قال الفقيه، الإمام الحافظ أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد ﵁.
سألني بعض من يعنى بطلب العلم من أصحابنا تحصيل القول في الرجل يبيع سلعته من رجلين واحد بعد الآخر وتلخيص وجوه الحكم فيما يقع بينهم من التداعي في ذلك اذ تشعبت عليه وجوه المسألة والتبست عنده معانيها.
فأجبته إلى ذلك، رجاء ما وعد الله به من الثواب من بين ما شرعه الله في دينه من الاحكام وقلت بعد حمد الله العظيم والصلاة على نبيه الكريم:
[ ١ / ٣٧٦ ]
للمسألة ثمانية عشرة فرعا
هذه المسألة تنقسم على قسمين:
أحد القسمين: ألا تكون لواحدة منهما بينة على دعواه.
والقسم الثانى: ان يكون لهما أو لأحدهما بينة على دعواه.
فأما القسم الاول، وهو ألا تكون لواحد منها بينة على دعواه، لا يخلو من وجهين أحد الوجهين: ان تكون السلعة بيد البائع، لم يدفعها إلى أحدهما، بعد.
الوجه الثانى: ان يكون قد دفعها إلى أحدهما، فقبضها منه، وصارت بيده.
في الوجه الاول. وهو مع انعدام البينة والقبض، خمس مسائل
[٥]
فأما الوجه الاول من القسم الاول، وهو ألا تكون لأحدهما بينة على دعواه، والسلعة بيد البائع، لم يدفعها بعد تالى أحدهما، ففيه خمس مسائل:
احدهما: ان ينكرهما البائع البيع جميعها.
والثانية: أن يقر لأحدهما وينكر الثانى.
والثالثة: ان يقر لأحدهما أنه هو الاول
والرابعة: ان يقر أنه باع من أحدهما بعد الآخر ولا يعلم أيهما الاول.
والخامسة: ان يقول. انما بعت منهما جميعا صفقة واحدة.
[ ١ / ٣٧٧ ]
[١]- انكار البائع البيع مطلقا
فأما المسألة الاولى، وهى ان ينكرهما البائع البيع مطلقا، والسلعة بيده، لم يدفعها، إلى أحدهما، ويدعى كل واحد منهما انه اشتراها منه دون صاحبه، أو قبله، أو أنه اشتراها منه ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبلة، ولا بينة لواحدهما على دعواه؛ فالحكم فيها: أن يحلف البائع لكل واحد منهما: انه ما باع منه شيئًا، فان خلف برئ، وان نكل عن اليمين، حلف المتباعان جميعا، يحلف كل واحد منهما على ما يدعى: من أنه اشتراها منه، دون صاحبه، او قبله، أوأنه اشتراها منه، يعلم ان صاحبه اشتراها قبله، ةان ادعى عليه العلم بذلك، وان لم يدع ذلك عليه، اكتفى بيمينه: انه اشتراها منه.
فان حلفا، جميعا على ما ادعياه من ذلك، كانت السلعة بينهما، بنصفين، وأدى كل واحد منهما إلى البائع نصف الثمن الذى حلف عليه ان يدع دفعه اليه، وان كان ادعى دفعه اليه، زاد ذلك في يمينه، ورجع عليه بنصفه.
وان حلف أحدهما، ونكل الآخر عن اليمين، صحت السلعة للحالف منهما بالثمن الذى حلف عليه، ولم يكن للآخر شىء.
وان نكلا عن اليمين جميعا، بعد نكول البائع، كان القول قول البائع، وبئ كما لو حلف أولا.
[ ١ / ٣٧٨ ]
[٢]- اقرار البائع لواحد بالبيع: أ - ادعاء مجرد الشراء
وأما المسألة الثانية، وهى ان يقر البائع لأحدهما أنه باع السلعة منه بالثمن الذى ادعاه، وينكر ان يكون باع من الثانى شيئًا، والسلعة بيده، أيضا، ولا بينة لواحد منهما، ويدعى كل واحد منهما انه اشتراها منه دون صاحبه، او قبله، أو أنه اشتراها منه، ولا يعلم صاحبه انه اشتراها قبله؛
فالحكم فيها: ان تكون السلعة للذى أقر البائع أنه باعها منه، بالثمن الذى اقر أنه باعها به منه، وينظر:
فان كان الثمن، او قيمة السلعة، أكثر من الثمن، الذى أدعى الآخر شراها به حلف البائع بالله الذى لا اله الا هو ما باع منه شيئًا، ولا قبض منه شيئًا، ان ادعى انه دفع اليه الثمن، فان حلف برئ في دعواه، وان نكل عن اليمين، حلف هو: لقد اشتراها منه بكذا، ولقد اشتراها منه دونه، او قبله بكذا وكذا، ولقد دفع اليه الثمن، وكان له عليه الأكثر من قيمة السلعة، لأنه قد أتلفها عليه باقرارلاه بهذا، اولا، لغيره، أو الثمن الذى قبض فيها من الذى أقر ببيعها منه، وان كان لم يدفع اليه الثمن وهو ليس من جنس القيمة، أو الثمن الذى قبض فيها، دفعه اليه ورجع عليه بالأكثر من ذلك من ذلك، وان كان جنسه كان له عليه الأكثر مما زادت القيمة أو الثمن، الذى قبض من الذى له، بالشراء على الثمن الذى حلف هو عليه.
وان يكن في ذلك فضل، لم يكن على البائع يمين.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ب - ادعاء شراء سلعة معينة.
وان آدعى الذى أنكره البائع السلعة بعينها، كان له أن يحلف المقر له على ما ادعاه من الشراء، فان نكل عن اليمين، حلف هو على ما آدعاه من شرائها، وكان أحق
بها من المقر له بالشراء، ودفع الثمن الذى حلف عليه إلى البائع، أو إلى المقر له بالشراء، إن كان المقر له بالشراء قد دفع الثمن إلى البائع، وكان مثله، أو أقل منه، فان كان أكثر منه، وقف الزائد للبائع، فان أكذب نفسه وآدعاه، أخده، وكانت العهدة عليه وان لم يكذب نفسه، فلا تكون العهدة عليه إلا برضاه، وقيل: إنما تكون عليه، والأول هو القياس.
[٣]- إقرار البائع بأسبقية الواحد: أ - ادعاء مجرد الشراء
وأما المسألة الثالثة، وهى أن يقر البائع لأحدهما: أنه هو الذى باع منه، أولا، بالثمن الذى ادعاه، والسلعة بيده، أيضا، ولا بينه لواحد منهما، ويدعى كل واحد منهما أنه اشتراها دون صاحبه، أو قبله، أو أنه اشتراها، ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله؛
فالحكم فيها: ان يكون القول قول البائع مع يمينه: ان هذا هو الأول، ويثبت الشراء له.
فان نكل عن اليمين حلف الآخر على ما يدعى من انه اشتراها قبله، أو دونه، أو انه اشتراها، ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله، ويرجع على البائع بالأكثر مما زادت: القيمة، او الثمن، على الثمن الذى أقر به. وان لم يكن في ذلك فضل كان القول قول البائع دون يمين.
[ ١ / ٣٨٠ ]
ب - ادعاه شراء سلعة ميعنة.
وان ادعى الذى زعم البائع أنه باعها منه أخيرا السلعة بعينها، كان أن يحلف صاحبه الذى أقر البائع له أنه هو الأول، على ما أقر به له فان نكل عن اليمين حلف هو أنه هو الاول، أو على ما يدعي من الوجهين الآخرين، وكانت له السلعة بما حلف عليه من ذلك وكان أحق بها من الذي اقر له البائع أنه هو الأول على حسب ما وصفناه في المسألة التي قبل هذه، فلا يفترق الحكم في هذه المسألة من المسألة التي قبلها الا في صفة الأيمان، فتدبر ذلك تجده صحيحا، إن شاء الله.
[٤]- اقرار بالبيع لكل واحد دون معرفة السابق
وأما المسألة الرابعة وهي ان يقر البائع البائع أنه باع من أحدهما بعد الثاني، بالثمن الذي ادعاه كل واحد منهم انه اشتراها منه قبل صاحبه، أو دونه أو أنه اشتراها منه ولا يعلم ان صاحبه اشتراها منه.
فالحكم فيها: ان يحلف البائع بالله ما يعلم من أيهما باع سلعته أولا فان حلف على ذلك قيل للمبتاعين يحلف كل واحد منكما على ما يدعي من أنه هو الأول او أنه اشتراها دونه أو انما اشتراها ولا يعلم ان صاحبه اشتراها قبله، فان حلفا على ذلك، أو
[ ١ / ٣٨١ ]
نكلا عن اليمين، أو قالا: لا علم لنا بالأول منا، كانت السلعة بينهما وأدى كل منهما نصف ثمنها وان حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين، كانت السلعة للحالف وبطل بيع الناكل.
وان نكل البائع، أولا عن اليمين وحلف كل واحد من المبتاعين انه هو الاول بعلم البائع كانت السلعة بينهما ورجع كل واحد منهما عبى البائع بالأكثر مما زاد من نصف قيمة السلعة او الثمن الذي أخذه منه على نصف الثمن الذي أقر به.
فان نكلا جميعا عن الثمن او قالا: لا علم لنا بالأول منا او حلف أحدهما ونكل الآخر، فعلى ما تقدم إذا حلف البائع.
مع اختلاف في مقدار الثمن.
وأما ان خالفهما البائع في الثمن، مثل ان يقول: لا أدري ممن [٧٧] بعتها اولا منكما باثنى عشر ويقول احدهما: بل بعتها مني أولا، بعشرة، ويقول الثاني: بل بعتها مني أولا بثمانية، فانهم يتحالفون، ويتفاسخون، فان حلفوا أو نكلوا انفسخ البيع بينهم وان نكل البائع وحلف المبتاعان كانت السلعة بينهما بالثمن الذي حلفا عليه ورجع كل واحد منهما، على البائع بالأكثر مما زاد نصف قيمة السلعة او الثمن الذي حلف عليه، فلا يكون لأحدهما عليه رجوع.
[ ١ / ٣٨٢ ]
وان نكل البائع وحلف أحد المبتاعين كانت السلعة للحالف منهما، بالثمن الذي حلف عليه.
وان حلف ونكل المبتاعان، كانا بالخيار ان شاءا أخذا السلعة بالثمن الذي حلف البائع عليه وان شاءا تركاها.
الاختلاف في مقدار الثمن، مع أحد المشتريين فقط
وأما ان خالف البائع أحدهما في الثمن، مثل أن يقول: لا أدرى ممن بعتها منكما، أولا، ويقول أحدهما: مني بعتها، أولا بعشرة، ويقول الثاني: مني بعتها، أولا بثمانية، فان البائع والذي ادعى انه اشتراها منه، أولا بثمانية يتحالفان، فان حلفا او نكلا، انفسخ البيع بينهما وكانت السلعة للآخر بالعشرة، وان حلف أحدهما، ونكل الآخر عن اليمين، فعلى ما تقدم، إذا لم يخالف البائع واحدا منهما في الثمن وقد تقدم الحكم في ذلك وعلى هذا يكون الحكم في ذلك.
وعلى هذا يكون الحكم في جميع الوجوه، إذا قال البائع؛ انما بعتها من أحدكما، ولا أدرى من هو منكما.
وبالله التوفيق.
[٥]- اقرار بالبيع للمشتريين معا صفقة واحدة: أ - القيمة أكثر من الثمن.
وأما المسألة الخامسة وهي أن يقول البائع: اني بعت السلعة منهما جميعا صفقة واحدة وهي بيده ويدعي كل واحد منهما أنه اشتراها قبل صاحبه أو دونه، أو أنه اشتراها، ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله؛
[ ١ / ٣٨٣ ]
فالحكم فيها ان كانت قيمتها أكثر من الثمن: أن يحلف البائع ما باعها الا منهما جميعا صفقة واحدة فاذا حلف على ذلك، قيل للمبتاعين يحلف كل واحد منكما على ما يدعي من أنه اشتراها دون صاحبه، أو قبله، أو أنه اشتراها ولا يعلم ان صاحبه اشتراها قبله فان حلفا على ذلك، أو نكلا كانت السلعة بينهما، على ما حلف عليه البائع وان حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين كانت السلعة للحالف وعهدته على البائع.
وهذا القول يتخرج على رواية أصبغ عن ابن القاسم، وهو استحسان على غير قياس.
ويتخرج على قول أصبغ: ان تكون عهدة الحالف في نصف السلعة على صاحبه الناكل عن اليمين، الا ان يرضي البائع أن تكون العهدة عليه وهو القياس.
وان نكل البائع عن اليمين، وحلف المشتريان، وكان لكل واحد منهما نصف السلعة بنصف الثمن وكان له أن يرجع على البائع، لنكوله بما زادت قيمة نصف السلعة الذي اخذ صاحبه، على الثمن.
وان نكلا كانت السلعة بينهما، ولم يكن لواحد منهما على البائع شيء.
وان نكل أحدهما وحلف الآخر، كانت السلعة للحالف، وكانت العهدة على البائع قولا واحدا.
ب - القيمة تساوي الثمن.
وان لم يكن في قيمة السلعة فضل عن الثمن، لم تجب على البائع يمين.
[ ١ / ٣٨٤ ]
في الوجه الثاني، وهو مع انعدام البينة، وتوفر القبض، خمس مسائل أيضا.
[٦ – ١٠]
فصل، فأما الوجه الثاني من القسم الأول وهو أن يكون البائع قد دفع السلعة إلى أحدهما، فقبضها منه، وصارت بيده، ويدعي كل واحد منهما أنه اشتراها قبل صاحبه او دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله، ولا بينة لواحد منهما على دعواه، ففيه أيضا، خمس مسائل:
احداهما: ان ينكر البائع، فيقول: ما بعت من واحد منهما شيئًا.
والثانية: ان يقر أنه باع من أحدهما، وينكر الثاني.
والثالثة: ان يقر لاحدهما انه هو الاول منهما.
والرابعة: أن يقر أنه باع من أحدهما بعد الآخر بعد الآخر، ولا يعلم الأول منهما.
والخامسة: ان يقول انما بعت منهما جميعا صفقة واحدة.
[١]- انكار البيع مطلقا:
فأما المسألة الأولى وهي أن ينكر البائع، فيقول: ما بعت من واحد منهما شيئًا، وقد دفع السلعة إلى أحدهما، فقبضها منه، وصارت بيده، ويدعي كل واحد منهما أنه اشتراها قبل صاحبه، أو دونه أو أنه اشتراها ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله ولا بينة لواحد منهما على دعواه.
فالحكم فيها: أن يحلف البائع لكل واحد منهما أنه ما باع منه شيئًا [٧٨] / فإن حلف على ذلك برئ، وان نكل عن اليمين، حلف قابض
[ ١ / ٣٨٥ ]
السلعة منهما على ما أنه اشتراها دون صاحبه، أو قبله، أو أنه اشتراها ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله ان أدعى عليه العلم بذلك، فان حلف على ذلك استحق السلعة بالشراء، وان نكل عن اليمين حلف الآخر واستحقها؛ فإن نكل عن اليمين، أيضا، كان القول قول البائع كما لو حلف، أولا، وبرئ من دعواهما جميعا.
[٢]- اقرار البائع لواحد بالبيع:
وأما المسألة الثانية، وهى ان يقر البائع لأحدهما أنه باع منه بالثمن الذى ادعاه، وينكر الثانى، فيقول: ما بعت منه شيئًا، وقد دفعها إلى أحدهما وصارت بيده، ويدعي كل واحد منهما أنه اشتراها قبل صاحبه، أو دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله، ولا بينة لواحد منهما على دعواه.
فالحكم في ذلك: أن يقبل اقراره لمن ذكر أنه باعها، كان الذي قبضها، أو الذي لم يقبضها ولا يمين عليه للآخر، الا أن يكون في قيمتها، أو في الثمن الذي أقر أنه باعها به فضل عن الثمن الذي أدعى الآخر أنه اشتراها به فيحلف له فإن نكل عن اليمين حلف هو، وغرم له الأكثر مما زادت القيمة أو الثمن، الذي أقر أنه باعها به، على الثمن، الذي ادعى انه اشتراها به.
[٣]- اقرار بالبيع لكل واحد، مع الأسبقية لواحد
وأما المسألة الثالثة، هي أن يقر البائع لأحدهما أنه هو الذي باع منه أولا، بالثمن ادعاه، ويدعى كل واحد منهما أنه هو الأول،
[ ١ / ٣٨٦ ]
أو أنه اشتراها دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله، ولا بينة منهما على دعواه، وقد دفعها إلى أحدهما:
فالحكم في ذلك الذي دفعها اليه هو الذي أقر أنه باعها منه أولا، قبل قوله، ولم يكن للآخر عليه يمين، الا أن يكون في قيمة السلعة، أو في الثمن الذي أقر أنه باعها به من الذي قبضها عن الثمن الذي ادعى الآخر أنه اشتراها به منه، فإن كان في ذلك فضل، لزمته اليمين، فإن نكل عنها حلف الآخر، ورجع عليه بالفضل على ما ذكرناه.
وان زعم أن الذي باعها منه أولا، هو الذي لم يدفعها اليه لم يصدق في ذلك، وكان له الفضل دون يمين.
[٤]- اقرار بالبيع لكل واحد، دون معرفة السابق
وأما المسألة الرابعة، وهي أن يقر البائع أنه باعها من أحدهما بعد الآخر، ولا يعلم الأول منهما، ويدعي كل واحد منهما أنه اشتراها قبل صاحبه، أو دونه أو أنه اشتراها ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله وقد قبضها أحدهما ولا بينة لواحد منهما على دعواه.
فالحكم فيها: أن تكون السلعة للذي قبضها، ويرجع الذي لم يقبضها على البائع بالفضل المذكور، بعد يمينه: أنه هو الأول، وقيل بغير يمين.
[٥]- إقرار بالبيع صفقة واحدة
وأما المسألة الخامسة وهي أن يقول البائع: انما بعت منهما، جميعا، صفقة واحدة ويدعي كل واحد منهما أنه اشترى جميعها قبل صاحبه
[ ١ / ٣٨٧ ]
أو دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم صاحبه أنه اشتراها قبله، وقد قبضها أحدهما، ولا بينة لأحدهما على دعواه.
فالحكم فيها: أن يحلف البائع بالله الذي لا اله الا هو ما باعهما الا جميعا صفقة واحدة، فإن حلف على ذلك قيل للمبتاعين: يحلف كل واحد منكما على ما يدعي فإن حلفا ونكلا كانت السلعة بينهما، على ما حلف عليه البائع.
فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عن اليمين كانت السلعة للحالف، وكانت عهدته على البائع، على الاختلاف الذي ذكرناه في المسألة الخامسة التي في الوجه الأول من القسم الأول؛ إذ لا معتبر في قبض أحدهما للسلعة مع يمين البائع في هذه المسألة.
وان نكل البائع عن اليمين، فيتخرج في ذلك قولان: أحدهما: أن القول قول قابض السلعة.
والثاني أنهما يتحالفان؛ فإن حلفا ونكلا كانت السلعة بينهما، وان نكل أحدهما وحلف الآخر، كان القول قول الحالف.
ولو كان البائع هو الذي دفع السلعة إلى أحدهما، لكان القول قول القابض قولا واحدا.
ثمان مسائل في القسم الثاني، وهو مع وجود البينة:
[١١ - ١٨]
فصل فأما القسم الثاني، وهو أن يكون لأحدهما بينة على دعواه ففيه أربع مسائل:
احداهما / أن ينكرهما البائع جميعا.
[ ١ / ٣٨٨ ]
والثانية: أن يقر لأحدهما، وينكر الثاني، أو يقر لأحدهما أنه هو الأول.
والثالثة: أن يقر أنه باع من أحدهما بعد الآخر، ولا يعلم الأول منهما.
والرابعة: أن يقول انما بعت منهما جميعا صفقة واحدة.
وكل مسألة من هذه الأربع مسأئل يتفرع إلى مسألتين:
احداهما: أن تشهد البينة لهما، أو لأحدهما، أنه اشتراها منه دون صاحبه أو قبله.
والثانية: أن تشهد البينة لهما، أو لأحدهما، بالشراء خاصة.
[١]- انكار البيع مطلقا، البينة بالشراء لواحد أو لكل واحد منهما:
فأما المسألة الاولى وهي أن ينكرهما البائع البيع جميعا، والسلعة بيده، أو قد دفعها إلى أحدهما، ويدعي كل واحد منهما أنه اشتراها دون صاحبه أو قبله:
فإن أقام أحدهما البينة على ذلك، قضى له ببتنته، ولم يكن للآخر شيء.
وان اقام كل واحد منهما بينة تشهد له بالشراء له بذلك، وتكافأت البينتان سقطتا، وكانا كمن لا بينة له، وجرى الحكم على ذلك على ما تقدم في موضعه إذا لم تكن لهما بينة وان كانت احداهما أعدل من الاخرى قضي بالتي هي أعدل ولم يكن للآخر شيء
[ ١ / ٣٨٩ ]
[٢]- انكار البيع مطلقا، والبينة بمجرد الشراء، لواحد فقط
الفرع الثاني من المسألة:
وان أقام أحدهما بينة تشهد له على مجد الشراء خاصة، وهو يدعي أنه اشتراها قبله لم ينتفع بالشهادة.
وان كان انما يدعي أنه اشتراها دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم ان كان تقدم لصاحبه شراء أم لا قضي له بها، ونظر: فإن كان الثمن الذي شهدت به البينة لهذا أكثر من الثمن الذي ادعى الآخر أنه اشتراها به وادعى هذا الآخر أنه اشتراها به، وادعى هذا الآخر على البائع أنه باعها منه أولا، لزمته اليمين، فإن نكل عنها حلف هو وكان له فضل ما بين الثمنين.
وان لم يحقق عليه الدعوى في أنه باعها منه أولا ضعفت اليمين.
وان قال: انه باعها منه دونه، لم يجب عليه يمين. وان أقام كل واحد منهما بينة تشهد له بذلك تخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أن يقضي بأعدل البينتين فإن تكافأتا سقطتا.
والثاني: ألا يقضي بأعدلهما، لاحتمال أن تكونا صادقتين جميعا، وتسقطان؛ الا أن تكون احداهما عادلة والآخرى غير عادلة، فيحكم بالعادلة وسواء أرخت احدى البينتين أو لم تؤرخ. وقد قيل: انها أرخت فهي أعمل من التي لم تؤرخ، فإذا قضى بإحدى البينتين لعدالتها، أو لأنها أعدل، أو لأنها أرخت، على الاختلاف المذكور، وكان
[ ١ / ٣٩٠ ]
في ثمنها فضل، لزمت البائع الأول اليمين للآخر على حسب ما ذكرناه إذ أقام أحدهما بينة على مجرد الشراء، وقضي له بها.
[٣]- اقرار لواحد بالبيع، أو بأنه السابق، أ - مشتر واحد يقيم
البينة بالشراء
وأما المسألة الثالثة، وهى أن يقر البائع لأحدهما أنه باع منه، وينكر الثانى، أو يقر لأحدهما أنه باع منه، أولا، والسلعة بيده، أو قد دفعها إلى أحدهما، ويدعى كل واحد منهما أنه اشتراها دون صاحبه، أو قبله، أو أنه اشتراها ولا يعلم ان كان تقدم لصاحبه فيها شراء أم لا.
فإن أقام الذى أقر له البائع أنه باع منه، أو أنه باع منه أو لا، بينة تشهد على أنه اشتراها منه دون صاحبه، أو قبله قضى له بها، ولم يكن للآخر شىء. وان كان الذى أقام البينة بذلك هو الذى أنكره البائع البيع، أو الذى زعم أنه باع منه آخرا، قضى له بها، ورجع الآخر المقر له بالشراء، أو المقر له بالشراء أو لا، على البائع بما بين الثمنين، ان كان بينهما فضل، لأنه ربح سلعته، التى أقر له بها. وكذلك يكون الحكم هاهنا، ان أقام البينة بمجرد الشراء خاصة.
ب - كل من المشتريين يقيم البينة بالشراء:
وان أقام كل واحد منهما بينة تشهد له أنه اشتراها منه دون
[ ١ / ٣٩١ ]
صاحبه أو قبله، تكافأت البينات سقطتا، وكانا كمن لا بينة لهما، وجرى الحكم في ذلك على ما تقدم في موضعه.
وان كانت احدى البينتين أعدل من الأخرى قضى بالتى هى أعدل للذى قام بها، فان كان هو الذى أقر له البائع أنه باع منه، أو باع منه، أو لا، لم للآخر شىء، وان كان الذى جحده البائع البيع، أو الذى زعم أنه باع منه آخرا، رجع الآخر المقر له بالشراء أو بالشراء أولا، على البائع بما بين الثمنين، ان كان بينهما فضل، لأنه ربح / سلعته.
[٤]- أ - الواحد يقيم بينة بمجرد الشراء
الفرع الثانى من المسألة.
وان أقام الذى أقر له البائع أنه باع منه، أو أنه باع منه أولا، بينة تشهد له على مجرد الشراء، خاصة، وهو يدعى أنه اشتراها قبله، لم ينتفع بالشهادة.
وان كان يدعى أنه اشتراها دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم ان كان تقدم لصاحبه فيها شراء أم لا، قضى له بها، أيضا، ونظر؛ فغن كان الثمن الذى أدعى الىخر أنه اشتراها به، وأدعى هذا الآخر على البائع أنه باعها منه أولا، لزمته اليمين، فإن نكل عنها حلف هو، وكان له فضل ما بين الثمنين.
وان يحقق عليه الدعوى في أنه باعها منه أولا، ضعفت اليمين.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وإن قال: انه باعها منه دونه لم تجب عليه اليمين؛ لأن البينة قد كذبته.
ب- كل من المشتريين يقيم البينة بمجرد الشراء:
وان أقام كل واحد منهما بينة تشهد له بمجرد الشراء دون تاريخ، أو ورخت إحداهما، ولم تؤرخ الأخرى، إحداهما أعدل من صاحبتها، فقيل: تسقط البيتان، وقيل: يقضى بالاعدل، وقيل: يقضى بالتي أرخت.
وان كانت احداهما عدلة، والثانية غير عدلة، قضى بالعدلة، وان تكافأتا في العدالة سقطتا.
فإن قضى باحدى البينتين لعدالتها، أو لأنها، أعدل من الأخرى، أو لأنها أرخت، على الاختلاف الذي ذكرناه، للذي أقر له البيع أنه باع، أو أنه باع منه أولا، وكان بين الثمنين فضل، وحقق الآخر على البائع أنه باعها منه، أولا، كان له أن يحلفه، فان نكل عن اليمين حلف هو، وكان له ما بين الثمنين من الفضل، وان قضي بها للآخر، رجع الذي أقر له البائع أنه هو الاول، أو أنه هو الذي باع منه، على البائع بما بين الثمنين، على ما تقدم.
وبالله التوفيق.
[ ١ / ٣٩٣ ]
[٥]- اقرار بالبيع لهما، دون معرفة السابق أ - يقيم البينة بالشراء واحدا وكل واحد:
وأما المسألة الثالثة، وهي أن يقر البائع أنه باع من أحدهما بعد الآخر، ولا يعلم الأول منهما، ويدعي كل واحد منهما أنه هو الاول، أو اشتراها دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم ان كان تقدم لصاحبه شراء أم لا، والسلعة بيد البائع، أو قد دفعها إلى أحدهما:
فإن أقام أحدهما البينة على أنه هو الأول، أو على أنه اشتراها دون الآخر، قضي له بيمتنه، ولم يكن للآخر شىء.
وان أقام كل منهما بينة تشهد له بذلك قضى بأعدل البينتين، ولم يكن للآخر شىء، وان تكافأت البينتان سقطتا، وكانا بمنزلة من لا بينة له، وجرى الحكم في ذلك على ما تقدم في موضعه.
[٦]- ب- يقيم الواحد بينة بمجرد الشراء
الفرع الثانى منها
وان أقام أحداهما البينة على مجرد الشراء خاصة، وهو يدعي أنه اشتراها قبله، لم ينتفع بالشهادة، وان كان يدعي أنه اشتراها دونه، أو أنه اشتراها، ولا يعلم ان كان تقدم صاحبه بها شراء أم لا، قضى له بها أيضا، ونظر: فإن كان الثمن أدعى الآخر أنه اشتراها به، وادعي على البائع أنهباعه اياها، أولا، كان له ما بين الثمنين من الفضل، قيل: بيمين وقيل: بغير يمين، إذ لا يمين على البائع في ذلك.
[ ١ / ٣٩٤ ]
كل من المشتريين يقيم بينته بمجرد الشراء
وان أقام كل واحد منهما بينته تشهد له بمجرد الشراء خاصة ولم يؤرخ واحدة منهما، أو ورخت احداهما ولم تؤرخ الأخرى، واحداهما أعدل من صاحبتها، ففي ذلك ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنها تسقط البينتان.
والثانية: أنه يقضي بالأعدل.
والثالثة: أنه يقضي بالتي ورخت.
وان كانت احداهما عادلة، والاخرى غير عادلة قضي بالعادلة، وان تكافأتا بالعدالة سقطتا.
فإن قضي باحدى البينتين في الوضع الذي يصح أن يقضي بها، على الاختلاف المذكور، وكان الثمن الذي شهدت به أكثر، كان الفضل للآخر، قيل: بيمين: وقيل بغير يمين.
وبالله التوفيق.
[٧]- اقرار البائع بالبيع صفقة واحدة: أ - يقيم البينة بالشراء واحد، أو كل واحد
وأما المسألة الرابعة: وهي أن يقول البائع: انما بعت منها جميعا صفقة واحدة، ويدعى كل واحد منهما أنه اشتراها قبل صاحبه، أو دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم صاحبه اشتراها قبله، والسلعة بيد البائع، أو قد دفعها إلى أحدهما: فالحكم فيها: إن أقام أحدهما بينة تشهد له أنه اشتراها دون صاحبه، أو قبله، أن يقضي له بها، ويكون لصاحبه نصف / فضل ما
[ ١ / ٣٩٥ ]
بين الثمنين، ان كان بينهما فضل: وان أقام كل واحد منهما بينة تشهد له بذلك، وتكافأت البينتان في العدالة، سقطتا، وكانا بمنزلة من لا بينة لهما، وجرى الحكم في ذلك على ما تقدم في موضعه. وان كانت إحدى البينتين أعدل من الأخرى قضي بالتي هى أعدل، وكان لصاحبه نصف فضل ما بين الثمنين ان كان بينهما فضل
[٨]- ب - الواحد يقيم بينة بمجرد الشراء
الفرع الثاني منهما.
وان أقام أحدهما بينة على مجرد الشراء خاصة، وهو يدعى أنه اشتراها قبله، لم ينتفع بالشهادة على ما ذكرناه قبل هذا.
وان كان يدعي أنه اشتراها دونه، أو أنه اشتراها ولا يعلم أن صاحبه اشتراها قبله، قضي له بها أيضا، ونظر: فإن كان الثمن الذي شهدت به البينة لهذا أكثر من الثمن الذي ادعى الآخر أنه اشتراها به، كان له نصف فضل ما بين الثمنين.
فان ادعى على البائع أنه باعها منه، أولا، وجبت له عليه اليمين، فان نكل عنها، حلف هو، ورجع عليه بما بقى من فضل ما بين الثمنين.
كل واحد يقيم البينة بمجرد الشراء
وان أقام كل واحد منهما بينة تشهد له بذلك، وتكافأت البينات سقطتا؛ وان كانت احداهما عادلة دون صاحبتها، أو كانت احداهما أعدل من الآخرى، فقضى له بها، على ما ذكرناه من الاختلاف، كان للآخر نصف فضل ما بين الثمنين، ان كان بينهما أيضا فضل،
[ ١ / ٣٩٦ ]
ووجبت له اليمين على البائع: أنه ما باع منه الا نصفها، فإن نكل عن اليمين حلف هو بالله الذي لا اله الا هو لقد باع منه جميعها أولا، ورجع عليه بنصف الفضل الثانى.
وبالله التوفيق بعزته لا شريك له