الفييء وخمس الغنيمة، وفي تحريم عليهم، لقول رسول الله ﷺ: " مولى القوم منهم "
وقيل: انهم لا يدخلون مدخلهم في ذلك وان معنى الحديث انما هو في البر والحرمة، لا فيما يجب لهم، ويحرم عليهم.
الصدقة المحرمة على آل البيت هي الزكوات والكفارات
فصل، والصدقة التي تحرم على آل النبي ﵇ في قول كافة العلماء، هي الزكوات والكفارات، واما صدقة التطوع، مثل ان يجعل الرجل شيئًا من ماله صدقة صدقة على المساكين، فاختلف هل يحل ان يعطي من ذلك لفقراء آل النبي ﷺ شيء ام لا على قولين.
وجائز ان يتصدق الرجل على من شاء منهم بما شاء من ماله تطوعا.
[ ١ / ٣٣٧ ]
والاصل في جواز ذلك ما روي عن ابن عباس قال: قدمت عير [٦٤] المدينة فاشترى منها النبي ﵊ / متاعا، فباعه بربح اواق من فضة، فتصدق بها على ارامل لبني عبد المطلب، ثم قال: لا اعود ان اشترى بعدها شيئًا، وليس ثمنه عندي.
وحكم النبي ﵇ في خاصة نفسه خلاف هذا، فانه كان لا يقبل الصدقة، ويقبل الهدية، وكان إذا أتي بالشيء سأل اهديه ام صدقة؟ فان قالوا: صدقة قال لاصحابه: كلوا وامسك هو وان قالوا: هدية، بسط يده.
ستة اقوال لتعيين آل البيت في الفيء وخمس الغنيمة
فصل، واما حقهم في الفيء وخمس الغنيمة فاختلف فيه على ستة اقوال:
احدهما: انه لا يتعين لهم في ذلك حق ولا لسائر الاصناف المذكورين في الآتيين الا ما يراه الإمام بنظره واجتهاده ان رآه لانهم على هذا القول انما ذكروا تأكيدا لامرهم، لا ان يخصوا بذلك، دون سائر منافع المسلمين، والى هذا ذهب ما لك ﵀.
[ ١ / ٣٣٨ ]
والثاني ان يقسم ذلك بالاجتهاد، بين الاصناف المذكورين في الآتيين ولا يخرج منه شيء عنهم إلى غيرهم.
والثالث: انه يقسم على ستة اسهم بالسواء، سهم لله تعالى، يجعل في سبيل الخير، وسهم لرسول الله ﷺ وسهم لقرابته، وسهم لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
والرابع: انه تؤخذ منه قبضة فتجعل في الكعبة ويقسم الباقي بالسواء على الخمسة الاصناف المذكورين.
والخامس: انه يقسم على خمسة اسهم بالسواء ويجعل لله مفتاح الكلام، لان الدنيا وما فيها لله.
والسادس: انه يقسم على اربعة اسهم بالسواء، لذوي القربى، واليتامى والمساكين وابن السبيل ويكون معنى قوله: لله وللرسول ان لهما الحكم في قسم ذلك بين من سمي في الآتيين.
ثلاثة اقوال في مصير سهم الرسول والقرابة بعد وفاته ﵇.
فصل، وقد اختلف الذين رأوا ان الفيء وخمس الغنيمة يقسمان على خمسة اسهم في سهم رسول الله ﷺ وسهم قرابته بعد وفاته: فقالت طائفة منهم: يجعل في الكراع والسلاح.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقالت طائفة: يكون سهم رسول الله ﷺ للخليفة بعده وسهم قرباته لقرابة الخليفة بعده.
وقالت طائفة: منهم يقسم سهم رسول الله ﷺ على سائر الاصناف ويكون سهم قرابته باقيا عليهم إلى يوم القيامة.
ومن ذهب إلى ان سهم قرابة رسول الله ﷺ يسقط بوفاته لم يحرم عليهم الصدقة والى هذا ذهب ابو حنيفة في احد قوليه حكاه الطحاوى عنه وهو بعيد روي عن ابن عبد الله بن عباس ﵁ انه قال: ما اختصنا رسول الله ﷺ بشيء دون الناس الا بثلاث اسباغ الوضوء والا نأكل من الصدقة والا ننزي الحمر على الخيل.
واخباره ﵁، بهذا بعد وفاة النبي ﷺ دليل على بقاء ذلك الحكم لهم وقيامه فيهم، إلى يوم القيامة، والله اعلم.
وبه التوفيق، ولا شريك له.