وقال الفقيه الإمام الحافظ أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد ﵁:
ذكرت، في بعض أيام الاجتماع للمذاكرة عندي في باب زكاة الحلي من كتاب الزكاة من المدونة، مذهب مالك، ﵀ في زكاة الحلي وما تأول الشيوخ عليه من التأويلات فيما روي عنه في الباب المذكور من الروايات. وما اخترته من ذلك وعولت عليه منه، ولخصت القول في ذلك.
فسألني بعض من حضر، ممن لم يلقن جميعه، أن أمليه عليه، فأجبته إلى ذلك رجاء ثواب الله العظيم فيه، وقلت يعد حمد الله تعالى، والصلاة على نبيه:
زكاة العين.
أجمع أهل العلم، ﵏، على أن العين من الذهب والورق في عينه الزكاة، تبرا كان أو مسكوكا، أو مصوغا صياغة لا يجوز اتخاذها، نوى به مالكه التجارة أو القنية.
زكاة العين المتخذ حليا.
واختلفوا إذا صيغ صياغة يجوز اتخاذها:
فالذي ذهب اليه مالك، ﵀، أنه على ما نوى به مالكه في
[ ١ / ٤٣٧ ]
الاشتراء والفائدة: فان نوى به التجارة زكاة وان نوى به الاقتناء للانتفاع بعينه فيما تنتفع فيه بمثله سقطت عنه الزكاة، وتخصص من أصله بالقياس على العروض المقتناه، التي نص رسول الله ﷺ على سقوط الزكاة فيها بقوله ﷺ: " ليس من المسلم في عبده ولا فرسه صدقة " واعتبر في صحة العلة الجامعة بينهما يقول الله ﷿ ﴿أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾
[سورة الزخرف الآية: ١٨]
وان نوى به الاقتناء عدة للزمان، أو لم تكن له نية في اقتنائه رجع إلى الاصل، ووجبت فيه الزكاة، وان اتخذه للكراء وهو مما يصلح له الانتفاع به في وجه يباح، فعنه في ذلك روايتان احداهما وجوب الزكاة والثانية سقوطها وقد روى عنه استحباب الزكاة وذلك راجع إلى سقوط الواجب.
زكاة الحلي من العين المصوغ مع الحجارة.
فصل فاذا كان هذا الحلي مربوطا بالحجارة كاللؤلؤ والزبرجد ربط صياغة، فاختلف الروايات عن مالك في ذلك:
رواية أشهب عن مالك:
فروى عنه أشهب أن حكمه حكم العروض في جميع أحواله، كان الذهب تبعا لما معه من الحجارة أو غير تبع، يقومه التاجر المدير إذا حل حوله ولا يزكيه لتاجر غير المدير حتى يبيعه وان مرت عليه
[ ١ / ٤٣٨ ]
أحوال. وان أفاده لم تجب عليه فيه زكاة، حتى يبيعه ويحول على الثمن الحول من يوم باعه وقبض ثمنه، ان كان ما تجب فيه الزكاة، أو كان له مال سواه، إذا أضافه اليه وجبت عليه فيه الزكاة.
رواية ابن القاسم عن مالك
روى ابن القاسم عنه أن ربطه بالحجارة لا تأثير له في حكم الزكاة، إلا في وجه واحد، اختلف فيه قوله: وهو إذا كان الذهب تبعا لما معه من الحجارة، فان ورثه وحال عليه الحول زكي ما فيه من الذهب، والورق، تحريا، ولم تكن عليه زكاة فيما فيه من الحجارة حتى يبيعه، ويحول الحول على ثمنه من يوم قبضه.
ووجه العمل في ذلك، إذا باعه جملة: أن بفض الثمن على قيمة ما فيه من الذهب أو الورق مصوغا، وعلى قيمة الحجارة، فيزكي ما ناب الحجارة من ذلك، إذا حل عليه الحول.
وان اشتراه للتجارة، وهو مدير، قوم ما فيه من الحجارة وزكي وزم الحجارة ما فيه من الذهب والورق تحريا، ولم يجب عليه الصياغة /.
روايات المدونة وتأويلاتها.
هذا ظاهر ما فيه المدونة، وذهب أبو اسحق التونسي إلى أنه يجب عليه تقويم الصياغة.
ولو اشتراه للتجارة، وهو غير مدير، زكي، إذا حال عليه الحول، وزن ما فيه من الذهب أو الورق تحريا، ولم يجب عليه زكاة ما فيه من
[ ١ / ٤٣٩ ]
الحجارة، حتى يبيعه فإذا باعه زكى ثمن ذلك زكاة واحدة وان كان بعد أعوام.
ووجه العمل في ذلك إذا باع جملة، على ظاهر ما في المدونة: أن يفض الثمن على الذهب او الورق مصوغا وعلى قيمة الحجارة، فيزكي ما ناب الحجارة في ذلك. وعلى ما ذهب اليه أبو اسحق التونسي، لا يحتاج إلى الفض، وإنما يسقط من الثمن عدد ما زكاه تحريا، ويزكى الباقي.
والذي ذكرناه هو المعلوم من قول ابن القاسم، وروايته عن مالك.
ووقع في المدونة من رواية ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع وأشهب لفظ فيه اشكال والتباس، واختلاف في الرواية، اختلف الشيوخ في تأويله وتخرجه اختلافا كثيرا.
ونص الرواية: وقد روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع أيضا: إذا اشترى الرجل حليا، أو ورثه، فحبسه للبيع كلما احتاج اليه باع، أو للتجارة، وروى أشهب معهم فيمن اشترى حليا للتجارة معهم، وهو مربوط بالحجارة لا يستطيع نزعه فلا زكاة فيه حتى يبيعه وان كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين، يخرج زكاته في كل عام
[ ١ / ٤٤٠ ]
وزاد في بعض الروايات زكاه بعد قوله كلما احتاج اليه باع أو للتجارة وأسقط معهم.
فأما على الرواية بثبوت لفظه زكاه واسقاط معهم فتستقيم المسألة، ويرفع الالتباس، لأن رواية أشهب تكون حينئذ منفردة منقطعة عما قبلها جارية على مذهبه المعلوم، وروايته عن مالك وتكون بمعنى رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد، وابن نافع: أنه حلي، ذهب وفضة، ولا حجارة معهما.
وأما على الرواية الأخرى، إذا سقطت لفظة زكاه وثبتت لفظة معهم فمن الشيوخ من قال: انها رواية خطأ، لا يستقيم الكلام بها.
لأن اللفظ يدل، ان اعتبرته، على خلاف الأصول من وجوب الزكاة في العروض المقتناة ساعة البيع، لقوله، فلا زكاة عليه حتى يبيع وهو قد جمع الشراء والميراث في حلي مربوط بالحجارة، والحجارة عروض، لا اختلاف في أن الزكاة لا تجب فيها إذا كانت موروثة، الا أن بعد أن يحول الحول على ثمنها بعد قبضه.
ومنهم من قال: معنى ذلك الحلي المربوط بالحجارة من ميراث، أنه يزكي نوب الذهب، ويستقيل بنوب الحجارة سنة من يوم قبضه، وان كان من شراء، زكي الجميع إذا باع، مديرا كان أو غير مدير. وهذا تأويل ابن لبابة، فيكون، على هذا التأويل في الكتاب، في الحلي المربوط بالحجارة ثلاثة أقوال
[ ١ / ٤٤١ ]
ومنهم من قال: إن معنى الرواية، أن المدير يقوم مثل رواية أشهب، فيكون على هذا لمالك في الكتاب قولان.
ومنهم من قال معنى ذلك: أن المدير يقوم، وان ما تكلم عليه ابن القاسم قبل، في المدير وغير المدير، معناه في الحلي الذي ليس بمربوط، وأن الذي تدل عليه رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة في الحلي المربوط مثل ما ذهب اليه مالك في رواية أشهب عنه، فلم يجعل في الحلي المربوط اختلافا في جميع المربوط اختلافا في جميع التأويلات بعد، وهذا أبعدها.
والصحيح في تأويل / الرواية المذكورة إذا سقطت منها لفظة زكاه وثبت فيها معهات أن جواب مالك في رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد، وابن نافع عنه في قوله: وان كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين يخرج زكاته في كل عام، وأن جوابه في رواية أشهب عنه في قوله: فلا زكاة عليه فيه، حتى يبيعه فيه، وأنه انفرد دونهم في الرواية عنه في الحلي المربوط وانفردوا دونه بالرواية عنه في الحلي الذي ليس بمربوط.
وإنما وقع الاشكال في الرواية إذ جمعهم الراوى في الرواية أولا، ثم فصل ما أنفرد به كل واحد منهم دون صاحبه، وقصر في العبارة بتقديم بعض الكلام على بعض.
والصواب في سوق الكلام دون تقصير في العبارة ان شاء الله أن نقول: وقد روى ابن القاسم وعلي بن زياد وابن نافع، وأشهب إذا
[ ١ / ٤٤٢ ]
اشترى الرجل حليا، أو ورثه فحسبه للبيع كلما احتاج اليه باع، أو لتجارة.
قال في رواية أشهب عنه فيما اشتراه للتجارة، وهو مربوط بالحجارة، لا يستطيع نزعه، فلا عليه فيه حتى يبيعه.
قال، في رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد، وابن نافع وان كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين، يخرج زكاته في كل عام، اشتراه أو ورثه.
فعلى هذا التأويل انما تكلم مالك، ﵀ في رواية ابن القاسم، وعلي بن زياد في الحلي الذي ليس بمربوط.
وهي زيادة بيان فيما رواه عنه مفردا، في الحلي المربوط، ولم يجتمع ابن القاسم مع أشهب في الرواية عن مالك في الحلي المربوط في لفظ ولا معنى.
وهذا التأويل هو الذي اخترناه، وعولنا عليه لصحته، وجريانه على المعلوم المتقرر من روايتهما جميعا، المتخلفة عن مالك في الحلي المربوط، واليه ذهب سحنون فيما جلبه من الروايتين. والله أعلم.
ويحتمل أن يكون تأويل الرواية المذكورة بسقوط زكاه وثبوت معهم أن جواب مالك في رواية أشهب معهم في قوله وان كان ليس بمربوط فهو بمنزلة العين، يخرج زكاته في كل عام وأن جوابه في رواية أشهب دونهم في الشراء خاصة، في قوله فلا زكاة عليه فيه، حتى يبيعه وأنه جاء معهم في الرواية في الحلي الذي ليس بمربوط، وانفرد دونهم في الرواية في الحلي المربوط، / في الشراء خاصة،
[ ١ / ٤٤٣ ]
ويكون الصواب في سوق الكلام، على هذا التأويل، دون تقصير في العبارة، أن يقول:
وقد روى ابن القاسم، علي بن زياد، وابن نافع، وأشهب معهم، إذا اشترى الرجل حليا، أو ورثه فحبسه للبيع، كلما احتاج اليه باع، أو لتجارة، قال، في رواية أشهب عنه دونهم: إذا اشتراه للتجارة، وهو مربوط بالحجارة، لا يستطيع نزعه، فلا زكاة عليه فيه، حتى يبيعه.
قال، في روايتهم كلهم، وأشهب معهم، وان كان ليس بمربوط بالحجارة فهو بمنزلة العين، يخرج زكاته في كل عام، اشتراه أو ورثه، فحبسه للبيع كلما احتاج اليه باع، أو للتجارة.
وهذا التأويل، أيضا، جيد مختار، وفيه زيادة بيان على التأويل الذي اخترناه، وهي أن الحلي الذي ليس بمربوط لا اختلاف فيه بين الرواية عن مالك.
والله ولى التوفيق برحمته.