• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب: جمل من الفرائض والسنن الواجبة والرغائب. الوضوء للصلاة فريضة، وهو مشتق من الوضاءة إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه، فإن ذلك سنة، والسواك مستحب مرغب فيه، والمسح على الخفين رخصة وتخفيف، والغسل من الجنابة ودم الحيض والنفاس، فريضة.
وغسل الجمعة سنة، وغسل العيدين مستحب، والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب، وغسل الميت سنة، والصلوات الخمس فريضة، وتكبيرة الإحرام فريضة، وباقي التكبير سنة، والدخول في الصلاة بنية الفرض فريضة، ورفع اليدين سنة، والقراءة بأم القرآن في الصلاة فريضة وما زاد عليها سنة واجبة.
والقيام والركوع والسجود فريضة، والجلسة الأولى سنة والثانية فريضة.
والسلام فريضة والتيامن به قليلا سنة، وترك الكلام في الصلاة فريضة، والتشهدان سنة، والقنوت في الصبح حسن وليس بسنة، واستقبال القبلة فريضة، وصلاة الجمعة والسعي إليها فريضة، والوتر سنة واجبة وكذلك صلاة العيدين والخسوف والاستسقاء، وصلاة الخوف واجبة أمر الله ﷾ بها وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة، والغسل لدخول مكة مستحب، والجمع ليلة المطر تخفيف وقد فعله
[ ٣ / ١٣٦٧ ]
الخلفاء الراشدون، والجمع بعرفة والمزدلفة سنة واجبة، وجمع المسافر في جد السير رخصة، وجمع المريض يخاف أن يغلب على عقله تخفيف، وكذلك جمعه لعلة به فيكون ذلك أرفق به، والفطر في السفر رخصة والإقصار فيه واجب، وركعتا الفجر من الرغائب وقيل: من السنن، وصلاة الضحى نافلة، وكذلك قيام رمضان نافلة وفيه فضل كبير ومن قامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه والقيام من الليل في رمضان وغيره من النوافل المرغب فيها، والصلاة على موتى المسلمين فريضة يحملها من قام بها وكذلك مواراتهم بالدفن وغسلهم سنة واجبة. وكذلك طلب العلم فريضة عامة يحملها من قام بها إلا ما يلزم الرجل في خاصة نفسه.
وفريضة الجهاد عامة يحملها من قام بها إلا أن يغشى العدو محلة قوم فيجب فرضا عليهم قتالهم إذا كانوا مثلي عددهم، والرباط في ثغور المسلمين وسدها وحياطتها واجب يحمله من قام به).
الشرح
(باب جمل)؛ أي: في بيان جمل من الفرائض وجمل من السنن (الواجبة)؛ أي: المؤكدة (و) جمل (من الرغائب) وابتدأ بهذا الباب بمسائل فقهية فقال:
(الوضوء للصلاة) فرضا كانت أو نفلا (فريضة)؛ أي: عبادة مفروضة لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦] وحديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» (^١).
_________________
(١) مسلم (١/ ١٤٠) (٤٥٦)، وأبو داود (٥٩)، والنسائي (١/ ٨٧) وفي «الكبرى» (٧٩ و٧٢)، والترمذي (١)، وابن ماجه (٢٧٢).
[ ٣ / ١٣٦٨ ]
(وهو مشتق من الوضاءة) وهي الحسن. قال زروق: وهذا في الظاهر بإزالة الأوساخ، وفي الباطن بتكفير الذنوب، ولما خشي أن يتوهم من قوله: فريضة فرضية جميع أجزائه استثنى ما ليس له هذا الحكم، فقال: (إلا المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين منه فإن ذلك سنة)؛ أي: كل واحد فالإشارة تعود إلى المذكور لأن النبي ﷺ قال الأعرابي كما في الحديث الصحيح: ﴿توضأ كما أمرك الله﴾ (^١) ولم يأمر الله بالمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين، وحديث ابن عباس لة قال: قال رسول الله ﷺ: «المضمضة والاستنشاق سنة» (^٢).
(والسواك) (^٣) في الوضوء؛ بمعنى: الاستياك (مستحب مرغب فيه)؛ أي: مؤكد في طلبه والأحاديث فيه متواترة منها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة» (^٤)، وفي مسلم من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ: «يستاك فيتوضأ». قال الشافعي (^٥): «وفي هذا دليل على أن السواك ليس بواجب وأنه اختيار ولو كان واجبا لأمرهم به شق أو لم يشق».
(والمسح على الخفين رخصة)؛ أي: ذو رخصة وهي لغة التخفيف، وشرعا: إباحة الشيء الممنوع مع قيام السبب المانع، ويقابلها العزيمة وهي الحكم المشروع أولا، قال في «المراقي»:
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه الترمذي من حديث رفاعة بن رافع (٣٠٢)، وأبو داود (٨٦١)، وقال أبو عيسى: حديث رفاعة بن رافع حديث حسن. وقال الحافظ في الفتح (١/ ٢٦٢): حسنه الترمذي وصححه الحاكم ..
(٢) سنن الدارقطني (٨) (١/ ٨٥)، وانظر: التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير لابن حجر (١/ ٢٦٠).
(٣) السواك: عود الآراك، ويطلق على المصدر، وهو مأخوذ من تساوكت الإبل إذا اضطربت أعناقها من الهزال. وقال ابن دريد: سكت الشيء أسوكه سوكا من باب قال، إذا دلكته ومنه اشتقاق السواك. وانظر: في فضائل السواك وآدابه «كتاب السواك وما أشبه ذاك» للإمام الحافظ أبي شامة شهاب الدين المقدسي. مطبوع.
(٤) الموطأ (١/ ١٩٣)، والبخاري (٨٧٨)، ومسلم (٥٨٨)، وأبو داود (٤٦)، وغيرهم.
(٥) سنن البيهقي (١/ ٥٧).
[ ٣ / ١٣٦٩ ]
والرخصة حكم غيرا … إلى سهولة لعذر قررا
مع قيام علة الأصلي … وغيرها عزيمة النبي (^١)
(وتخفيف) عطف بيان.
(والغسل من الجنابة وهي الإنزال، ومغيب الحشفة، ودم الحيض والنفاس فريضة)؛ أي: عبادة مفروضة فرضها الشارع لقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦] وحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل» (^٢)، وحديث أم سلمة زوج النبي ﷺ ورضي عنها أنها قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي ﷺ: «إذا رأت الماء» فغطت أم سلمة؛ تعني: وجهها، وقالت: يا رسول الله أوتحتلم المرأة؟ قال: «نعم، تربت يمينك، فبم يشبهها ولدها» (^٣)، وحديث عائشة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فقال: «ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» (^٤)، وقد تقدم هذا مع دليل وجوب الغسل من النفاس في الطهارة.
(وغسل الجمعة للصلاة سنة) مؤكدة. وهذا مفسر لقوله في الجمعة والغسل لها واجب ومن الأدلة على استحبابه حديث سمرة بن جندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» (^٥).
_________________
(١) نثر الورود (١/ ٦٨).
(٢) البخاري (١/ ٨٠) (٢٩١)، ومسلم (١/ ١٨٦)، وأبو داود (٢١٦).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» صفحة (٥٦)، والبخاري (١٣٠، ٣١٥٠، ٥٧٤٠، ٥٧٧٠)، ومسلم (٣١٣).
(٤) أخرجه البخاري (١/ ٤٠٩)، كتاب الحيض، باب: الاستحاضة، رقم (٣٠٦)، ومسلم (١/ ٢٦٢)، كتاب الحيض، باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها (٦٢/ ٣٣٣).
(٥) أبو داود (٣٥٤)، والترمذي (٤٩٧)، والنسائي (٣/ ٩٤) وغيرهم.
[ ٣ / ١٣٧٠ ]
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى (^١): «وفي هذا ما يدل على أن غسل الجمعة فضيلة لا فريضة. فلم يبق إلا أنه على الندب؛ وقد أجمع العلماء على أن صلاة من شهد الجمعة على وضوء دون غسل جائزة ماضية». اهـ.
(وغسل العيدين مستحب) على المشهور، وقيل: إنه سنة، وقد كان ابن عمر لا يغتسل يوم الفطر (^٢)، وروي عن ابن عباس والفاكه بن سعد أن رسول الله ﷺ كان يغتسل يوم الفطر والأضحى (^٣)، وقال ابن عبد البر: «والقول في غسل العيدين كالقول في غسل الجمعة إلا أن غسل الجمعة عند بعض أهل العلم أكد في السنة» (^٤)، واستحبه جماعة من أهل العلم (^٥).
(والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب) في الغالب؛ أي: فما وجب الغسل إلا للجنابة فإذا تحقق أنه لم يجنب لم يجب، لحديث أبي هريرة به أن ثمامة أسلم فقال النبي ﷺ: «اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل» (^٦) وأصله في «الصحيحين» بدون أمر بالاغتسال (^٧)، (وغسل الميت)؛ أي: تغسيله غير شهيد المعركة ومن لم يستهل (سنة) لأنه تعبد في الغير، وقد قيل: إن غسله واجب قاله عبد الوهاب واحتج من نص على ذلك بقول النبي ﷺ في ابنته ا: «اغسلنها ثلاثا». اهـ (^٨). (والصلوات الخمس فريضة)
_________________
(١) الاستذكار (٢/ ١١/ ١٣)، ط: (الباز) الأولى.
(٢) كما أخرج ذلك عنه مالك في الموطأ (٦٠٩)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٠٩) رقم (٥٧٥٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٤٢) رقم (٥٨٢٠).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١/ ٤١٧)، وأحمد في المسند (٤/ ٧٨)، وضعفه ابن الملقن كما في مختصر البدر المنير (٩٤).
(٤) الاستذكار (١/ ٣٦٤).
(٥) التمهيد (١٠/ ٢٦٦)، وانظر: بداية المجتهد (١/ ٥٠٥).
(٦) أحمد (٨٠٣٧).
(٧) أخرجه البخاري (٢/ ٦٦٧) كتاب الصلاة، باب دخول المشرك المسجد، الحديث (٤٦٩)، وأطرافه في (٢٤٢٢، ٢٤٢٣)، ومسلم (٦/ ٣٣٠)، كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه، الحديث (١٧٦٤).
(٨) المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٢٣٢)، ط: دار الغرب الإسلامي.
[ ٣ / ١٣٧١ ]
لحديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خمس صلوات افترضهن الله ﷿ من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس له على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» (^١) فمن جحد وجوبها استتيب فإن لم يتب قتل كفرا.
(وتكبيرة الإحرام) وهي الله أكبر (فريضة) على كل من يحسنها من فة وإمام ومأموم لأمره ﷺ بذلك مسيء الصلاة وغيره مما تقدم، «وباقي التكبير سنة؛ أي: إن كل تكبيرة من تكبيرات الصلاة غير تكبيرة الإحرام سنة لحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه أنه صلى مع النبي ﷺ فكان لا يتم التكبير» (^٢) وفي لفظ: «لا يتم التكبير إذا خفض ورفع» (^٣) وقال أشهب الجميع سنة.
(والدخول في الصلاة بنية الفرض)؛ أي: الفريضة؛ أي: المفروضة التي هي الصلاة المعينة (فريضة)؛ أي: الدخول المصور بنية الفرض فريضة، للإجماع حكاه غير واحد، لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات …». الحديث متفق عليه من حديث عمر الله ولأن الفرض لا يتميز من غيره إلا بالنية.
(ورفع اليدين) عند تكبيرة الإحرام (سنة) وقيل: إن ذلك مستحب، وكذلك فيما سواها من ركوع ورفع وقيام من تشهد الثانية لثبوته عن رسول الله ﷺ بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني في تكبيرة الإحرام وغيرها (^٤)، وقد مر ذلك في الصلاة.
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٢٠)، وأحمد (٥/ ٣١٥) (٢٣٠٦٩)، وأبو داود (١٤٢٠)، والنسائي (١/ ٢٣٠)، وفي الكبرى (٣١٨).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢٦٠١)، قال البيهقي: فقد يكون كبر ولم يسمع، وقد يكون ترك مرة ليبين الجواز، والله أعلم.
(٣) مسند الطيالسي (٢٤٩٥).
(٤) أفرد أحاديث الرفع لليدين البخاري صاحب الصحيح رحمه الله تعالى في مصنف، وكذلك الإمام التقي السبكي والغماري.
[ ٣ / ١٣٧٢ ]
(والقراءة بأم القرآن في الصلاة) المفروضة في حق الإمام والفذ في كل ركعة أو في الجل (فريضة) لقوله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (^١)، وعند الدارقطني بسند صحيح: «لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، والأحاديث في ذلك قد مرت في الصلاة، وأما المأموم فيحملها عنه الإمام (وما زاد عليها)؛ أي: على أم القرآن في الفرض (سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة لمواظبته ﷺ على قراءة السور مع الفاتحة في جميع الصلوات كما تقدم في بعض الأحاديث بذلك أما كونها غير واجبة فلحديث المسيء صلاته وغيره.
(والقيام في الصلاة) المفروضة للقادر عليه غير المسبوق (والركوع والسجود) للقادر عليه (فريضة) بلا خلاف في ذلك كله فإن ترك شيئا من ذلك مع القدرة عليه فصلاته باطلة بالإجماع (^٢) أما القيام فلقوله ﷺ: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب» من حديث عمران بن حصين ﵁ (^٣)، وأما الركوع والسجود فلقوله تعالى: ﴿اركعوا واسجدوا﴾ [الحج: ٧٧] وقوله ﷺ للمسيء صلاته: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، وافعل ذلك في صلاتك كلها» من حديث أبي هريرة ﵁ (^٤).
(والجلسة الأولى) فيما فيه تشهدان (سنة) والزائد على ذلك سنة لنقل الخلف عن السلف عن النبي ﷺ ولما سبق في الصلاة، وأما كونها غير فريضة فلحديث عبد الله ابن بحينة ﵁ قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر فقام من اثنتين ولم يجلس فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد ذلك» (^٥) فلو كان واجبا
_________________
(١) البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٨٧٢)، (٨٢٢).
(٢) سنن الدارقطني (١/ ٣٢١ - ٣٢٢).
(٣) تقدم تخريجه في الصلاة.
(٤) البخاري (٧٩٣)، ومسلم (٨٨٣).
(٥) البخاري (٨٢٩)، وبوب عليه بقوله: باب من لم ير التشهد الأول واجبا.
[ ٣ / ١٣٧٣ ]
لفعله ولم يقتصر على السجود، ولحديث المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوي قائما فليجلس، وإذا استوى قائما فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو» (^١)، فلو كان واجبا لأمر بالرجوع إليه ولو استتم قائما، قال الحافظ (^٢): «ووجه الدلالة أنه لو كان واجبا لرجع إليه لما سبحوا به بعد أن قام، ونقل عن ابن بطال قوله: والدليل على أن سجود السهو لا ينوب عن الواجب لأنه لو نسي تكبيرة الإحرام لم تجبر فكذلك التشهد - أي: لو كان واجبا لم يجبر بالسجود»؛ وقيس على هذا التشهد الثاني لأنهما في معنى واحد والله أعلم.
(والثانية) بمقدار ما يوقع فيه السلام خاصة (فريضة) لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: «كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبرائيل» … الحديث. وفيه: «ولكن قولوا: التحيات» وذكره (^٣)، ولأن الأصل في أفعال الصلاة الوجوب إلا ما دل الدليل على عدم فرضيته كالجلوس الأول فيبقى هذا واجبا لمواظبته ﷺ عليه مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
(والسلام) من الصلاة (فريضة) من كل صلاة لها سلام لقوله ﷺ: «وتحليلها التسليم» (^٤) ولا سلام لسجدة التلاوة، (والتيامن به)؛ أي: بالسلام (قليلا) بحيث ترى صفحة وجهه للإمام والفذ والمأموم (سنة) والمعتمد ما اعتمده صاحب المختصر أنه فضيلة لحديث عائشة السابق في الصلاة: «أنه ﷺ
_________________
(١) أبو داود (١٠٣٦)، والترمذي (٣٦٥) نحوه، قال الأرناؤوط وهو حديث حسن.
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (١/ ٩٩)، والفتح (٢/ ٣٦١).
(٣) أخرجه النسائي (١/ ١٨٧)، والدارقطني (١٣٣ - ١٣٤)، وعنه البيهقي (٢/ ١٣٨)، وصححه الألباني كما في الإرواء.
(٤) أحمد (٣/ ٣٤٠)، د (٦١)، والترمذي وصححه (٢٣٨)، ق (٢٧٥ - ٢٧٦)، وقال الحافظ في الفتح: أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح.
[ ٣ / ١٣٧٤ ]
كان يميل به إلى الشق الأيمن شيئا" (^١).
(وترك الكلام في الصلاة) لغير إصلاحها (فريضة) وأما من تكلم لإصلاح صلاته؛ أي: يسيرا فلا شيء في ذلك، وأما الكثير فيبطل. وكذا الناسي إن تكلم يسيرا فلا شيء عليه وأما الكثير فمبطل لحديث زيد بن أرقم ﵁ قال: «كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام» (^٢) والأدلة أخرى سبقت في الصلاة.
(والتشهدان)؛ أي: كل تشهد (سنة) على المشهور أما الأول فتقدم دليله مع دليل سنية جلوسه وأما الثاني فقياسا عليه ولحديث المسيء صلاته فإن النبي ﷺ لم يذكر فيه التشهد، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قعد الإمام في آخر صلاته ثم أحدث قبل أن يتشهد فقد تمت صلاته» وفي رواية: «ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته» (^٣).
(والقنوت في الصبح) فقط سرا لثبوته عن النبي ﷺ كما سبق في الصلاة (حسن)؛ أي: مستحب وقوله: (وليس بسنة) لعدم مواظبته ﷺ عليه إنما قنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك كما قال أنس وغيره وذكرناه في المناهل في القنوت مفصلا.
(واستقبال القبلة فريضة) إجماعا لقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ [البقرة: ١٤٤] وقوله ﷺ في حديث المسيء صلاته: «إذا قمت
_________________
(١) الترمذي (٢٩٦)، وابن ماجه (٩١٩)، والبيهقي (٣١٠٥)، وصححه الألباني.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٨)، والبخاري (٢/ ٧٨) (١١٤٢)، وفي جزء القراءة خلف الإمام (٢٤٢)، ومسلم (٥٣٩)، وأبو داود (٩٤٩)، والترمذي (٤٠٥ و٢٩٨٦).
(٣) أخرجه أبو داود (٦١٧)، والترمذي (٤٠٨)، قال الترمذي: هذا حديث، إسناده ليس بذاك القوي، وقد اضطربوا في إسناده. وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم، هو الإفريقي، وقد ضعفه بعض أهل الحديث، منهم: يحيى بن سعيد القطان، وأحمد بن حنبل. اهـ. وأخرجه البيهقي (٢٩٣٦)، وقال: هو حديث ضعيف.
[ ٣ / ١٣٧٥ ]
إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر (^١)، ويكون استقبالها في كل صلاة ذات ركوع وسجود وغيرها كصلاة الجنائز إلا في الفرض في شدة الخوف، وإلا في حال المرض إذا لم يجد من يحوله إلى القبلة فإنه يصلي حيث تيسر، أو تعسر على الراكب النزول على الأرض خشية الوحل والوقت قريب الخروج.
(والوتر سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة لحديث أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول ﷺ: «الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل» (^٢).
(وكذلك صلاة العيدين) لمواظبة النبي ﷺ عليها وقد تقدم بيان ذلك (و) صلاة (الخسوف)؛ أي: خسوف الشمس والقمر كذلك لفعل النبي ﷺ لهما كما مر فيهما (و) صلاة (الاستسقاء)؛ أي: طلب السقيا (وصلاة الخوف)؛ أي: حالة التحام الحرب (سنة واجبة)؛ أي: وجوب السنن المؤكدة، وأكدها الوتر ثم العيدان ثم الخسوف ثم الاستسقاء (أمر الله ﷺ بها) لما تقدم كل في بابه مفصلا، فالصلاة في نفسها فريضة وعلى الهيئة المذكورة سنة (وهو فعل يستدركون به فضل الجماعة)؛ أي: يحصلون به السنة. (والغسل لدخول مكة مستحب) لما سبق في الحج، (والجمع) بين المغرب والعشاء (ليلة المطر) وفي الطين والظلمة (تخفيف)؛ أي: رخصة (وقد) فعله رسول الله ﷺ وهو القدوة كما سبق في الصلاة ولقول ابن عباس ﵄: لما سئل عن سبب جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء: «أراد أن لا يخرج أمته» (^٣) و(فعله الخلفاء الراشدون) لما رواه ابن وهب عن عمر بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه أن ابن قسيط حدثه
_________________
(١) البخاري (٦٢٥١)، ومسلم (٤٦ - ٣٩٧).
(٢) أبو داود (١٤٢٢).
(٣) رواه مسلم (١٦٦٧).
[ ٣ / ١٣٧٦ ]
أن جمع الصلاتين بالمدينة في ليلة المطر المغرب والعشاء سنة وأن قد صلاها أبو بكر وعمر وعثمان ﵃ على ذلك وجمعهما أن العشاء تقرب إلى المغرب حين يصلى وكذلك أيضا يصلون بالمدينة (^١) وإنما استشهد بفعلهم دون فعله ﵊ لأن فعله يتطرق إليه النسخ دون فعلهم لأنه لا نسخ بعد وفاته ﷺ. أو لعله فاته الحديث ولا غرابة في ذلك، أو يعرفه ونسيه والله أعلم.
(والجمع بعرفة) بين الظهر والعصر (وبالمزدلفة) بين المغرب والعشاء (سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة لما سبق في الحج (وجمع المسافر) سفرا واجبا كسفر الحج الواجب، أو مندوبا أو مباحا كحج التطوع والتجارة، وقد سبق دليل كل هذا في الصلاة (في) حال (جد السير رخصة) وظاهره اشتراط جد السير وهو نص المدونة (^٢) والذي في «المختصر» (^٣) عدم الاشتراط (وجمع المريض الذي يخاف أن يغلب على عقله) عند الصلاة الثانية (تخفيف)؛ أي: رخصة، فإذا جمع ولم يغلب على عقله في وقت الثانية فإنه يعيدها (وكذلك جمعه لـ) أجل (علة به) تخفيف (فيكون ذلك أرفق به) لأنه إذا جمع كان له قيام واحد ووضوء واحد فبالجمع حصل التخفيف وقد سبق دليل ذلك.
(والفطر في السفر) الذي تقصر فيه الصلاة، ويرخص فيه الجمع (رخصة) إن شاء فعل وإن شاء ترك، والمشهور أن الصوم أفضل لما سبق في الصيام (والإقصار فيه)؛ أي: قصر الصلاة في السفر بشرطه (واجب) وجوب السنن المؤكدة فلا يحرم الإتمام.
(وركعتا الفجر من الرغائب) لهما نية تخصهما لأنهما مما اختص بترغيب من النبي ﷺ (وقيل:) هما (من السنن) لمواظبة النبي ﷺ عليهما وإظهارهما والأول هو المشهور والتقسيم من صنع الفقهاء الأصوليين.
_________________
(١) المدونة (١/ ١١٥).
(٢) المرجع السابق (١/ ١١٦).
(٣) المختصر (٤٣).
[ ٣ / ١٣٧٧ ]
(وصلاة الضحى نافلة) من النوافل التي حث عليها النبي ﷺ وفعلها، وأكثرها ثمان ركعات وأقلها ركعتان، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث لا أدعهن حتى أموت: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر» (^١).
(وكذلك قيام شهر رمضان نافلة وفيه فضل كبير) لما صح من قوله ﵊: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه» (^٢).
وإلى هذا أشار الشيخ بقوله: (ومن قامه إيمانا واحتسابا)؛ أي: محتسبا أجره على الله (غفر له ما تقدم من ذنبه) بمحض الإحسان.
(والقيام من الليل في رمضان وغيره من النوافل المرغب فيها) لقوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء اليل ساجدا وقابما﴾ [الزمر: ٩] وغير ذلك من الآيات النيرات ومن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة، بعد الفريضة، صلاة الليل» (^٣).
(والصلاة على موتى المسلمين فريضة) من فروض الكفاية (يحملها من قام بها عن الباقين وكذلك مواراتهم بالدفن)؛ أي: موتى المسلمين (وغسلهم سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة. ولا يخفى عدم الملاءمة في كلامه فإن من يقول بسنية الغسل يقول بسنية الصلاة، ومن يقول بوجوبه يقول بوجوبها، والراجح القول بوجوب الغسل والصلاة وعليه الأكثر؛ وشهره الفاكهاني، وقال ابن الحاجب هو الصحيح. قال أبو عمر: وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين من أهل الكبائر كانوا، أو صالحين، وراثة عن نبيهم ﷺ قولا وعملا، والحمد لله، واتفق العلماء على ذلك إلا في
_________________
(١) البخاري (١١٧٨) واللفظ له، ومسلم (١٦٦٩).
(٢) البخاري (٢٠٠٨)، ومسلم (١٧٧٦).
(٣) رواه مسلم (٢٧٤٨)، وأبو داود (٢٤٢٩)، والنسائي مرسلا (٢/ ٣/ ٢٠٦)
[ ٣ / ١٣٧٨ ]
الشهيد، وإلا في أهل البدع والبغاة اهـ (^١).
(وكذلك طلب العلم فريضة عامة)؛ أي: واجبة على جميع المسلمين (يحملها من قام بها) على وجه الكفاية لحاجة أهل الإسلام من يحفظ لهم أمور دينهم قال تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ [التوبة: ١٢٢] (إلا) فيه (ما يلزم الرجل في خاصة نفسه) كالتوحيد والوضوء والصلاة والحج والبيع والشراء لما تقرر من قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩] ولقوله ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (^٢)، وثبت أنه لا يجوز لأحد أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦] فهذه من فروض الأعيان لا يحملها أحد عن أحد.
(وفريضة الجهاد عامة)؛ أي: واجبة على جميع المسلمين (يحملها من قام بها منهم) فتسقط عن الباقين (إلا أن يغشى العدو محلة قوم)؛ أي: يغير ويهجم على محلة قوم بفتح الميم المكان ينزله القوم (فيجب فرضا عليهم)؛ أي: يجب وجوبا مؤكدا عينيا على الذكر والأنثى الحر والعبد (قتالهم إذا كانوا مثلي عددهم) لقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦]، فإذا بلغ عدد الكفار أكثر من مثليهم جاز لهم الفرار، وقد تقدم في الجهاد تفصيل ذلك والحمد لله رب العالمين.
(والرباط) وهو الإقامة (في ثغور المسلمين) وهي الفرج الكائنة بين المسلمين والكفار (وسدها وحياطتها)؛ أي: حفظها (واجب) وجوب فرض الكفاية (يحمله من قام به) عن بقية المسلمين لما سبق في فضله في باب
_________________
(١) الاستذكار (٨/ ٢٢٨).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٢٤)، وصححه الألباني. انظر: حديث رقم (٣٩١٤) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١٣٧٩ ]
الجهاد، بل ويجب اليوم على كل من كان على ثغرة علمية أو ثقافية أو اجتماعية أو عسكرية ما يجب على أهل الثغور.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وصوم شهر رمضان فريضة.
والاعتكاف نافلة.
والتنفل بالصوم مرغب فيه وكذلك، صوم يوم عاشوراء ورجب وشعبان ويوم عرفة والتروية وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل منه للحاج.
وزكاة العين والحرث والماشية فريضة.
وزكاة الفطر سنة فرضها رسول الله.
وحج البيت فريضة.
والعمرة سنة واجبة.
والتلبية سنة واجبة.
والنية بالحج فريضة.
والطواف للإفاضة فريضة.
والسعي بين الصفا والمروة فريضة والطواف المتصل به واجب، وطواف الإفاضة آكد منه.
والطواف للوداع سنة.
والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة.
والجمع بعرفة واجب.
والوقوف بعرفة فريضة.
ومبيت المزدلفة سنة واجبة.
ووقوف المشعر الحرام مأمور به.
ورمي الجمار سنة واجبة وكذلك الحلاق.
[ ٣ / ١٣٨٠ ]
وتقبيل الركن سنة واجبة.
والغسل للإحرام سنة.
والركوع عند الإحرام سنة.
وغسل عرفة سنة.
والغسل لدخول مكة مستحب.
والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﷺ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد واختلف في مقدار التضعيف بذلك بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول ﷺ أفضل من ألف صلاة، فيما سواه وسوى المسجد الحرام من المساجد وأهل المدينة يقولون: إن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف وهذا كله في الفرائض.
وأما النوافل ففي البيوت أفضل والتنفل بالركوع لأهل مكة أحب إلينا من الطواف، والطواف للغرباء أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم).
الشرح
(وصوم شهر رمضان فريضة) على كل مسلم مكلف لقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] الآية وقد تقدم.
(والاعتكاف) وهو ملازمة المسجد للذكر وتلاوة القرآن (نافلة) وقيل: إنه سنة. والتنفل بالصوم مرغب فيه وهو أحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠] فقد فسر الصبر بالصوم.
(وكذلك صوم يوم عاشوراء) بالمد وهو العاشر من المحرم مرغب فيه فعن أبي قتادة الأنصاري ﵁: وفيه أنه ﷺ سئل عن صوم يوم عاشوراء؟
[ ٣ / ١٣٨١ ]
فقال: «يكفر السنة الماضية» (^١).
(و) كذلك صوم شهر (رجب مرغب) فيه، (و) كذلك صوم شهر (شعبان) مرغب فيه لمواظبة النبي ﷺ على صيامه، فعن أبي سلمة، أن عائشة ﵂، حدثته قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله» (^٢) (و) كذلك صوم (يوم عرفة) وهو التاسع من ذي الحجة مرغب فيه لما في حديث أبي قتادة ﵁ وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» (^٣) (و) كذلك صوم (يوم التروية) وهو الثامن من ذي الحجة مرغب فيه وليس فيه دليل بخصوصه وإنما هو فضله ضمن صيام العشر من ذي الحجة لما في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام»؛ يعني: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» (^٤)، (وصوم يوم عرفة لغير الحاج أفضل وفي نسخة أحسن منه للحاج) وأما الحاج فالفطر له أفضل.
(وزكاة العين) الذهب والفضة (و) زكاة (الحرث و) زكاة (الماشية فريضة)؛ أي: كل ذلك واجب وزكاة الفطر سنة؛ أي: واجبة بالسنة وهو معنى قوله: (فرضها رسول الله ﷺ)؛ أي: فهي واجبة بالسنة. وقد سبق دليل ذلك.
(وحج البيت فريضة) في العمر مرة واحدة (والعمرة سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة مرة واحدة في العمر (والتلبية) في الحج والعمرة (سنة واجبة)؛ أي:
_________________
(١) مسلم (٢٧٣٩)، وأبو داود (٢٤٢٥)، والترمذي (٧٤٩).
(٢) البخاري (١٩٧٠).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) البخاري (٢/ ٢٤) (٩٦٩)، وأبو داود (٢٤٣٨)، واللفظ له، والترمذي (٧٥٧) وغيرهم.
[ ٣ / ١٣٨٢ ]
مؤكدة (والنية بالحج فريضة و) كذا (الطواف للإفاضة) وهو الذي يفعل بعد الرجوع من عرفة (فريضة) بلا خلاف، (و) كذلك السعي بين الصفا والمروة فريضة وكذلك الطواف المتصل به؛ أي: بالسعي وهو طواف القدوم (واجب) يترتب على تركه دم. (وطواف الإفاضة آكد منه)؛ أي: من طواف القدوم لأنه ركن من أركان الحج ويسمى بطواف الزيارة وطواف الركن قال تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: ٢٩]، (والطواف للوداع سنة) والذي في المختصر أنه مستحب (^١) (والمبيت بمنى ليلة يوم عرفة سنة) لا دم على من تركه. وقوله: (والجمع بعرفة واجب) تكرار مع ما تقدم (والوقوف بعرفة فريضة) بلا خلاف (ومبيت المزدلفة سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة، (ووقوف المشعر الحرام مأمور به) استحبابا، (ورمي الجمار سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة (وكذلك الحلاق) في حق الرجل دون المرأة (سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة (وتقبيل الركن)؛ يعني: الحجر الأسود في أول شوط (سنة واجبة)؛ أي: مؤكدة لكن بحسب الاستطاعة وإلا فالإشارة تكفي خشية الأذى من الزحام. (والغسل للإحرام سنة) للرجل والمرأة ولو حائضا أو نفساء (والركوع عند الإحرام سنة وغسل عرفة) لأجل الوقوف بعرفة سنة. وقوله: (والغسل لدخول مكة مستحب) تكرار وقد تقدم ذلك مفصلا في الحج بحمد الله تعالى.
(والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وفي رواية بخمس وعشرين جزءا ولا تنافي، لجواز كون الجزء أكبر من الدرجة لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» (^٢)؛ وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة الرجل في الجماعة تفضل على صلاته في بيته وسوقه خمسا وعشرين درجة» (^٣). قال ابن رشد (^٤): يعني أن الصلاة في الجماعات
_________________
(١) الخرشي على خليل (٢/ ٣٤٢).
(٢) البخاري (٦٤٥)، ومسلم (١٤٧٥).
(٣) البخاري (٤٧٧)، ومسلم (١٥٠٤).
(٤) المقدمات (١/ ١٦٤).
[ ٣ / ١٣٨٣ ]
من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الأجزاء.
(والصلاة في المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ فذا أفضل من الصلاة في سائر المساجد) ويليهما في الفضل مسجد إيلياء وهو بيت المقدس (واختلف في مقدار التضعيف)؛ أي: الزيادة (بذلك) التفضيل (بين المسجد الحرام ومسجد الرسول ﵊ لم يرد ما هو الظاهر من أنه اختلف بماذا يفضل أحد المسجدين على الآخر وإنما أراد بيان الخلاف الواقع بين العلماء هل مكة أفضل أو المدينة؟ ومشهور المذهب أن المدينة أفضل (^١). ومعنى التفضيل بينهما أن ثواب العمل في إحداهما أكثر من ثواب العمل في الأخرى، ولم يختلف أن الصلاة في مسجد الرسول ﵊ (أفضل من ألف صلاة فيما سواه، وسوى المسجد الحرام من المساجد) فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام» (^٢).
وعن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة
_________________
(١) وللإمام ابن القيم بحث ماتع حول تفضيل مكة - حرسها الله - على سائر البلدان. كما في زاد المعاد (١/ ٤٦ - ٥٢)، بل له مؤلف خاص في «تفضيل مكة على المدينة» ذكره ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٢/ ٤٥٠)، وقد عكس قبله ذلك أبو بكر الأبهري المالكي (ت ٣٧٥ هـ) فألف: «فضل المدينة على مكة» كما في الفهرست لابن النديم (٢٥٣)، وانظر: في مسألة التفضيل بين هاتين المدينتين: الاستذكار (٧/ ٢٢٥، ٢٢٦)، والتمهيد (٢/ ٢٨٧ - ٢٩٠)، والمحلى (٧/ ٢٧٩ - ٢٩٠) وهو مهم، المقدمات لابن رشد (٣/ ٤٧٧، ٤٨١)، والمغني (٤/ ٤٩٤)، والمجموع (٧/ ٤٦٦)، وقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (١/ ٣٩ - ٤٣) وقد رجح تفضيل مكة من اثني عشر وجها. الفروق للقرافي (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٢)، وإعلام الساجد للزركشي (١٨٦ - ١٩٣)، وفتح الباري (٣/ ٦٧)، وعلى كل فالمسألة مهيبة ولا يترتب على الترجيح فيها كبير عمل، والأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الرجل عمله كما قال سلمان ﵁، والفضيلة الدائمة في كل وقت ومكان في الإيمان والعمل الصالح، والله أعلم.
(٢) الموطأ (٢/ ٣)، والبخاري (١١٩٠)، ومسلم (٣٣٦٣).
[ ٣ / ١٣٨٤ ]
«في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجدي» (^١).
واختلفت هل الصلاة فيه أفضل أو الصلاة في المسجد الحرام (فأهل)؛ أي: علماء (المدينة المشرفة يقولون: إن الصلاة فيه)؛ أي: في مسجد الرسول ﵊ (أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بدون الألف) وقد وردت الأحاديث مصرحة بأفضلية حرم مكة، ومبينة معنى الاستثناء كما مر في حديث ابن الزبير (^٢). وقد اختصت مكة بوجوه من التفضيل:
أحدها: وجوب الحج والعمرة على الخلاف، والمدينة يندب إتيانها ولا يجب.
وثانيها: فضلت المدينة بإقامته بها بعد النبوة عشر سنين وبمكة ثلاث عشرة سنة بعد النبوة.
وثالثها: فضلت المدينة بكثرة الطارئين من عباد الله الصالحين، وفضلت مكة بالطائفين من الأنبياء والمرسلين فما من نبي إلا حجها آدم فمن دونه ولو كان لمالك داران فأوجب على عباده أن يأتوا إحداهما، ووعدهم على ذلك بغفر سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لعلم أنها عنده أفضل.
ورابعها: أن التقبيل والاستلام نوع من الاحترام وهما خاصان بالكعبة. وخامسها: وجوب استقبالها.
وسادسها: تحريم استدبارها لقضاء الحاجة.
وسابعها: تحريمها يوم خلق الله السماوات والأرض ولم تحرم المدينة إلا في زمانه ﵇.
وثامنها: كونها مثوى إبراهيم وإسماعيل ﵇.
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٢٩)، والبيهقي (٥/ ٤٠٤) وغيرهما بإسناد حسن، وقال النووي: حديث حسن المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (٥/ ٩/ ١٦٦)
(٢) انظر: الجامع لابن أبي زيد في تفضيل المدينة على مكة (١٦٧، ١٦٨)، ط: دار الغرب.
[ ٣ / ١٣٨٥ ]
وتاسعها: كونها مولد سيد المرسلين.
وعاشرها: لا تدخل إلا بإحرام.
وحادي عشرها: قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨].
وثاني عشرها: الاغتسال لدخولها دون المدينة.
وثالث عشرها: ثناء الله ﵎ على البيت وهو قوله ﷺ: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧] (^١). اهـ.
(وهذا) التفضيل الذي ذكر إنما هو (في الفرائض. وأما النوافل فـ) فعلها (في البيوت أفضل) لقوله ﷺ: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة» (^٢).
وقد ذكرنا في أصل هذا المختصر هل التنفل في البيوت في مكة أيضا أفضل أم فعل ذلك في المسجد الحرام؟ فانظره إن شئت غير مأمور (^٣).
(والتنفل بالركوع لأهل مكة)؛ أي: سكانها (أحب إلينا)؛ أي: إلى المالكية (من الطواف) لئلا يزاحموا الغرباء، (والطواف للغرباء) وهم أهل المواسم (أحب إلينا من الركوع لقلة وجود ذلك لهم) وهذا التفصيل منقول عن ابن عباس وعطاء وسعيد بن جبير ومجاهد قالوا: «الصلاة لأهل مكة أفضل، والطواف للغرباء أفضل» (^٤) وذلك أن الطواف إنما يكون حول البيت الحرام. وأما الركوع فيتيسر لكل أحد داخل مكة وخارجها، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الذخيرة (٣/ ٣٧٧).
(٢) مسلم (٣/ ٣٢٥، ٣٢٦)، والنووي: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة النافلة في بيته، حديث (٢١٣ - ٧٨١).
(٣) وانظر: إعلام الساجد (١٢٢، ١٢٤).
(٤) انظر: أخبار مكة للفاكهي (١/ ٢٣٨).
[ ٣ / ١٣٨٦ ]
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن الفرائض غض البصر عن المحارم، وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج، ولا في النظر إلى المتجالة، ولا في النظر إلى الشابة لعذر من شهادة عليها وشبهه وقد أرخص في ذلك للخاطب. ومن الفرائض صون اللسان عن الكذب والنور والفحشاء والغيبة والنميمة، والباطل كله قال الرسول ﵊: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»، وقال ﵊: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وحرم الله سبحانه دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه أو يزني بعد إحصانه أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض أو يمرق من الدين ولتكف يدك عما لا يحل لك من مال أو جسد أو دم ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك، قال الله سبحانه: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ [المؤمنون: ٥] إلى قوله: ﴿فأولئك هم العادون﴾ [المؤمنون: ٧] وحرم الله سبحانه الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وأن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن، وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه.
وأمر بأكل الطيب وهو الحلال فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا، ولا تلبس إلا طيبا، ولا تركب إلا طيبا، ولا تسكن إلا طيبا، وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا ومن وراء ذلك مشتبهات من تركها سلم ومن أخذها كان كالراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل ومن الباطل الغصب والتعدي والخيانة والربا والسحت والقمار والغرر والغش والخديعة والخلابة.
وحرم الله سبحانه أكل الميتة والدم، ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وما ذبح لغير الله وما أعان على موته ترد من جبل أو وقذة بعصا أو غيرها، والمنخنقة بحبل أو غيره إلا أن يضطر إلى ذلك كالميتة وذلك إذا صارت بذلك إلى حال لا حياة بعده فلا ذكاة فيها.
[ ٣ / ١٣٨٧ ]
ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويتزود فإن استغنى عنها طرحها.
ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلى عليه ولا يباع.
ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها.
وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة.
وأحب إلينا أن يغسل ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها.
وكره الانتفاع بأنياب الفيل.
وكل شيء من الخنزير حرام وقد أرخص في الانتفاع بشعره.
وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر وبين الرسول ﵇ أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر وقال الرسول ﷺ: «إن الذي حرم شربها حرم بيعها»، ونهى عن الخليطين من الأشربة وذلك أن يخلطا عند الانتباذ وعند الشرب.
ونهى عن الانتباذ في الدباء والمزفت).
الشرح
(ومن الفرائض غض البصر) عما حرم الله تعالى لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ [النور: ٣٠] ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ [النور: ٣١].
ثم أشار إلى مسبب هذا السبب، ونبه على ما يؤول إليه هذا الشر بقوله: ﴿ويحفظوا فروجهم﴾ [النور: ٣٠]، ﴿ويحفظن فروجهن﴾ [النور: ٣٠]. ولحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة؟ فقال: «اصرف بصرك» (^١)، ولقوله ﷺ: «النظرة سهم مسموم من
_________________
(١) مسلم (٦/ ١٨١) (٥٦٩٥)، وأبو داود (٢١٤٨)، والترمذي (٢٧٧٦)، والنسائي في «الكبرى» (٩١٨٩).
[ ٣ / ١٣٨٨ ]
سهام إبليس» (^١)، فإن السهم شأنه أن يسري في القلب فيعمل فيه عمل السم الذي يسقاه المسموم، فإن بادر واستفرغه وإلا قتله ولا بد كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى (^٢)، ويقول ابن الجوزي محذرا من إطلاق البصر: «اعلم وفقك الله أن البصر صاحب خبر القلب ينقل إليه أخبار المبصرات، وينقش فيه صورها فيجول فيها الفكر، فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة».
(وليس في النظرة الأولى بغير تعمد حرج)؛ أي: إثم لحديث جرير المذكور وحديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «يا علي، إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبعن النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة» من حديث بريدة (^٣). قال ابن القطان: الإجماع على أن العين لا تتعلق بها كبيرة ولكنها أعظم الجوارح آفة على القلب وأسرع الأمور في خراب الدين والدنيا؛ قال الإمام أحمد ﵀: «إذا خاف الفتنة لا ينظر، كم نظرة قد ألقت في قلب صاحبها البلابل» (^٤).
ويرحم الله القائل:
كل الحوادث مبداها من النظر … ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة أحدثت في قلب صاحبها … فعل السهام بلا قوس ولا وتر
ولما كان إطلاق البصر سببا لوقوع الهوى في القلب، أمرك الشارع ببغض البصر عما يخاف عواقبه.
(ولا) حرج (في النظر إلى المتجالة)؛ أي: التي لا أرب فيها للرجال
_________________
(١) الكنز (١٣٠٧٣)، وقال: أخرجه أحمد وابن النجار، ورواه القضاعي في مسند الشهاب (١/ ١٩٥) (٢٩٢)، والحاكم في مستدركه (٧٨٧٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٢) روضة المحبين (٩٥).
(٣) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥١)، وأبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧).
(٤) ذم الهوى، لابن الجوزي، (ص ١١٦).
[ ٣ / ١٣٨٩ ]
لقوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾ [النور: ٦٠] وكان النبي ﷺ يزور بعض العجائز ومعه أصحابه، وكذلك كان يفعل الخلفاء الراشدون من بعده، كما جاء عن أنس ﷺ قال: «ذهب رسول الله ﷺ إلى أم أيمن زائرا، وذهبت معه فقربت إليه شرابا فإما كان صائما وإما كان لا يريده فرده، فأقبلت على رسول الله ﷺ تصاحبه، فقال أبو بكر له بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، فلما انتهينا إليها بكت قالا لها: ما يبكيك ما عند الله خير لرسول الله ﷺ قالت: والله ما أبكي ألا أكون أعلم ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان ﵃ أجمعين»» (^١)، (ولا) حرج (في النظر إلى الشابة) وتأمل صفتها (لعذر من شهادة عليها) في نكاح أو بيع ومثل الشاهد الطبيب والجراح وإليه أشار بقوله: (أو شبهه)؛ أي: شبه العذر من شهادة، فيجوز للطبيب والجراح النظر إلى موضع العلة وإن كانت في العورة، لكن يبقر الثوب قبالة العلة، وينظر إليها لأنه إذا لم يبقر الثوب لربما تعدى نظره إلى غير موضع العلة (وقد أرخص في ذلك)؛ أي: في النظر إلى الشابة (للخاطب)؛ أي: إذا كان قصده مجرد علم صفتها فقط، وهذا نظره قاصر على رؤية الوجه والكفين. وإنما رخص له في النظر إليهما لأنه يستدل برؤية الوجه على الجمال، وبرؤية الكفين على خصب البدن، ومصدر ذلك أمره ﵊ بذلك، فعن المغيرة بن شعبة ﵁ أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ: «انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» (^٢)، وعن أبي هريرة قال: كنت عند النبي ﷺ فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله ﷺ: «أنظرت إليها؟»، قال: لا، قال: «فاذهب فانظر إليها،
_________________
(١) رواهما مسلم (٢٤٥٣، ٢٤٥٤).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٤)، والترمذي (١٠٨٧)، والنسائي (٦/ ٦٩)، وابن ماجه (١٨٦٦)، وصححه الألباني.
[ ٣ / ١٣٩٠ ]
فإن في أعين الأنصار شيئا» (^١)، وغيرها من الأحاديث.
(ومن الفرائض صون اللسان)؛ أي: حفظه (عن الكذب) وهو الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه قال تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٦٠] وقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: ١١٩] وقوله تعالى: ﴿إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بثايات الله وأولئك هم الكذبون﴾ [النحل: ١٠٥]، وعن ابن مسعود به عن النبي ﷺ قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (^٢).
(و) من الفرائض؛ أي: من الأمور الواجبة على كل إنسان بعينه صون اللسان عن شهادة (الزور) وهو أن يشهد بما لم يعلم وإن وافق الواقع لقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ [الحج: ٣٠]، ولقوله ﷺ في حديث أكبر الكبائر: … . وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور من حديث النعمان بن بشير به (^٣).
(و) منها صون اللسان عن (الفحشاء) وهي كل محرم؛ أي: من قول أو فعل لقوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاب ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي﴾ [النحل: ٩٠]، (و) منها صون اللسان عن (الغيبة) وهي أن يقول الإنسان في أخيه حال غيبته ما يكره من شأنه، قال تعالى: ﴿ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم﴾ [الحجرات: ١٢]، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك بما
_________________
(١) مسلم (٣٤٦٩)، والنسائي (٦/ ٦٩)، في الكبرى (٥٣٢٧).
(٢) البخاري (٦٠٩٤) (٨/ ٣٠)، ومسلم (٦٧٣٠) (٨/ ٢٩).
(٣) البخاري (٣/ ٢٢٥) (٢٦٥٤) و(٨/ ٧٦) (٦٣٧٤) و(٩/ ١٧) (٦٩١٩)، ومسلم (١/ ٦٤) (١٧٢).
[ ٣ / ١٣٩١ ]
يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته» (^١). فخرج ما إذا كان الإنسان يكره أن يذكر بطاعة، لأن هذا مدح والمدح ليس شأنه ذلك، فإذا مدحه بما يكرهه وليس فيه فيحرم من جهة أنه كذب لا من جهة أنه غيبة، أما إذا كان في الغيبة فائدة من الفوائد فقد نص العلماء على جوازها في حالات، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أسباب:
الأول: التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا فازجره عنه، ونحو ذلك، ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حراما.
الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي أو أخي أو زوجي أو فلان بكذا فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه وتحصيل حقي ودفع الظلم؟ ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص أو زوج كان من أمره كذا؟ فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين، ومع ذلك فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى.
الرابع: تجذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه؛ منها جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين بل واجب للحاجة. ومنها المشاورة في مصاهرة إنسان أو مشاركته أو إيداعه أو معاملته أو غير ذلك أو مجاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة.
_________________
(١) مسلم (٦٦٨٥)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤). [ش (بهته) يقال: بهته قلت: فيه البهتان وهو الباطل والغيبة ذكر الإنسان في غيبته بما يكره وأصل البهت أن يقال له الباطل في وجهه وهما حرامان لكن تباح الغيبة لغرض شرعي].
[ ٣ / ١٣٩٢ ]
ومنها إذا رأى متفقها يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد ويلبس الشيطان عليه ذلك ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك.
ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحا لها، وإما بأن يكون فاسقا أو مغفلا ونحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به.
الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس وأخذ المكس وجباية الأموال ظلما وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب كالأعمش والأعرج والأصم والأعمى والأحول وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفه بغير ذلك كان أولى.
فهذه ستة أسباب ذكرها العلماء وأكثرها مجمع عليه وقد جمعها الشيخ كمال الدين بن أبي شرف رحمه الله تعالى فقال:
القدح ليس بغيبة في ستة … متظلم ومعرف ومحدر
ومجاهر بالفسق ثمت سائل … ومن استعان على إزالة منكر (^١)
ودلائلها من الأحاديث الصحيحة المشهورة (^٢) ثم ساق النووي رحمه الله تعالى أحاديثها.
(والنميمة)؛ أي: ومنها صون اللسان عن النميمة وهي نقل الكلام عن المتكلم به إلى غير المتكلم به على وجه الإفساد، قال الله تعالى: ﴿هماز مشاء﴾
_________________
(١) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (٤/ ٣١٣)، ط: العلمية.
(٢) انظر: رياض الصالحين في الباب المذكور.
[ ٣ / ١٣٩٣ ]
بنميم (١١)﴾ [القلم: ١١]، وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة نمام» (^١).
(و) عن (الباطل كله)؛ أي: يجب صون اللسان عن الباطل كله من الأقوال حيث كان مصدرها اللسان، فالمراد الباطل من الأقوال، والباطل أكثر من أن يحصى وهو خلاف الحق. وإذا لم تقل الحق فلا تقل الباطل على الأقل، لحديث قتادة مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إن أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل» (^٢)، وعن عبد الله بن مسعود من قوله ولفظه: «إن أكثر الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضا في الباطل» (^٣)؛ ثم استدل على ما ذكر بحديثين صحيحين يدلان على ما ذكر دلالة عامة بقوله: (قال الرسول ﵊: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) (^٤)، أي: فليقل خيرا يثب عليه، ويسكت عن شر يعاقب عليه. (وقال: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (^٥) الذي لا يعنيه هو كل ما لا تعود عليه منه منفعة لدينه ودنياه وآخرته، والذي يعنيه ما يكون في تركه فوات الثواب. وإنما قال: من حسن إسلام المرء ولم يقل من إسلام المرء لأن ترك ما لا يعني ليس هو الإسلام ولا جزء منه، وإنما هو من أوصافه الحسنة. قال المحاسبي رحمه الله تعالى: وفرض السمع: تبع للكلام والنظر، فكل ما لا يحل الكلام فيه والنظر إليه فلا يحل لك استماعه ولا التلذذ به، والبحث عما كتم عنك من التجسس. اهـ (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٩١) (٢٣٧١٤) وفي (٥/ ٣٩٦) (٢٣٧٥١)، ومسلم (١/ ٧٠) (٢٠٥).
(٢) الصمت لابن أبي الدنيا بسند رجاله ثقات رقم (٧٦) (ص ٨٠).
(٣) الطبراني (٩/ ١٠٨/ ٨٥٤٧)، وانظر: مجمع الزوائد (١٨١٨٣)، وضعفه الألباني. انظر: حديث رقم (١٣٩٣) في ضعيف الجامع.
(٤) مالك في الموطأ (١٦٦٠)، والبخاري (٣١٥٣، ٥٦٧٢)، ومسلم (٤٧).
(٥) مالك في الموطأ (٢٦٢٨) برواية الليثي، ورواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦) من رواية الأوزاعي وحسنه النووي؛ لأن رجال إسناده ثقات.
(٦) رسالة المسترشدين للحارث المحاسبي (ص ١٢٠)، تحقيق: أبي غدة عبد الفتاح، ط: دار السلام.
[ ٣ / ١٣٩٤ ]
(وحرم الله ﷾ دماء المسلمين) بقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكذا دماء أهل الذمة والمعاهد (و) حرم ﷾ (أموالهم وأعراضهم) بقوله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، ولحديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁ عن النبي ﷺ في خطبة الوداع قال: «فإن دماءكم وأموالكم، - قال محمد: وأحسبه قال: - وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم، فسيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه …» الحديث (^١).
وقال ﷺ: «… فإن أربى الربا عند الله ﷿ استحلال عرض المسلم، …» (^٢). مفاد الحديث اعتقاد حليته إلا أنه ليس بمراد، وإنما المراد التكلم في عرضه لكن لما كان المتكلم في الأعراض كأنه مستحل لها أطلق عليه الاستحلال والاستثناء في قوله: (إلا بحقها) راجع للأمور الثلاثة فحق الأموال أن من استهلك شيئا منها فعليه قيمته، وحق الأعراض ما يأتي من قوله: ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما، وحق استباحة الدماء ما أشار إليه بقوله: (ولا يحل دم امرئ مسلم إلا أن يكفر بعد إيمانه) ويستتاب ثلاثة أيام (أو يزني بعد إحصانه، أو يقتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض) وهو قطع الطريق لمنع السلوك لقوله ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث …» الحديث من رواية ابن مسعود كما في «الصحيح» (^٣). (أو يمرق من الدين) بأن يعتقد اعتقاد أهل الأهواء الذين قال فيهم النبي ﷺ: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» (^٤).
_________________
(١) البخاري (١/ ٢٦ - ٦٧)، ومسلم (١٦٧٩).
(٢) أخرجه البيهقي في الشعب (٦٧١١).
(٣) وقد تقدم تخريجه.
(٤) مالك (٤٧٨)، والبخاري (٧٥٦٢)، ومسلم (٢٥٠٠)، في المصباح مرق السهم من الرمية مروقا من باب قعد نفذ من الجانب الآخر. انتهى. والرمية ما يرمى من =
[ ٣ / ١٣٩٥ ]
(ولتكف يدك عما لا يحل لك) تناوله (من مال كالسرقة، أو) مباشرة (جسد) غير الزوجة والأمة مما يتلذذ به ذكرا كان أو أنثى (أو) مباشرة (دم) قتل أو جرح لما سبق وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه» (^١).
ولا تسع بقدميك فيما لا يحل لك المشي إليه كالزنى ولا تباشر بفرجك أو بشيء من جسدك ما لا يحل لك مثل الزني واللواط، قال الله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون﴾ - إلى قوله: ﴿فأولبك هم العادون﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]؛ أي: المتجاوزون ما لا يحل لهم، ولحديث: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطس، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه» من حديث أبي هريرة ﵁ (^٢)، وفي رواية لأبي داود: «واليدان تزنيان فزناهما البطس، والرجلان تزنيان فزناهما المشي، والفم يزني فزناه القبل» (^٣)؛
وقوله ﷺ: «لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له» (^٤).
(وحرم الله سبحانه الفواحش) قال التتائي: هي كل مستقبح من قول أو فعل (ما ظهر منها) على الجوارح (وما بطن) في الضمائر قال تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ [الأعراف: ٣٣]، وفي «الصحيحين» من حديث ابن مسعود له قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد أغير
_________________
(١) = الحيوان ذكرا كان أو أنثى.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤٤٦) (٤٢٦٢)، وأصله في الصحيحين، وصححه الألباني في الصحيحة (٣٩٤٧).
(٣) مسلم (٦٧٤٨)، وأبو داود (٢١٥٣) وفي (٢١٥٤)، وابن حبان (٤٤٢٣).
(٤) وأبو داود (٢١٥٥).
(٥) الطبراني في الكبير (٤٨٧)، وصححه الألباني. انظر حديث رقم (٥٠٤٥) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١٣٩٦ ]
من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، … " (^١).
(و) حرم الله ﷾ (أن يقرب النساء في دم حيضهن أو نفاسهن) بالجماع في الفرج لما سبق في موانع الحيض، بل يحرم التمتع بغير النظر بما بين السرة والركبة ولو بغير الوطء ومن فوق حائل ولا حرج في النظر ومصداق هذا قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: ٢٢٢].
(وحرم من النساء ما تقدم ذكرنا إياه) في باب النكاح وهو أنه يحرم سبع بالقرابة وسبع بالرضاع والمصاهرة.
(وأمر بأكل الطيب وهو الحلال) والحلال هو ما انحلت عنه التبعات فلم يتعلق به حق الله، ولا حق لغيره، وإليه الإشارة بقول تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢] والمراد بالأكل هنا الانتفاع فإذا علمت أن الله تعالى أمرك أن تأكل الطيب (فلا يحل لك أن تأكل إلا طيبا)؛ أي: حلالا، قال ابن عباس ﵄: لا يقبل الله صلاة من في بطنه حرام (ولا) يحل لك (أن تلبس إلا طيبا)؛ أي: حلالا، (ولا) يحل لك (أن تركب شيئا من الدواب إلا طيبا) فركوب الدابة المغصوبة أو المشتراة بمال حرام حرام، (ولا) يحل لك (أن تسكن إلا طيبا) فسكنى ما اشترى بمال حرام حرام، وتستعمل سائر ما تنتفع به طيبا؛ أي: حلالا لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟» (^٢).
(ومن وراء ذلك)؛ أي: الحلال أمور متشابهات من تركها سلم، ومن
_________________
(١) البخاري (٤٣٥٨/ ٤٩٢٢)، ومسلم (٢٧٦٠).
(٢) البخاري في رفع اليدين (٩١)، ومسلم (٢٣٠٩)، والترمذي (٢٩٨٩).
[ ٣ / ١٣٩٧ ]
أخذ منها كان كالراتع حول الحمى يوشك) بكسر الشين؛ أي: يقرب (أن يقع فيه) فإذا وقع فيه فإنه يخاف عليه من سطوة صاحب الحمى لحديث النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (^١). والحمى لغة: ما يحميه صاحب الشوكة، ويمنع غيره من الرعي فيه والقصد اجتناب المتشابه والاقتصار على محقق الحل.
(وحرم الله سبحانه أكل المال بالباطل)؛ أي: أخذه من وجه غير جائز وليس المراد حقيقة الأكل وإنما عبر عن الأخذ بالأكل لأن الغالب فيما يكتسب أن يراد للأكل قال تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨]، ومن الباطل الغصب وهو استيلاء يد عادية على مال الغير، وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة منها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من غصب رجلا أرضا ظلما لقي الله وهو عليه غضبان» (^٢)، وحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين» (^٣)، (و) من الباطل (التعدي) فسره بأنه التصرف فيما لا يؤذن فيه مما تحت يدك، وقد قال النبي ﷺ: «لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه وذلك لشدة ما حرم رسول الله ﷺ من مال المسلم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٠٥١)، ومسلم (١٥٩٩).
(٢) الطبراني في الكبير (٢٢/ ١٨) رقم (٢٥)، وصححه الألباني كما في الصحيحة (٣٣٦٥).
(٣) البخاري (٢٣٢١)، ومسلم في المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها رقم (١٦١٢).
[ ٣ / ١٣٩٨ ]
على المسلم» من حديث أبي حميد الساعدي (^١)، (و) منه (الخيانة) وهو أن يخون الله ورسوله فيما ائتمن عليه قال تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم وأنتم تعلمون﴾ [الأنفال: ٢٧]، أو يخون المؤمنين في أموالهم أو أهليهم أو في أمانتهم … إلخ، وقد كان من دعاء النبي ﷺ: «اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة» من حديث أبي هريرة ﵁ (^٢).
(و) منه (الربا) وهو الزيادة في الثمن أو الأجل على غير وجه سائغ وقد مر الوعيد فيه، ولا سيما في زماننا حيث جهل الناس ما الربا؟ فصاروا يأكلونه، ويشربونه، ويلبسونه، ويركبونه، ويتنفسونه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصدق المصطفى ﷺ حيث قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فإن لم يأكله أصابه من بخاره» قال ابن عيسى: «أصابه من غباره» (^٣)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات!» … وذكر منها … «وأكل الربا …» (^٤). الموبقات: المهلكات.
(و) منه (السحت) لغة: الحرام، أو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار؛ سمي بذلك لأنه يسحت البركة ويذهبها، يقال: (سحته الله)؛ أي: أهلكه، ويقال: (أسحته)، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فيسحتكم بعذاب﴾ [طه: ٦١]؛ أي: يستأصلكم ويهلككم.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٣٦٥٤)، وابن حبان في صحيحه (٥٩٧٨)، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، ورواه البيهقي (١١٨٧٥).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٤٧)، والنسائي (٨/ ٢٦٣)، وفي «الكبرى» (٧٨٥١)، وابن حبان (١٠٢٩).
(٣) رجاله ثقات، منقطع: أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٤)، وأبو داود (٣٣٣١)، وابن ماجه (٢٢٧٨)، والنسائي (٧/ ٢٤٣)، والحديث أصله في البخاري، ولفظه: عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء أبحلال أخذ المال أم بحرام».
(٤) أخرجه البخاري (٢٧٦٦)، ومسلم (١٧٥).
[ ٣ / ١٣٩٩ ]
ومنهم من فسر السحت بالرشوة التي يأخذها الشاهد على شهادته أو القاضي على حكمه والتي كانت من أخلاق اليهود حيث وصفهم الله تعالى بذلك في قوله: ﴿سماعون للكذب أكلون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢]، ونهى المسلمين عن ذلك فقال: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: ١٨٨].
ولكن هل هناك فرق بين السحت والرشوة؟ نعم هناك فرق:
وهو «أن ما كان فيه اشتراك بين طرفين في ارتكاب الإثم فهو الرشوة؛ لوجود راش ومرتش، وما كان الإثم فيه من طرف واحد مع اضطرار الطرف الثاني فهو السحت».
(و) منه؛ أي: الحرام (القمار) وهو ما يأخذ بعض الناس من بعض على لعب الشطرنج ونحوه وقد قال تعالى: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠]، والميسر هو القمار، وعن أبي هريرة له أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدق» (^١)؛ وورد في النرد الذي هو من أنواع القمار قوله ﷺ: «من لعب بنرد أو نرد شير فقد عصى الله ورسوله» من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ (^٢)، وفي رواية: «لا يقلب كعابها أحد ينتظر ما تأتي به إلا عصى الله ورسوله» (^٣) وقوله ﷺ: «من لعب بالنرد شير فكأنما غمس يده في لحم الخنزير ودمه» من حديث بريدة رضي عنه (^٤).
(و) منه (الغرر) الكثير كشراء الطير في الهواء، والسمك في البحر، وأما
_________________
(١) البخاري (٤٨٦٠ و٦٦٥٠)، ومسلم (٤٢٧٠).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» صفحة (٥٩٤)، وأحمد (٤/ ٣٩٤)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٦٩)، وأبو داود (٤٩٣٨).
(٣) ضعيف الترغيب للألباني (١٧٩٧) وقال: ضعيف.
(٤) أخرجه مسلم (٧/ ٥٠) (٥٩٥٨)، وأبو داود (٤٩٣٩).
[ ٣ / ١٤٠٠ ]
اليسير فمغتفر لأن البياعات لا تنفك عنه كالحبوب المباعة، فإنها لا تخلو من نحو طين والعقارات مجهول أساسها، وقد سبق في البيوع النهي عن ذلك بالأدلة، (و) منه (الغش) بكسر الغين وهو خلط الشيء بغير جنسه أو بجنسه الدنيء فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا» (^١).
(و) منه (الخديعة) بالكلام أو الفعل ليتوصل إلى عرض دنيوي كأن يقول من يتعاطى البيع لرجل قدم عليه: نهارك مبارك، حصل أنسكم، وقصده التوصل إلى أن يشتري منه، والغش والخداع من شيم اللئام، (و) منه (الخلابة) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام وفسرت بالخديعة قال النبي ﷺ لرجل كان يخدع في البيع: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» (^٢) وقد تقدم.
(وحرم الله) ﷾ (أكل الميتة) ما عدا ميتة البحر والجراد، (و) أكل (الدم) ما عدا الكبد والطحال (و) حرم (لحم الخنزير)؛ أي: أكله، (و) حرم أكل ما أهل لغير الله (به)؛ أي: ما ذبح ورفعت عليه الأصوات بغير ذكر الله تعالى، مثل أن يذكر عليه اسم المسيح، أو يذكر عليه اسم نبي أو ولي (و) حرم الله ﷾ أكل (ما ذبح لغير الله) كالأصنام، وفي كلامه هنا مع ما تقدم من قوله في الضحايا ولا بأس بأكل طعام أهل الكتاب معارضة وجهها أن من جملة طعام أهل الكتاب ذبائحهم لقصد عيسى مثلا فيكون مفيد الحل ما ذبح لغير الله، وأجاب ابن عمر الأنفاسي بأن ما قاله هنا محمول على ذبائح المجوس ويبقى ما في الضحايا على إطلاقه. وحاصل هذا الجواب أن ذبائح أهل الكتاب تؤكل مطلقا أهل عليها لغير الله أو لا وليس كذلك.
وفقه المسألة: أن ذبح الكتابي لا يحل إذا أهل به لغير الله، وذبح
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رواية محمد بن الحسن (٨٦٦)، والبخاري (٩/ ٥) (٦٨٧٤)، ومسلم (١/ ٦٩) (١٩٣).
(٢) أخرجه مالك «الموطأ» (١٩٩٩)، والبخاري (٣/ ٨٥) (٢١١٧)، ومسلم (٥/ ١١) (٣٨٥٥).
[ ٣ / ١٤٠١ ]
المجوسي لا يحل مطلقا، (و) أكل (ما)؛ أي: الذي (أعان على موته ترد من جبل)؛ أي: فلا يؤكل ولو ذكي لأنه لا يدري هل مات من الذكاة أو السقوط من علو إلى سفل كما لو سقط من نحو جبل، (أو) أعان على موته (وقذة)؛ أي: رمية (بعصا أو غيرها) كالحجر، (و) حرم الله (المنخنقة)؛ أي: أكلها وهي ما تخنق (بحبل أو غيره) مثل أن تخنق بين عودين ودليل تحريم هذه المذكورات قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، (إلا أن يضطر إلى أكل (ذلك) فإنها لا يحرم أكلها (ك) المضطر لأكل الميتة) من مأكول اللحم وغيره ما عدا ميتة الآدمي، (وذلك)؛ أي: تحريم أكل المتردية وما ذكر معها (إذا صارت بذلك) الفعل الذي هو التردي أو الوقذ أو الخنق (إلى حال لا حياة بعده) عادة فإذا وصلت إلى هذه الحالة (فلا ذكاة تؤثر فيها) ظاهره سواء أنفذت مقاتلها أم لا، وهو خلاف المذهب، والمذهب التفصيل فإن أنفذت مقاتلها تحقيقا أو شكا لم تفد فيها الذكاة، وإلا فالذكاة مفيدة فيها، وإن أيس من حياتها والخلاف بين الفقهاء في الاستثناء الواقع عقب المذكورات في الآية فمن جعله متصلا أفادت الذكاة ما دام ثمت حياة، ومن جعله منفصلا حرم أكل المذكورات.
(ولا بأس للمضطر) الذي بلغ الجوع منه مبلغا يخاف منه على نفسه الهلاك (أن يأكل الميتة) وظاهر قوله: ولا بأس إن ترك الأكل أفضل وليس كذلك، بل هو واجب كما قال مالك، لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: ٢٩]، (و) إذا أكل لا بأس أن (يشبع) منها كما قال ابن ناجي، وعند مالك لا يأكل إلا ما يسد رمقه خاصة، (و) أن (يتزود) منها، قال مالك له ذلك. وقيل: ليس له ذلك وإذا قلنا بالأول (ف) إنه (إن استغنى عنها طرحها)؛ أي: وجوبا، (ولا بأس بالانتفاع بجلدها)؛ أي: الميتة (إذا دبغ) في اليابسات والماء فقط، أما إذا لم يدبغ فلا ينتفع به أصلا، ولا يصلى عليه، ولا يباع على المشهور، فالمشهور أنه لا يصلى عليه ولا يباع. (ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها وينتفع بصوف الميتة
[ ٣ / ١٤٠٢ ]
وشعرها، وما ينزع منها في حال (الحياة)؛ أي: إن جز أيضا (^١). والضمير في منها راجع للميتة لا من حيث كونها ميتة بالفعل؛ أي: ميتة بحسب الإمكان (وأحب إلينا أن يغسل) وقال ابن حبيب: يجب غسله ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها المراد بالريش: قصب ريش الميتة لأن الزغب كالشعر في طهارته بالجز. وأما القرن فلا ينتفع به مطلقا طرفه وأصله سواء في عدم الانتفاع والأظلاف هي الأخفاف، (وأنيابها وكره الانتفاع بأنياب الفيل)؛ أي: غير المذكى وقد تقدم في الذبائح الكلام على هذا الفصل بتمامه، وكل شيء من الخنزير لحمه وشحمه وعظمه وجلده (حرام)؛ أي: أكله والانتفاع به، وقد أرخص في الانتفاع بشعره لأنه ليس بنجس على المشهور في المذهب (^٢).
(وحرم الله سبحانه) وتعالى (شرب الخمر قليلها وكثيرها) قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ [المائدة: ٩٠] قال في «شرح عمدة الأحكام»: إن بعض الشيوخ يقول: حتى لو أخذ منها برأس إبرة على لسانه لحد انتهى.
(وشراب العرب) وهم الصحابة ﵃ وغيرهم، لأن الخمر لم يكن حراما قبل (يومئذ)؛ أي: يوم تحريم الخمر (فضيخ التمر) بفاء وضاد وخاء معجمتين بينهما تحتية ساكنة، وهو تمر يهرس ويجعل في الأواني ويجعل عليه ماء ويترك حتى يتخمر؛ أي: يصير خمرا مسكرا، فقد قال أنس ﵁: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب، من فضيخ زهو (^٣) وتمر، فجاءهم آت فقال: «إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها» (^٤)، (وبين الرسول عليه) الصلاة و(السلام
_________________
(١) تقدم ذلك في الصلاة بأدلته.
(٢) تقدمت أدلة جل هذه المسائل.
(٣) زهو هو البسر الملون الذي ظهر فيه حمرة وصفرة.
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٤٥٥)، والبخاري (٤٦١٧)، ومسلم (٥١٧٤).
[ ٣ / ١٤٠٣ ]
أن كل ما أسكر كثيره من جميع الأشربة، فقليله حرام)؛ أي: ولو لم يسكر فعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما أسكر كثيره، فقليله حرام» (^١)، (وكل ما خامر)؛ أي: ستر (العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر) لما كان يتوهم قصر الخمر على ماء العنب قال: وكل ما خامر العقل؛ أي: ستر العقل. وقوله: فأسكره؛ أي: فليس المراد كل ساتر للعقل، بل أراد سترا تسبب عنه إسكار؛ أي: نشوة وفرح، فعن عمر ﵁ قال: «نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل» (^٢).
(وقال الرسول ﵊: إن الذي حرم شربها): وهو الله (حرم بيعها) الذي روى مالك أن ابن عباس ﵄ قال: «أهدي رجل لرسول الله ﷺ راوية خمر. فقال له رسول الله ﷺ: «أما علمت أن الله حرمها؟». قال: لا. فساره رجل إلى جنبه. فقال رسول الله ﷺ: «بم ساررته؟». فقال: أمرته أن يبيعها، فقال له رسول الله ﷺ: «إن الذي حرم شربها، حرم بيعها»، ففتح الرجل المزادتين، حتى ذهب ما فيهما» (^٣).
(ونهى) ﵊ (عن الخليطين من الأشربة)؛ أي: عن شرب الخليطين لأن النهي إنما يتعلق بالأفعال، (و) يصور (ذلك) بحالتين إحداهما (أن يخلطا عند الانتباذ) بأن يفضخ التمر والزبيب مثلا ويخلطا ويوضعا في إناء ويصب عليهما الماء ويتركا حتى يتخمر لحديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى أن يشرب التمر والزبيب جميعا،
_________________
(١) صحيح، أخرجه أبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، من حديث جابر، ورواه ابن ماجه (٣٣٩٣)، وابن حبان (٥٣٥٨)، وسنده حسن إلا أن له شواهد يصح بها. «تنبيه» عزوه للأربعة وهم من الحافظ في بلوغ المرام إذ لم يروه النسائي.
(٢) صحيح، رواه البخاري (٥٥٨١)، ومسلم (٣٠٣٢).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٥٢٨) / ٥) ومسلم (٤٠٤٩/ ٤٠).
[ ٣ / ١٤٠٤ ]
والزهو والرطب جميعا" (^١)، (و) الحالة الثانية أن ينبذ هذا على حدة وهذا على حدة ثم يخلطا (عند الشرب) فالنهي متعلق بكل من الحالتين.
(ونهى ﵊ عن الانتباذ في الدباء) بضم الدال وتشديد الباء وبالمد القرع، (و) عن الانتباذ في (المزفت) وهي قلال تزفت؛ أي: تطلى بالزفت، قال أنس ﵁: قال النبي ﷺ: «لا تنبذوا في الدباء والمزفت» (^٢)، وإنما نهى عن ذلك لأن السكر يسرع إليهما.
• بعض الحيوانات محرمة الأكل:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ونهى ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها لحوم الخيل والبغال لقول الله ﵎: ﴿لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨] ولا ذكاة في شيء منها إلا في الحمر الوحشية، ولا بأس بأكل سباع الطير وكل ذي مخلب منها).
الشرح
(ونهى عليه الصلاة والسلام عن أكل كل ذي ناب من السباع) وهو كل ما له ناب يعدو به ويفترس كالفهد والنمر والذئب، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام» (^٣)، وأما الثعلب فليس بسبع وإن كان له ناب لأنه لا يعدو به ولا يفترس.
(ونهى ﵊ عن أكل لحوم الحمر الأهلية ودخل مدخلها في منع الأكل لحوم الخيل والبغال؛ أي: شارك أكله في الحرمة أكل لحوم الخيل إلخ، هذا الظاهر من كلام المصنف، نعم الحمر الأهلية نهي
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٥٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (٦٧٧٧)، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٦٧٧٧).
(٢) البخاري (٥٣/ ٨٧)، ومسلم رقم (١٧).
(٣) رواه مسلم (١٩٣٣).
[ ٣ / ١٤٠٥ ]
عن أكلها أما الخيل فلا، لحديث جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل» (^١). وفي لفظ البخاري: «ورخص»، وأما تعليل ذلك فإن الله تعالى لما ذكر الأنعام قال: ﴿والأنعم خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ [النحل: ٨] ولما ذكر هؤلاء لم يذكر غير الركوب والزينة، فدل على أنه لا يجوز فيها إلا ذلك. وإلى ذلك الغرض أشار الشيخ بقوله: لقول الله ﵎: ﴿لتركبوها وزينة﴾ [النحل: ٨]؛ أي: يتزين بها، وقد بينا في الأطعمة أن الخيل مباحة بنص الحديث واختلف قول الفقهاء في تفسير ذلك.
(ولا ذكاة في شيء منها؛ أي: من ذي الناب وما بعده؛ أي: لا تعمل فيه الذكاة شيئا أصلا بحيث يترتب عليها حل الأكل إلا في الحمر الوحشية) فإنها تعمل فيها الذكاة ما دامت متوحشة لأنها مباحة كما في حديث عبد الله بن أبي قتادة قال: كان أبو قتادة في قوم محرمين فعرض لهم حمار وحش فلم يؤذنوه حتى أبصره هو، فاختلس من رجل منهم سوطا فحمل عليه فصرعه، وأتاهم به فأكلوه فلقوا رسول الله ﷺ فقال: «هل أشار إليه إنسان منكم» فقالوا: لا، فقال «كلوا» (^٢). والاستثناء في كلامه منقطع لأن الحمر الوحشية لم تدخل فيما تقدم.
ولا بأس بأكل سباع الطير كالبازي وظاهر قوله: (وكل ذي مخلب منها) أن السباع غير ذي المخلب، وليس كذلك. ويلتزم التأويل في كلامه بأن نقول تقديره: وهي كل ذي مخلب منها، والمخلب الظفر الذي يعقر به. واستدل المالكية لذلك بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية وقوله تعالى في الجوارح: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، قال الباجي: ولم يفرق بين ذي مخلب وغيره،
_________________
(١) البخاري (٤٢١٩)، ومسلم (١٩٤١).
(٢) مالك في الموطأ (٢/ ٣٦٩)، والبخاري نحوه (١٨٢٤)، ومسلم (٢٩١٦).
[ ٣ / ١٤٠٦ ]
ولأن هذا طائر فلم يكن حراما كالدجاج والإوز (^١)، قال الغماري: ولا يخفى ما فيه لورود النص بتحريم كل ذي مخلب من الطير كما سبق وهو في «صحيح مسلم» وغيره، ولا يخفى أن الآية عامة والحديث خاص فيبني العام على الخاص (^٢).
قال المصنف رحمه الله تعالى:
ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولا لينا وليعاشرهما بالمعروف، ولا يطعهما في معصية كما قال الله ﷾.
وعلى المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين، وعليه موالاة المؤمنين والنصيحة لهم.
ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، كذلك روي عن رسول الله ﷺ وعليه أن يصل رحمه، ومن حق المؤمن على المؤمن أن يسلم عليه إذا لقيه ويعوده إذا مرض ويشمته إذا عطس ويشهد جنازته إذا مات، ويحفظه إذا غاب في السر والعلانية، ولا يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، والسلام يخرجه من الهجران ولا ينبغي له أن يترك كلامه بعد السلام، والهجران الجائز هجران ذي البدعة أو متجاهر بالكبائر لا يصل إلى عقوبته ولا يقدر على موعظته أو لا يقبلها ولا غيبة في هذين في ذكر حالهما ولا فيما يشاور فيه لنكاح أو مخالطة ونحوه ولا في تجريح شاهد ونحوه.
ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع عن أربعة أحاديث: قول النبي ﵈: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، وقوله ﵊: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا
_________________
(١) المنتقى للباجي حديث (٩٤١)، باب: تحريم أكل كل ذي ناب من السباع.
(٢) مسالك الدلالة (٤٢٧).
[ ٣ / ١٤٠٧ ]
يعنيه»، وقوله ﵇ للذي اختصر له في الوصية: «لا تغضب»، وقوله ﵇: «المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه».
الشرح
• بر الوالدين:
(ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين) عملا أو اعتقادا، ومعنى البر: الإحسان، وهو في حق الوالدين والأقربين ضد العقوق، قال الحسن البصري: البر أن تطيعهما في كل ما أمراك به ما لم تكن معصية، والعقوق هجرانهما، وأن تحرمهما خيرك (^١) وشروط البر ثلاثة:
الأول: أن يؤثر الولد رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين.
الثاني: أن يطيعهما في كل ما يأمران به وينهيانه عنه، سواء أوافق رغباته أم لم يوافقها، ما لم يأمراه بمعصية الله تعالى.
الثالث: أن يقدم لهما كل ما يلحظ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه عن طيب نفس وسرور، مع شعوره بتقصيره في حقهما ولو بذل لهما دمه وماله (^٢).
(وإن كانا مشركين) فليطعهما وليحسن إليهما قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ [الإسراء: ٢٣] ومعنى: (قضى) كما قال ابن كثير: وصى، وقال القرطبي: أي: أمر وألزم وأوجب، وقال الشوكاني: «وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قرينا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكيد حقهما والعناية بشأنهما ما لا يخفى» (^٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:
_________________
(١) الدر المنثور (٥/ ٢٥٩).
(٢) ففيهما فجاهد للشيخ عبد الملك القاسم (٢١).
(٣) فتح القدير (٢١٨).
[ ٣ / ١٤٠٨ ]
«أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك»» (^١).
وفي رواية: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك» (^٢)؛ وعن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: وهي راغبة أفأصل أمي، قال: «نعم صلي أمك» (^٣)، (فليقل لهما قولا لينا) بأن لا يرفع صوته فوق صوتهما قال تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما﴾ [الإسراء: ٢٣] وأخرج الديلمي عن الحسين بن علي ﵁ مرفوعا: «لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من (أف) لحرمه» (^٤)، وقال ابن عباس ﵄: هي كلمة كراهة، وقال مقاتل: الكلام الغليظ.
وليعلم أن رضا الله في رضاهما كما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «رضا الرب في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما» (^٥).
(وليعاشرهما بالمعروف)؛ أي: بكل ما عرف من الشرع الإذن فيه قال تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقال سبحانه: ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ [لقمان: ١٤] فمن شكر الله ولم يشكر والديه لم يقبل منه كما قال الحبر ﵁، (ولا يطعهما في معصية كما قال الله تعالى ﷾: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ [لقمان: ١٥]، وقال ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في
_________________
(١) البخاري (٥٩٧١) وفي «الأدب المفرد» (٥/)، ومسلم (٦٥٩٢) وفي (٦٥٩٣).
(٢) مسلم (٢٥٤٨).
(٣) البخاري (٢٤٧٧)، ومسلم (١٠٠٣).
(٤) فتح القدير (٣/ ٢١٨)، وانظر: الآثار في الدر المنثور للسيوطي (٥/ ٢٥٨).
(٥) أخرجه الترمذي (١٨٩٩)، وقال عقب الموقوف: وهذا أصح. ورواه ابن حبان (٤٢٩)، ورواه الطبراني عن ابن عمرو. قال الألباني: «صحيح». انظر: حديث رقم (٣٥٠٧) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١٤٠٩ ]
معصية الخالق» (^١)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: بر الوالدين واجب في غير الحرام (^٢)، وقد وقع الإجماع على برهما وحرمة عقوقهما كما حكاه النووي فقال: أجمع العلماء على الأمر ببر الوالدين وأن عقوقهما حرام من الكبائر.
(و) يجب على المؤمن أن يستغفر لأبويه المؤمنين لقوله تعالى: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء: ٢٤]، وأن يحسن لأصحابهما بعد موتهما، حدث مالك بن ربيعة الساعدي ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ: إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: «نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما» (^٣).، وعن أبي هريرة ﵁: «إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك» (^٤).
• موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين:
(و) يجب (عليه)؛ أي: المؤمن (موالاة المؤمنين) وهي الألفة والاجتماع من إظهار المحبة لهم ومناصرتهم وعدم ما يوجب المنافرة من حسد وغيره قال تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله، والذين آمنوا﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿ولا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، (و) يجب على المؤمن (النصيحة لهم)؛ أي: للمؤمنين لما صح من قوله ﵊: «الدين
_________________
(١) رواه أحمد والحاكم عن عمران والحكم بن عمرو الغفاري، قال الشيخ الألباني: «صحيح». انظر: حديث رقم (٧٥٢٠) في صحيح الجامع.
(٢) غذاء الألباب (١/ ٣٨٢).
(٣) أبو داود (٥١٤٢).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٠)، وابن حبان (٢٥٧٣)، وقال الألباني: «صحيح». انظر: حديث رقم (١٦١٧) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١٤١٠ ]
«النصيحة» كما في «صحيح مسلم» ﵀ من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^١).
قال العلامة ابن دقيق العيد ﵀ في شرحه لهذا الحديث: وأما نصيحة عامة المسلمين وهم من عدا ولاة الأمور فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وإعانتهم عليها، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، برفق وإخلاص والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك. اهـ (^٢).
(ولا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه المؤمن لنفسه) لحديث أبي حمزة أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، أو لجاره، ما يحب لنفسه» (^٣). وذكر الأخ ليحترز به عن الرسول ﷺ فإن المرء لا يكون مؤمنا حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من ماله وولده ونفسه. أفاده التتائي.
• صلة الأرحام:
(و) يجب (عليه)؛ أي: المؤمن (أن يصل رحمه) التواصل ضد التصارم، وعن صلة الرحم: قال ابن الأثير: وهي كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار، والعطف عليهم، والرفق بهم، والرعاية لأحوالهم، وكذلك إن بعدوا وأساؤوا، وقطع الرحم ضد ذلك.
_________________
(١) مسلم (٥٥).
(٢) شرح الأربعين لابن دقيق العيد رحمه الله تعالى (٣٣).
(٣) البخاري (١٣)، ومسلم (٧٩)، والترمذي (٢٥١٥).
[ ٣ / ١٤١١ ]
كله، فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» (^١).
• حق المسلم على أخيه المسلم:
(ومن حق المؤمن على المؤمن)؛ أي: مما يجب على المسلم تجاه أخيه: (أن يسلم عليه؛ أي: يبدأه بالسلام إذا لقيه) فيقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ويصافحه، ويرد المسلم عليه قائلا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا﴾ [النساء: ٨٦]، قال ﷺ: «تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» (^٢)، وقوله ﷺ: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا» (^٣)، (و) يجب عليه أن (يعوده إذا مرض) ومن آداب ذلك أن يقل عنه السؤال؛ أي: عن حاله، وأن يظهر له الشفقة، وأن لا يقنطه، وأن ينفس له في الأجل، ويرغبه في رحمة الله تعالى، وألا يطيل عنده المقام، إلا إذا دعاه لذلك مما فيه مؤانسة له، وأن يدعو له بالدعاء المأثور فعن عائشة ﵂ قالت: «إن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: «اللهم رب الناس أذهب الباس، اشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفؤك، شفاء لا يغادر سقما»» (^٤)، (و) من حقه عليه (أن يشمته إذا عطس)؛ أي: يقول له: يرحمك الله إذا سمعه يحمد الله وهذا شرط التشميت، فإن لم يحمد ذكره (^٥) كأن يقول له: من عطس ماذا يقول؟ فإذا حمد شمته، فيرد العاطس بقوله: يهديكم الله ويصلح بالكم لقول النبي ﷺ: «… وإذا عطس
_________________
(١) البخاري (٦١٣٨).
(٢) البخاري (١/ ١٠) (١٢)، ومسلم (١/ ٤٧) (٦٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٥٢١٢)، والترمذي (٢٧٢٧)، وابن ماجه (٣٧٠٣).
(٤) رواه البخاري (٥٣٥١) (٥٤١٨)، ومسلم (٥٨٣٦)، وأبو داود (٣٨٩٠).
(٥) وقد ورد التذكير من فعل بعض السلف كابن المبارك يرحمه تعالى.
[ ٣ / ١٤١٢ ]
فحمد الله فسمته (^١) … (^٢)، وعن النبي ﷺ قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله، ويصلح بالكم» (^٣).
(و) من حقه عليه (أن يشهد جنازته إذا مات) لأجل الصلاة عليه والدفن لحديث لقوله ﷺ: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» (^٤)، (وأن يحفظه إذا غاب في السر) بأن لا يغتابه، ولا يسمح لأحد أن يغتابه في مجلسه، وينصره لقوله ﷺ: «ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته» (^٥) (و) يحفظه في (العلانية) بأن لا يشتمه ولا يأخذ ماله علانية.
• أنواع الهجر الجائز والممنوع:
(ولا) يجوز للمؤمن أن (يهجر أخاه) المؤمن بحيث لا يكلمه ولا يسلم عليه (فوق ثلاث ليال) بأيامها فعن أبي أيوب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض.
_________________
(١) كذا في الأصل بالسين المهملة، وهي كذلك في الصحيح، ووقع في بعض الروايات: «فشمته» بالشين المعجمة. قيل من الشواتم وهي الأعضاء؛ أي: دعاء ليحفظ الله عليه أعضاءه، وقيل من الدعاء له بعدم الشماتة من اعدائه، وأما بالسين: فدعاء له بالسمت وهو حسن الخلق والوقار والرزانة، والله أعلم.
(٢) البخاري في «الأدب المفرد» (٩٢٥)، ومسلم (٥٧٠٢)، وأبو يعلى (٦٥٠٤)، وابن حبان (٢٤٢).
(٣) رواه البخاري (٦٢٢٤).
(٤) البخاري (١٢٤٠)، ومسلم (٥٧٠١).
(٥) رواه أحمد (٢٠١، ٩٩/ ٣)، وضعفه الألباني (٤٨٨٤)، سنن أبي داود (٢٧١/ ٤).
[ ٣ / ١٤١٣ ]
هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) (^١)، ومفهومه أن هجران الثلاثة جائز وهو كذلك، لأنه لو حرم الهجران مطلقا لكان في ذلك مشقة لأن طبع الإنسان قل أن ينفك عن غضب، (والسلام يخرجه من الهجران) إن نوى به ذلك فإن رد الآخر فقد خرجا من الهجران معا وإلا فقد خرج المسلم فقط.
(ولا ينبغي) بمعنى يستحب (له أن) لا (يترك كلامه بعد السلام)؛ أي: يستحب له أن يسترسل ويداوم على كلامه، لأن في تركه بعد السلام إساءة الظن به.
(والهجران الجائز) شيئان (هجران ذي البدعة) الهجر معناه: القطع يقال: هجرته هجرا قطعته والاسم الهجران (^٢)، قال تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [التوبة: ٦٨]، وقد حكى الإجماع غير واحد في هجر أهل البدع:
قال القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى: (أجمع الصحابة والتابعون على مقاطعة المبتدعين).
(أو متجاهر بالكبائر)؛ أي: معلن بها بحيث لا يستتر عند فعلها كما إذا كان يشرب الخمر مثلا جهارا. ومحل هجران معلن الكبيرة إذا كان لا يقدر على عقوبته الشرعية من أدب ونحوه كبقية أنواع التعزير وإلا لزمه ذلك، (ولا يقدر على موعظته)؛ أي: لشدة تجبره، (أو) يقدر عليها لكنه (لا يقبلها)؛ أي: لعدم عقل ونحوه، (ولا غيبة في هذين) (^٣)؛ أي: المبتدع والمتجاهر، (في ذكر حالهما)؛ أي: بسبب ذكر حالهما بالفسق بالاعتقاد وبالجارحة فقط إذا سئل عن حالهم بأن يقول في «المبتدع»: فلان اعتقاده باطل لمخالفته أهل السنة. وفي حق المتجاهر: فلان مصر على الكبائر.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠) وفي روايه لهما: «فيصد هذا، ويصد هذا».
(٢) المصباح (هجر).
(٣) وقد تقدم في هذا الباب من تجوز غيبتهم عند كلام المصنف عن الغيبة والنميمة فانظره.
[ ٣ / ١٤١٤ ]
فيجوز ذكر كل بما يتجاهر به ويحرم ذكره بغيره من العيوب.
(ولا) تجوز غيبتهما في غير هذين الوجهين إلا (فيما يتشاور فيه)؛ أي: الذي تشرع فيه المشاورة مثل أن يسأل عنه (ل) أجل (نكاح)؛ أي: بأن يقول شخص لآخر: أريد أن أتزوج بنت فلان، ولا أعرف حاله فيجوز له ذكر حاله بقصد النصيحة لا غير (أو) لأجل (مخالطة) كالشركة (ونحوه) مثل أن يسأل عنه لأجل أن يتصدق عليه هل هو أهل لذلك أم لا؟. (و) كذا (لا) غيبة (في تجريح شاهد ونحوه؛ أي: نحو الشاهد كالإمام للصلاة يريدون أن يقدموه فسألوه عنه، فإنه يجوز له أن يخبرهم بجراحته بل يجب عليه ذلك. وكذا يجوز له جراحة الراوي مخافة أن يتقول على النبي ﷺ ما لم يقل.
(ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك) لقوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين﴾ [المائدة: ١٣] ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ولقول النبي ﷺ: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا» (^١)، وقوله: «وأن تعفو عمن ظلمك» (^٢) (وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك) لحديث عقبة بن عامر، قال: لقيت رسول الله ﷺ، فقال لي: «يا عقبة بن عامر: صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك».
قال: ثم أتيت رسول الله ﷺ، فقال لي: «يا عقبة بن عامر، أملك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك» (^٣).
• الأحاديث الجامعة لأبواب الخير:
(وجماع آداب الخير) (^٤)؛ أي: خصال الخير وسميت بالآداب لأن بها
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦١٧) مرسلا في الصدقة، باب: ما جاء في التعفف عن المسألة، وأخرجه مسلم في الأدب (١٩).
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٨) (١٧٥٨٩ و١٧٥٩٠ و١٧٥٩١)، والترمذي (٢٤٠٦)، قال الترمذي: هذا حديث حسن.
(٣) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٨) (١٧٥٨٩ و١٧٥٩٠ و١٧٥٩١).
(٤) ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى تنويه الحافظ أبي عمرو بن الصلاح على هذه =
[ ٣ / ١٤١٥ ]
يحصل التأديب (وأزمته) جمع زمام الطريق الموصل إليه، وهو في الأصل ما يقاد به البعير أطلق على الطريق الموصل للخير على جهة المجاز، لأن كلا يقود إلى ما ينتفع به (تتفرع)؛ أي: تتخرج (عن أربعة أحاديث) مرفوعة أحدها: (قول النبي عليه) الصلاة و(السلام): «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر (فليقل خيرا أو ليصمت) (^١)؛ أي: فليقل خيرا يؤجر عليه أو يسكت عن شر يعاقب عليه.
(و) ثانيها (قوله (عليه) الصلاة و(السلام): من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (^٢)، وهو ما لا تعود عليه منه منفعة دنيوية ولا أخروية.
(و) ثالثها (قوله (عليه) الصلاة و(السلام) ل) لرجل (الذي اختصر له في الوصية) حين قال له أوصني، قال: «لا تغضب» (^٣) فردد مرارا؛ أي: فرجع ترجيعا مرارا؛ أي: حيث يقول له: أوصني يعتقد أن عدم الغضب ليس أمرا يعتد به، فقال: «لا تغضب» مفيدا له أن عدم الغضب أمر عظيم يعتد به، لما يترتب على الغضب من المفاسد الدنيوية والأخروية، وغرض الشارع صلوات الله عليه؛ أي: لا تعمل موجبات الغضب لا أنه ينهاه عن شيء جبل عليه لأنه لا يمكن إخراجه عن جبلته.
_________________
(١) = الأحاديث الأربعة التي جعل المصنف عليها مدار أبواب الخير وخصال البر، وللعلماء أقوال في الأحاديث التي عليها مدار الدين وخيري الدنيا والآخرة سنذكرها لاحقا.
(٢) مالك في الموطأ (١٦٦٠)، والبخاري (٣١٥٣، ٥٦٧٢)، ومسلم في الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار والضيف رقم (٤٧)، وانظر: شرح الحديث في كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث الخامس عشر من أحاديث الأربعين النووية (ص ١٣١).
(٣) وقد تقدم تخريجه: رواه الترمذي وقال: غريب، وحسنه النووي، ورواه ابن ماجه، ومالك في الموطأ مرسلا، وانظر: شرح الحديث في كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث الثاني عشر من أحاديث الأربعين النووية (ص ١١٢).
(٤) أخرجه البخاري (٦١١٦)، والترمذي (٢٠٢٠)، وانظر: شرح الحديث في كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث السادس عشر من أحاديث الأربعين النووية ص (١٤٢)، وانظر: الذخيرة للقرافي (١٣/ ٣٣٤).
[ ٣ / ١٤١٦ ]
(و) رابعها (قوله عليه الصلاة والسلام: المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه) (^١) وهو في البخاري بلفظ: «لا يؤمن أحدكم، حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (^٢). أي: من الطاعات والأشياء المباحات، وهذه الأحاديث التي ذكرها شيخنا ابن أبي زيد رحمه الله تعالى والتي هي جماع الآداب قد ذكر أئمتنا أحاديث إلى جانبها عليها مدار الدين جمع بعضها الحافظ أبو الحسن طاهر بن مفوز المعافري الأندلسي رحمه الله تعالى:
عمدة الدين عندنا كلمات … أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما … ليس يعنيك واعملن بنية (^٣)
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله ولا أن تتلذذ بسماء كلام امرأة لا تحل لك ولا سماع شيء من الملاهي والغناء ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضار الفهم لذلك.
ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر).
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم، وانظر: شرح الحديث في كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب الحديث الثالث عشر، من أحاديث الأربعين النووية ص (١١٨).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى (١٠ - ١٢).
[ ٣ / ١٤١٧ ]
الشرح
• حرمة سماع الباطل عموما والغناء على وجه الخصوص:
(ولا يحل لك) أيها المكلف (أن تتعمد سماع الباطل كله) كان الباطل قولا كالغيبة، أو فعلا كصوت آلات الملاهي، وصوتها فعل لها حقيقة وفعل للشخص من حيث إنه متسبب عن فعله (ولا) يحل لك (أن تتلذذ بسماع صوت) كلام (امرأة لا تحل لك)؛ أي: لا يحل لك مناكحتها؛ أي: فيجوز لك التلذذ بكلام من تحل لك من زوجة أو أمة، وكذا لا يحل التلذذ بصوت الأمرد الذي فيه لين.
(ولا) يحل لك (سماع شيء من آلات الملاهي) كالعود (و) كذا لا يحل لك سماع (الغناء بالمد) (^١) وهو الصوت الذي يطرب به إن كان فيه مجون وفسوق ولم يكن من قبيل الغناء المباح كالحداء وما سيأتي ذكره من أنواع الغناء المباح، وقد نقل جماعة من العلماء الإجماع على تحريم الغناء منهم ابن رجب - رحمه الله تعالى - وقال: «وقد حكى زكريا بن يحيى الساجي اتفاق العلماء على النهي من الغناء إلا إبراهيم بن سعد المدني وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، وهذا في الغناء دون سماع آلات الملاهي، فإنه لا يعرف عن أحد ممن سلف الرخصة فيه». اهـ
وقال: «وهذا الخلاف في سماع الغناء المجرد، فأما سماع آلات اللهو فلم يحك في تحريمه خلاف (^٢).
_________________
(١) انظر: من الكتب التي ألفت في الغناء ومناقشة من ضل في الذهاب لتحليل ماحرم منه، منها: حكم الغناء لابن القيم، ونزهة الأسماع في مسألة السماع للحافظ ابن رجب الحنبلي، وأحاديث ذم الغناء والمعازف في الميزان للشيخ عبد الله الجديع، وتحريم آلات الطرب للعلامة محمد ناصر الدين الألباني، وتنبيه اللاهي على تحريم الملاهي، للشيخ إسماعيل الأنصاري، ومجلة البيان - العدد (١٥٥)، ص ٨/ رجب ١٤٢١ هـ أكتوبر ٢٠٠ م.
(٢) نزهة الأسماع في مسألة السماع، (٥٩ فما بعدها)، ط: دار طيبة تحقيق الوليد الفريان.
[ ٣ / ١٤١٨ ]
ومن الأحاديث المرفوعة: حديث أبي مالك الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر (^١) والحرير، والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم - يعني: الفقير - لحاجة فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» (^٢).
«ولو لم يكن فيه من المفاسد إلا ثقل استماع القرآن على قلوب أهله، واستطالته إذا قرئ بين يدي سماعهم، ومرورهم على آياته صما وعميا لم يحصل لهم من ذوق ولا وجد ولا حلاوة بل ولا يصغي أكثر الحاضرين أو كثير منهم إليه ولا يقومون معانيه ولا يغضون أصواتهم عند تلاوته …
تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفة … لكنه إطراق ساء لاهي
وإلى الغناء فكالذباب تراقصوا … والله ما رقصوا لأجل الله
دف ومزمار ونعمة شادن … فمتى رأيت عبادة بملاهي
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا … تقييده بأوامر ونواهي
والرقص خف عليهم بعد الغنا … يا باطلا قد لاق بالأشباء
يا أمة ما خان دين محمد … وجنى عليه ومله إلا هي
وبالجملة فمفاسد هذا السماع في القلوب والنفوس والأديان أكثر من أن يحيط به العد (^٣)
• قراءة القرآن بالألحان:
(ولا) يحل للمسلم (قراءة القرآن ولا سماعه باللحون المرجعة)؛
_________________
(١) الحر: الزنا (٨)، وورد في رواية أخرى بلفظ (الخز) وقد رجح الإمام عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» رواية: «الحر» كما نقله الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٣١)، والعلم: الجبل.
(٢) رواه البخاري (٥٥٩٠).
(٣) تحريم آلات الطرب (١٧٣) لمحدث العصر الشيخ الألباني رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ١٤١٩ ]
أي: الأصوات المطربة (كترجيع الغناء) بالمد؛ أي: المشبهة بالغناء لحديث حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق؛ فإنه سيجيء من بعدي قوم يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم» (^١).
قال النووي رحمه الله تعالى: وأما قراءة بالألحان فقد قال الشافعي رحمه الله تعالى في موضع أكرهها، قال أصحابنا: ليست على قولين بل فيه تفصيل، إن أفرط في التمطيط، فجاوز الحد، فهو الذي كرهه، وإن لم يجاوز، فهو الذي لم يكرهه، وقال أقضى القضاة الماوردي: - عن الإفراط - أنه حرام، يفسق به القارئ، ويأثم به المستمع، لأنه عدل عن نهجه القويم إلى الاعوجاج والله تعالى يقول: ﴿قرآنا عربيا غير ذي عوج﴾ [الزمر: ٢٨]. اهـ (^٢).
قلت: أما عندنا ما يسمى بقراءة القرآن على وجه يسمونه «الشرقي» فهو عين التحريف والاعوجاج، وفاعله لا ينجو من الإثم لما رأيناه من القراء، من التمطيط والقطع للمدود الواجبة الاتصال، وما يرافق ذلك من بعض السفهاء من التصفيق أحيانا والطرب لمن كان له في المد الطويل صوت جميل وهلم جرا مما دخل على القراء من حب المفاخرة والرياء لا سيما أمام العامة الجهال الذين يطربون لهذه الأفعال فإلى الله المشتكى.
(وليجل)؛ أي: يعظم وينزه (كتاب الله العزيز أن يتلى)؛ أي: يقرأ (إلا بسكينة ووقار)؛ أي: طمأنينة وتعظيم واستحضار قلب وبعد عن الغفلة، فمرجع الطمأنينة إلى سكون الجوارح بحيث لا يعبث بيده، ولا ينظر إلى ما يلهي.
_________________
(١) كما في المجمع (٧/ ٣٥١)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه راو لم يسم وبقية أيضا، والبيهقي في الشعب (٢/ ٥٤٠)، وأبو نعيم في الحلية عنه وأبو أحمد الحاكم في الكنى بسند ضعيف، وانظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (١/ ٢٨٦).
(٢) التبيان في آداب حملة القرآن (٩٥) بتصرف.
[ ٣ / ١٤٢٠ ]
ومرجع التعظيم إلى كونه إذا عرض له الريح يمسك عن القراءة حتى يتكامل خروجه، وإن تثاءب أمسك عن القراءة حتى ينتهي، ويستحب له أن يتلو القرآن على طهارة، إلا إذا كان من المصحف فإنه يتعين عليه الوضوء لما مر، وينبغي له أن يطهر فاه بالسواك ونحوه، إلى غير ذلك من الآداب المستحبة التي ذكرها أهل العلم في كتبهم (^١)، و(و) كذلك كل أدب (ما) دام أنه (يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه) كتحسين تلاوته ما استطاع إلى ذلك سبيلا فقد أجمع علماء الأمة سلفا وخلفا على استحباب تحسين الصوت بالقرآن، ودلائل ذلك كثيرة من السنة. من ذلك قوله ﷺ كما في البخاري تعليقا: «حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» (^٢).
ويقول ﵊: «إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن، الذي إذا سمعتموه يقرأ، حسبتموه يخشى الله» (^٣). وكان يأمر بالتغني بالقرآن فيقول ﵊: «تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل» (^٤)، وعند البخاري قال ﷺ: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (^٥)، كل ذلك (مع إحضار الفهم لذلك)؛ أي: تدبر ما يتلوه القارئ لأن الله ﷿ أمر بذلك فقال: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وليتذكر أولو الألباب﴾ [ص: ٢٩] فالغرض من إنزال الكتاب هو التدبر والتذكر لا مجرد
_________________
(١) انظر: التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي رحمه الله تعالى.
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨٣)، وأبو داود (١٤٦٨) والنسائي (٢/ ١٧٩)، وابن ماجه (١٣٤٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٣٣٩)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٩٠)، وصححه الألباني.
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٦) (١٧٤٥٠)، والدارمي (٣٣٤٨)، والنسائي في الكبرى (٧٩٨٠)، وإسناده صحيح، قال السندي: قوله: «وتعاهدوه»، أي: حافظوا عليه بالتكرار والمداومة على تلاوته. وتغنوا به؛ أي: اقرؤوه بأحسن صوت. «تفلتا»: تخلصا وفرارا من الصدور. «في العقل»: جمع عقال. اه. والمخاض: الحوامل من النوق.
(٥) أخرجه البخاري (٧٥٢٧)، وأخرجه أبو داود (١٤٧١).
[ ٣ / ١٤٢١ ]
التلاوة على عظم أجرها، قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «والله! ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل» (^١)، قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢].
وإن من تعظيم القرآن تعظيم المصحف الشريف الذي هو من حرمات الله التي من عظمها علا شأنه، وثبت أجره، وازداد قلبه تقى، وفعله خير له قال تعالى: ﴿ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه﴾ [الحج: ٣٠]، فلا يجوز مسه بلا طهارة، ولا وضعه في مكان دني، ولو كان ذلك المكان وجه الأرض، فالقرآن يعلو ولا يعلى عليه حسا ومعنى، بل ينبغي عليه أن يرفعه ويكرمه على وسادة ونحوها مما يتيسر به إكرامه واحترامه، ولا يكن كأولئك السفهاء الذين إن قيل: ارفعوا المصحف عن الأرض قالوا: لا يضره في حين يأبى أحدهم أن يترك اسمه على ورقة مرميا على وجه الأرض، كيف وقد ثبت عن النبي ﷺ تعظيم الكتب المنزلة على من قبله حتى مع تحريفها لما فيها من حق، والقرآن أجلها وأعظمها فقد روى أبو داود في «سننه» (^٢) عن هشام بن سعد أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر ﵄ قال: أتى نفر من يهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف (^٣) فأتاهم في بيت المدراس (^٤) فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم بينهم فوضعوا لرسول الله ﷺ وسادة فجلس عليها ثم قال بالتوراة، فأتي بها، فنزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال: «آمنت بك وبمن أنزلك، ثم قال: ائتوني بأعلمكم فأتي بفتى شاب» وأصله في الصحيح في قضية الرجم (^٥)، قال في «عون المعبود»: (ووضع
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ٦٤)، ط: طيبة.
(٢) قال الألباني: قلت: وإسناده حسن. وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) بضم القاف وتشديد الفاء اسم واد بالمدينة
(٤) (فأتاهم في بيت المدراس): قال في النهاية: هو البيت الذي يدرسون فيه، ومفعال غريب في المكان اه.
(٥) قال الألباني: وقصة الرجم، هي عند البخاري (١/ ٣٣٤ و٤/ ٤٣٤) في رواية أخرى مختصرا. وهي عند الترمذي (١/ ٢٧١)، وابن ماجه (٢٥٥٦)، وابن الجارود (٨٢٢).
[ ٣ / ١٤٢٢ ]
التوراة عليها: أي: على الوسادة والظاهر أنه ﷺ وضع التوراة على الوسادة تكريما لها، ويؤيده قوله ﷺ: ﴿آمنت بك وبمن أنزلك﴾ (^١). قلت: أفلا يستحق القرآن الإكرام كالتوراة بل أشد، بلى والله، وتالله، وبالله.
• الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
(ومن الفرائض إجماعا وجوب الأمر بالمعروف) وهو ما أمر الله ورسوله به (والنهي عن المنكر) وهو ما نهى الله ورسوله عنه، كما نقل ذلك طائفة من أهل العلم على أنه من شعائر الإسلام الظاهرة كالنووي والجصاص وابن حزم وغيرهم، بل وقرر شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم في «الفتاوى» بما أنه من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، فإنه تقاتل الطائفة الممتنعة عنها. وذلك (على كل من بسطت يده بالبناء للمفعول؛ أي: بسط الله يده؛ أي: حكمه في الأرض) كالسلطان (وعلى كل من تصل يده إلى ذلك)؛ أي: الأمر والنهي (فإن لم يقدر على) ذلك التغيير بيده (فبلسانه فإن لم يقدر) بلسانه (فبقلبه) وصفة تغيير القلب إذا رأى منكرا يقول في نفسه: لو كنت أقدر على تغييره لغيرته، وإذا رأى معروفا ضاع يقول في نفسه: لو كنت أقدر على الأمر به لأمرت. ويحب الفاعل للمعروف ويكره الفاعل للمنكر بقلبه، وهذا الحديث: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (^٢)، وينبغي للقائم بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتحلى بصفات ذكرها العلماء من أبرزها: الإخلاص، فعن أرطأة بن المنذر قال: «المؤمن لا ينتصر لنفسه، يمنعه من ذلك القرآن والسنة فهو ملجم».
ثانيها: العلم، فينبغي أن يكون الأمر والناهي عالما بما يأمر به وما ينهى عنه.
_________________
(١) عون المعبود شرح سنن أبي داود (١٢/ ٨٩).
(٢) مسلم (١/ ٥٠) (٨٧)، وأبو داود (١١٤٠)، وابن ماجه (١٢٧٥ و٤٠١٣).
[ ٣ / ١٤٢٣ ]
قال النووي ﵀: «إنما يأمر وينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء» (^١).
ثالثا: الصبر ﴿وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾ [لقمان: ١٧].
رابعا: الرفق، وصدق ﷺ: «من يحرم الرفق، يحرم الخير» (^٢).
وقال بعض أهل العلم: «والرفق سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا قيل: ليكن أمرك بالمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر غير منكر».
خامسا: البدء بالأهم وتقديمه على غيره حسب ما تقتضيه المصلحة:
إن اللبيب إذا بدا من جسمه … مرضان مختلفان داوى الأخطرا
وليست قصة معاذ وإرسال الرسول ﷺ إياه إلى اليمن، والتدرج مع الناس هناك عنا ببعيد.
مراعاة المصالح والمفاسد: بألا يترتب على الإنكار منكرا آخر أكبر وأوسع انتشارا من الأول.
سابعا: يجمل بالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر إيجاد البديل عن المنكر، وهذا منهج رباني وأسلوب نبوي، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يتأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا أنظرنا واسمعوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله ﷾، وينهى عن عبادة ما سواه.
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (٢/ ٢١)، باب: بيان كون النهى عن المنكر من الايمان.
(٢) مسلم (٧٤) (٢٥٩٢).
[ ٣ / ١٤٢٤ ]
• الإخلاص والرياء:
الإخلاص: مداره في كتب اللغة على الصفاء والتميز عن الأوشاب التي تخالط الشيء يقال: هذا الشيء خالص لك؛ أي: لا يشاركك فيه غيرك؛ وتطلق العرب (الإخلاص) على الزبد إذا خلص من اللبن والثفل.
وللعلماء في تعريف الإخلاص أوجه نختار منها ما اختاره الغزالي من كلام سهل ابن عبد الله التستري حيث قال: «الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته الله تعالى خاصة» (^١). وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من البر وجه الله الكريم مخلصا له في القول والعمل قال تعالى: ﴿فمن كان يرجوا لقاء ربه، فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا﴾ [الكهف: ١١٠]، وعن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه» (^٢). قال الحطاب رحمه الله تعالى: «فالمخلص في عبادته هو الذي يخلصها من شوائب الشرك والرياء، وذلك لا يتأتى له إلا أن يكون الباعث له على عملها قصد التقرب إلى الله تعالى، وابتغاء ماعنده، فأما إذا كان الباعث عليها غير ذلك من أغراض الدنيا فلا تكون عبادة، بل مصيبة موبقة لصاحبها». اه (^٣).
أما قول بعض العلماء (^٤) ممن تأثر بالمسلك الخاطئ أن المرتبة الكاملة: أن لا يقصد جنة ولا نارا، فهذا إفك وافتراء، فإن أكمل الخلق ﷺ كان يسأل الله جنته ويستعيذ بالله من ناره، ولو كان غير ذلك لثبت عنه أنه لا يسأل جنة ولا يخاف نارا، وهل يسألها إلا من يريدها؟ وقد جاء في الحديث كما في سنن أبي داود وغيره ذكر قصة معاذ قال: وقال؛ يعني: النبي ﷺ للفتى:
_________________
(١) انظر: كتاب مقاصد المكلفين الإخلاص للشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر (ص ١٦ - ١٧)، وننصح باقتنائه فهو كتاب نفيس.
(٢) انظر: صحيح الجامع (ج ٢) حديث رقم (١٨٥٢).
(٣) الحطاب على خليل (٢/ ٥٣٢)، وقد نقل كلامه عن القرطبي، وعنهما الأشقر (٣٦).
(٤) الثمر الداني للأزهري (٤٤٥)
[ ٣ / ١٤٢٥ ]
«كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ قال: أقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ، فقال رسول الله ﷺ: إني ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذي قال» (^١) فكيف يقال بعد هذا أنها مرتبة ناقصة.
(ومن أراد بذلك) القول أو العمل (غير) وجه (الله) الكريم (لم يقبل عمله ولا قوله لأنه من الرياء والرياء الشرك الأصغر) كما سماه النبي ﷺ بذلك وحذر أمته منه، وخاف عليها منه، فعن محمود بن لبيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: «الرياء، يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء وخيرا؟» (^٢).
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل»، فقال له من شاء أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟، قال: «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلم» (^٣).
• حكم العمل إذا خالطه الرياء:
قال ابن رجب (^٤): «واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياء محضا بحيث لا يراد به سوى مراعاة المخلوقين لغرض
_________________
(١) أبو داود (٥٩٩) وفي (٧٩٣)، وابن خزيمة (١٦٣٣)، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٤٢٨، ٤٢٩)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٣٣)، وحسن الحافظ إسناده في بلوغ المرام (٤/ ٣٥٥). انظر: سبل السلام، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (٢٩).
(٣) أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٤٠٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٧٠)، وأبو يعلي في مسند (١/ ٦٠)، وحسنه لغيره الألباني في صحيح الترغيب (٣٦).
(٤) جامع العلوم والحكم (١٨ - ٢٠) باختصار ط: المكتبة العصرية.
[ ٣ / ١٤٢٦ ]
دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله ﷿: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس﴾ [النساء: ١٤٢]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة والحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة والتي يتعدى نفعها فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
وتارة يكون العمل لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضا وحبوطه كحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» (^١)، وروي عن طائفة من السلف، منهم: عبادة بن الصامت وأبو الدرداء والحسن وابن المسيب وغيرهم».
• التوبة وشروطها:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار، والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه، ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود وليستغفر ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعمال بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير، وكل ما ضيع من فرائضه فليفعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من تضييعه وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يفارق ذلك على ما فيه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة فاستعن بذكر الموت والفكرة فيما بعده وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنبه وفي
_________________
(١) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٨٥).
[ ٣ / ١٤٢٧ ]
سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك).
الشرح
(والتوبة فريضة من كل ذنب، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ [التحريم: ٨]، وقوله ﷺ: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة»، من حديث ابن عمر ﵄ (^١)، والتوبة هي الندم على ما فات كما جاء عن النبي ﷺ: «الندم توبة» (^٢) والإقلاع عن الذنب في الحال، والنية أن لا يعود.
وقوله: (من غير إصرار) زائد لأن التوبة لا تصلح إلا برفع الإصرار، ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنى تبت الئان ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما﴾ [النساء: ١٨]، والإصرار (المقام) بضم الميم؛ بمعنى: الإقامة (على الذنب، واعتقاد العود إليه) وهو خلاف التوبة النصوح قال تعالى: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [آل عمران: ١٣٥]، وقال سبحانه: ﴿توبوا إلى الله توبة نصوحا﴾ [التحريم: ٨] قال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر إذا ذكره.
(ومن التوبة رد المظالم) إلى أهلها بأن يدفعها إليهم إن كانت أموالا أو يردها لوارثه فإن لم يجده ولا وجد وارثه تصدق بها على المظلوم، وإن كان أعراضا كقذف استحل المقذوف، فإن خشي انتقامه وغضبه فليكثر من الاستغفار له، وليذكره بخير في المجالس التي أساء له فيها، و) عليه (اجتناب المحارم) وما يوصل إليها، وليتذكر العبد عند المعصية عظمة من يعصي، ولا يستصغر الذنب فذلك أدعى لاستشعار الخوف من الله ومراقبته وقد ضرب النبي ﷺ مثلا للذنوب الصغيرة تجتمع على العبد فتوبقه فقال بأبي هو وأمي ﷺ: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقرات
_________________
(١) البخاري في الأدب المفرد (٦٢١)، ومسلم (٦٩٥٨).
(٢) أخرجه الحميدي (١٠٥)، وأحمد (١/ ٣٧٦) (٣٥٦٨)، وابن ماجه (٤٢٥٢).
[ ٣ / ١٤٢٨ ]
«الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه» (^١)، (والنية أن لا يعود) هذه شروط التوبة الواجبة فيها (^٢).
وإلى شروط الكمال أشار بقوله: (وليستغفر ربه) قال تعالى: ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٩٩] وقد كان النبي ﷺ: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (^٣) وثبت عنه ﷺ في أحاديث كثيرة أنه كان يتبع العبادات بالاستغفار فمن ذلك: استغفاره بعد السلام من الفريضة، وعند الخروج من الخلاء، وفي خطبة الحاجة، وعند النوم، وفي كفارة المجلس، وبعد الفراغ من الوضوء، وعند القيام لصلاة الليل، وفي استفتاح الصلاة، وفي آخر الصلاة وغيرها، بل كان للصحابة أوراد في الاستغفار فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة» (^٤).
وليعلم العبد بأن «منزلة التوبة والاستغفار أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقها العبد السالك، ولا يزال فيها إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل بها واستصحبها معه ونزل بها» (^٥).
(ويرجو رحمته ويخاف عذابه) قال تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ [الإسراء: ٥٧] قال ابن حجر: «المؤمن يغلب عليه الخوف؛ لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن من العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم: أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ.
_________________
(١) أحمد (٢٢٨٠٨) عن سهل بن سعد. قال الألباني: «صحيح». انظر: حديث رقم (٢٦٨٦) في صحيح الجامع.
(٢) انظر: دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان رحمه الله تعالى (١/ ٥٤). ط: دار الكتب العلمية.
(٣) رواه البخاري (٦٣٠٧)، ومسلم (٢٧٠٢)، والترمذي (٣٢٥٩).
(٤) انظر: مختصر قيام الليل للمقريزي (٩٨).
(٥) تهذيب مدارج السالكين (ص ١٢١).
[ ٣ / ١٤٢٩ ]
وقال المحب الطبري: «إنما كانت هذه صفة المؤمن؛ لشدة خوفه من الله ومن عقوبته، لأنه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة» (^١).
(ويتذكر نعمته لديه)؛ أي: عليه ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ [النحل: ٥٣] وليستعمل النعمة مطية إلى الغاية المطلوبة وهي السعادة الحقيقية في الآخرة (^٢)، (ويتقرب إليه)؛ أي: إلى الله تعالى (بما تيسر له) فعله وإن قل (من نوافل الخير) كالصلاة وغيرها لما صح من قوله ﷺ عن رب العزة في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطس بها، ورجله التي يمشي بها، …» الحديث (^٣).
(وكل ما ضيع من فرائضه) التي أوجبها عليه كالصلاة (فليفعله الآن) وجوبا على الفور لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» (^٤)، وفي رواية له: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها»، فإن الله يقول: ﴿وأقم الصلوة لذكري﴾ [طه: ١٤] (^٥)، فإذا وجب قضاؤها على الغافل والنائم فعلى المتعمد أولى، (و) إذا فعل التائب ما ضيعه من الفرائض ف (ليرغب إلى الله تعالى في تقبله) منه قال تعالى: ﴿فإذا فرغت فانصب … وإلى ربك فأرغب﴾ [الشرح: ٧]، ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسرعون في الخيرات وهم لها سابقون﴾ [المؤمنون: ٦٠، ٦١]، قالت عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﷿: ﴿والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة﴾
_________________
(١) الفتح (١١/ ١٠٥).
(٢) انظر: مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي، فصل بيان النعم وحقيقتها وأقسامها (ص ٢٨٦)، ط: دار الخير.
(٣) أخرجه البخاري (٨/ ١٣١) (٦٥٠٢)، وانظر: شرح الحديث في الفتح (١٠/ ٤٦٢)، وجامع العلوم والحكم.
(٤) البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٨٤).
(٥) مسلم (٦٨٤).
[ ٣ / ١٤٣٠ ]
[المؤمنون: ٦٠] أهم الذين يزنون، ويسرقون، ويشربون الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون، ويصومون، ويتصدقون» (^١)، (ويتوب إليه من تضييعه) للفرائض لأنه من الكبائر لقوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا﴾ [مريم: ٥٩، ٦٠]، ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [الماعون: ٤، ٥] قال سعد بن أبي وقاص ﵁ سألت النبي ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ قال: «الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» (^٢)، (وليلجأ)؛ أي: يتضرع (إلى الله) تعالى (فيما عسر عليه من قيادة نفسه) إلى الطاعة لأنه ﷾ هو المسهل والميسر وقد كان النبي ﷺ من دعائه: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن سهلا …» (^٣)، (و) يتضرع إليه في (محاولة أمره)؛ أي: فيما يشكل عليه في حاله حال كونه (موقنا)؛ أي: مصدقا، (أنه المالك لصلاح شأنه)؛ أي: حاله، (و) المالك (لتوفيقه وتسديده) هما بمعنى واحد وهو الاستقامة على الطاعة (لا يفارق ذلك)؛ أي: ما ذكر من اللجأ واليقين (على ما فيه)؛ أي: على أي حالة هو فيها (من حسن) وهو الطاعة (أو قبح) وهو المعصية ولا يمنعه الذنب من ذلك لقوله تعالى: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ [البقرة: ٢٢٢] والتواب هو الذي كلما أذنب تاب، (ولا ييأس من رحمة الله) تعالى على ما هو عليه من المعصية، وقوله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣].
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٥٧٠٥)، والترمذي (٣١٧٥)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٢/ ٤٢٧)، (٣٤٨٦) ح. وصححه الألباني.
(٢) رواه البزار وقال: هو وغيره من الحفاظ الصواب وقفه. انظر: مجمع الزوائد (١/ ٤٠٩) (١٨٢٣).
(٣) ابن حبان في صحيحه (٤٢٧)، كما في موارد الظمآن، وابن السني (٣٥١)، وقال الحافظ: هذا حديث صحيح، وانظر: الأذكار للنووي (ص ١٠٦).
[ ٣ / ١٤٣١ ]
(والفكرة)؛ أي: التفكر في أمر الله تعالى؛ أي: مخلوقاته لأنه إذا تفكر في مصنوعات خالقه علم وجوب وجوده وكمال قدرته وحقيقة ربوبيته، فيجد في عبادته، وفي كلام المصنف رحمه الله تعالى إشارة إلى أنه لا يتفكر في ذاته لعدم قدرة العبد على إدراكها، لقوله ﷺ: «تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في الله ﷿ (^١)» .. وقال أبو الدرداء: ﵁ «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» (^٢).
وحينئذ فالنظر في مخلوقات الله تعالى كما قال الشيخ: (مفتاح العبادة) والزاد إلى دار السعادة لأن التفكر يبعث على تكثير العلم، واستجلاب معرفة ليست حاصلة، فتنشط الأعضاء للمزيد من القرب.
(واستعن) على نفسك (بذكر الموت) لأن الإنسان إذا تفكر في الموت قصر أمله وكثر عمله لما في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أكثروا من ذكر هاذم اللذات - أحسبه قال - فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه» (^٣).
لا طيب للعيش ما دامت منغصة … لذاته بادكار الموت والهرم
وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ سئل أي المؤمنين أكيس؟ قال: «أكثرهم للموت ذكرا، وأحسنهم لما بعده استعدادا، أولئك الأكياس» (^٤)، اللهم لا عيش
_________________
(١) رواه البيهقي في الشعب، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير (٣٣٤٨) إلى أبي الشيخ والطبراني، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٣٩٥): حديث حسن، وانظر: كتاب التفكر في إحياء علوم الدين (٤/ ٤٢٣)، ط: دار المعرفة، وباب التفكر في كتاب مختصر منهاج القاصدين (٣٨٢).
(٢) إحياء علوم الدين (٤/ ٤٢٤).
(٣) ابن حبان في صحيحه (٢٩٩٣)، قال شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن، والترمذي (٢٣٠٧)، والنسائي (٤/ ٤)، وفي الكبرى (١٩٦٣)، وابن ماجه (٤٢٥٨).
(٤) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه، وانظر: السلسلة الصحيحة (٢/ ٣٧٢)، وقال العراقي (٤/ ٤٥١): رواه ابن أبي الدنيا بكماله بإسناد جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣١٧ - ٣١٨) روى ابن ماجه بعضه ورواه البزار ورجاله ثقات.
[ ٣ / ١٤٣٢ ]
إلا عيش الآخرة، (و) استعن عليها أيضا (بالفكرة فيما بعده) لأن الموت أشد مما قبله وما بعده أشد منه، فعن هانئ مولى عثمان بن عفان ﵁ قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعده أشد» قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما رأيت منظرا قط إلا والقبر أفظع منه» (^١)، (و) استعن عليها أيضا بالفكرة (في نعمة ربك عليك) لأنك إذا تفكرت في نعمة ربك عليك استحييت أن تبارزه بالمعاصي، (و) تفكر أيضا (في إمهاله لك) وأنت تعصيه (وأخذه لغيرك) من الأمم الماضية (بذنبه) في الحال، (و) وتفكر (في) ما تقدم من (سالف ذنبك) وخف الأخذ به ولا تأمن مكر الله قال تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: ٩٩]، (و) تفكر أيضا في (عاقبة أمرك) إذ لا تدري بماذا يختم الله لك وهي التي كان يهتم لها الصالحون، وتنفطر لها قلوب المخبتين قال ابن القيم رحمه الله تعالى (^٢): وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى وأمر وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال: آه آه لا أستطيع أن أقولها؛ وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ غلبتك (لعب الشطرنج) ثم قضى.
فمن يا ترى يسلم عند ذلك فهناك ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء﴾ [إبراهيم: ٢٧] فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطا:
_________________
(١) الترمذي (٢٣٠٨)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه ابن ماجه (٤٢٦٧).
(٢) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن القيم (٦٢) دار الكتب العلمية.
[ ٣ / ١٤٣٣ ]
يا آمنا من قبيح الفعل يصنعه … هل أتاك تواقيع أم أنت تملكه
جمعت شيئين أمنا واتباع هوى … هذا وإحداهما في المرء تهلكه
والمحسنون على درب المخاوف قد … ساروا وذلك درب لست تسلكه
(و) تفكر أيضا في (مبادرة)؛ أي: مسارعة (ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك) بيان ل (ما)؛ أي مسارعة أجلك الذي عسى الأجل؛ أي: لعله أن يكون قد اقترب؛ أي: تفكر هل هو؛ أي: الأجل نهاية يوم أو أقل لأن ذلك يسهل الطاعة ويقل الأمل والحرص ولأنه إذا تفكر في الموت أتاه وهو مستعد له، وإذا أتاه بغتة فيندم حيث لا ينفعه الندم. فيا لطيف الطف بنا فإنه لا حول ولا قوة إلا بك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣ / ١٤٣٤ ]
باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس
وستر العورة وما يتصل بذلك
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك.
ومن الفطرة خمس: قص الشارب وهو الإطار وهو طرف الشعر المستدير على الشفة لا إحفاؤه والله أعلم.
وقص الأظفار.
ونتف الجناحين.
وحلق العانة.
ولا بأس بحلاق غيرها من شعر الجسد.
والختان للرجال سنة.
والخفاض للنساء مكرمة.
وأمر النبي أن تعفى اللحية وتوفر ولا تقص قال مالك: ولا بأس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين.
ويكره صباغ الشعر بالسواد من غير تحريم، ولا بأس به بالحناء والكتم).
الشرح
الفطرة: من فطر الشيء، يفطره فطرا، فانفطر، وفطره؛ أي: شقه، والفطرة أيضا -: الخلقة.
[ ٣ / ١٤٣٥ ]
والفطرة الإسلام وهي التي فطر الله عليها الخلق، وهو أشهر الأقوال وأصحها وهو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل (^١).
(باب في) سنن (الفطرة):
سنن الفطرة هي الخصال التي فطر الله الناس عليها، والتي يكمل المرء بها حتى يكون على أفضل الصفات وأجمل الهيئات. وقد ورد ذكرها في أحاديث نبوية متعددة منها: حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء»؛ يعني: الاستنجاء بالماء. قال زكريا: قال مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة؛ إلا أن تكون المضمضة (^٢)، وعن عمار بن ياسر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الفطرة المضمضة، والاستنشاق» (^٣). ومن مجموع هذه الأحاديث النبوية وغيرها يتبين أن سنن الفطرة ليست محصورة في عدد معين، وأنها أكثر من أن تحصر (و) أن (من أبرز خصال الفطرة) التي ذكرت في هذه الأحاديث: قص الشارب، إعفاء اللحية، السواك، استنشاق الماء، قص الأظفار، غسل البراجم، نتف الإبطين، حلق العانة (الاستحداد)، الاستنجاء (انتقاص الماء)، المضمضة، الختان، عدم نتف الشيب، خضاب الشيب، ترجيل الشعر، واقتصر المصنف على ذكر (خمس) أولها:
(قص الشارب وهو الإطار)؛ أي: الشارب بالمعنى المذكور، الإطار بوزن كتاب (وهو) طرف الشعر المستدير، والاستدارة بالشيء الإحاطة به (على الشفة)؛ أي: النابت على الشفة، وقد اختلف في جانبيه وهما السبالان (^٤)؛
_________________
(١) انظر: تجريد التمهيد (ص ٢٩٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (٨/ ٤١٠)، وشفاء العليل (ص ٣٨٣)، وما بعدها.
(٢) رواه أبو داود (٥٣).
(٣) رواه أبو داود (٥٤)، وابن ماجه عن عمار بن ياسر (٢٩٤)، قال الألباني: «حسن». انظر: حديث رقم (٢٢٢٢) في صحيح الجامع.
(٤) وسيأتي معنى السبالين في اللحية.
[ ٣ / ١٤٣٦ ]
فقيل: هما من الشارب ويشرع قصهما معه، وقيل: هما من جملة شعر اللحية فيعفيان، والمراد به هنا: قطع الشعر النابت على الشفة العليا من غير استئصال، والمراد هنا قص الشعر النازل على طرف الشفة هذا الذي يسن قصه (لا إحفاؤه)؛ أي: لا استئصاله (والله أعلم)، قلت: وردت أكثر الأحاديث بلفظ القص كحديث أبي هريرة ﵁ عند البخاري ومسلم، وحديث عائشة وحديث أنس عند مسلم، وكذلك حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري (^١).
قال ابن القاسم عن مالك: «إحفاء الشارب عندي مثلة، والمراد بالحديث المبالغة في أخذ الشارب حتى يبدو طرف الشفتين ..» وقال أشهب: سألت مالكا عمن يحفي شاربه، فقال: «أولى أن يوجع ضربا» (^٢) ولهذا كان مالك وافر الشارب، ولما سئل عن ذلك قال: حدثني زيد بن أسلم عن عامر بن عبد الله بن الزبير: «أن عمر ﵁ كان إذا غضب فتل شاربه ونفخ» (^٣)،، قلت: فكيف لو رأى من يزعمون اتباع السنة عامة وأتباعه خاصة ممن يدعون أنهم مالكية وهم يحلقون لحاهم وشواربهم كأنها الصحون الملساء، ولكنها الأهواء ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ولقد ذهب بعض الأئمة المالكية كالقاضي عياض إلى التخيير بين القص والحف (^٤) كما أنه رأي الإمام الطبري: حيث نقل عنه قوله: «دلت السنة على الأمرين ولا تعارض، فإن القص يدل على أخذ البعض، الإحفاء على أخذ الكل وكلاهما ثابت فيتخير فيما يشاء (^٥). والسنة في قص الشارب أن يبدأ باليمين لكون النبي ﷺ كان يحب التيامن في كل شيء».
_________________
(١) البخاري (٤٥٦/ ١٢) على فتح الباري (١/ ٤٧١).
(٢) الفتح (٢٨٥، ٢٨٦/ ١٠).
(٣) رواه الطبراني في الكبير بسند صحيح (١/ ٦٦) (٥٤)، وانظر: المجمع (٨٨٤٠) (٥/ ٢٩٩).
(٤) نقله الحافظ العراقي عنه في طرح التثريب (٢/ ٧٧).
(٥) فتح الباري (١/ ٤٦٨).
[ ٣ / ١٤٣٧ ]
(و) ثانيها: (قص الأظفار) للرجال والنساء، وقص الظفر: أخذ أعلاه من غير استئصال، قال الحافظ ابن حجر: «والتقليم أعم ..» والأظفار جمع ظفر: بضم الظاء والفاء وسكونها .. والمراد إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الإصبع من الظفر لأن الوسخ يجتمع فيه فيتقدر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول الماء إلى ما يجب غسله في الطهارة (^١).
وحكمها الاستحباب وذهب ابن العربي إلى الوجوب، والجمع بينهما أن ما كان دون الأربعين يوما مستحب، فإذا جاوزها وطال الشعر والظفر وجبت إزالته.
واستحب عدد من الفقهاء دفن ما أخذ من الأظفار والأشعار سواء من العانة أو الإبط أو الشارب أو الرأس؛ روى الخلال بإسناده عن ميل بنت مشرح الأشعرية قالت: «رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها. ويقول: رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك» (^٢). كما جاء فيه أيضا: قال مهنا: «سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أم يلقيه؟ قال: «يدفنه ..» قلت: بلغك فيه شيء؟» قال: كان ابن عمر يدفنه وروينا عن النبي ﷺ أنه أمر بدفن الشعر والأظفار وقال: «لا يتلاعب به سحرة بني آدم» (^٣)، وقال النووي: نقل عن ابن عمر واتفق عليه أصحابنا (^٤) كما استحب بعض الفقهاء غسل رؤوس الأصابع بعد قلم الأظفار لما قيل: إن حك الجسم بالأظفار المقلومة قبل غسلها يضر بالجسم (^٥).
• نتف الإبطين:
(و) ثالثها: (نتف الجناحين)؛ أي: الإبطين والإبط: بكسر الهمزة
_________________
(١) لسان العرب (١٥/ ٣٩٢) الميم فصل القاف، وانظر: فتح الباري (١/ ٤٦٥)، وطرح التثريب (٢/ ٧٧).
(٢) المغني (١/ ٦٦).
(٣) المغني (١/ ٦٦)، وانظر: فتح الباري (١٠/ ٣٤٦).
(٤) المجموع (١/ ٢٩١).
(٥) المغني (١/ ٦٥).
[ ٣ / ١٤٣٨ ]
والباء الموحدة وسكونها وهو المشهور .. وذكر ابن العربي رحمه الله تعالى: أن الخصال الخمس الواردة في حديث أبي هريرة ﵁: وهي حلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظافر وقص الشارب والختان؛ واجبة، معللا ذلك: «بأن المرء لو تركها لم تبق صورته على صورة الآدميين فكيف من جملة المسلمين» (^١). ولا يجوز ترك شعر الإبط لأكثر من أربعين يوما لحديث أنس ﵁ السابق: «وقت لنا في قص الشارب، وتقليم الأطفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة» كما في «صحيح مسلم».
• حلق العانة أو (الاستحداد):
قال المصنف رحمه الله تعالى: (و) رابعها: (حلق العانة) والمراد بالعانة: الشعر النابت فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر النابت حوالي فرج المرأة.
وقال العدوي رحمه الله تعالى: العانة: «هي ما فوق العسيب والفرج وما بين الدبر والأنثيين» (^٢) ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن العربي القول بعدم مشروعية حلق ما حول الدبر (^٣) والاستحداد سنة باتفاق الفقهاء وقد عبر البعض عنه بأنه مستحب والخلاف في ذلك يسير، وقد حكى النووي أنه قد اختلف فيه بالنسبة للمرأة إذا طلب ذلك منها زوجها على وجهين أصحهما الوجوب (^٤).
أما العدوي فقال بوجوبه بالنسبة للمرأة ولو لم يطلب منها الزوج ذلك لأن في إزالته جمال للمرأة، ويجب عليها إزالة كل ما في إزالته جمال لها ولو شعر اللحية إن نبتت لها لحية (^٥).
_________________
(١) الفتح (١٠/ ٣٣٩).
(٢) حاشية العدوي على أبي الحسن (٢/ ٣٤٥)، مطبعة السعادة.
(٣) فتح الباري (١٠/ ٣٥٦).
(٤) المجموع للنووي (١/ ٣٤٨)، مطبعة العاصمة.
(٥) حاشية العدوي على أبي الحسن (٢/ ٣٤٥)، مطبعة السعادة.
[ ٣ / ١٤٣٩ ]
التوقيت في فعل هذه الخصال: ثبت عن أنس ﵁ أنه قال: «وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا نترك أكثر من أربعين ليلة (^١) … ..» ..
• حكم الختان والخفاض:
(والختان للرجال) (^٢) أراد بالرجال الذكور كانوا بالغين أو غير بالغين إلا أن البالغ يؤمر يختن نفسه، لحرمة نظر عورة الكبير، والختان هو زوال الغرلة بضم الغين المعجمة غشاء الحشفة (سنة) زاد في الضحايا واجبة؛ أي: مؤكدة، (والخفاض في النساء) وهو قطع الناتئ في أعلى فرج الأنثى كأنه عرف الديك (مكرمة) بفتح الميم وضم الراء؛ أي: كرامة بمعنى مستحب.
• إعفاء اللحية والنهي عن حلقها:
(وأمر النبي ﷺ أمر إيجاب لا استحباب أن تعفى)؛ أي: توفر (اللحية) وعلى ذلك الإجماع والكتاب والسنة.
فقد نقل ابن حزم الإجماع فقال: اتفقوا أن حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز (^٣).
وقال ابن عابدين: الأخذ من اللحية دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال لم يبحه أحد (^٤). على أن إعفاء اللحية واجب، وقد ورد في ذلك آيات وأحاديث تدل على أن توفير اللحية واجب وأن حلقها حرام
_________________
(١) رواه مسلم (٦٢٢).
(٢) انظر: كتاب عن هذا الموضوع بعنوان (أسرار الختان تتجلى في الطب الحديث)، د. حسان شمسي باشا، إصدار مكتبة السوادي بجدة. وقد مر الكلام عن الختان والخفاض في باب الضحايا فلا داعي لتكراره هنا، وإن كنت أكرر أحيانا بعض المسائل؛ لأنه قد يقع في بعض أيدي الناس جزءا من أجزاء الكتاب ولا يتمكن من الباقي فيجد المسألة مشروحة، والله المستعان.
(٣) مراتب الإجماع (١٨٢).
(٤) حاشية ابن عابدين (٢/ ٤١٨)، وتنقيح الفتاوى الحامدية (١/ ٣٢٩).
[ ٣ / ١٤٤٠ ]
منها قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: ٦٣] وأي فتنة أعظم من أن يرى المرء نفسه قد فعل فعلا هو أفضل فيه من نبيه ﷺ ومن الأحاديث حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» (^١).
وفي لفظ حديث أبي هريرة ﵁: «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس» (^٢)، زاد البخاري وكان ابن عمر ﵁: «إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه». وقوله: (وتوفر ولا تقص) تأكيد، قال الحطاب: «وحلق اللحية لا يجوز، وكذلك الشارب، وهو مثلة وبدعة، ويؤدب من حلق لحيته أو شاربه». اه (^٣) وقال القرطبي: «لا يجوز حلق اللحية ولا نتفها ولا قص الكثير منها، فأما أخذ ما تطاير منها، وما يشوه ويدعو إلى الشهرة طولا وعرضا فحسن عند مالك وغيره من السلف». اه (^٤). وإليه أشار المصنف بقوله: (قال مالك: ولا بأس بالأخذ؛ بمعنى: يستحب الأخذ من طولها إذا طالت كثيرا) (^٥) والمعروف لا حد للأخذ منها إلا أنه لا يتركها لنحو الشهرة كما نقل ذلك الباجي، وحكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية هل له حد أم لا؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن أنه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش (^٦)، (و) ما قاله مالك (قاله) قبله (غير واحد)؛ أي: أكثر من واحد كما نقل عنهم ذلك، منهم: جابر ﵁ بسند حسن قال: «كنا نعفي السبال إلا في حج
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٧٢٥)، والبخاري (٧/ ٢٠٦) (٥٨٩٢)، ومسلم (١/ ١٥٣) (٥٢١).
(٢) مسلم (٥٢٤).
(٣) مواهب الجليل (١/ ٢١٦)، وانظر: حاشية الدسوقي (١/ ٩٠)، وانظر: قول الحنابلة الفروع لابن مفلح (١/ ١٣٠).
(٤) المفهم للقرطبي (١/ ٥١٢)، والفتح (١٠/ ٣٦٣).
(٥) قول مالك كما في التمهيد (٢٤/ ١٤٥).
(٦) انظر: الفتح (١٠/ ٣٦٣).
[ ٣ / ١٤٤١ ]
أو عمرة» (^١)، بل وفعله (من الصحابة) ابن عمر ﵄ وحديثه في «البخاري» و«الموطأ» (^٢) وقد تقدم وفيه: «وكان ابن عمر ﵄ إذا حج أو اعتمر، قبض على لحيته فما فضل أخذه»، قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه (^٣) اه.
(و) هو قول كثير من (التابعين) كعطاء، والقاسم، وقتادة، والحسن، وابن سيرين، وغيرهم (^٤)، وهؤلاء الأئمة الأربعة يذهبون إلى جواز الأخذ منها وأضيق المذاهب مذهب الشافعي ﵁ فإنه قيد جواز الأخذ في النسك.
تنبيه: حديث: «كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها» حديث موضوع مكذوب كما نص على ذلك أهل الحديث (^٥).
• حكم خضاب الشعر بالسواد وغيره:
الخضاب والصباغ بمعنى واحد هو ما يخضب به من حناء وكتم ونحوه. وفي «الصحاح»: الخضاب ما يختضب به؛ ويقال: اختضب بالحناء، وخضب الشيء يخضبه خضبا، وخضبه: غير لونه بحمرة أو صفرة أو غيرهما والاسم الخضاب (^٦).
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٢٠١)، وإسناده حسن كما قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٦٢)، والسبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة: جمع سبلة: وهي ما طال من شعر اللحية. وقوله: كنا نعفي حكاية عن الصحابة ﵃.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) الفتح (١٠/ ٣٦٢).
(٤) انظر: التمهيد (٢٤/ ١٤٦)، والفتح (١٠/ ٣٦٢)، وانظر: كتاب الإنصاف فيما جاء في الأخذ من اللحية وصبغ الشيب من الخلاف، للشيخ دبيان بن محمد الدبيان، توزيع دار أصداء المجتمع السعودية.
(٥) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٦٣): أخرجه الترمذي ونقل عن البخاري أنه قال في رواية عمر بن هارون: لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا. اه. وقال الألباني: موضوع كما في صحيح الجامع وضعيفه (٤٥١٧)، والسلسلة الضعيفة (١/ ٤٥٦).
(٦) الصحاح في اللغة، المؤلف: الجوهري، مادة: (خضب).
[ ٣ / ١٤٤٢ ]
وعلى هذا يمكن أن يعرف الخضاب بأنه كل ما يصبغ به، ويتغير به لون الشيء المصبوغ إلى حمرة وصفرة أو غيرهما.
(ويكره صباغ الشعر الأبيض بالسواد من غير تحريم) لما كانت الكراهة تطلق ويراد بها التنزيه، وتطلق ويراد به التحريم دفع هذا الثاني بقوله: من غير تحريم، وهو قول مالك كما في «الموطأ» قال يحيى: «سمعت مالكا يقول في صبغ الشعر بالسواد: لم أسمع في ذلك شيئا معلوما، وغير ذلك من الصبغ أحب إلي، قال: وترك الصبغ كله واسع إن شاء الله، ليس على الناس فيه ضيق». اه (^١). وهذا الحكم خاص بغير البيع والجهاد، أما في البيع فيحرم، وأما في الجهاد فاتفق العلماء على جواز الصبغ بالسواد، قال الحافظ: ويستثنى من ذلك - يعني: النهي عن الصبغ بالسواد - المجاهد اتفاقا. اه (^٢) لإيهام العدو الشباب فيؤجر عليه، وكذا اتفقوا على تحريمه عند الزواج لخداع المرأة واختلفوا في غير ذلك، وانظر أصل هذا المختصر تجد فيه ما أشكل عليك من أمر الصبغ بالسواد، ومن أجازه من فقهاء الصحابة ﵃.
(و) أما صبغه بغير السواد ف (لا بأس به بالحناء والكتم) بفتح التاء ورق السلم (شجر) وهو يصفر الشعر، والحناء تحمره. وقال مالك: الحناء والكتم واسع، والصبغ بغير السواد أحب إلي (^٣). لقوله ﷺ: «إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم» كما في حديث أبي ذر ﵁ (^٤)، وكلام المصنف محتمل للندب والإباحة وهي أقرب، وقال ابن رشد في «البيان»: أما صبغ الشعر بالحنا والكتم والصفرة، فلا اختلاف بين أهل العلم في أن ذلك جائز (^٥).
وخلاصة القول: أن الصبغ بالسواد حكمه الكراهة عند السواد الأعظم
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٤٣١ - ٤٣٢).
(٢) الفتح (١٠/ ٣٦٧).
(٣) تقدم عزوه للموطأ، وانظر: الفتح للحافظ (٦/ ٤٩٩).
(٤) أحمد (٥/ ١٤٧) (٢١٦٣٢) و(٥/ ١٥٠) (٢١٦٦٤)، وأبو داود (٤٢٠٥)، والترمذي (١٧٥٣)، وابن ماجه (٣٦٢٢).
(٥) البيان والتحصيل لمحمد بن رشد (١٧/ ١٦٦ ١٦٧).
[ ٣ / ١٤٤٣ ]
من الأمة، وهو قول المذاهب الأربعة (^١) حاشا بعض فقهاء الشافعية فإن لهم وجها في تحريمه .. أما ما عداه من الصبغ ففعله مسنون.
ومن طريف ما قيل في معركة الشيب والخضاب ما أورده السمعاني قال: أنشدنا هبة الله بن طاوس: أنشدنا رزق الله التميمي لنفسه:
وما شنأن الشيب من أجل لونه … ولكنه حاد إلى البين مسرع
إذا ما دبت منه الطليعة آذنت … بأن المنايا خلفها تتطلع
فإن قصها المقراض صاحت بأختها … فتظهر تتلوها ثلاث وأربع
وإن خضبت حال الخضاب لأنه … يغالب صنع الله والله أصنع
إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن … يودك فيما تشتهيه ويسرع
هلموا لنبكي قبل فرقة بيننا … فما بعدها عيس لذيد ومجمع
وخل التصابي والخلاعة والهوى … وأم طريق الخير فالخير أنفع
وخذ جنة تنجي وزادا من التقى … وصحبة مأموم فقصدك مفزع
• أحكام اللباس:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
﴿ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير وتختم الذهب وعن التختم بالحديد، ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم، والسيف، والمصحف، ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك﴾.
ويتختم النساء بالذهب. ونهي عن التختم بالحديد، والاختيار مما روي في التختم والتختم في اليسار لأن تناول الشيء باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره.
_________________
(١) انظر للأحناف حاشية ابن عابدين (٦/ ٤٢٢)، وللمالكية (الرسالة التي بين أيدينا)، والموطأ (٢/ ٩٤٩)، والشافعية المجموع (١/ ٣٤٥)، والحنابلة (الآداب الشرعية) لابن مفلح (٣/ ٣٣٦)، والإنصاف (١/ ١٢٣).
[ ٣ / ١٤٤٤ ]
واختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العلم في الثوب من الحرير إلا الخط الرقيق.
ولا يلبس النساء من الرقيق ما يصفهن إذا خرجن.
ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء، وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه.
وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك ثوب واختلف فيه على ثوب.
ويؤمر بستر العورة.
وإزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه.
والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها.
ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمثزر.
ولا تدخله المرأة إلا من علة.
ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد.
ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها أو نحو ذلك مما يباح لها، ولا تحضر من ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح وقد اختلف في الكبر.
ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بمحرم، ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها أو نحو ذلك أو إذا خطبها، وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال.
وينهى النساء عن وصل الشعر وعن الوشم.
ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله.
ولا بأس بالانتعال قائما.
ويكره المشي في نعل واحدة.
[ ٣ / ١٤٤٥ ]
وتكره التماثيل في الأسرة والقباب والجدران والخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك وتركه أحسن).
الشرح
• حكم لباس الحرير والذهب للجنسين:
ونهى الرسول ﵊ نهي تحريم الذكر (عن لباس)؛ أي: لبس (الحرير)؛ أي: والجلوس عليه والأدلة عليه كثيرة، ومنها: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة» (^١). ويجوز عند الحاجة، كالأمراض الجلدية لنحو حكة كما سيأتي في كلام المصنف الحديث: «رخص النبي ﷺ للزبير وعبد الرحمن في لبس الحرير لحكة بهما» (^٢).
ويجوز أيضا إذا كان قليلا: كرقعة في الثوب أو تطريز، أو في أطراف الثوب. ونحو ذلك، بشرط ألا يزيد عرضه عن أربع أصابع، فعن سويد بن غفلة أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب بالجابية (^٣)، فقال: «نهى نبي الله عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع» (^٤).
(و) عن (تختم الذهب)؛ أي: ويحرم على الذكر لبس الخاتم إن كانت من ذهب، فعن علي ﵁ قال: «أخذ رسول الله ﷺ ذهبا بيمينه، وحريرا بشماله، ثم رفع بهما يديه فقال: هذان حرام على ذكور أمتي» (^٥).
وقد وردت النصوص الشرعية بالوعيد الشديد لمن لبس الذهب من الرجال، ولكن مع الأسف فهناك ثلة من المسلمين لم يرتدعوا بل
_________________
(١) البخاري (٥٨٣٢).
(٢) أخرجه البخاري، ح (٥٨٣٩).
(٣) الجابية: بالجيم وكسر الموحدة مدينة بالشام.
(٤) أخرجه مسلم، ح (٢٠٦٩).
(٥) أبو داود (٤٠٥٧)، والنسائي (٨/ ١٦٠)، وفي «الكبرى» (٩٣٨٣)، وابن ماجه (٣٥٩٥).
[ ٣ / ١٤٤٦ ]
عصوا الله ﷿، وتمردوا على أوامر نبيه ﷺ، فما أصبرهم على النار. ومما يجب ذكره إلحاقا للفائدة، أن الخاتم لو كان فضة، وجعل فيه جزء يسير جدا من الذهب فهو غير جائز، بل محرم، وهذا يعني أن خاتم الرجال يجب أن يخلو تماما من الذهب، ولو رش بماء الذهب، أو كان مموها بالذهب، فكل ذلك حرام، ومثله الساعة الملبسة بالذهب أو المطلية به، وكذا النظارة، والأقلام الذهبية فالرجل فحولته تأبى الخنوثة.
• ما يباح لبسه وتلبيسه، وما يحرم من الخواتم وغيرها:
(و) نهى ﵊ (عن التختم بالحديد) فعن بريدة ﵁، أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النار» فطرحه، ثم جاءه وعليه خاتم من شبه (نحاس أصفر) - فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام فطرحه، قال يا رسول الله: من أي شيء أتخذه؟ قال: من ورق، ولا تتمه مثقالا» (^١)، قال الخطابي (^٢): إنما قال في خاتم الشبه النحاس الأصفر «أجد منك ريح الأصنام» لأن الأصنام كانت تتخذ من الشبه اه.
والنهي عن لبس خاتم الحديد ينبغي أن يحمل على ما إذا كان حديدا صرفا، لخبر معيقيب قال: «كان خاتم النبي ﷺ من حديد ملوي عليه فضة، قال: فربما كان في يده، وكان المعيقيب على خاتم النبي ﷺ» (^٣).
ومما يكره لبسه من الخواتم للرجال والنساء، خاتم الحديد والصفر
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٩) (٢٣٤٢٢)، وأبو داود (٤٢٢٣)، والترمذي (١٧٨٥)، والنسائي (٨/ ١٧٢)، وفي «الكبرى» (٩٤٤٢) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب، وعبد الله بن مسلم يكنى أبا طيبة، وهو مروزي، وقال أبو عبد الرحمن النسائي (٩٤٤٢): هذا حديث منكر، في رواية الترمذي: ابن بريدة، وضعفه الألباني المشكاة (٤٣٩٦)، وآداب الزفاف (١٢٨)، وصححه ابن حبان.
(٢) شرح أبي داود للخطابي (٦/ ١١٥)، ط: السنة المحمدية.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٢٢٤)، والنسائي (٨/ ١٧٥) بإسناد صحيح.
[ ٣ / ١٤٤٧ ]
والنحاس والرصاص، لأن الحديد حلية أهل النار، قال تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديد﴾ [الحج: ٢١].
(ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم) أراد بحلية الخاتم أن يكون الخاتم من فضة، لما في «الصحيحين» «أنه اتخذ خاتما من ورق فكان في يده، ثم كان في يد أبي بكر من بعد، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان ﵃ أجمعين، حتى وقع في بئر أريس» (^١) كجليس قريبة من مسجد قباء وقد بالغ عثمان في التفتيش عليه ونزح البئر ثلاثة أيام وأخرج جميع ما فيه فلم يجده ولعل في ذلك حكمة، ولما مر من الأحاديث المبيحة للفضة، ورأى المالكية أن الخاتم المأذون فيه شرعا لا يجوز له أن يتعدى وزنه وزن درهمين شرعيين أو أقل، وهو ما يعادل = ٢، ٩٧٥ جراما، فإن زاد عن درهمين فهو حرام (^٢)، وليس ثمت دليل صحيح يحرم ما زاد والله أعلم.
(و) لا بأس بتحلية (السيف) لحديث أنس ﵁: «كان نعل سيف رسول الله ﷺ من فضة، وقبيعة (^٣) سيفه فضة، وما بين ذلك حلق فضة» (^٤).
(و) لا بأس بتحلية (المصحف) لوجوب تعظيمه واحترامه الذي يدل عليه حرمة مسه للمحدث، وعدم السفر به إلى أرض العدو الثابت في السنة كما سبق في موضعه، (ولا يجعل ذلك) المذكور من التحلية بالفضة (في لجام ولا سرج ولا سكين) ولا في غير ذلك من آلات الحرب اقتصارا على ما ورد الشرع به.
_________________
(١) البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (٥٥٩٧).
(٢) الموسوعة الفقهية (١١/ ٢٧).
(٣) القبيعة: قال في تحفة الأحوذي: «في النهاية: هي التي تكون على رأس قائم السيف، وقيل: ما تحت شاربي السيف، وفي القاموس: قبيعة السيف ما على طرف مقبضه من فضة أو حديدة. وقال الخطابي: قبيعة السيف النومة التي فوق المقبض. انتهى.
(٤) أبو داود (٢٥٨٣)، والترمذي (١٦٩١)، وفي الشمائل (١٠٥)، والنسائي (٨/ ٢١٩)، وفي «الكبرى» (٩٧٢٧).
[ ٣ / ١٤٤٨ ]
ويجوز لبس أنف من ذهب لمن قطعت أنفه كما وقع لعرفجة بن أسعد قال: «أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية، فاتخذت أنفا من ورق (أي: فضة) فأنتن علي فأمرني رسول الله ﷺ، أن أتخذ أنفا من ذهب» (^١).
ونحو سن، كتضبيب الأسنان ففي «مسند أحمد»: «أن عثمان بن عفان ﵁ ضبب أسنانه بذهب» (^٢)، وذلك لأن الذهب لا يبليه الثرى، ولا يصدئه الندى، ولا تنقصه الأرض، ولا تأكله النار ولا يصدأ، بخلاف الفضة (^٣)؛ وكذلك يجوز اتخاذ النقود من ذهب، وقد جمع صاحب الكفاف (^٤) فقال:
وإنما للمرء أن يستعملا … من النقود مصحفا به حلا
والسيف والأنف وسنا مطلقا … وخاتما حيث يكون ورقا
والخلف في نحو مضبب جرى … وجائز لباسه الجواهرا
وللنساء لبس كل زينة … وبين القرآن ما يبدينه
(ويتختم النساء بالذهب) وأولى بالفضة لما في حديث علي ﵁ في «الصحيحين» (^٥) (ونهي عن التختم بالحديد) للنساء. وتقدم النهي عن ذلك للرجال فالتختم بالحديد منهي عنه مطلقا للرجال والنساء (والاختيار مما)؛ أي: من الذي (روي) عن النبي ﷺ (في التختم في اليسار) عند الجمهور" (^٦) منهم مالك ويكون في الخنصر، فأما الوسطى والسبابة فمنهي عنها لحديث علي ﵁ عند أبي داود: «ونهاني أن أضع الخاتم في هذه أو في هذه - للسبابة، والوسطى، … شك عاصم» (^٧) ويجعل فصه مما يلي الكف،
_________________
(١) أبو داود (٤٢٣٣)، والترمذي (١٧٧٠)، والنسائي (٨/ ١٦٣)، وفي «الكبرى» (٩٤٠٠)، وانظر: صحيح الترمذي للألباني.
(٢) مسند أحمد (١/ ٧٣).
(٣) أحكام بيع وشراء حلي الذهب لرفيق يونس المصري (١٤).
(٤) الكفاف محمد مولود اليعقوبي (ت ١٣٢٣ هـ) (١/ ٢٤).
(٥) وقد تقدم قريبا.
(٦) حاشية السندي على سنن النسائي (٨/ ٥٥٤) بتصرف.
(٧) أبو داود - خاتم، باب: ماجاء في الخاتم الحديد (٤٢٢٥).
[ ٣ / ١٤٤٩ ]
لما في حديث أنس ﵁: أن فص الخاتم يكون مما يلي باطن اليد، وهذا فعل النبي ﷺ، وفعله لا يدل على الوجوب، فيبقى الأمر على الجواز، فمن أراد أن يجعل فص الخاتم إلى أعلى فله ذلك، ومن أراد أن يجعله مما يلي باطن كفه فله ذلك، وهذا هو الاقتداء والاتباع لهدي النبي ﷺ.
فإذا أراد الاستنجاء خلعه، كما يخلعه عند إرادة الخلاء إن كان فيه اسم الله تعالى، وإنما جعل في اليسار (لأن تناول الشيء) الصادق بالخاتم وغيره (باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره) ولأن كونه في اليسار أبعد عن الإعجاب وهو اختيار الشيخ رحمه الله تعالى وقيل: أن التختم في اليمين أو اليسار كله جائز، لورود الأحاديث بهذا وبهذا، يقول النووي رحمه الله تعالى: (وأما الحكم في المسألة عند الفقهاء، فأجمعوا على جواز التختم في اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل؟ (^١). وقال البيهقي ﵀: «… وأن أبا بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وحسنا وحسينا ﵃، كانوا يتختمون في يسارهم» (^٢).
واختلف في لبس الخز) بخاء وزاي معجمتين وهو ما سداه حرير، ولحمته صوف أو قطن أو كتان على أقوال.
فأشار إلى اثنين منها بقوله: (فأجيز، وكره) صحح في القبس لابن العربي الأول (^٣) واستظهر ابن رشد الثاني (^٤)، والثالث يحرم لبسه، قال القرافي: وهو ظاهر مذهب مالك لقوله ﵊ في حلة عطارد (^٥)، وكان يخالطها الحرير: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له
_________________
(١) شرح النووي (١٤/ ٢٩٩).
(٢) الآداب (٣٧٣).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٤٠) ناقلا عن القبس.
(٤) البيان والتحصيل لابن رشد (١٧/ ١٧٣).
(٥) الذخيرة (١٣/ ٢٦٠)، والحلة هي: كل ثوب فيه قطعتان، وعطارد صاحب الحلة هو ابن حاجب التميمي «عون المعبود».
[ ٣ / ١٤٥٠ ]
في الآخرة» (^١).
ولحديث معاوية ﵁ قال: «إن رسول الله ﷺ نهى عن تسع وأنا أنهى عنهن: عن النوح (والشعر)، والغناء، والتبرج، والتصاوير، والجلوس على جلود السباع، والذهب، والحرير، والخز» (^٢).
وأما الجواز فلحديث عبد الله بن سعد عن أبيه قال: رأيت رجلا ببخارى على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال: «كسانيها رسول الله ﷺ» (^٣)، وقال أبو داود في السنن: عشرون من أصحاب رسول الله ﷺ لبسوا الخز منهم أنس والبراء بن عازب (^٤).
(وكذلك العلم في الثوب من الحرير إلا الخط الرقيق) وهو ما كان أقل من أصبع فإنه جائز. كما تقدم.
• حجاب المرأة المسلمة خارج بيتها ومع غير المحارم:
(ولا يلبس النساء) على جهة المنع (من الرقيق ما يصفهن)؛ أي: الذي يوصفن فيه. فإسناد الوصف للثياب استعارة؛ أي: الذي يظهر منه أعالي الجسد كالثديين والردف ومحل المنع (إذا خرجن) من بيوتهن أما إذا لبسنه في بيوتهن مع أزواجهن فيجوز، ولذلك يجب على المرأة إذا خرجت من بيتها أن تتقي الله في نفسها فإنها عورة وإذا خرجت استشرفها الشيطان كما جاء عن خير ولد عدنان ﷺ قال: «المرأة عورة» (^٥)؛ يعني: يجب سترها. قال تعالي: ﴿يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ [الأحزاب: ٥٩].
_________________
(١) رواه مسلم (٦/ ١٣٧ (٥٤٥٢).
(٢) قال الألباني: «صحيح»، وانظر: حديث رقم (٦٩١٤) في صحيح الجامع، وما بين قوسين ضعيف عند الألباني انظر: ضعيف الجامع رقم (٦٠٥٨).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٠٣٨)، والترمذي (٣٣٢١)، والنسائي في «الكبرى» (٩٥٦٠)، وضعفه الألباني.
(٤) سنن أبي داود (٤٠٤١).
(٥) أخرجه الترمذي (١١٧٣)، وابن خزيمة (١٦٨٥).
[ ٣ / ١٤٥١ ]
الشروط الواجب توفرها مجتمعة حتى يكون الحجاب شرعيا.
الأول: ستر جميع بدن المرأة على الراجح.
الثاني: أن لا يكون الحجاب في نفسه زينة.
الثالث: أن يكون صفيقا ثخينا لا يشف.
الرابع: أن يكون فضفاضا واسعا غير ضيق.
الخامس: أن لا يكون مبخرا مطيبا.
السادس: أن لا يشبه ملابس الكافرات
السابع: أن لا يشبه ملابس الرجال.
الثامن: أن لا يقصد به الشهرة بين الناس.
• حد الأزرة والثوب للرجل:
(ولا يجر الرجل إزاره بطرا) لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا» (^١)، (ولا ثوبه من الخيلاء)، لحديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» قال أبو بكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال النبي ﷺ: «لست ممن يصنعه خيلاء» (^٢)، وفي حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا: «إزرة المؤمن إلى نصف الساق، فما كان إلى الكعب فلا بأس، وما كان تحت الكعب ففي النار» (^٣).
وهي التي أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى (ولكن إلى الكعبين) ولحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار» (^٤)، وحديث أنس قال: قال: يعني: النبي ﷺ: «الإزار إلى نصف
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٦٥٧)، والحميدي (٧٣٧)، والبخاري (٥٧٨٨)، ومسلم (٥٥١٤).
(٢) البخاري (٥/ ٧) (٣٦٦٥)، ومسلم (٥٥٧٤)، وأبو داود (٤٥٨٥).
(٣) رواه أبو داود (٣٤٤٩)، وقال النووي: إسناده صحيح، المجموع (٣/ ١٨٣)
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٤٥٢ ]
الساق، فشق عليهم، فقال: «أو إلى الكعبين، ولا خير في أسفل من ذلك» (^١).
(فهو أنظف لثوبه فلا تعلق به الأقذار وأتقى لربه) فيسلم من الذنوب والأوزار فعن الأشعث بن سليم قال: سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: كنت أمشي وعلي بردة لي أجرها فقال رجل: «ارفع ثوبك فإنه أتقى وأبقى» فنظرت فإذا هو النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنما هي بردة ملحاء فقال: «أما لك في أسوة؟» فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقه» (^٢).
لأنه يتقى العجب والكبر، والأول: يرجع إلى ملاحظة الشخص لنفسه بعين الكمال مع نسيان نعمة الله، والثاني: يرجع إلى ذلك مع احتقار غيره. فإذا الكبر أخص من العجب.
(وينهى) بمعنى ونهي (عن اشتمال الصماء) نهي تحريم (وهي)؛ أي: صفة اشتمال الصماء أن تكون على غير ثوب؛ أي: إزار مثلا (يرفع ذلك)؛ أي: طرف ما يشتمل به (من جهة واحدة ويسدل الأخرى) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصماء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء» (^٣) - والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب - وأصله عند الجماعة إلا الترمذي بلفظ النهي عن اشتمال الصماء، والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء، قد فسرت في حديث أبي سعيد بجعل الرجل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه (^٤)، وفسرها اللغويون: بأن يلبس الرجل ثوبا يلتف فيه، ولا يجعل ليديه مخرجا فإذا أراد أن يخرج يديه بدت عورته. إذا تقرر هذا فقوله: اشتمال الصماء، الإضافة للبيان؛ أي: اشتمال هو الصماء. وقوله:
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٠) (١٢٤٥١) وفي (٣/ ٢٤٩) (١٣٦٤٠).
(٢) قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٤/ ٣٣٦) إسناده ضعيف، وله شاهد مخرج في الصحيحة (١٤٤١).
(٣) البخاري (٣/ ٩٢) (٢١٤٧)، وأبو داود (٣٣٧٧).
(٤) صحيح سنن أبي داود للألباني (٣/ ٢٥٤).
[ ٣ / ١٤٥٣ ]
(وذلك إذا لم يكن تحت اشتمالك)؛ أي: تحت ما تشتمل به (ثوب) تكرار كرره ليرتب عليه قوله: (واختلف فيه)؛ أي: في حكم الاشتمال المذكور (على ثوب)؛ أي: إزار مثلا على قولين لمالك بالمنع اتباعا لظاهر الحديث، والإباحة لانتفاء العلة المذكورة وهي كشف العورة (^١).
وجوب ستر العورة:
(ويؤمر) المكلف (بستر العورة) عن أعين الناس وجوبا إجماعا (^٢)، وفي الخلوة استحبابا على المشهور (^٣). ومقابله أنه فرض عين في الخلوة أيضا، أما دليل سترها في الكتاب فقوله تعالى: ﴿يبني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١]. والمراد: ستر العورة بدليل سبب النزول. قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية يطوفون عراة: الرجال بالنهار والنساء بالليل وكانت المرأة [تطوف بالبيت وهي عريانة] [تخرج صدرها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله] فقال الله تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١] وهذا الحديث أخرجه مسلم (^٤) وغيره.
وقوله ﷺ: «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ما ملكت يمينك» (^٥) وأما المرأة فكلها عورة إلا وجهها وكفيها وقد تقدم البحث في ذلك، وأما ستر العورة في الخلوة فمستحب وقد كان ﷺ إذا اغتسل استتر بثوب ففي «الصحيح»: «أن فاطمة ابنته كانت تستر النبي ﷺ عام الفتح بثوب وهو يغتسل، ثم صلى ثماني ركعات» (^٦)، ورأى رجلا يغتسل بالبراز بلا إزار،
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي (١٣/ ٢٦٣)، والبيان والتحصيل (١/ ٢٧٧).
(٢) نقله ابن حزم في «المحلى» وأقره الحافظ في «الفتح».
(٣) انظر: البيان والتحصيل (١٨/ ١٥٤).
(٤) مسلم (٧٧٣٦).
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٣) (٢٠٢٨٧)، وأبو داود (٤٠١٧)، والترمذي (٢٧٦٩)، وابن ماجه (١٩٢٠).
(٦) الموطأ كما في شرح الزرقاني على الموطأ (١/ ٤٣١)، والبخاري (٤٠٤١)، ومسلم (٧٩٠).
[ ٣ / ١٤٥٤ ]
فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (^١)، والبراز بفتح الباء والراء (اسم للفضاء الواسع).
(وإزرة) الرجل (المؤمن) بكسر الهمزة لأن المراد الهيئة (إلى أنصاف ساقيه) ولفظ «الموطأ» من قوله ﵊: «إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار، لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا» (^٢).
تنبيه: الأزرة مشتقة من الإزار وهو الذي نص عليها إلى أنصاف الساق لأنه الإزار عادة يثبت في الحقو ولا يتقلص من الخلف، بخلاف القميص والثوب لو كان إلى أنصاف الساق لتقلص ويصير صاحبه ضحكة للناس ولذلك يراعى في الثوب غير ما يراعى في الإزار، وقد أفرد العلامة الفقيه بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله تعالى رسالة ماتعة بعنوان: حد الثوب والأزرة، وتحريم الإسبال ولباس الشهرة (^٣).
(والفخذ) وهو ما بين الساق والورك (عورة وليس) هو في التحريم (كالعورة) المغلظة وهي السوءتان، ولما انتفى كونه كالعورة خف أمره فغاية ما يقال إنه يكره مع غير الخاصة، وهو قول جمهور السلف أنها ليست عورة (^٤) لحديث أنس ﵁: «أن رسول الله ﷺ غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله ﷺ في زفاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله، ثم حسر
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٤)، وأبو داود (٤٠١٣)، والنسائي (١/ ٢٠٠)، وقال الألباني في الثمر المستطاب إسناده جيد (١/ ٣٠)، ط: غراس للنشر والتوزيع.
(٢) تكرار وقد تقدم تخريج الحديث.
(٣) مطبوعة.
(٤) البيان والتحصيل (١٨/ ٢٧٧).
[ ٣ / ١٤٥٥ ]
الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله ﷺ …» الحديث (^١)، قال الحافظ: «يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك لأنه وإن جاز وقوعه من غير قصد لكن لو كانت عورة لم يقر على ذلك لمكان عصمته ﷺ ولو فرض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار لكان ممكنا لكن فيه نظر من جهة أنه كان حينئذ البيان عقبه كما في قضية السهو في الصلاة، وسياقه عند أبي عوانة والجوزقي من طريق عبد الوارث عن عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك ولفظه: «فأجرى رسول الله ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ وإني لأرى بياض فخذيه» (^٢). قال: (وظاهر قول أنس هذا أن المس كان بدون الحائل ومس العورة بدون الحائل لا يجوز) (^٣).
(ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزر) بكسر الميم والهمز وتركه ما يؤتزر به لحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إنها ستفتح لكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالإزر، وامنعوها النساء إلا مريضة أو نفساء﴾ (^٤)، (ولا تدخله المرأة إلا من علة) من مرض أو نفاس لا من حيض أو جنابة للحديث السابق، وكذلك جاء الوعيد في المرأة التي تخلع ثيابها في غير بيت زوجها ففي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى» (^٥).
(ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف) أو ثوب (واحد) غير
_________________
(١) مالك: الجهاد (١٠٢٠)، والبخاري: الصلاة (٣٧١)، ومسلم: النكاح (١٣٦٥).
(٢) الفتح (١/ ٥٧٣).
(٣) المرجع السابق.
(٤) رواه أبو داود (٤٠١)، وابن ماجه (٣٧٤٨)، قال الألباني: «ضعيف». انظر: حديث رقم (٢٤٦٦) في ضعيف الجامع.
(٥) أبو داود (٤٠١٢)، وقال الألباني: صحيح كما في صحيح أبي داود (٤/ ٣٩)، وصحيح سنن الترمذي (٥/ ١١٤).
[ ٣ / ١٤٥٦ ]
مستوري العورة وهذا على جهة المنع سواء كانت بينهما قرابة أم لا. لما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قوله ﵊: «لا ينظر الرجل إلى عرية الرجل، ولا المرأة إلى عرية المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب» (^١)، ومن حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يفضين رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة، إلا ولدا أو والدا» (^٢).
(ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد؛ أي: لا غنى لها منه من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها) كالأخ (أو نحو ذلك مما يباح لها) الخروج لأجله كجنازة من ذكر، وحضور عرسه، وفي رواية عند الطبراني عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها، وما بها من بأس فيستشرف لها الشيطان، فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبته، وإن المرأة لتلبس ثيابها، فيقال: أين تريدين؟ فتقول: أعود مريضا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها» وإسناد هذه الرواية حسن (^٣)، وعن أبي هريرة ﵁ أنه لما رجع النبي ﷺ من حجة الوداع وكان معه نساؤه قال لهن: «هذه ثم ظهور الحصر» (^٤).
(ولا تحضر) المرأة (من ذلك)؛ أي: مما أبيح لها الخروج إليه (ما فيه نوح نائحة) لحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ «النائحة والمستمعة» (^٥)، والنياحة وهي أمر زائد على البكاء. قال ابن العربي:
_________________
(١) أخرجه مسلم (٦٩٤) (١/ ١٨٣).
(٢) ضعيف أبي داود (٤/ ٤١).
(٣) كما في المجمع (٢/ ١٥٧) (٢١١٨)، وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ..
(٤) أبو داود (١٧٢٢)، وأبو يعلى (٧١٥٤)؛ أي: ألزمن ظهور الحصر جمع حصير فرش من سعف النخيل ونحوه، وفيه كناية عن عدم الخروج من بيوتهن.
(٥) أبو داود (٣١٣٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٤٠١٦) (٣/ ١٠١): رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه الصباح أبو عبد الله ولم أجد من ذكره. أي ألزمن ظهور الحصر جمع حصير فرش من سعف النخيل ونحوه، وفيه كناية عن عدم الخروج من بيوتهن.
[ ٣ / ١٤٥٧ ]
«النوح ما كانت الجاهلية تفعل، كان النساء يقفن متقابلات يصحن، ويحثين التراب على رؤوسهن ويضربن وجوههن» نقله الأبي على مسلم.
وفيها أحاديث كثيرة اقتصر على ذكر أحدها وهي: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة» وقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب»، رواه مسلم والبيهقي من حديث أبي مالك الأشعري ﵁ (^١).
(أو لهو من مزمار أو عود أو شبهه من الملاهي الملهية) فيمتنع حضور شيء من ذلك وقد تقدم الكلام عن الغناء وما يصاحبه من لهو حرام أو مباح، واستثنى المصنف من الآلات ما يجوز استعماله في الأعراس فقال: (إلا الدف) بضم الدال وهو الذي لا جلاجل فيه، فإنه يجوز (في النكاح) لحديث محمد بن حاطب مرفوعا: «فصل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح» (^٢) للنساء في ظاهر قول مالك رحمه الله تعالى قال: «ولا بأس بالدف في العرس، قال أصبغ: وهو الغربال المكشوف من ناحية» (^٣)، (وقد اختلف في الكبر) بفتحتين وهو طبل ذو وجهين (^٤) فأجازه ابن القاسم ومنعه غيره، قال المصنف في كتاب «الجامع»: «وفي الكبر في العرس بعض الرخصة» (^٥).
(ولا يخلو رجل بامرأة) شابة ليست بذي محرم منه لنهيه ﵊، كما في حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما
_________________
(١) مسلم (٣/ ٤٥) (٢١١٦).
(٢) وقال الترمذي: حديث حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع للترمذي. فإن كان في الدف جلاجل فهو المزهر.
(٣) الذخيرة للقرافي (٤/ ٤٠٠)، وانظر: كتاب الجامع لابن أبي زيد القيرواني (٢٨٩)، تحقيق: عبد المجيد تركي، ط: دار الغرب الإسلامي.
(٤) الزاوي الترتيب (٤/ ٧).
(٥) المرجع السابق.
[ ٣ / ١٤٥٨ ]
«الشيطان» (^١)، (ولا بأس أن يراها) بمعنى يجوز للرجل أن يرى ما ليست بذي محرم منه (ل) أجل (عذر من شهادة عليها، أو) لها (ونحو ذلك) كنظر الطبيب (أو إذا خطبها) لنفسه وهذا في غير المتجالة (وأما المتجالة) وهي التي لا أرب للرجال فيها فله أن يرى وجهها على كل حال لعذر وغيره وقد تقدم الكلام على هذا.
(وينهى النساء) نهي تحريم (عن وصل الشعر وعن الوشم) والنمص (^٢)، قال الله تعالى - حكاية عن إبليس - ﴿ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا﴾ [النساء: ١١٩] قال القرطبي ﵀ (^٣) في تفسير هذه الآية: «وقالت طائفة: الإشارة بالتغيير إلى الوشم وما جرى مجراه من التصنع للحسن، قاله ابن مسعود والحسن». اه.
وفي قول القرطبي إشارة إلى قول ابن مسعود ﵁: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله تعالى. ما لي لا ألعن من لعن النبي ﷺ، وهو في كتاب الله ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾ [الحشر: ٧] (^٤). ولحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ: «لعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة» (^٥)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والواشمة والمستوشمة من غير داء» (^٦).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٩) (١٤٧٠٦)، والدارمي (٢٠٩٢)، والنسائي (١/ ١٩٨)، وفي «الكبرى» (٦٧٠٨)، وصححه الألباني (٤٣٠).
(٢) قال الحافظ ابن حجر ﵀: «والمتنمصة التي تطلب النماص، والنامصة التي تفعله، والنماص إزالة شعر الوجه المنقاش، ويسمى المنقاش مناصا لذلك، ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترقيقهما وتسويتهما، قال أبو داود في السنن: النامصة التي تنقص الحاجب حتى ترقه». اه.
(٣) تفسير القرطبي (٥/ ٣٩٢).
(٤) الحديث رواه البخاري.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب: الموصولة (٥/ ٢٢١٨) رقم (٥٥٩٦).
(٦) أبو داود (٤١٧٠)، وصححه الألباني.
[ ٣ / ١٤٥٩ ]
قلت: «ما يجمعه اليوم العاملون في محلات الحلاقة (الكوافيرات) من مال هو سحت حرام كل ما تعلق منه بمنهي شرعي كالنمص، والوصل، والوشر، والوشم وغير ذلك، كحلق لحى الرجال، وقال ذلك غير واحد من أهل العلم، قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى نقلا عن ابن سيرين أنه حينما سأله رجل عن حكم الأكل من المال الذي تحصله الواصلة للشعر» (^١).
(ومن لبس خفا أو نعلا؛ أي: أراد أن يلبسهما بدأ بيمينه) على جهة الاستحباب (وإذا أراد نزعهما بدأ بشماله) على جهة الندب لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا نزع فليبدأ بالشمال، ليكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تنزع» (^٢).
(ولا بأس بالانتعال قائما)؛ أي: كما يجوز جالسا، فلا بأس للجواز المستوي الطرفين، ولأن النهي الوارد عنه محمول على النعل العربي الذي يشق لبسها من قيام وهو حديث جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ: «أن ينتعل الرجل قائما» (^٣)، وقلت لبعض من سألني عن الحكمة من الانتعال جالسا: لعل أن يكون في النعل حشرة تؤذي، والجلوس مدعاة لخص النعل وخروج ما يؤذيه والله أعلم، (ويكره المشي في نعل واحدة) لنهيه ﵊ عن ذلك كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ليحفهما أو لينعلهما جميعا» (^٤). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا انقطع شسع أحدكم»، أو «من انقطع شسع نعله، فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه، ولا يمش في خف واحد، ولا يأكل بشماله، ولا يحتبي بالثوب الواحد، ولا يلتحف الصماء» (^٥)
_________________
(١) فتح البر في الترتيب الفقهي لتمهيد ابن عبد البر (٣/ ١٤٩)، وانظر: رسالتنا «صالونات التجميل بين التحريم والتحليل» فقد فصلت فيها القول فيما يجوز وما لا يجوز للمرأة أن تفعله من التجميل، وقد طبعتها وزارة الأوقاف القطرية (١٤٣١ هـ ٢٠١٠ م).
(٢) أخرجه البخاري (٥٨٥٥).
(٣) أبو داود (٤١٣٧)، وصححه الألباني.
(٤) أخرجه البخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧).
(٥) رواه أبو داود (٤١٣٧).
[ ٣ / ١٤٦٠ ]
(وتكره التماثيل)؛ أي: عملها وهي الصور التي تصنع على هيئة الحيوان (في الأسرة) بكسر المهملة جمع سرير وهو معلوم (و) في (القباب) جمع قبة وهي ما يجعل من الثياب على الهودج مثلا، أو في المرط الذي تلبسه النساء.
(و) تكره في (الخاتم) بكسر التاء وفتحها قال الحافظ: وأما ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه أخرج لهما خاتما فزعم أن رسول الله ﷺ كان يلبسه فيه تمثال أسد، قال معمر: فغسله بعض أصحابنا فشربه، ففيه مع إرساله ضعف، لأن ابن عقيل مختلف في الاحتجاج به إذا انفرد فكيف إذا خالف، وعلى تقدير ثبوته فلعله لبسه مرة قبل النهي (^١).
(وليس الرقم في الثوب من ذلك)؛ أي: من التماثيل المكروهة، لجواز ذلك واستثنائه من النبي ﷺ بقوله كما في حديث أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ قال: إن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه الصورة﴾ قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ: ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول فقال عبيد الله ألم تسمعه حين قال: «إلا رقما في ثوب». قال الحافظ: قال ابن العربي: حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقما فأربعة أقوال الأول: يجوز مطلقا على ظاهر قوله في حديث الباب إلا رقما في ثوب الثاني: المنع مطلقا حتى الرقم الثالث: إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال: وهذا هو الأصح، الرابع: إن كان مما يمتهن جاز وإن كان معلقا لم يجز. اه (^٢).
(وتركه)؛ أي: الرقم في الثوب وفي نسخة وغيره (أحسن) مراعاة لمن يقول بتحريمه. والله أعلم.
_________________
(١) فتح الباري (١٠/ ٣٢٤).
(٢) نقله الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٩١).
[ ٣ / ١٤٦١ ]
باب في الطعام والشراب
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الطعام والشراب:
وإذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول بسم الله.
وتتناول بيمينك.
فإذا فرغت فلتقل الحمد لله.
وحسن أن تلعق يدك قبل مسجها.
ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس.
وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك.
ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى.
ولا تتنفس في الإناء عند شربك ولتبن القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت.
ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا.
وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه.
وتنظف فاك بعد طعامك وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن.
وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام.
ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال وتناول إذا شربت من على يمينك.
وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب.
وعن الشرب في آنية الذهب والفضة.
[ ٣ / ١٤٦٢ ]
ولا بأس بالشرب قائما.
ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل نيئا أن يدخل المسجد.
ويكره أن يأكل متكئا.
ويكره الأكل من رأس الشريد.
ونهي عن القران في التمر وقيل: إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه ولا بأس بذلك مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم.
ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه.
وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر.
وليمضمض فاه من اللبن وكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك.
ولتجب إذا دعيت إلى وليمة المعرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بين.
وأنت في الأكل بالخيار.
وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة رحام الناس فيها).
الشرح
(باب في) بيان (آداب الطعام والشراب)؛ أي: الأكل والشرب والآداب منها سوابق، ومقارنة، ولواحق، فمن الأول قوله: (وإذا أكلت أو شربت)؛ أي: إذا أردتهما (فواجب عليك) وجوب السنن؛ أي: سنة عين (أن تقول: بسم الله) جهرا ولا تزيد الرحمن الرحيم (وتتناوله)؛ أي: تأخذ ما تأكله أو تشربه (بيمينك) على جهة الاستحباب لحديث أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله ﷺ قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ: «يا
[ ٣ / ١٤٦٣ ]
غلام، سم الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد.». (^١)
فإذا نسيت أن تسمي الله في أوله فمتى ذكرت، لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله على طعامه، فليقل بسم الله أوله وآخره» (^٢).
وقوله: (فإذا فرغت) من الأكل أو الشرب (فلتقل الحمد لله) لحديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (^٣). ولحديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» قال الألباني: حسن دون زيادة وما تأخر (^٤).
(وحسن)؛ أي: مستحب (أن تلعق يدك) وفي رواية أصابعك وهي مفسرة للأولى (قبل مسحها) لحديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: «إنكم لا تدرون في أيه البركة» (^٥)، وفي رواية له: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فإنه لا يدري في أي طعامه البركة» (^٦).
(ومن آداب الأكل أن تجعل بطنك ثلثا للطعام، وثلثا للشراب، وثلثا للنفس) ووجه ذلك أنه إذا أكثر من الطعام لم يبق موضع للنفس إلا على وجه
_________________
(١) البخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٥٣١٨).
(٢) أبو داود (٣٧٦٨)، والنسائي في الكبرى (٦٧٢٥)، وفي عمل اليوم والليلة (٢٨٢).
(٣) مسلم (٧٠٣٢).
(٤) أبو داود (٤٠٢٣)، والترمذي (٣٤٥٨)، وابن ماجه (٣٢٨٥)، والدارمي (٢٦٩٠).
(٥) رواه مسلم (٢٠٣٣).
(٦) مسلم (٦/ ١١٤) (٥٣٤٨).
[ ٣ / ١٤٦٤ ]
يضر به. لحديث المقدام بن معد يكرب عن النبي ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» (^١).
(و) من آداب الأكل إذا أكلت مع غيرك ممن ليس من أهلك (أكلت مما يليك) لأمره ﵊ بذلك كما تقدم في الحديث، أما أهلك، وأولادك فجائز أن تأكل مما يليهم، قال المهلب: «وإذا كان الإنسان يأكل أو يشرب وحده أو مع أهله أو مع من يعلم أنه لا يقذر شيئا مما يأكل منه، فلا بأس بالتنفس في الإناء، كما فعل النبي ﷺ مع عمر بن أبي سلمة أمره أن يأكل مما يليه، وكان هو ﵇، يتتبع الدباء في الصحفة، علما منه أنه لا يقذر منه شيء ﵇» (^٢).
(و) من آدابه أيضا أنك لا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى بالبلع لئلا تنسب إلى الشره؛ أي: الحرص على الأكل، ولئلا تشرق فيحصل لك الخجل. ومن الآداب أيضا أن تأكل كما يأكلون من تصغير اللقمة والترسل في الأكل، وإن خالف ذلك عادتك.
(و) من آداب الشرب أنك (لا تتنفس في الإناء عند شربك) لنهيه ﵊ عن ذلك كما في حديث أنس ﵁ «أن رسول الله ﷺ كان يتنفس في الإناء ثلاثا»، وحديث أبي قتادة عن أبيه: «أن النبي ﷺ نهى أن يتنفس في الإناء، …» (^٣). ويؤخذ من قوله: (ولتبن القدح عن فيك، ثم تعاوده إن شئت) جواز الشرب من نفس واحد، وهو قول لمالك (^٤)؛ وقيل: يكره لما ثبت عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثا،
_________________
(١) الترمذي (٢٣٨٠)، قال الألباني: «صحيح». انظر حديث رقم (٥٦٧٤) في صحيح الجامع.
(٢) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٧٩).
(٣) مسلم (٢٦٧)، وأبو داود (٣٧٢٨)، والترمذي وصححه (١٨٨٨).
(٤) البيان والتحصيل (١٧/ ٢٦٧).
[ ٣ / ١٤٦٥ ]
ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، قال أنس: «فأنا أتنفس في الشراب ثلاثا» (^١)، وعن أبي المثنى الجهني، أنه قال: كنت عند مروان بن الحكم، فدخل عليه أبو سعيد الخدري، فقال له مروان بن الحكم: أسمعت من رسول الله ﷺ أنه نهى عن النفخ في الشراب؟ فقال له أبو سعيد: نعم، فقال له رجل: يا رسول الله، إني لا أروى من نفس واحد، فقال له رسول الله ﷺ: «فأبن القدح عن فيك، ثم تنفس»، قال: فإني أرى القذاة فيه، قال: «فأهرقها» (^٢)، (ولا تعب الماء عبا) قال في «المصباح»: عب الرجل الماء عبا من باب قتل شربه من غير تنفس، وعب الحمام شرب من غير مص، كما تشرب الدواب، وأما باقي الطيور فإنه يحسوه جرعة بعد جرعة. انتهى.
(ولتمصه مصا) بفتح الميم في ولتمصه مضارع مصص بالكسر، والمص بلع الماء برفق شيئا بعد شيء، لحديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شرب أحدكم فليمص مصا، ولا يعب عبا، فإن الكباد من العب» (^٣)، وعن عطاء بن أبي رباح مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «إذا شربتم فاشربوا مصا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا» (^٤).
(وتلوك)؛ أي: تمضغ (طعامك وتنعمه مضغا)؛ أي: تبالغ في مضغه (قبل بلعه) لأن ذلك أبلغ في اللذة وأسهل على المعدة. (وتنظف فاك بعد) الفراغ من (طعامك) بالمضمضة والسواك لدفع ما يتقى من تغير طعم الفم.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٠٢٨)، وأمرأ معناها: من قولهم: مرأني الطعام وأمر أني إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عنها طيبا. النهاية في غريب الحديث.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٥٧٦)، والترمذي (١٨٨٧).
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٥٠٥٥)، والشعب (٦٠١٢)، وعبد الرزاق في المصنف (١٩٥٩٤)، وانظر: كنز العمال (٤١٠٧٥)، وضعفه الألباني (٢٥٧١) كما في الضعيفة. والكباد - بضم الكاف وتخفيف الباء هو: وجع الكبد
(٤) أبو داود في المراسيل، وضعفه الألباني (٩٤٠) في الضعيفة وقال: لعله يقوي أحدهما الآخر.
[ ٣ / ١٤٦٦ ]
لحث النبي ﷺ على ذلك بالسواك كما صح عنه من طريق التواتر كما قدمناه ولأن النبي ﷺ شرب لبنا فتمضمض وقال: «إن له دسما» من حديث ابن عباس ﵄ (^١).
(وإن غسلت يدك) بعد المسح الواقع بعد اللعق (من الغمر) بفتح الغين المعجمة وفتح الميم الودك وهو دسم اللحم والشحم (و) من (اللبن فحسن)؛ أي: مستحب لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من نام وفي يده غمر، ولم يغسله، فأصابه شيء، فلا يلومن إلا نفسه» (^٢).
(وتخلل)؛ أي: تزيل (ما تعلق بأسنانك)؛ أي: تداخل بينها (من الطعام) لأمره ﵊ بذلك كما في حديث أبي أيوب ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «حبذا المتخللون»، قالوا: وما المتخللون يا رسول الله؟ قال: «المتخللون بالوضوء، والمتخللون من الطعام، أما تخليل الوضوء: فالمضمضة، والاستنشاق، وبين الأصابع، وأما تخليل الطعام: فمن الطعام، إنه ليس شيء أشد على الملكين من أن يريا بين أسنان صاحبهما شيئا وهو قائم يصلي» وفي رواية مختصرا بلفظ: «حبذا المتخللون في الوضوء والطعام» (^٣).
(ونهى الرسول ﵊ عن الأكل والشرب بالشمال) فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله. فعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يأكلن أحد منكم بشماله، ولا يشربن بها، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بها»، قال: وكان نافع يزيد فيها: «ولا يأخذ بها، ولا يعطي بها» (^٤)،
_________________
(١) البخاري (١/ ٦٣) (٢١١)، ومسلم (١/ ١٨٨) (٧٢٥).
(٢) أحمد (٢/ ٢٦٣) (٧٥٥٩)، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٢٢٠)، وأبو داود (٣٨٥٢)، والترمذي (١٨٦٠)، وابن ماجه (٣٢٩٧).
(٣) كما في المجمع (١/ ٥٣٩) (١١٩٨)، وقال: رواه أحمد (٥/ ٤١٦) (٢٣٩٢٤)، والطبراني في الكبير. وفي إسنادهما واصل الرقاشي وهو ضعيف. وأخرجه عبد بن حميد (٢١٧).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٦٧١)، ومسلم (٦/ ١٠٩) (٥٣١٣).
[ ٣ / ١٤٦٧ ]
قال النووي: «فيه استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما بالشمال وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء وهذا إذا لم يكن عذر فإن كان عذر يمنع الأكل والشرب باليمين من مرض أو جراحة أو غير ذلك فلا كراهة في الشمال، وفيه أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين وأن للشياطين يدين» (^١).
(و) من آداب الشرب إذا كنت بحضرة جماعة أنك تناول إذا شربت من على يمينك أولا لما في حديث أنس ﵁ قال: حلبت لرسول الله ﷺ شاة داجن وشيب (أي: خلط) لبنها بماء من البئر التي في دار أنس فأعطي رسول الله ﷺ القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر وعن يمينه أعرابي فقال عمر: أعط أبا بكر يا رسول الله، فأعطى الأعرابي الذي عن يمينه ثم قال: «الأيمن فالأيمن» وفي رواية: «الأيمنون الأيمنون ألا فيمنوا» (^٢).
(وينهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب) الظاهر أن المراد مطلق الكتاب فقها أو حديثا وهو في الأولين لما يتقى من القذر لنهيه ﷺ عن ذلك فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ «نهى عن النفخ في الطعام والشراب» (^٣). والنهي عن النفخ في الكتاب لحرمته، قال الغماري: إجلالا له خشية أن يخرج مع النفخ ريق فيمحي، قال يوسف بن عمر: وهذا مما انفرد به المؤلف وتعقبه بعض الشراح بأن البزار خرج حديث النهي عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب … إلى أن قال … والذي سلك التحقيق في المسألة ابن ناجي: فقال: وفي البزار أن النبي ﷺ نهى عن النفخ في الطعام والشراب، وأما الكتاب فإجلالا له وخيفة أن يخرج الريق فيمحي. اه.
فظن أيضا أن البزار لم يخرج حديثا في النهي عنهما معا والأمر خلاف ذلك كله فالبزار خرج حديثا في النهي عن النفخ في الطعام والشراب
_________________
(١) شرح مسلم للنووي (١٣/ ١٩١ - ١٩٢).
(٢) مالك كما في شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٧٣)، والبخاري (٢٥٧١)، ومسلم (٥٣٣٩).
(٣) قال الألباني: «صحيح». انظر: حديث رقم (٦٩١٣) في صحيح الجامع.
[ ٣ / ١٤٦٨ ]
ولا ذكر للنهي عن النفخ في الكتاب لا في حديثه كما سبق ولا في حديث غيره على ما أعلم وكأن المصنف فهم ذلك من حديث الترمذي عن جابر مرفوعا إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه أنجح للحاجة فعلق النجاح بالتتريب فدل على كراهية النفخ أو لأن الأمر بالتتريب مع تعذره في كثير من الأحيان وسهولة النفخ يدل على ذلك فإن كان هذا مأخذ المصنف فحديث التتريب منكر ساقط بل حكم بوضعه بعض الحفاظ والله أعلم، قلت: وهو تقويل لما لم يقله (^١).
(و) كذلك نهى نهي تحريم (عن الشرب في آنية الذهب والفضة) لقوله ﷺ كما في «الصحيحين»: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» (^٢) لهم؛ أي: الكفار، أو المترفين والمتكبرين، وعن أم سلمة ﵂ قالت: قال ﵊: «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه نارا من جهنم» (^٣)، زاد الطبراني: «إلا أن يتوب» (^٤). ويدخل في هذا أيضا كل ما يستعمل في الأكل والاستعمال من شوك أو سكاكين أو ملاعق وأقلام وساعات رجالية وأزرار ومشابيك (المساك) وغير ذلك مما هو منتشر بين الشباب اليوم.
(ولا بأس بالشرب قائما) لما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه ﷺ: «كان يشرب قائما وقاعدا» (^٥)، ولحديث ابن عباس ﵄ قال:
_________________
(١) مسالك الدلالة للغماري (٤٥٦).
(٢) رواه البخاري (٥٣١١)، ومسلم (٢٠٦٥).
(٣) مسلم (٥٥٠٩)، ومالك في الموطأ (١٦٤٩)، والبخاري (٥٣١١)، و(يجرجر) يلقيها في بطنه بجرع متتابعة تسمع لها جرجرة وهي صوت يردده البعير في حنجرته إذا هاج، نحو صوت اللجام في فك الفرس، وابن ماجه من حديث عائشة ﵂ (٣٤١٥) في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات.
(٤) الطبراني في المعجم الكبير (٩٢٨).
(٥) الترمذي (١٨٨٣) وقال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (١٣٦٩).
[ ٣ / ١٤٦٩ ]
«سقيت رسول الله ﷺ من زمزم فشرب وهو قائم» (^١) .. ثم قال: إن ناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله ﷺ صنع مثل ما صنعت؛ وذكر مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان ﵃ كانوا يشربون قياما (^٢)، وعليه جماعة الفقهاء، وقوله: لا بأس إشارة إلى الجواز المستوي الطرفين. قال في «المفهم»: لم يذهب أحد إلى أن النهي فيه للتحريم ولا التفات لابن حزم، وإنما حمل على الكراهة والجمهور على عدمها فمن السلف الخلفاء الأربعة ثم مالك تمسكا بشربه من زمزم قائما وكأنهم رأوه متأخرا عن النهي فإنه في حجة الوداع فهو ناسخ وحقق ذلك فعل خلفائه، بخلاف النهي ويبعد خفاؤه عليهم مع شدة ملازمتهم له، وتشديدهم في الدين، وهذا وإن لم يصلح دليلا للنسخ يصلح لترجيح أحد الحديثين. انتهى (^٣).
(ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أو البصل نيئا) بكسر النون والمد والهمز، ويروى بتشديد الياء (أن يدخل المسجد) [ال] فيه للجنس من حيث وجوده في جميع أفراده، وسواء كان مسجد جمعة أم لا؛ أي: يكره له ذلك، كما في سماع ابن القاسم من مالك، إلا أن غير واحد رجح الحرمة (^٤). وحمل ابن عمر كلام المصنف عليه لحديث جابر أن رسول الله ﷺ قال: «من أكل من هذه البقلة - الثوم - وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (^٥)، وهو في «صحيح البخاري» بلفظ: «من أكل ثوما أو بصلا، فليعتزلنا - أو قال: فليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته» (^٦).
قلت: وأشد منهما أذى ونتنا ما ابتلي به كثير من أهل الإسلام من شرب
_________________
(١) البخاري (١٥٥٦)، ومسلم (٢٠٢٧).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٧٢).
(٣) المفهم للقرطبي (٥/ ٢٨٥).
(٤) انظر: البيان والتحصيل (١٨/ ٦٠).
(٥) مسلم (١٢٨٠).
(٦) البخاري (٨١٨، و٥١٣٦).
[ ٣ / ١٤٧٠ ]
السجائر المحرمة شرعا، والمستقبحة عقلا وطبعا، ولكن النفوس إذا فسدت استحلت ما ترعى فيه من الخبائث، والسجائر محرمة بإجماع الأطباء وهم أهل الاختصاص في تحديد ضرر وخطورة الأشياء، فلذلك قرر الفقهاء المعاصرون بتحريمه.
(ويكره أن يأكل متكئا) وصفة الاتكاء أن يميل على مرفقه الأيسر؛ أي: بأن يبسط الفخذ اليسرى ويركز فيها المرفق اليسرى، ويعتمد عليها والفخذ اليمنى قائمة، وفسر الاتكاء بالتربع، وفسر بالاتكاء على الشيء (^١)، فعن شعيب بن عبد الله بن عمرو عن أبيه ﵁ «ما رئي رسول الله ﷺ يأكل متكئا قط، ولا يطأ عقبه رجلان» (^٢)، وحديث [ابن] أبي إهاب قال: قال رسول الله ﷺ أو قال: «نهانا رسول الله ﷺ أن نأكل متكئين» (^٣)، وفي حديث أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا آكل متكئا» (^٤).
ويكره الأكل منبطحا لما في حديث ابن عمر ﵄: «أنه ﷺ نهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه» (^٥).
(ويكره الأكل من رأس الثريد) بفتح المثلثة وكسر الراء معروف وهو أن يشرد الخبز بمرق اللحم، وقد يكون معه اللحم، ومن أمثالهم الشريد أحد اللحمين (^٦)، والأكل من رأسه لما صح أن رسول الله ﷺ أتي بقصعة فقال رسول الله ﷺ: «كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها» (^٧). ونهى عن
_________________
(١) انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم (٤/ ٢٠٢).
(٢) أبو داود (٣٧٧٠) قال الشيخ الألباني: صحيح.
(٣) أخرجه البزار ورجاله ثقات إلا محمد بن عبيد الله بن أبي مليكة فإنه غير معروف، كما في مجمع الزوائد (٥/ ٢٢) (٧٩١٩).
(٤) البخاري (٥٠٨٤ - ٥٠٨٣).
(٥) رواه أبو داود (٣٧٧٤)، وابن ماجه (٣٣٧٠)، وحسنه الألباني.
(٦) الفتح (٩/ ٥٥١) باب الثريد.
(٧) أخرجه أبو داود (٣٧٧٣)، وابن ماجه (٣٢٦٣ و٣٢٧٥)، وقال الألباني: صحيح من حديث عبد الله بن بسر ﵁.
[ ٣ / ١٤٧١ ]
(القران في التمر)؛ أي: الازدواج؛ أي: بأن يجمع بين التمرتين في المرة الواحدة، لحديث جبلة بن سحيم قال: كان ابن الزبير يرزقنا التمر - قال - وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد، وكنا نأكل فيمر علينا ابن عمر ونحن نأكل فيقول: لا تقارنوا فإن رسول الله ﷺ نهى عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل أخاه، قال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلمة ابن عمر - يعني: الاستنذان (^١)، (وقيل: إن ذلك) النهي عن القرآن في التمر إنما هو (مع الأصحاب الشركاء فيه) وعليه فإن النهي نهي كراهة إن عللنا بسوء الأدب، وإن عللنا بالاستبداد وكان القوم شركاء كان النهي نهي تحريم.
(ولا بأس بذلك مع أهلك) لأنه يجوز لك أن تستبد بشيء دونهم (أو مع قوم تكون أنت أطعمتهم وهذا على التعليل بالاستبداد، وأما على التعليل بسوء الأدب فالعلة موجودة، والكراهة باقية. ولا بأس في التمر وشبهه) كالزبيب وأنواع الفاكهة (أن تجول بيدك في الإناء الذي يكون فيه المأكول؛ أي: ترسلها يمينا وشمالا لتأكل ما؛ أي: الذي تريد منه) وذلك لعدم تساويها في الطعم وقد وردت السنة بذلك، لحديث عكراش بن ذؤيب ﵁ قال: أتي النبي ﷺ بجفنة كثيرة الثريد والودك، فأقبلنا نأكل منها، فخبطت يدي في نواحيها، فقال: «يا عكراس كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد» ثم أتينا بطبق فيه ألوان من الرطب، فجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، وقال: «يا عكراس كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد» (^٢)، وكان الأنسب ذكر هذه المسألة عقب قوله فيما سبق: «وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك».
• حكم غسل اليدين قبل وبعد الطعام:
(وليس غسل اليد قبل أكل الطعام) من السنة لحديث ابن عباس ﵄.
_________________
(١) مسلم (٥٤٥٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٢٧٤)، والترمذي (١٨٤٨)، وابن خزيمة (٢٢٨٢)، وقال الألباني: ضعيف كما في الضعيفة (٥٠٩٩).
[ ٣ / ١٤٧٢ ]
أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء فقرب إليه طعام فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة» (^١)، وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: كان سفيان الثوري يكره غسل اليد قبل الطعام (^٢). (إلا أن يكون بها)؛ أي: اليد (أذى)؛ أي: قذر فيجب غسلها إكراما للطعام. وفي قوله: (وليغسل يده وفاه بعد الطعام من الغمر) تكرار بالنسبة لليد مع قوله: وإن غسلت يدك من الغمر إلخ، لأنه لا فرق بين قوله: فحسن، وقوله: وليغسل.
(وليمضمض فاه من اللبن) ظاهره مطلق اللبن. لأمره ﷺ بذلك فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «مضمضوا من اللبن؛ فإن له دسما» (^٣)، وقال يوسف بن عمر: إنه خاص بالحليب لأن له دسما ويقويه الحديث، قلت: والحليب يطلق عليه لبن وهو واضح من الحديث.
(وكره غسل اليد ب) شيء من (الطعام) كدقيق الحنطة (أو بشيء) من دقيق (القطاني) من عطف الخاص على العام وأفردها بالذكر، لأن دقيقها لا يؤكل إلا في المسغبة فربما يتوهم خفة الأمر في دقيقها وأنه لا حذر فيه، (وكذلك بالنخالة) وهي ما يتخلص بالغربال من قشور الحنطة، (وقد اختلف في ذلك)؛ أي: في غسل اليد بجميع ما تقدم بالجواز والكراهة. قال المصنف في كتاب «الجامع»: «قيل؛ أي: لمالك: أيغسل يده بالدقيق؟ قال: غيره أحب إلي منه! ولو فعل لم أر به بأسا، وقد تمندل عمر ﵁ بباطن قدمه»، وروى ابن وهب في الجلبان والفول وشبه ذلك أنه لا بأس أن يتوضأ به ويتدلك به في الحمام، وقد يدهن جسده بالسمن والزيت من الشقاق، وفي رواية أشهب: وسئل عن الوضوء بالدقيق والنخالة والفول، قال: لا علم لي به! (^٤) وهذا
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٨٢/ ١ - ٢٥٤٩)، وأبو داود (٣٧٦٠)، والترمذي (١٨٤٧)، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وفي «الشمائل» (١٨٥)، والنسائي (١/ ٨٥).
(٢) سنن الترمذي عند حديث (١٨٤٧).
(٣) رواه ابن ماجه (٤٩٨)، وسنده صحيح.
(٤) كتاب الجامع (٢٥٠)، وانظر مزيدا من التفصيل في كتاب البيان والتحصيل لابن رشد (١/ ٨٥، ١٧٣).
[ ٣ / ١٤٧٣ ]
آخر الكلام على ما ترجم له ثم انتقل يتكلم على ما تبرع به فقال:
• حكم الاستجابة إلى طعام الوليمة:
(ولتجب) بضم التاء وكسر الجيم قيل وجوبا وقيل استحبابا (إذا دعيت إلى وليمة المعرس) فوجوب الإجابة مشروط بالدعوة وبتعيين المدعو، لحديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها»، وفي رواية: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها» (^١)، وفي رواية قال رسول الله ﷺ: «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا» (^٢)، ويزاد على هذين ما أشار إليه الشيخ بقوله: (إن لم يكن هناك لهو مشهور)؛ أي: ممنوع مثل آلات الطرب الممنوعة (ولا منكر بين)؛ أي: ممنوع مثل اجتماع الرجال والنساء وفرش الحرير، والمعازف والموسيقى، وإلا فلا يجوز حضور الدعوة إذا اشتملت على معصية، إلا إذا حضر غير المنكر وأزاله، أو كان يظن بسبب وجوده يزول المنكر فإن أزيل وإلا وجب الرجوع، وفي ذلك أحاديث منها عن علي ﵁ قال: صنعت طعاما، فدعوت رسول الله ﷺ: «فجاء فرأى في البيت، تصاوير، فرجع» [قال: فقلت: يا رسول الله ما أرجعك بأبي أنت وأمي؟ قال: إن في البيت سترا فيه تصاوير، وإن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير] (^٣)، وقال الإمام الأوزاعي: «لا ندخل وليمة فيها طبل ولا معزاف» (^٤). (و) إن حضرت ف (أنت في الأكل بالخيار)؛ أي: إن شئت أكلت وإن شئت لم تأكل لحديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا دعي أحدكم إلى طعام، فليجب، فإن شاء طعم، وإن شاء ترك»، ولم يذكر
_________________
(١) البخاري (٥١٧٩)، ومسلم (٣٥٨٩).
(٢) أبو داود (٣٧٤١) وقال: فيه أبان بن طارق مجهول، قال الشيخ الألباني: ضعيف.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٣٥٩)، والنسائي (٨/ ٢١٣)، وفي «الكبرى»، وأبو يعلى في «مسنده» والزيادة له، قال الألباني في آداب الزفاف وسنده صحيح.
(٤) رواه أبو الحسن الحربي في «الفوائد المنتقاة» (٤/ ٣/ ١) بسند صحيح عنه.
[ ٣ / ١٤٧٤ ]
ابن المثنى: «إلى طعام» (^١).
(وقد أرخص مالك في التخلف عن الإجابة لوليمة العرس لكثرة زحام الناس فيها) لأن في حضورها حينئذ مشقة، خصوصا لأهل الفضل والصلاح، ويستحب لمن حضر الدعوة: أن يدعو لصاحبها بعد الفراغ بما جاء عنه ﷺ إما بما جاء عن عبد الله بن بسر أن أباه صنع للنبي ﷺ طعاما، فدعاه، فأجابه، فلما فرغ من طعامه قال: «اللهم اغفر لهم، وارحمهم، وبارك لهم فيما رزقتهم» (^٢)، أو: «أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة» (^٣).
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٥٣) (٣٥٠٧).
(٢) مسلم (٥٤٤٩). والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٩٤).
(٣) أبو داود (٣٨٥٤)، وابن ماجه (١٧٤٧)، وصححه الألباني في تخريج الكلم (ص ١٠٣).
[ ٣ / ١٤٧٥ ]
باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة
والدعاء وذكر الله والقول في السفر
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في السلام والاستغذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر).
ورد السلام واجب.
والابتداء به سنة مرغب فيها.
والسلام أن يقول الرجل: السلام عليكم ويقول الراد: وعليكم السلام أو يقول: سلام عليكم كما قيل له.
وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة أن تقول في ردك: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ولا تقل في ربك: سلام الله عليك.
وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم، وكذلك إن رد واحد منهم.
وليسلم الراكب على الماشي، والماشي على الجالس.
والمصافحة حسنة.
وكره مالك المعانقة، وأجازها ابن عيينة.
وكره مالك تقبيل اليد، وأنكر ما روي فيه.
ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام، فمن سلم على ذمي فلا يستقيله، وإن سلم عليه اليهودي أو النصراني فليقل: عليك، ومن قال: عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك.
والاستندان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا، فإن أذن لك وإلا رجعت.
[ ٣ / ١٤٧٦ ]
ويرغب في عيادة المرضى.
ولا يتناجى اثنان دون واحد وكذلك جماعة إذا أبقوا واحدا منهم وقد قيل: لا ينبغي ذلك إلا بإذنه، وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا.
قال معاذ بن جبل: ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله، وقال عمر: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه.
ومن دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى: «اللهم بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت» ويقول في الصباح: «وإليك النشور» وفي المساء: «وإليك المصير» وروي مع ذلك «اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو ذنب تغفره أو شدة تدفعها أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها برحمتك إنك على كل شيء قدير.
ومن دعائه ﵇ عند النوم أنه كان يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن واليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: «اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك اللهم إني أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك رهبة منك ورغبة إليك لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك أستغفرك وأتوب إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت رب قني عذابك يوم تبعث عبادك».
ومما روي في الدعاء عند الخروج من المنزل: «اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي».
وروي في دبر كل صلاة أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».
[ ٣ / ١٤٧٧ ]
وعند الخلاء تقول: «الحمد لله الذي رزقني لذته وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته».
وتتعوذ من كل شيء تخافه وعندما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه تقول: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، ومن التعوذ أن تقول: «أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فتنة الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن»، ويقال في ذلك أيضا: «ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم».
ويستحب لمن دخل منزله أن يقول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله».
ويكره العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم فيه أظفاره وإن [قص أو قلم] (^١) أخذه في ثوبه.
ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا.
وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية.
ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر ويقرأ الراكب والمضطجع والماشي من قرية إلى قرية ويكره ذلك للماشي إلى السوق وقد قيل: إن ذلك للمتعلم واسع.
ومن قرأ القرآن في سبع فذلك حسن والتفهم مع قلة القراءة أفضل وروي أن النبي ﵇ لم يقرأه في أقل من ثلاث.
ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه: «بسم الله اللهم أنت
_________________
(١) ما بين المعقوفتين من نسخة الحلبي.
[ ٣ / ١٤٧٨ ]
الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكابة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال، ويقول الراكب إذا استوى على الدابة ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣/ ١٤].
وتكره التجارة إلى أرض العدو وبلد السودان.
وقال النبي ﵇: «السفر قطعة من العذاب».
ولا ينبغي أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك، في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها).
الشرح
أي: هذا (باب في) بيان (السلام) من حيث الحكم والصفة (و) في بيان (الاستئذان) حكما وصفة (و) حكم (التناجي و) في بيان (القراءة)؛ أي: بيان ما يتعلق به من طلب أو ترك أو قدر (و) في (الدعاء)؛ أي: ما يتعلق به من كونه كذا وكذا. وفي موضع كذا (وذكر الله) ﷾، أي: وفي حكم ذكر الله تعالى (والقول في السفر)؛ أي: ما يقوله إذا أراد سفرا، وعكس في الباب، فقدم الذكر على القراءة والدعاء، وقدم الدعاء على القراءة، وهذا الصنع جائز جاء مثله في القرآن قال الله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وبدأ بحكم رد السلام فقال: (ورد السلام واجب) وجوب الكفاية على المشهور لقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بنحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦]، (والابتداء به سنة) كفاية على المشهور (مرغب فيها) أشار به إلى أنه سنة مؤكدة قال الله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مبركة طيبة﴾ [النور: ٦١] وعن أبي يوسف عبد الله بن سلام ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا
[ ٣ / ١٤٧٩ ]
والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام) (^١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (^٢).
(والسلام)؛ أي: حقيقته (أن يقول الرجل: السلام عليكم) بصيغة الجمع كان المسلم عليه واحدا أو أكثر، لأن الواحد كالجماعة من حيث وجود الحفظة معه فعن عمران بن الحصين ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد ﵇، ثم جلس، فقال النبي ﷺ: «عشر» ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال: «عشرون» ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: «ثلاثون» (^٣). (ويقول الراد وعليكم السلام) بواو التشريك وتقديم الجار والمجرور (أو يقول: سلام عليكم) بتقديم السلام منكرا بغير واو وتأخير الجار والمجرور (كما قيل له) ظاهره تساويهما. والأحسن ما ذهب إليه ابن رشد فإنه قال: الاختيار أن يقول المبتدئ: السلام عليكم، ويقول الراد: وعليكم السلام. فعن أنس أو غيره أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة، فقال: «السلام عليكم ورحمة الله» فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ، حتى سلم ثلاثا، ورد عليه سعد ثلاثا، ولم يسمعه، فرجع، واتبعه سعد، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت، ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك، ولم أسمعك، أحببت أن أستكثر من سلامك، ومن البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيبا، فأكل منه نبي الله ﷺ، فلما فرغ قال: «أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة،
_________________
(١) الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤).
(٢) مسلم (١٠٤) وفي (١٠٥)، وأبو داود (٥١٩٣).
(٣) البخاري في الأدب المفرد (٩٨٦)، وأبو داود (٥٢٠٨)، والترمذي (٢٧٠٦).
[ ٣ / ١٤٨٠ ]
وأفطر عندكم الصائمون) (^١).
وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة لحديث سلمان ﵁ قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله فقال: «وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته …» (^٢).
وروى مالك في «الموطأ» عن ابن عباس ﵄ قال: «انتهى السلام إلى البركة» (^٣)، وليس إذا زاد على ذلك غلو وبدعة كما قال الأزهري وغيره، فقد ثبت أن النبي ﷺ أقر أصحابه ﵃ على زيادة «ومغفرته» ولعلها لم تصح عند إمامنا مالك رحمه الله تعالى، فقال من قال: «كنا إذا سلم النبي ﷺ علينا قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته» (^٤). وإذا كان كذلك فيلزمك إذا سلم عليك إنسان وانتهى في سلامه إلى البركة (أن تقول في ردك) عليه: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)، ولا تقل في تحيتك عليك السلام لحديث أبي جري الهجيمي هـ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السلام يا رسول الله، فقال: «لا تقل عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الموتى» (^٥).
(ولا تقل في ردك) على من سلم عليك (سلام الله عليك) لأنه لم يرد به خبر عن النبي ﷺ ولا هو مأثور عن السلف الصالح. وإنما أثر في الرد ما تقدم وكذلك أثر في الرد على سلام الغائب وعليه السلام لحديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام»، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى، تريد النبي ﷺ (^٦)
_________________
(١) تقدم تخريجه. وانظر: مشكاة المصابيح (٤٢٤٩)، حديث صحيح قاله الألباني.
(٢) رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، وفيه هشام بن لاحق تركه أحمد وقواه النسائي انظر: الدر المنثور للسيوطي (٢/ ٦٠٥).
(٣) الموطأ (١٧٢٢).
(٤) رواه أبو داود (٥١٩٦)، وانظر: تصحيح الألباني له في السلسلة الصحيحة رقم (٣/ ٤٣٣) (١٤٤٩).
(٥) رواه أبو داود (٥٢١١)، والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(٦) البخاري (٣٥٥٧)، ومسلم (٢٤٤٧).
[ ٣ / ١٤٨١ ]
(وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم)؛ لأنه من سنن الكفاية (وكذلك إن رد واحد منهم)؛ أي: من الجماعة المسلم عليهم أجزأ عن جماعتهم، لأن ذلك من فروض الكفاية.
(وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس)؛ لأمره ﵊ بذلك. كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال: «يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» (^١)، وفي رواية البخاري: والصغير على الكبير.
(والمصافحة حسنة)؛ أي: مستحبة على المشهور، قال ابن رشد: والمشهور عن مالك إجازة المصافحة واستحبابها فهو الذي يدل عليه مذهبه في «الموطأ» بإدخاله فيه عن عطاء بن عبد الله الخراساني قال: قال رسول الله ﷺ: «تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا، وتذهب الشحناء» (^٢)، والآثار فيها كثيرة (^٣)؛ ومنها حديث أبي الخطاب قتادة قال: قلت لأنس: «أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله ﷺ؟ قال: نعم» (^٤).
(وكره) إمامنا (مالك) رحمه الله تعالى (المعانقة) وهي أن يجعل الرجل عنقه على عنق صاحبه لحديث أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: «لا»، قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: «لا»، قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: «نعم» (^٥). (وأجازها) سفيان (بن عيينة) وهو من كبار أهل العلم والفضل قال المصنف في «الجامع»: «وروي عنه في المصافحة … أنه صافح سفيان بن عيينة وقال له: لولا أنها
_________________
(١) البخاري (٦٢٣٢)، ومسلم (٥٦٩٧).
(٢) الموطأ (٦٩٤).
(٣) انظر: البيان والتحصيل لابن رشد (١٨/ ٢٠٦).
(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٧٣) (٦٢٦٣)، والترمذي (٢٧٢٩).
(٥) أخرجه أحمد (٣/ ١٩٨) (١٣٠٧٥)، والترمذي (٢٧٢٨)، وقال: حديث حسن، وابن ماجه (٣٧٠٢).
[ ٣ / ١٤٨٢ ]
بدعة لعانقتك، فاحتج عليه سفيان بمعانقة النبي ﷺ لجعفر حين قدم من أرض الحبشة فقال مالك: كان ذلك خاصا بجعفر ورآه سفيان عاما. وأجازه مالك في رسالته لهارون الرشيد أن يعانق قريبه يقدم من سفره، وقيل: إن هذه الرسالة لم تثبت لمالك (^١). وحديث عائشة ﵂ قالت: «قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله ﷺ في بيتي فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عريانا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله» (^٢).
• فهذا يدل على جوازها للقادم على الأقل:
قال القرافي: قال مالك: وأما القبلة في الفم من الرجل للرجل فلا رخصة فيها بوجه قلت؛ أي: القرافي: بلغني عن بعض العلماء أنهم كانوا يتحاشون تقبيل أولادهم في أفواههم ويقبلونهم في أعناقهم ورؤوسهم محتجين بأن الله - تعالى - حرم الاستمتاع بالمحارم، والاستمتاع هو أن يجد لذة بالقبلة فمن كان يجد لذة بها امتنع ذلك في حقه ومن كان يستوي عنده الخد والفم والرأس والعنق وجميع الجسد عنده سواء.
(وكره مالك) ﵀ (تقبيل اليد)؛ أي: يد الغير سواء كان الغير عالما أو سيدا أو أبا، وهو ظاهر نص أهل المذهب، وقد اختلف العلماء في ذلك لورود أحاديث تدل على جواز تقبيل أهل الفضل لا سيما الأنبياء والعلماء والوالدين كما نص على ذلك بعض أهل العلم منها عن ابن عمر ﵄ قصة قال فيها: «فدنونا من النبي ﷺ فقبلنا يده» (^٣).
_________________
(١) الجامع لابن أبي زيد القيرواني (٢٢٥)، وانظر: قصة مالك مع سفيان كاملة في البيان والتحصيل لابن رشد (١٨/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٢) رواه الترمذي وقال: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الزهري إلا من هذا الوجه».
(٣) أخرجه الحميدي (٦٨٧) قال: حدثنا سفيان، وأحمد (٢/ ٢٣) (٤٧٥٠)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٢)، وأبو داود (٢٦٤٧)، و(٥٢٢٣)، والترمذي (١٧١٦) وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد وابن ماجه (٣٧٠٤).
[ ٣ / ١٤٨٣ ]
(وأنكر) مالك ﵀ (ما روي فيه) من الأحاديث التي منها أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﷺ ابتدروا يديه ورجليه وهو صحيح (^١). ومنها تقبيل سعد بن مالك يده ﷺ.
والذي يظهر والله أعلم جواز تقبيل يد العالم والوالدين والسلطان ما لم يخش عليه فتنة وغرور، وقد جمع بعض أهل العلم الآثار الواردة في ذلك في جزء مفرد قال ابن حجر (^٢): «وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقرئ جزءا في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثارا، فمن جيدها حديث الزارع العبدي، وكان في وفد عبد القيس قال: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي ورجله» (^٣)، ومن حديث مزيدة العصري مثله، ومن حديث أسامة بن شريك قال: «قمنا إلى النبي فقبلنا يده» وسنده قوي، ومن حديث جابر أن عمر قام إلى النبي فقبل يده، ومن حديث بريدة في قصة الأعرابي والشجرة فقال: يا رسول الله ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له، وأخرج البخاري في «الأدب المفرد» من رواية عبد الرحمن بن رزين قال: أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفا له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها، وعن ثابت أنه قبل يد أنس، وأخرج أيضا أن عليا قبل يد العباس ورجله، وأخرجه ابن المقرئ، وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي قال لابن أبي أوفى: قلت: «ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله فناولنيها فقبلتها».
أما ما ورد من نهي النبي الرجل عن تقبيل يده، وقوله له: «هذا إنما يفعله الأعاجم بملوكها إنما أنا رجل منكم» فهذا حديث قد رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب وأبو يعلى في «مسنده» كلهم من طريق يوسف بن زياد الواسطي عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي عن الأغر أبي مسلم
_________________
(١) أبو داود (٥٢٢٧)، وجود الحافظ ابن حجر إسناده في فتح الباري (١١/ ٥٧)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود وقال: حسن، دون ذكر الرجلين. والحديث بوب عليه أبو داود بقوله: باب في قبلة الرجل.
(٢) فتح الباري (١١/ ٥٧).
(٣) تقدم تقريبا.
[ ٣ / ١٤٨٤ ]
عن أبي هريرة وكل من يوسف بن زياد الواسطي وشيخه ضعيف، قال الشوكاني عن الحديث فيه: «ومداره على يوسف بن زياد الواسطي وهو ضعيف عن شيخه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وهو أيضا ضعيف» (^١).
ومثل هذا لا يقوى على مقابلة ما تقدم من الآثار الدالة على الإباحة، والله أعلم.
(ولا تبتدأ اليهود والنصارى بالسلام) لنهيه ﵊ عن ذلك فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه» (^٢).
(فمن سلم على ذمي) ظانا أنه مسلم (فلا يستقيله)؛ أي: لا يطلب منه الإقالة بأن يقول له: إنما سلمت عليك ظنا مني أنك مسلم، ولو علمت أنك كافر ما سلمت عليك، فرد علي سلامي الذي سلمته عليك. (وإن سلم عليه)؛ أي: على المسلم (اليهودي أو النصراني) فليقل له في الرد عليه: (عليك) بغير واو لما في حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» (^٣)، وفي لفظ: «عن عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السام عليكم فقل: عليك» (^٤). فالمناسب لذلك أن يقول في الرد: عليك أو عليكم بغير واو ليكون دعاء عليه، لأن المراد عليك أو عليكم السام واللعنة والسام الموت». (ومن قال) في الرد عليه: (عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك)؛ أي: يجوز ذلك، وفي العبارة حذف والتقدير: ومن قال كذا فلا لوم عليه لأنهم قد قالوا بجواز ذلك.
_________________
(١) نيل الأوطار (٢/ ١٠٣).
(٢) مسلم (٥٧١٢).
(٣) البخاري (٨/ ٧١) (٦٢٥٨)، ومسلم (٣/ ٧) (٥٧٠٣).
(٤) مسلم (٥٧٨٢).
[ ٣ / ١٤٨٥ ]
• آداب الاستئذان:
(و) أما (الاستئذان) وهو طلب الإذن على أهل البيت في الدخول عليهم ف (واجب) وجوب الفرائض لقوله تعالى في السورة التي فرضها: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون﴾ [النور: ٢٧] ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستذنوا﴾ [النور: ٥٩] فمن تركه فهو عاص الله ورسوله فإذا كان كذلك (فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا)؛ أي: ثلاث مرات. كان ذلك الأحد محرما أو غيره مما لا يحل لك النظر إلى عورته بخلاف الزوجة والأمة. وصفة الاستئذان أن تقول: أأدخل؟ ثلاث مرات (فإن أذن لك) فادخل (وإلا رجعت) لقوله تعالى: ﴿وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم﴾ [النور: ٢٨].
ويكون الاستئذان بطرق الباب ثلاث مرات، بين الواحدة والأخرى مقدار ركعة خفيفة كما يذكر الفقهاء، ليترك لأهل البيت مجال مريح في الرد. ويقف القادم قريبا من الباب، ليس أمامه حتى لا ينكشف عن أهل البيت سترهم، ويغض بصره، فقد روى علماؤنا أن الفاروق ﵁ قال: من ملأ عينيه من قاعة بيت، قبل أن يؤذن له، فقد فسق (^١). وقوله: (ويرغب في عيادة المرضى) تقدم وليس لذكره هنا مناسبة لا بما قبله ولا بما بعده (ولا يتناجى) قال ابن عمر الأنفاسي: التناجي التسارر بالكلام ليخفي ذلك عن الغير (اثنان دون واحد) في سفر أو حضر لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ: «إذا كان ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون واحد» (^٢)، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أجل أن يحزنه» (^٣).
_________________
(١) الأدب المفرد (١٠٩٢)، وضعفه الألباني.
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٤)، والبخاري (٨/ ٨٠) (٦٢٨٨)، ومسلم (٧/ ١٢) (٥٧٤٥).
(٣) البخاري (٥٩٣٢)، ومسلم (٢١٨٤).
[ ٣ / ١٤٨٦ ]
وكذلك جماعة إذا أبقوا واحدا منهم لا يتناجون دونه لأن مع التحزين له واقع (وقد قيل: لا ينبغي ذلك)؛ أي: تناجي اثنين مثلا دون واحد أو جماعة دونه إلا بإذنه فإن الحق له، فإذا أسقطه سقط. (وذكر الهجرة قد تقدم في باب قبل هذا)؛ أي: الهجران وقوله: قد تقدم؛ أي: فلا حاجة لإعادته. (قال معاذ بن جبل) الذي قال في حقه ﵊: أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل (^١): (ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله) لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله تعالى (^٢). قال معاذ بن جبل ﵁: «ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله» (^٣) (و) ما (قال عمر) بن الخطاب ﵁: (أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه) لا ينافي أن أكمل الذكر الجمع بينهما، وذكر القلب نوعان: أجلهما الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله وجبروته وآياته في سمائه وأرضه. ويليه ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به وينتهي عما نهي عنه، ولذلك قال ابن القيم: ويدخل في ذكر الله تعالى ذكر أسمائه وصفاته والثناء عليه بهما، وتنزيهه عما لا يليق به، والخبر عن أحكام ذلك وذكر أمره ونهيه ويكون الذكر بالقلب واللسان وهو الأكمل، ثم القلب وحده ثم اللسان وحده، وأفضل أنواع الذكر القرآن، ثم الذكر والثناء على الله ثم أنواع الأدعية». وقد روت
_________________
(١) في حديث رواه أحمد في المسند، وابن ماجه في السنن وغيرهما من حديث أنس ﵁. قال الحافظ في الفتح (٧/ ٩٣): وإسناده صحيح، إلا أن الحفاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، والله أعلم. وسيرته العطرة في كتاب سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (١/ ٣٩٢).
(٢) الترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠)، وقال الحاكم (١٨٢٥) هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(٣) الترمذي (٣٣٧٧)، وابن ماجه (٣٧٩٠).
[ ٣ / ١٤٨٧ ]
عائشة ﵂: «وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (^١).
• أدعية مأثورة في أوقات وأماكن منثورة:
(ومن دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى: "اللهم) يا الله (بك نصبح وبك نمسي وبك نحيا وبك نموت. ويقول) زيادة على ذلك إن كنت في الصباح: (وإليك النشور)؛ أي: نشور الخلائق إليك؛ أي: مشيهم إلى جزائك (و) إن كنت (في المساء) قلت: (وإليك المصير)؛ أي: وإليك الرجوع بالموت (^٢).
(وروي) أنه يقول (مع ذلك الدعاء المتقدم في «الصباح»: (اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا في كل خير تقسمه في هذا اليوم، وفيما بعده من نور)؛ أي: هدى، وهو خلق القدرة على الطاعة (تهدي به أو رحمة تنشرها)؛ أي: تظهرها (أو رزق تبسطه)؛ أي: تكثره (أو ضر تكشفه)؛ أي: تزيله، أو ذنب) نهيت عنه (تغفره)؛ أي: تستره (أو شدة) وهي ما يصيب الإنسان من الكروب والأحزان (تدفعها)؛ أي: تزيلها (أو فتنة) وهي كل ما يشغل عن الله ﷿ من أهل ومال وولد (تصرفها)؛ أي: تصرف الاشتغال بها أي تزيله (أو معافاة تمن بها)؛ أي: تتفضل بها (برحمتك إنك على كل شيء قدير). هذا الدعاء مروي عن ابن عمر ﵄ من قوله كذلك عند الطبراني بسنده عن عبد الله بن سبرة قال: كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا أصبح، قال: «اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة، ونورا تهدي به، ورحمة تنشرها، ورزقا تبسطه، وضرا تكشفه، وبلاء ترفعه، وفتنة تصرفها» (^٣). وظاهر قوله: وروي
_________________
(١) مسلم (٣٧٣) موصولا، وعلقه البخاري.
(٢) البخاري في الأدب المفرد (١١٩٩)، وأبو داود (٥٠٦٨)، والترمذي (٣٣٩١)، وابن ماجه (٣٨٦٨)، والنسائي في «الكبرى» (٩٧٥٢)، وابن حبان (٩٦٤)، وصححه الألباني.
(٣) رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح كما في المجمع (١٧٤٣١) (١١\ ٥٨)، وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم (١\ ٣٠٤) في ترجمة عبد الله بن عمر ﵄.
[ ٣ / ١٤٨٨ ]
أنه حديث مرفوع، وصرح به الأقفهسي. وروي أنه من كلام ابن عمر ﵄.
(ومن دعائه ﵊ عند إرادة (النوم) أنه كان (يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن) بعد أن يضطجع على شقه الأيمن (و) يده اليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول: اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه، اللهم إن أمسكت؛ أي: قبضت (نفسي) قبض وفاة (فاغفر لها)؛ أي: فاستر ذنوبها (وإن أرسلتها)؛ أي: رددتها إلى جسدها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك؛ أي: لتوفيق ودفع مكاره دنيوية (اللهم إني أسلمت نفسي إليك إذ لا قدرة لي على تدبيرها بالنظر في عواقب الأمور، (وألجأت)؛ أي: أسندت ظهري إليك) وهو كناية عن شدة التوجه والاعتماد عليه (وفوضت)؛ أي: وكلت تكرار لأنه إذا أسلمها فوضها وإذا فوضها أسلمها وهو مطلوب في الدعاء (أمري إليك) فافعل بي ما تريد (ووجهت وجهي إليك)؛ أي: وجهت نفسي إليك فهو بمعنى أسندت ظهري إليك (رهبة منك)؛ أي: خوفا منك؛ أي: راهبا وخائفا منك (ورغبة إليك)؛ أي: طمعا في رحمتك؛ أي: طامعا في رحمتك؛ (لا منجى)؛ أي: لا مهرب (ولا ملجأ منك)؛ أي: لا مرجع منك فالمهرب والمرجع كل منهما مصدر ميمي والتقدير: لا هروب ولا رجوع منك (إلا إليك أستغفرك)؛ أي: أطلب منك مغفرتك (وأتوب)؛ أي: أرجع (إليك) من أفعال مذمومة إلى أفعال محمودة (آمنت)؛ أي: صدقت (بكتابك)؛ أي: القرآن الذي أنزلته على سيدنا محمد ﷺ (و) آمنت (برسولك) والذي في «صحيح مسلم» نبيك (^١) الذي أرسلت فاغفر لي ما قدمت من الذنوب (وما أخرت) من التوبة لأن تأخيرها معصية كبيرة (وما أسررت)؛ أي: الذي عملته سرا (وما أعلنت)؛ أي: الذي عملته جهرا (أنت إلهي لا إله إلا أنت؛ أي: أنت المعبود بحق (رب قني عذابك)؛ أي: يا رب نجني منه يوم تبعث عبادك). قال الغماري: في هذه مسائل:
(الأولى) أن هذا لم يرد في حديث واحد بل هو مجموع من أحاديث.
_________________
(١) مسلم (٨/ ٧٧) (٦٩٨١).
[ ٣ / ١٤٨٩ ]
(الثانية) ليس في شيء من الأحاديث على ما أعلم وضع اليد اليسرى على الفخذ اليسرى عند النوم كما قال المصنف.
(الثالثة) في هذا الدعاء ألفاظ لم ترد عن النبي ﷺ في أدعية النوم بل في أدعية أخرى.
(الرابعة) في بعض هذه الأحاديث ما هو من أمر النبي ﷺ للغير وإرشاده لا من فعله كما يفيده صنيع المصنف كما تعلمه من إيراد الأحاديث.
الحديث الأول: حديث حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول: «اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك، ثلاث مرار» (^١).
وفي رواية النسائي عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أخذ مضجعه جعل كفه اليمنى تحت خده الأيمن …» (^٢)، وفي أخرى له: «كان إذا أوى إلى فراشه اضطجع على يمينه»، وقال: «رب قني عذابك يوم تبعث عبادك» (^٣)، وللحديث روايات أخر.
الحديث الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك رب وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» (^٤).
الحديث الثالث: عن البراء بن عازب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن، ثم قال: «اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة
_________________
(١) البخاري في الأدب المفرد (١٢١٥)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٥٣).
(٢) أخرجه النسائي، في عمل اليوم والليلة (٧٦٠)، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٣٩٩)، وأخرجه النسائي، في «عمل اليوم والليلة» (٧٥٨).
(٤) البخاري (٦٣٢٠)، وفي «الأدب المفرد» (١٢١٠)، ومسلم (٦٩٩١)، (٦٩٩٢)، وأبو داود (٥٠٥٠).
[ ٣ / ١٤٩٠ ]
إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت وقال رسول الله ﷺ: «من قالهن ثم مات تحت ليلته مات على الفطرة»، وفي لفظ من حديث البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال له: «إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، …» الحديث (^١)، وهو لفظ أكثر الرواة ولكن الموافق لسياق المصنف في إضافة ذلك إلى فعل النبي ﷺ هو ما ذكرناه وليس في شيء من طرقه «فاغفر لي ما قدمت وما أخرت» إلخ.
ما ذكره المصنف هو في حديث ابن عباس ﵄ ولفظه: كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو: لا إله غيرك» (^٢).
دعاء الخروج من المنزل: (ومما روي) عن النبي ﷺ (في الدعاء عند الخروج من المنزل: اللهم إني أعوذ بك)؛ أي: أتحصن بك (أن أضل)؛ أي: أنفك عن الحق بنفسي (أو أضل)؛ أي: يضلني غيري عنه (أو أزل)؛ أي: أزيغ عن الحق (أو أزل)؛ أي: يزيغني غيري عنه (أو أظلم أو أظلم)؛ أي: سلمني أن أظلم أحدا أو يظلمني أحد (أو أجهل أو يجهل على)؛ أي: سلمني أن أسفه على أحد أو يسفه علي أحد، ومما روي في الدعاء عند
_________________
(١) البخاري (٨/ ٨٥) (٦٣١٣)، ومسلم (٨/ ٧٧) (٦٩٨٤)، والترمذي (٣٣٩٤) وابن ماجه (٣٨٧٦).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٥٠)، عن أبي الزبير المكي، وأحمد (١/ ٢٩٨) (٢٧١٠)، والبخاري (٢/ ٦٠) (١١٢٠)، ومسلم (٢/ ١٨٤) (١٧٥٨).
[ ٣ / ١٤٩١ ]
الخروج من المنزل «اللهم أعوذ بك أن أضل، أو أضل، أو أزل، أو أزل، أو أظلم، أو أظلم، أو أجهل، أو يجهل علي» رواه أحمد وغيره من حديث أم سلمة لا قالت: ما خرج رسول الله ﷺ من بيتي قط إلا رفع رأسه إلى السماء فقال: «اللهم أني أعوذ بك من …» مثل لفظ المصنف كذا عند أبي داود وعند أحمد واللفظ له (^١) والترمذي كان إذا خرج من بيته قال: «بسم الله توكلت على الله اللهم إني أعوذ بك من أن أزل أو نضل أو نظلم أو نظلم أو نجهل أو يجهل علينا بسم الله توكلت على الله» (^٢)، والله أعلم.
• الذكر عقب الصلاة:
(وروي) عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة: جاء الفقراء إلى النبي، فقالوا: ذهب أهل الدثور من الأموال بالدرجات العلا، والنعيم المقيم يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجون بها، ويعتمرون، ويجاهدون، ويتصدقون، قال: «ألا أحدثكم إن أخذتم أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين»، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبر أربعا وثلاثين، فرجعت إليه، فقال: تقول: «سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتى يكون منهن كلهن ثلاثا وثلاثين» (^٣).
وذلك قول المصنف: (في دبر) بضم الدال؛ بمعنى: عقب (كل صلاة) مكتوبة (أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا وثلاثين، ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، وقد أخبر النبي ﷺ أن الشيطان لا يزال
_________________
(١) أبو داود (٥٠٩٤).
(٢) الترمذي (٣٤٢٧) وقال حديث حسن صحيح.
(٣) البخاري (٨٤٣)، ومسلم (١٢٨٦).
[ ٣ / ١٤٩٢ ]
حريصا على صرف العبد عن هاته الخصلة المباركة فقال ﷺ: «خصلتان، أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلا دخل الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل، يسبح في دبر كل صلاة عشرا، ويحمد عشرا، ويكبر عشرا، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمس مائة في الميزان، ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويسبح ثلاثا وثلاثين، فذلك مائة باللسان، وألف في الميزان» فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: «يأتي أحدكم - يعني: الشيطان - في منامه فينومه قبل أن يقوله، ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها» يأتي أحدكم؛ يعني: «الشيطان في منامه فينومه قبل أن يقوله ويأتيه في صلاته فيذكره حاجة قبل أن يقولها» (^١).
• الدعاء عند الدخول للخلاء والخروج منه:
(و) مما روي من الذكر (عند الخروج من الخلاء) وهو ما أعد لقضاء الحاجة أنك تقول: الحمد لله الذي رزقني لذته؛ أي: الطعام؛ أي: لذته عند أكله وأخرج عني مشقته؛ أي: مشقة بقائه (وأبقى في جسمي قوته) فنفعني به سبحانه، والحديث رواه ابن السني في اليوم والليلة من حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرحيم» (^٢)، وإذا خرج قال: «الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته، وأذهب عني أذاه» (^٣)، ولحديث علي مرفوعا: «ستر ما بين أعين الجن
_________________
(١) البخاري في «الأدب المفرد» (١٢١٦)، وأبو داود (١٥٠٢)، والترمذي (٣٤١٠)، وابن ماجه (٩٢٦). وصححه الألباني.
(٢) رواه ابن ماجه (٢٩٩)، ورواه ابن السني من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) أخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة»، والطبراني. وضعفه الألباني رقم (٤٣٨٨) في ضعيف الجامع.
[ ٣ / ١٤٩٣ ]
وعورات بني آدم: إذا دخل أحدهم الخلاء، أن يقول: بسم الله (^١) ومما صح عنه ﷺ أنه كان يقول إذا خرج من الخلاء كما في حديث عائشة: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: «غفرانك» (^٢).
(وتتعوذ) بالله (من كل شيء تخافه) من إنس وجن وحيوان.
(وعند ما تحل (^٣) بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه تقول: أعوذ بكلمات الله)؛ أي: القرآن (التامات)؛ أي: التي لا يعتريها نقص ولا باطل (من شر ما خلق) وتكررها ثلاث مرات كما في مسلم (^٤)؛ (ومن التعوذ أن تقول: أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن)؛ أي: لا يتعداهن (بر ولا فاجر) البر المحسن والفاجر ضده. لحديث خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك» (^٥)، ووقوع المكروه من البر ممكن (و) أعوذ (بأسماء الله الحسنى) وصفت بذلك لما استلزمته من معان حسنة مثلا وهاب معناه كثير الهبة، وهذا يتضمن معنى هو كثرة حمد الحامدين وتعظيم المعظمين (كلها) تأكيد (ما علمت منها وما
_________________
(١) الترمذي (٦٠٦)، وابن ماجه (٢٩٧)، وصححه الألباني.
(٢) البخاري في «الأدب المفرد» (٦٩٣)، وأبو داود (٣٠)، والترمذي (٧)، وابن ماجه (٣٠٠).
(٣) قال أحمد بن أجمد الشنقيطي ناظما ما يتعلق بفعل حل: البيت حل به، وحل عقدته … بالضم آتيهما * واكسر خلاف حرم وحل دين وفي حل العذاب به … وجهان قد رويا عن من مضى وقدم من لم تزل جذوة المصباح ظلمته … تطل جهالته ضبط اللغى وتدم * آتيهما: أي: المضارع. انظر: طرة العلامة ولد الزين، تحقيق: عبد الرؤوف علي (ص ٤١).
(٤) أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٧)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (٥٧)، ومسلم (٨/ ٧٦)، والترمذي (٣٤٣٧).
(٥) أخرجه مالك في «الموطأ» صفحة (٦٠٥) عن الثقة عنده. البخاري في خلق أفعال العباد (٥٧)، ومسلم (٨/ ٧٦) والترمذي (٣٤٣٧) وابن خزيمة (٢٥٦٦).
[ ٣ / ١٤٩٤ ]
(لم أعلم) يؤخذ منه أنها ليست محصورة في التسعة والتسعين.
ولو دعا المسلم بهذا الدعاء لرجى ذهاب همومه وغمومه فعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما قال أحد قط إذا أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه، وأبدله مكان حزنه فرحا»، قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: «أجل، لمن سمعهن أن يتعلمهن» (^١).
(من شر ما خلق وذرأ وبرأ) ألفاظ مترادفة معناها: الإيجاد من العدم إلى الوجود (ومن شر ما ينزل من السماء) كالصواعق (ومن شر ما يعرج فيها)؛ أي: يصعد في السماء مما هو سبب لنزول البلاء وهو سيئ الأعمال (ومن شر ما ذرأ في الأرض)؛ أي: خلق (ومن شر ما يخرج منها) مما له شر وأذية (ومن فتنة الليل والنهار)؛ أي: الفتنة الواقعة فيهما من المحن والابتلاءات (ومن طوارق الليل والنهار)؛ أي: حوادثهما التي تأتي بغتة (إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن. ويقال: في ذلك)؛ أي: التعوذ «أيضا ومن شر كل دابة» والمراد بها هنا كل ما اتصف بالدبيب وهو المشي (ربي آخذ بناصيتها) وهو مقدم الرأس وهذا مجاز مرسل بمعنى: في ملكه وسلطانه (إن ربي على صراط مستقيم)؛ أي: إن تصرف ربي على وجه مستقيم؛ أي: ليس فيه نقص ولا قصور. هذا التعوذ مؤلف من خبرين ذكرهما مالك في «الموطأ» أحدهما مرسل، والآخر مقطوع، فالأول عن يحيى بن سعيد أنه قال: أسري برسول الله ﷺ فرأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رسول الله ﷺ رآه فقال له جبريل: أفلا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن
_________________
(١) رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والحاكم تقدم تخريجه في جزء العقيدة، وصححه الألباني (١٨٢٢) صحيح الترغيب والترهيب.
[ ٣ / ١٤٩٥ ]
طفئت شعلته وخر لفيه فقال رسول الله ﷺ: «بلى» فقال جبريل: فقل: «أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات اللاتي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، وشر ما يعرج فيها، وشر ما ذرأ في الأرض، وشر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» (^١).
ويستحب لمن دخل منزله أو بستانه أو حانوته أن يقول: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) وهو في كتاب الله بعد أن يسلم إن كان ثم أحد، وإلا قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، من قال ذلك كان حرزا لمنزله. وحسبك قوله تعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا﴾ [الكهف: ٣٩].
تنزيه المساجد عن غير ما بنيت له:
(ويكره) كراهة تحريم (العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل يديه فيه ولا يأكل فيه إلا الشيء الخفيف) مما لا يلوث (كالسويق) وهو القمح أو الشعير المقلي إذا طحن، وسواء كان ملتوتا بسمن أو عسل (ونحوه) مما لا يلوثه وإن كان معتكفا فليجعل سماطا ونحوه يحفظ الطعام.
(ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم أظفاره) لأنها أوساخ (وإن قص أو قلم أخذه في ثوبه)؛ أي: بحيث لا ينزل منه شيء على الأرض. (ولا يقتل فيه قملة ولا برغوثا) لأن هذه أشياء تنافي التعظيم والاحترام وقد أمر الله تعالى بتعظيم بيوته فقال ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦] قال الحسن البصري وغيره: «معنى ترفع تعظم، ويرفع شأنها، وتطهر من الأنجاس، والأقذار، ورجحه الزجاج» (^٢)، «أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تطيب
_________________
(١) الموطأ (١٧٠٥)، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٤\ ٤٣٣).
(٢) فتح القدير للشوكاني (٤\ ٥٠).
[ ٣ / ١٤٩٦ ]
«وتنظف» من حديث عائشة ﵄ (^١)، وعن سمرة بن جندب ﵁: «وأمر من أكل الثوم والبصل والكراث أن لا يقرب المسجد، وقال: إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» (^٢)، وسمع رجلا ينشد ضالة في المسجد ويقول: من دعا إلى الجمل الأحمر فقال له ﷺ: «لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له» من حديث بريدة ﵁ (^٣)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة (^٤). فهذه أحاديث ترشد إلى احترام المسجد وصونه عن كل ما ينافي الأدب والتعظيم مما ذكره المصنف وما في معناه (وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية) للضرورة مفهومه أنه لا يرخص ذلك في مساجد الحاضرة لوجود الفنادق فيها إذا وجد من يعطيه أجرة وإلا بات للضرورة.
(ولا ينبغي أن يقرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر) ومثله موضع القذر، قال ابن رشد: وسئل مالك عن القراءة في الحمام، فقال: «القراءة بكل مكان حسنة، ليس الحمام بموضع قراءة، فإن قرأ الإنسان الآيات فليس بذلك بأس، وليس الحمامات من بيوت الناس الأول … اه (^٥). وقال البخاري: قال منصور عن إبراهيم: لا بأس بالقراءة في الحمام وبكتب الرسالة على غير وضوء، … ورجح السبكي الكبير عدم الكراهة واحتج بأن القراءة مطلوبة والاستكثار منها مطلوب والحدث يكثر، فلو كرهت لفات خير كثير. ثم قال: حكم القراءة في الحمام إن كان القارئ في مكان نظيف وليس فيه كشف عورة لم يكره، وإلا كره». اه (^٦).
(ويقرأ الراكب والمضطجع) لأنها ذكر وقد أمر الله بالذكر في جميع هيئات الشخص. قال تعالى: ﴿فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾
_________________
(١) أبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٨).
(٢) مسلم (٥٦٤).
(٣) مسلم (٢/ ٨٢) (١١٩٩).
(٤) انظر: رياض الصالحين (٤٧٤)، تحقيق: الأرناؤوط، ط: الرسالة.
(٥) البيان والتحصيل لابن رشد (١٨/ ٢٥٩).
(٦) الفتح (١/ ٢٨٧) باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره.
[ ٣ / ١٤٩٧ ]
﴿النساء: ١٠٣﴾. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١] ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر زمانه. ومن هذا المعنى قول عائشة ﵂: «وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه» (^١). فدخل في ذلك كونه على الخلاء وغير ذلك. وقد اختلف العلماء في هذا؛ فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو وابن سيرين والنخعي، وكره ذلك ابن عباس وعطاء والشعبي (^٢). والأول أصح لعموم الآية والحديث، قلت: والظاهر أن قول ابن عباس هو المعتبر في تنزيه ربنا أن يذكر عند الأقذار.
(و) كذا يقرأ (الماشي من قرية إلى قرية، ويكره ذلك للماشي إلى السوق)؛ أي: سوق الحاضرة لا سوق البادية فلا كراهة لأن طرق الأسواق الغالب عليها النجاسة وعدم النظافة لكثرة المارين بخلاف الطرق التي بين القرى فإن الغالب عليها الطهارة وقد قيل: إن ذلك؛ أي: قراءة الماشي إلى السوق (للمتعلم واسع)؛ أي: جائز.
• تحزيب القرآن وهدي السلف في ذلك:
(ومن قرأ القرآن في سبع)؛ أي: سبع ليال (فذلك حسن)؛ أي: مستحب لأنه عمل أكثر السلف لقول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: «فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك …» (^٣)، وعن أوس بن حذيفة قال: سألت أصحاب رسول الله ﷺ: «كيف تحربون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل» (^٤).
_________________
(١) مسلم (٨٥٢) (٣٠ - باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها) (٦٤)، وأبو داود (١٨).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٤/ ٣١١).
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٤٣) (٥٠٥٣) وفي (٥٠٥٤)، ومسلم (٣/ ١٦٣) (٢٧٠٢).
(٤) أخرجه أحمد (٤/ ٩) (١٦٢٦٦) و(٤/ ٣٤٣) (١٩٢٣٠)، وأبو داود (١٣٩٣)، وابن ماجه (١٣٤٥).
[ ٣ / ١٤٩٨ ]
(والتفهم مع قلة القراءة أفضل) من سرد حروفه بلا تفهم لقوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ [النساء: ٨٢، ومحمد: ٢٤]، «وعن أبي إسحق عن علقمة والأسود قالا: أتى ابن مسعود ﵁ رجل فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة فقال: أهذا كهذ الشعر، ونشرا كنثر الدقل (^١) لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة النجم والرحمن في ركعة … فذكر الحديث» (^٢)، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر ولغيره قالوا: يستحب الترتيل للعجمي الذي لا يفهم معناه: لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام وأشد تأثيرا في القلب» (^٣).
(وروي أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقرأ القرآن في أقل من ثلاث) وهذا مع معرفته ﷺ معانيه وفهم ما فيه، بل أمر بقراءته في أكثر من ثلاث، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (^٤).
(ويستحب للمسافر أن يقول عند ركوبه: بسم الله اللهم أنت الصاحب)؛ أي: الحافظ (في السفر والخليفة في الأهل)؛ أي: الوكيل في حفظهم بعد سفري عنهم القائم بأمورهم (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء) بسكون المهملة؛ أي: مشقة (السفر، وكآبة) بفتح الكاف والهمز والمد الحزن وسوء الحال من فوات ما أريد (المنقلب)؛ أي: الرجوع (وسوء المنظر)؛ أي ما يسيء النظر إليه في الأهل والمال بحيث يلحق الأهل والمال أمور مشقة؛ أي: تشق على النفس. (ويقول الراكب إذا استوى على الدابة: ﴿سبحان الذي سخر لنا هذا﴾) ﴿وما كنا له مقرنين﴾؛ أي: مطيقين قادرين
_________________
(١) الدقل: الرديء اليابس من التمر والمراد أن القارئ يرمي بكلمات القرآن من غير رؤية وتأمل كما يتساقط الدقل من العذق إذا هن.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٤١٨) (٣٩٦٨)، وأبو داود (١٣٩٦)، وأخرجه النسائي (٢/ ١٧٥) (١٠٠٤)، وفي الكبرى (١٠٨٠).
(٣) التبيان في آداب حملة القرآن (ص ٣١).
(٤) أبو داود (١٣٩٠)، والترمذي (٢٩٤٩)، وابن ماجه (١٣٤٧).
[ ٣ / ١٤٩٩ ]
(﴿وإنآ إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤])؛ أي: راجعون وذلك لما ثبت في «الصحيح» من حديث ابن عمر وغيره: «أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنآ إلى ربنا لمنقلبون اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل وإذا رجع قالهن. وزاد فيهن: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون» (^١). «وكان هو وأصحابه إذا علوا الثنايا كبروا وإذا هبطوا الأودية سبحوا» (^٢).
وكان إذا أشرف على قرية يريد دخولها يقول: «اللهم رب السموات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن ورب الشياطين وما أضللن ورب الرياح وما ذرين أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها» (^٣).
(وتكره التجارة إلى أرض العدو) لأن في ذلك تغريرا للإنسان بنفسه وماله وإذلالا للدين (وإلى بلد السودان)؛ أي: الكفار منهم للعلة المتقدمة. (وقال النبي عليه) الصلاة والسلام: «السفر قطعة من العذاب» فعن أبي هريرة له أن رسول الله ﷺ قال: «السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى نهمته، فليعجل إلى أهله» (^٤). نهمته: مقصوده.
_________________
(١) مسلم (٤/ ١٠٤) (٣٢٥٤)، والترمذي (٣٤٤٧).
(٢) كما في حديث ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح، رواه أبو داود (٢٥٩٩٩)، وقد علق الأرناؤوط على الحديث في رياض الصالحين فانظره (٣٠٤)، ط: الرسالة.
(٣) أخرجه النسائي في الكبرى (٨٧٧٦)، وفي «عمل اليوم والليلة» (٥٤٤)، وابن خزيمة (٢٥٦٥).
(٤) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٨٠٥)، وأحمد (٢/ ٢٣٦) (٧٢٢٤)، والبخاري (١٨٠٤) وفي (٣٠٠١)، ومسلم (٥٠٠٠).
[ ٣ / ١٥٠٠ ]
(ولا ينبغي)؛ بمعنى: لا يحل ﴿أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم﴾ منها سفر يوم وليلة فأكثر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل لامرأة، تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة ثلاث ليال، إلا ومعها ذو محرم» (^١)، (إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك) فإن لها أن تسافر مع غير ذي محرم لكن بشرط أن تكون (في رفقة مأمونة) من المسلمين فإن لم تجد رفقة مأمونة لا يجوز لها ذلك (وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها) مرتبط بقوله إلا في حج الفريضة فذلك لها. قال القرافي: «قال مالك في الكتاب: تحج بلا ولي مع رجال ونساء مرضيين وإن امتنع واليها وقال: تخرج مع المرأة الواحدة المأمونة إذا ثبت أن المحرم ليس شرطا فهل تخرج مع الرجال الثقات، قال سند: منعه ابن عبد الحكم، قال سند: وهو محمول على الكراهة، قال سند: وهذا في حجة الإسلام أما في غير الفرض فلا تخرج إلا مع ذي محرم قاله ابن حبيب لعموم النهي» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٥٠/ ٢) (٧٤٠٨) و(٤٣٧/ ٢) (٩٦٢٨)، والبخاري (١٠٨٨)، ومسلم (٣٢٤٥).
(٢) الذخيرة (١٨١/ ٣).
[ ٣ / ١٥٠١ ]
باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء
والوسم والكلاب والرفق بالمملوك
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في التعالج وذكر الرقى والطيرة والنجوم والخصاء والوسم والكلاب والرفق بالمملوك. ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها، والتعوذ، والتعالج، وشرب الدواء والفصد والكي، والحجامة حسنة.
والكحل للتداوي للرجال جائز وهو من زينة النساء، ولا يتعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله ﷾، ولا بأس بالاكتواء، والرقى بكتاب الله وبالكلام الطيب.
ولا بأس بالمعاذة تعلق وفيها القرآن، وإذا وقع الوباء بأرض قوم فلا يقدم عليه ومن كان بها فلا يخرج فرارا منه، «وقال الرسول ﷺ في السؤم إن كان ففي المسكن والمرأة والفرس».
وكان ﷺ يكره سيئ الأسماء، ويحب الفأل الحسن.
والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين.
ولا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة وأجزاء الليل ويترك ما سوى ذلك.
ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه لا للهو.
ولا بأس بخصاء الغنم لما فيه من صلاح لحومها ونهي عن خصاء الخيل.
[ ٣ / ١٥٠٢ ]
ويكره الوسم في الوجه ولا بأس به في غير ذلك.
ويترفق بالمملوك ولا يكلف من العمل ما لا يطيق) (^١).
الشرح
أي: هذا (باب في) بيان حكم (التعالج) وهو محاولة الداء بدوائه؛ أي: يحاول الداء بالدواء أي بدواء ذلك الداء، (و) في بيان (ذكر الرقى) جمع رقية؛ أي: في حكم الرقى وما يرقى به. (و) في بيان حكم (الطيرة) بكسر الطاء وفتح التحتية وهي العمل على سماع ما يكره أو رؤيته. (و) في بيان ما يحل تعلمه من علم النجوم، وفي بيان حكم (الخصاء) وبيان ما يجوز أن يخصى وما يكره. (و) في بيان حكم (الوسم) بالسين المهملة وهو العلامة بالكي في الحيوان. (و) في ذكر (الكلاب)؛ أي: في بيان ما يجوز أن يتخذ منها وما لا يتخذ. (و) في بيان (الرفق بالمملوك)؛ يعني: من الآدميين إذ لا يسمى بذلك عرفا غيره.
ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها كاللدغة بالدال المهملة والغين المعجمة لدغ العقرب والحية إشارة للأحاديث المرخصة في ذلك منها: عن أنس ﵁ «أن النبي ﷺ رخص في الرقية من الحمة والعين والنملة» (^٢).
وعن عائشة ﵂ قالت: «كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين»، وعن عائشة قالت: «أمرني النبي ﷺ أو أمر أن نسترقي من العين» (^٣)، وانظر: «المناهل» ففيها تفصيل ذلك.
ولا خلاف في جواز الاسترقاء بأسماء الله تعالى، قال تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، ولا بأس بالاسترقاء بكتاب الله تعالى، (و) لا بأس (بالتعوذ) فقد كان ﷺ كما قالت عائشة ﵂: «… إذا
_________________
(١) في نسخة الحلبي: إلا ما يطيق.
(٢) مسلم (٥٧٧٤، ٥٧٧٥)، والترمذي (٢٠٥٦)، وابن ماجه (٣٥١٦).
(٣) أخرجه البخاري (٧/ ١٧١)، ومسلم (٧/ ١٧)، وابن ماجه (٣٥١٢).
[ ٣ / ١٥٠٣ ]
اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتها» (^١). والمقصود العلاج النبوي لهذه العلة وهو أنواع، فعن سهل بن حنيف قال: مررنا بسيل فدخلت فاغتسلت فيه، فخرجت محموما فنمي ذلك إلى رسول الله ﷺ «فقال: مروا أبا ثابت يتعوذ قال: فقلت: يا سيدي والرقى صالحة؟ فقال: لا رقية إلا في نفس، أو حمة، أو لدغة» (^٢)، والنفس: العين، يقال: أصابت فلانا نفس؛ أي: عين، والحمة الحيات والعقارب، وأشباهها من ذوات السموم، والنملة قروح تخرج في الجنب والنافس العائن (^٣).
(و) كذا لا بأس ب (التعالج)؛ أي: بمعالجة المريض الداء بالدواء (وشرب الدواء) فهذا من الأسباب المشروعة، فعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله ﷿ (^٤).
(و) لا بأس ب (الفصد) وهو قطع العرق لاستخراج الدم الذي يؤذي، (والكي) وهو الحرق بالنار قال مالك رحمه الله تعالى: ولا بأس بالاكتواء، وقد اكتوى ابن عمر من اللقوة (^٥)، وسعد بن زرارة من الذبحة (^٦).
ولما رمي سعد بن معاد في أكحله حسمه النبي ﷺ ورمت فحسمه الثانية والحسم هو الكي.
(والحجامة حسنة)؛ أي: مستحبة في كل أيام السنة فعن سعيد بن جبير
_________________
(١) أخرجه مالك «الموطأ» (٥٨٥)، والبخاري (٤٧٢٨)، ومسلم (٥٨٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٨٨)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٢٥٧) و(١٠٣٤).
(٣) تأويل مختلف الحديث (٣٤٤).
(٤) أخرجه مسلم (٧/ ٢١) (٥٧٩٢)، والنسائي، في «الكبرى» (٧٥١٤).
(٥) هي مرض يعرض للوجه فيميله إلى أحد جانبيه.
(٦) الذبحة بفتح الباء وقد تسكن: وجع يعرض في الحلق من الدم. وقيل: هي قرحة تظهر فيه فينسد معها وينقطع النفس فنقتل.
[ ٣ / ١٥٠٤ ]
عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: «الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار، وأنا أنهى أمتي عن الكي» (^١).
قال صاحب «القانون: ويؤمر باستعمال الحجامة لا في أول الشهر لأن الأخلاط لا تكون قد تحركت وهاجت ولا في آخره، لأنها تكون قد نقصت، بل في وسط الشهر حين تكون الأخلاط هائجة بالغة في تزايدها لتزيد النور في جرم القمر. وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خير ما تداويتم به الحجامة والفصد وفي حديث: «خير الدواء الحجامة والفصد». انتهى (^٢).
(والكحل) بالإثمد (ل) أجل (التداوي للرجال جائز) فلا يكتحل لغير ضرورة ففي سنن ابن ماجه» عن سالم عن أبيه يرفعه: «عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (^٣)؛ وفي كتاب أبي نعيم»: «فإنه منبتة للشعر مذهبة للقذى مصفاة للبصر» (^٤).
وعن ابن عباس ﵄ يرفعه: «خير أكحالكم الإثمد يجلو البصر وينبت الشعر» (^٥). (وهو من زينة النساء) والتشبه بهن حرام كالعكس، إلا لمن احتاج إليه ضرورة من الرجال.
(ولا يتعالج)؛ أي: لا يجوز التعالج (بالخمر) في باطن الجسم وظاهره لما في حديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أنزل الداء
_________________
(١) البخاري (٥٦٨٠)، (شرطة) ضربة تقطع العرق وتشقه. (محجم) اسم للآلة التي يشرط بها موضع الحجامة ويطلق أيضا على الآلة التي تمص الدم وتجمعه (كية نار) أن تحمى حديدة بالنار ويمس بها موضع الألم من الجسم، وقوله: (أنهى) نهي كراهة لا نهي تحريم وحكمة النهي عنه ما فيه من التعذيب والألم الشديد لمظنة الشفاء.
(٢) زاد المعاد (٤/ ٥٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٤٩٥)، والترمذي في «الشمائل» (٥٣) وقال الشيخ الألباني: «حسن». انظر حديث رقم (٤٠٥٥) في صحيح الجامع.
(٤) أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٧٠) (٤٩٤٨).
(٥) أبو داود (٣٨٧٨) و(٤٠٦١)، والترمذي (٩٩٤)، وفي «الشمائل» (٥٢) و(٦٧)، وابن ماجه (١٤٧٢ و٣٥٦٦).
[ ٣ / ١٥٠٥ ]
والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا ولا تداووا بالمحرم» (^١)، وعن طارق بن سويد الجعفي ﵁: «أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها» فقال: «إنما أصنعها للدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء» (^٢) (ولا بالنجاسة) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث: قيل: يعني السم (^٣)، والذي يظهر أنه نهي عن كل دواء نجس أو ضار (^٤)، ولا بما فيه ميتة؛ أي: ولا بشيء فيه جزء من الميتة، وهذا وإن كان داخلا فيما قبله إلا أنه لما كانت نجاسته عرضية ربما يتوهم جواز التداوي بما هي فيه (ولا بشيء مما حرم الله ﷾) لحديث أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام» رواه أبو داود وغيره وقد تقدم، واختلف في جواز التداوي في الحكة بلبس الحرير، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وقوله: (ولا بأس بالاكتواء تكرار (والرقى) جمع رقية تكون بكتاب الله تعالى)؛ أي: القرآن وآخر الرقية بالفاتحة وإياك نستعين (وبالكلام الطيب) وهو العربي المفهوم ولا يجوز بما فيه كفر. وقضية ذلك أن ما جهل معناه لا تجوز الرقية به، ولو جرب وصح. وقد تقدم الكل بأدلته فلا حاجة لتكراره.
(ولا بأس بالمعاذة) وهي التمائم التي (تعلق) في العنق (وفيها القرآن) وسواء في ذلك المريض والصحيح بعد جعلها فيما يكنها
ورأى جماعة من السلف أن تكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها. قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن أبي قلابة. ويذكر عن ابن عباس ﵄: أنه أمر أن يكتب لامرأة تعسر عليها ولادها
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٨٧٤).
(٢) مسلم (٦/ ٨٩) (٥١٨٥)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذي (٢٠٤٦).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٦٣) (٢٣٤١٧)، وأحمد (٢/ ٣٠٥) (٨٠٣٤)، وأبو داود (٣٨٧٠)، والترمذي (٢٠٤٥)، وابن ماجه (٣٤٥٩).
(٤) انظر: شرح سنن ابن ماجه (مجموع من ثلاث شروح) (١/ ٢٤٧)، الناشر: قديمي كتب خانة كراتشي.
[ ٣ / ١٥٠٦ ]
أثر من القرآن ثم يغسل وتسقى»، وقال أيوب: «رأيت أبا قلابة كتب كتابا من القرآن ثم غسله بماء وسقاه رجلا كان به وجع» (^١).
(وإذا وقع الوباء) مقصورا وممدودا وهو الطاعون (بأرض)؛ أي: في أرض قوم فلا يقدم عليه من هو خارج عن تلك الأرض. ومن كان بها فلا يخرج منها (فرارا منه)؛ أي: من الوباء لما صح أنه ﵊: «نهى عن ذلك» والنهي نهي كراهة لحديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فقلت: أنت سمعته يحدث سعدا، ولا ينكره؟ قال: نعم» (^٢)، قال ابن القيم: وقد جمع النبي ﷺ للأمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه كمال التحرز منه فإن في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء وموافاة له في محل سلطانه وإعانة للإنسان على نفسه وهذا مخالف للشرع والعقل بل تجنب الدخول إلى أرضه من باب الحمية التي أرشد الله سبحانه إليها وهي حمية عن الأمكنة والأهوية المؤذية.
الشؤم، والفأل الحسن:
(وقال الرسول عليه) الصلاة (والسلام في) شأن (الشؤم: إن كان) له حكم ثابت؛ أي: وجود ثابت في نفس الأمر (ففي) ثلاثة أشياء: (المسكن والمرأة والفرس) شؤم المسكن سوء الجيران، وشؤم المرأة قلة نسلها، وشؤم الفرس ترك الغزو عليه لحديث سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن كان في شيء، ففي الفرس والمرأة والمسكن» (^٣) وفي مسلم: «إن يكن من
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٦٦).
(٢) أخرجه مالك «الموطأ» ٢٦١٢ والبخاري ٤/ ٢١٢ (٣٤٧٣)، ومسلم (٧/ ٢٦) (٥٨٢٥) وفي (٧/ ٢٧) (٥٨٢٦).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٧٩١/ ٣٥٦٥)، والبخاري (٧/ ١٠) (٥٠٩٣)، ومسلم (٧/ ٣٣) (٥٨٥٩).
[ ٣ / ١٥٠٧ ]
الشؤم شيء حق، ففي الفرس، والمرأة، والدار» (^١).
(وكان) النبي (عليه) الصلاة و(السلام يكره سيئ الأسماء) كمرة وحنظلة وحرب. (و) كان ﵊ (يحب الفأل الحسن) الفأل بالهمز والجمع فؤول، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يعجبه الفال الحسن، ويكره الطيرة» (^٢)، وفي حديث أبي هريرة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يعجبه إذا خرج لحاجته أن يسمع: يا راشد، يا نجيح» (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا طيرة، وخيرها الفأل» قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» (^٤). كما إذا خرج للسفر أو عيادة مريض ولم يقصد سماع الفأل فسمع يا غانم أو يا سالم، أما إذا قصد سماع الفأل ليعمل عليه فلا يجوز لأنه من الأزلام وهي أقداح؛ أي: سهام يكون في أحدها: افعل وفي الآخر: لا تفعل، والثالث: لا شيء فيه، فإذا خرج الذي فيه: افعل مضى، وإذا خرج الذي فيه: لا تفعل رجع، وإن خرج الذي لا شيء فيه أعاد الاستقسام.
والفأل يستأنس به ولا ينبغي أن يكون عكسه سببا في انقطاع الأعمال والرجوع، فإن هذا من فعل الجاهلية الذي حاربه الإسلام، وأنكره ﵊.
ثم بين صفة رقية العين، بقوله: (والغسل للعين)؛ أي: وصفة الرقية للعين إذا عرف العائن (أن يغسل العائن)؛ أي: وجوبا ويجبر عليه إن امتنع من ذلك إذا خشي على المعيون الهلاك، ولم يمكن الخلاص إلا به فيغسل
_________________
(١) مسلم (٢٢٢٥)، وهذا الحديث كنت أول ماسمعته من شيخنا المحدث الشيخ عبد القادر الأرناؤوط بدمشق سنة (١٤٢٠ هـ).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٤٠) (٢٦٣٨٧)، وأحمد (٢/ ٣٣٢) (٨٣٧٤)، وابن ماجه (٣٥٣٦)، وابن حبان (٦١٢١).
(٣) أخرجه الترمذي (١٦١٦)، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(٤) أخرجه البخاري (٥٧٥٤)، وفي الأدب المفرد (٩١٠)، ومسلم (٥٨٥٣) و(٥٨٥٤).
[ ٣ / ١٥٠٨ ]
داخل إزاره، والقول الثاني الذي أشار إليه المصنف رحمه الله تعالى بقوله: يغسل (وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره)؛ أي: ما يلي فرجه، وفيه من حسن العبارة ما لا يخفى حيث لم يعبر باللفظ الذي يستحيا منه وهو الفرج، وأشار إليه إشارة لطيفة ويجمع ذلك (في قدح ثم يصب على المعين) قال ابن العربي: صوابه العائن وفيه نظر، لأن الصب على المعان؛ أي: المصاب بالعين لا العائن. وصفة صب القدح على المعان: أن يصب عليه من فوقه ويقلب القدح؛ أي: وراء ظهره على الأرض وإذا كان العائن يخشى ضرر عينه وإصابتها للمعين فليدفع شرها بقوله: «اللهم بارك عليه» كما قال النبي ﷺ لعامر بن ربيعة لما عان سهل بن حنيف: «ألا بركت»؛ أي قلت: اللهم بارك عليه، ومما يدفع به إصابة العين قول: «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» روى هشام بن عروة عن أبيه «أنه كان إذا رأى شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (^١).
وقد تقدم الكلام عن العين والرقية منها نسأل الله بمنه وكرمه أن يحفظنا وأهلنا وأحبابنا من سموم العائنين، عائذين به من شر أنفسنا ومن شر كل دابة هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم.
• حكم النظر في علم النجوم:
(ولا ينظر في) علم (النجوم إلا) في شيئين فإن النظر فيه لهما. قد ورد الشرع به أحدهما: (ما يستدل به على) معرفة سمت (القبلة)؛ أي: جهتها. (و) ثانيهما: ما يستدل به على معرفة (أجزاء الليل) ما مضى وما بقي، وبقي ثالث جائز وهو النظر فيما يهتدي به في السير لقوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٩٧] (ويترك ما سوى ذلك) مما يدعيه المنجمون، لحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) شرح السنة للبغوي (١٢/ ١٦٦).
[ ٣ / ١٥٠٩ ]
قال: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البر والبحر» (^١)، وحديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من اقتبس علما من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (^٢).
قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها في البر والبحر والأوقات. فمن تأول فيها غير ذلك فقد تكلف ما لا علم له به، وتعدى وظلم.
وقال محمد بن كعب: والله ما لأحد من أهل الأرض في السماء نجم، ولكنهم يتخذون الكهانة سبيلا ويتخذون النجوم علة (^٣).
• حكم اتخاذ الكلب:
(ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية على جهة الكراهة إلا أن يكون عقورا فيحرم (إلا) من أجل (زرع أو ماشية) يحرسهما وهي الغنم يصحبها في الصحراء ثم يروح)؛ أي: يرجع يبيت (معها) حيث باتت لحديث ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من اقتنى كلبا، إلا كلب ماشية، أو ضاريا، نقص من عمله كل يوم قيراطان» (^٤)، وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أمسك كلبا، فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية» (^٥)، وورد من طرق متعددة: «أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب» (^٦)، (أو ل) أجل (صيد يصطاده لعيشه)؛
_________________
(١) رواه الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف. انظر: تفسير الدر المنثور للسيوطي (٣/ ٣٢٨).
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧) (٢٠٠٠)، عبد بن حميد (٧١٤)، وأبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦).
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٨/ ٢١١)، والدر المنثور (٣/ ٣٢٨).
(٤) البخاري (٧/ ١١٢) (٥٤٨١)، ومسلم (٥/ ٣٧) (٤٠٢٩).
(٥) البخاري (٢٣٢٢)، ومسلم (٤٠٣٦).
(٦) منها ما أخرجه أحمد (١/ ٨٣) (٦٣٢)، وأبو داود (٢٢٧) و(٤١٥٢)، وابن ماجه (٣٦٥٠).
[ ٣ / ١٥١٠ ]
أي: قوته وقوت عياله لما تقدم ولحديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض أهل كتاب نؤاكلهم في آنيتهم، وإن أرضنا أرض صيد نصيد بالقوس والكلب المكلب، والكلب الذي ليس بمكلب، فأخبرني ماذا يحل لي مما يحرم علي؟، فقال: «أما ما ذكرت أنكم بأرض أهل الكتاب تأكلون في آنيتهم، فإن وجدتم غير آنيتهم، فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوا غيرها فاغسلوا وكلوا فيها، وأما ما ذكرت من أمر الصيد فما صدت بقوسك وذكرت اسم الله عليه فكل، وأما ما صاد كلبك الذي ليس بمكلب فما أدركت ذكاته فكل، وما لم تدرك ذكاته فلا تأكل منه، وأما ما صاد كلبك المكلب فكل مما أمسك عليك واذكر اسم الله عليه» (^١) وقد تقدم ذلك في الصيد (لا للهو)؛ أي: اللعب فلا يجوز اتخاذه.
(ولا بأس بخصاء الغنم) الضأن والمعز لما فيه من صلاح لحومها «لأن النبي ﷺ ضحى بكبشين خصيين» كما سبق في الضحايا وذلك يدل على الجواز، (ونهى عن خصاء الخيل) لأن ذلك ينقص القوة ويذهب النسل منها (^٢). ففي حديث ابن عمر ﵄ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن خصاء الخيل والبهائم» (^٣)، وعن ابن عباس ﵄ «أن النبي ﷺ نهى عن صبر الروح وعن إخصاء البهائم نهيا شديدا» (^٤)، ورخص مالك في خصاء الفرس إذا كلب، قال ابن رشد: وقال مالك: في الفرس إذا كلب وامتنع، فلا أرى بخصاه بأسا - إذا كان على هذا الوجه (^٥)، وأما خصاء البغال والحمير فجائز، وأما خصاء الآدمي فحرام إجماعا.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ١٩٥) (١٧٩٠٢)، والترمذي (١٧٩٧، ١٥٦٠ و١٧٩٦).
(٢) الذخيرة (١٣/ ٢٨٦).
(٣) كما في المجمع (٥/ ٤٨٣) وقال: رواه أحمد وفيه عبد الله بن نافع وهو ضعيف، وصححه الألباني فقال: «صحيح». انظر: حديث رقم (٦٩٥٦) في صحيح الجامع.
(٤) في المرجع السابق والصفحة، وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.
(٥) البيان والتحصيل (٢/ ٥٧٥)
[ ٣ / ١٥١١ ]
(ويكره الوسم)؛ أي: العلامة بالنار (في الوجه ولا بأس به في غير ذلك)؛ أي: غير الوجه، لما صح «أن النبي ﷺ نهى عن الوسم في الوجوه» (^١)، وأرخص في السمة؛ أي: العلامة في الأذن؛ لأن المالك يحتاج لها للتمييز.
وثبت عن أنس ﵁ قال: «رأيت في يد رسول الله ﷺ الميسم وهو يسم إبل الصدقة» (^٢)، والفيء وغير ذلك حتى يعرف كل مال فيؤدى في حقه، ولا يتجاوز به إلى غيره.
• حث الإسلام على الرفق بالمملوك:
(ويترفق بالمملوك) في أكله وشربه وعمله و(و) إذا كان الأمر كذلك ﴿لا يكلف من العمل إلا ما يطيق﴾ فلا يجوز للسيد أن يكلف عبده أو أمته ما يشق عليهما ولا ما لا تتحمله أبدانهما لحديث المعرور بن سويد قال: لقيت أبا ذر بالربذة (^٣) وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألته عن ذلك فقال: إني ساببت رجلا فغيرته بأمه فقال لي النبي ﷺ: «يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم» (^٤)، حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف. ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق» (^٥)، والله أعلم.
_________________
(١) مسلم (١٦٣/ ٦) (٥٦٠١) (٥٦٠٢)، والترمذي (١٧١٠).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٠٢)، ومسلم (٥٦٠٩).
(٣) الربذة: بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة موضع بالبادية بين مكة والمدينة. هكذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح.
(٤) البخاري (١٤/ ١) (٣٠)، ومسلم (٥/ ٩٢) (٤٣٢٦).
(٥) مسلم (٤٣٢٩).
[ ٣ / ١٥١٢ ]
باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها
والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى:
(باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك، قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاثا وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي».
ومن تثاءب فليضع يده على فيه.
ومن عطس فليقل: الحمد لله وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله، ويرد العاطس عليه: يغفر الله لنا ولكم أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم.
ولا يجوز اللعب بالنرد، ولا بالشطرنج، ولا بأس أن يسلم على من يلعب بها، ويكره الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم.
ولا بأس بالسبق بالخيل والإبل وبالسهام بالرمي.
وإن أخرجا شيئا جعلا بينهما محللا يأخذ ذلك المحلل إن سبق هو، وإن سبق غيره لم يكن عليه شيء، هذا قول ابن المسيب، وقال مالك: إنما يجوز أن يخرج الرجل سبقا، فإن سبق غيره أخذه، وإن سبق هو كان للذي يليه من المتسابقين، وإن لم يكن غير جاعل السبق وآخر فسبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك.
وجاء فيما ظهر من الحيات بالمدينة أن تؤذن ثلاثا وإن فعل ذلك في غيرها فهو حسن.
[ ٣ / ١٥١٣ ]
ولا تؤذن في الصحراء ويقتل ما ظهر منها.
ويكره قتل القمل والبراغيث بالنار.
ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها، ولو لم تقتل كان أحب إلينا.
ويقتل الوزغ.
ويكره قتل الضفادع.
وقال النبي ﵊: «إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب» وقال النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام في رجل تعلم أنساب الناس: «علم لا ينفع وجهالة لا تضر» وقال عمر: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم وقال مالك: وأكره أن يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء.
والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ومن رأى في منامه ما يكره، فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ من شر ما رأى، ولا ينبغي أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها، ولا يعبرها على الخير وهي عنده على المكروه.
ولا بأس بإنشاد الشعر وما خف من الشعر أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه ومن الشغل به.
وأولى العلوم وأفضلها وأقربها إلى الله علم دينه وشرائعه مما أمر به ونهى عنه ودعا إليه وحض عليه في كتابه وعلى لسان نبيه والفقه في ذلك والفهم فيه، والتهمم برعايته والعمل به.
والعلم أفضل الأعمال.
وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهم له خشية وفيما عنده رغبة.
والعلم دليل إلى الخيرات وقائد إليها واللجأ إلى كتاب الله ﷿ وسنة
[ ٣ / ١٥١٤ ]
نبيه واتباع سبيل المؤمنين وخير القرون من خير أمة أخرجت للناس نجاة ففي المفزع إلى ذلك العصمة.
وفي اتباع السلف الصالح النجاة وهم القدوة في تأويل ما تأولوه واستخراج ما استنبطوه.
وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث لم يخرج عن جماعتهم.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله).
(قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: قد أتينا على ما شرطنا أن نأتي به في كتابنا هذا مما ينتفع به إن شاء الله تعالى من رغب في تعليم ذلك من الصغار، ومن احتاج إليه من الكبار وفيه ما يؤدي الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه ويعمل به من فرائضه، ويفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه ومن السنن والرغائب والآداب وأنا أسأل الله ﷿ أن ينفعنا وإياك بما علمنا ويعيننا وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا).
الشرح
(باب في الرؤيا)؛ أي: في بيان كون ما يراه الرجل الصالح في منامه جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة؛ (و) في (التثاؤب)؛ أي: بيان ما يفعله من تثاءب (والعطاس)؛ أي: بيان ما يقول من عطس ومن سمعه؛ (و) في بيان حكم (اللعب بالنرد) وبيان معناها (و) اللعب ب (غيرها) وهو الشطرنج، وحكم الجلوس إلى من يلعب بها وحكم السلام عليه. (و) في بيان حكم (السبق بالخيل) والإبل (و) السبق (بالرمي) بالسهام. (و) بيان حكم (غير ذلك)؛ أي: غير ما ذكر كقتل القمل والضفادع، وبيان أفضل العلوم.
• الرؤيا وأحكامها:
تعريف الرؤيا والحلم: الرؤيا والحلم عبارة عما يراه النائم في نومه من
[ ٣ / ١٥١٥ ]
الأشياء ولكن غلبت الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه من الشر والقبيح، ويستعمل كل واحد منهما موضع الآخر (^١).
وعلى ذلك تكون الرؤيا والحلم من الألفاظ المترادفة؛ يعني: أن كلا منها يؤدي نفس المعنى للآخر (^٢).
قال القاسمي: قال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا والتفريق بينها من الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل كأنه كره أن يسمى ما كان من الله وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة مما لا حقيقة له. انتهى (^٣)
قال المصنف رحمه الله تعالى: (قال رسول الله ﷺ: الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح) (^٤)؛ أي: وكذا المرأة الصالحة والمراد غالب رؤياهم، وإلا فالصالح قد يرى الأضغاث ولكنه نادر (جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) وما ساقه المصنف جزء من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة»؛ وفي رواية: «الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة»؛ وفي رواية: «رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» (^٥).
_________________
(١) لسان العرب، مادة: (حلم) (١٢/ ١٤٥).
(٢) انظر: كتاب تعبير الرؤيا للطيار.
(٣) محاسن التأويل للقاسمي (٩/ ٢٢٠).
(٤) نص حديث أنس بن مالك أخرجه مالك «الموطأ» (٢٧٤٧).
(٥) روايات متعددة رواها: البخاري (٦٩٨٨)، ومسلم (٥٩٧٣، ٥٩٧٥).
[ ٣ / ١٥١٦ ]
لأن الوحي ابتدئ بالرؤيا الصالحة ﴿وكان ذلك ستة أشهر ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة﴾ (^١)، ولأن فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما.
(و) قال ﷺ: «من رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره (ثلاثا) نص الحديث: الرؤيا الحسنة من الله، والحلم من الشيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا - وليتعوذ من الشيطان فإنها لا تضره» (^٢)، (وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي) فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا فزع أحدكم في منامه فليقل: «بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عقابه، وشر عباده، وشر الشياطين، وأن يحضرون» (^٣)، والرؤيا ثلاثة:
١ - رؤيا بشرى من الله ﷿.
٢ - ورؤيا مما يحدث الإنسان نفسه.
٣ - ورؤيا من تحزين الشيطان.
فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يحدث به وليقم، وليصل، والقيد في المنام ثبات في الدين والغل أكرهه (^٤).
ففي هذا الحديث بيان بأقسام الرؤيا، فعن عوف بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الرؤيا ثلاث: منها أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته، فيراه في منامه، ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة» (^٥)، وقد استوفينا آداب الرؤيا، وشروط المعبرين لها،
_________________
(١) فتح الباري (٣٦٤/ ١٢).
(٢) مالك كما في شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٤٥٣)، والبخاري في صحيحه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٤٥٠).
(٤) البخاري مع الفتح (١٢/ ٤٢٢)، ومسلم مع النووي (١٥/ ٢٠).
(٥) صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٢٤٠).
[ ٣ / ١٥١٧ ]
وأوقاتها وما يتعلق بذلك في أصل هذا المختصر من المناهل الزلالة فلينظر،
والله الموفق.
• آداب التثاؤب والعطاس:
(ومن تثاءب فليضع يده) اليمنى ظاهرها أو باطنها (على فيه) فإذا زال عنه التثاؤب نفث ثلاثا إن كان في غير صلاة لحديث أبي سعيد الخدري ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل» (^١)، وفي رواية: «إذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليضع يده على فيه، فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب» (^٢)، وثبت عنه ﷺ: «إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان» (^٣).
(ومن عطس) خارج الصلاة (فليقل: الحمد لله) وقيل: يزيد رب العالمين (وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له: يرحمك الله) ففي صحيح «البخاري»: «إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم» (^٤).
وعن أنس ﵁: «أنه ﷺ عطس عنده رجلان فشمت أحدهما، ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته، وعطست فلم تشمتني، فقال: هذا حمد الله، وأنت لم تحمد الله» (^٥)، وعنه أنه قال: «إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه» (^٦).
_________________
(١) رواه مسلم (٧٦٨٣).
(٢) البخاري، في الأدب المفرد (٩٤٩)، ومسلم (٨/ ٢٢٦) (٧٦٠١).
(٣) البخاري (٣٢٨٩ و٦٢٢٦)، وأبو داود (٥٠٢٨)، والترمذي (٢٧٤٧).
(٤) البخاري (٦٢٢٤)، وفي «الأدب المفرد» (٩٢٧).
(٥) البخاري (٨/ ٦٠) (٦٢٢١)، ومسلم (٨/ ٢٢٥) (٧٥٩٥).
(٦) البخاري في «الأدب المفرد» (٩٤١)، ومسلم (٨/ ٢٢٥) (٧٦٧٩).
[ ٣ / ١٥١٨ ]
ونقل ابن ناجي عن البيان أن الأشهر أنه فرض عين، وهو قول ابن أبي زيد وابن العربي رحم الله الجميع، ويدل له حديث البخاري: «حقا على كل مسلم سمعه أن يقول له: يرحمك الله» (^١)؛ ويرد العاطس عليه: يغفر الله لنا ولكم أو يقول له: (يهديكم الله ويصلح بالكم) لحديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم» (^٢).
• حكم اللعب بالشطرنج والنرد:
(ولا يجوز اللعب بالنرد) وهو قطع تكون من العاج؛ أي: الذي هو عظم الفيل أو من البقس ملونة يلعب بها ليس فيها فطانة لأنها تجري على حكم الاتفاق، و(النرد) أو (النردشير) هو ما يعرف الآن بالزهر الذي تلعب به الطاولة لا بعوض ولا بغيره ولا يجوز اللعب به لما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه ﷺ قال: «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» (^٣). وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: «من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» (^٤).
قال النووي ﵀: وهذا الحديث حجة للشافعي والجمهور في تحريم اللعب بالنرد. ومعنى: «صبغ يده في لحم الخنزير ودمه»؛ أي: في حال أكله منهما، وهو تشبيه لتحريمه بتحريم أكلهما اه. وكان سعيد بن جبير رحمه الله تعالى إذا مر على أصحاب النردشير لم يسلم عليهم.
(و) كذلك (لا) يجوز اللعب (بالشطرنج) وهو محرم إذا شغل عن واجب اتفاقا، وأما إذا لم يشغل عن واجب ولم يتضمن محرما، فقد اختلف
_________________
(١) البخاري (٣١١٥، ٥٨٧٢).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) وقد تقدم، وحسنه الألباني (٤١٢٩).
(٤) مسلم (٢٢٦٠).
[ ٣ / ١٥١٩ ]
العلماء في حكمه، فذهب جمهور العلماء (أبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعي) إلى تحريمه أيضا. واستدلوا على تحريمه بأدلة من كتاب الله تعالى ومن أقوال الصحابة.
أما أدلة القرآن، فقول الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء فى الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاوة فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١].
قال القرطبي رحمه الله تعالى: هذه الآية تدل على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج قمارا أو غير قمار، لأن الله تعالى لما حرم الخمر أخبر بالمعنى الذي فيها فقال: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة﴾ فكل لهو دعا قليله إلى كثيره، وأوقع العداوة والبغضاء بين العاكفين عليه، وصد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو كشرب الخمر وأوجب أن يكون حراما مثله. اه (^١).
ومثل هذا خمر كرة القدم التي شربتها كثير من النفوس الغافلة فأبعدها عن ذكر الله تعالى والصلاة، وازدادت العداوة بين أبناء الأب الواحد فضلا عن غيرهم فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
(ولا بأس أن يسلم على من يلعب بها في غير حال اللعب، وأما في حال اللعب فلا يجوز لأنهم متلبسون بمعصية، وورد عن بعض السلف النهي عن ذلك. روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي روق أنه سمع علي بن عبد الله بن عباس يكره الشطرنج ويقول: لا تسلموا على من لعب بها وهي من الميسر (^٢)؛ وعند مالك: لا تسقط الشهادة إلا إذا أدمن والمدمن لا يخلو من الأيمان الحانثة. وأما على وجه الندرة فيجب عليه تركه ولا تسقط عدالته وبئسما صنع ويكره الجلوس إلى من يلعب بها) مخافة أن ينسب إليهم.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٩١)
(٢) «الأدب المفرد» للبخاري (١٠١٩)، قال الألباني: ضعيف الإسناد مقطوع.
[ ٣ / ١٥٢٠ ]
• حكم السباق بين الخيل وغيرها:
ولا بأس بالسبق بالخيل وبالإبل وبالسهام بالرمي بجعل وبغير جعل، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا سبق إلا في خف أو في حافر أو نصل» (^١)، وفي حديث ابن عمر قال: «أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء، وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق» (^٢)، ولا يجوز السبق بغير هذه الثلاثة إلا بغير جعل وإن أخرجا شيئا جعلا بينهما محللا على أنه (يأخذ ذلك المحلل إن سبق) هو؛ أي: المحلل (وإن سبق غيره)؛ أي: غير المحلل من جاعل الجعل (لم يكن عليه)؛ أي: المحلل (شيء) ويأخذ السابق الجميع (هذا قول) الإمام سعيد بن المسيب، وقال إمامنا (مالك) ﵀: (إنما يجوز السبق إلا أن يخرج الرجل) من المتسابقين (سبقا) بفتح الباء؛ أي: جعلا على أن لا يرجع إليه (فإن سبق غيره) وهو الآخر من المتسابقين الذي لم يخرج جعلا (أخذه)؛ أي: أخذ الغير الجعل (وإن سبق هو)؛ أي: الرجل خارج الجعل (كان للذي يليه من المتسابقين وإن لم يكن) ثم (غير جاعل السبق) بفتح الباء؛ أي: الجعل (وآخر) وهو من يسابقه فقط (ف) إنه (إذا سبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك)؛ أي: المسابقة. والمسابقة دون رهان جائزة بإجماع العلماء كما سبق، وخلاصة المسابقة برهان فإنها تجوز في الصور الآتية:
_________________
(١) أبو داود (٢٥٧٤)، إلا أنه لم يذكر النصل، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٦)، وفي الكبرى (٤٤١٠).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٢٩٠)، والبخاري (١/ ١١٤)، ومسلم (٦/ ٣٠). (سابق): من المسابقة وهي السبق الذي يشترك فيه اثنان فأكثر على جائزة أو بدونها. (اضمرت): من الإضمار والضمور وهو الهزال والخيل المضمرة هي التي ذهب رهلها فقوي لحمها واشتد جريها. (الحفياء): موضع بقرب المدينة. (أمدها): غايتها ونهاية المسافة التي تسابق إليها. (ثنية الوداع): الثنية هي الطريق في الجبل وبين ثنية الوداع وبين الحفياء خمسة أميال أو أكثر. (بني زريق): أضيف المسجد إليهم إضافة تمييز لا ملك.
[ ٣ / ١٥٢١ ]
١ - يجوز أخذ المال في المسابقة إذا كان من الحاكم أو من غيره، كأن يقول للمتسابقين: من سبق منكم فله هذا القدر من المال.
٢ - أو يخرج أحد المتسابقين مالا فيقول لصاحبه: إن سبقتني فهو لك. وإن سبقتك فلا شيء لك علي ولا شيء لي عليك.
٣ - إن كان المال من الاثنين المتسابقين أو من الجماعة المتسابقين ومعهم محلل يأخذ هذا المال إن سبق. ولا يغرم إن سبق.
قيل لأنس ﵁: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ؟ أكان رسول الله ﷺ يراهن؟ قال: «نعم والله، لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس له، يقال له: سبحة، فسبق الناس، فانتشى لذلك وأعجبه» (^١).
وأما الصور التي يحرم فيها الرهان: فإنه لا يجوز الرهان في حالة ما إذا كان من كل واحد على أنه إن سبق فله الرهان وإن سبق فيغرم لصاحبه مثله، لأن هذا من باب القمار المحرم.
• حيات المدن وطرق معاملتها:
(وجاء) عن النبي ﷺ (فيما ظهر من الحيات بالمدينة) المشرفة (أن تؤذن)؛ أي: تعلم (ثلاثا)؛ أي: ثلاثة أيام وجوبا، والدليل على طلب الاستئذان ما في «الموطأ» أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منها شيئا فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان» (^٢)، وفي رواية عند مسلم: «إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب، وإلا فاقتلوه، فإنه كافر» وقال لهم: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم» (^٣).
_________________
(١) أحمد (١٢٦٢٧)، والبيهقي (٢٠٢٦٨)، والطبراني في الأوسط (٨٨٥٠)، وحسنه الألباني في غاية المرام (٣٩١).
(٢) أخرجه مالك في «الموطأ» (٦٠٤)، ومسلم في صحيحه (٤/ ١٧٥٦) حديث رقم (٢٢٣٦).
(٣) سبق تخريجه في الحديث السالف.
[ ٣ / ١٥٢٢ ]
وصفة الاستئذان أن تقول: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وأنت مسلم فلا تظهر لنا خلاف اليوم ولا تؤذنا فإن ظهرت لنا قتلناك.
قال القرطبي: قال مالك: أحب إلي أن ينذروا ثلاثة أيام. وقاله عيسى بن دينار، وإن ظهر في اليوم مرارا. ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل: يكفي ثلاث مرار، لقوله ﵇: فليؤذنه ثلاثا، وقوله: «حرجوا عليه ثلاثا ولأن ثلاثا للعدد المؤنث، فظهر أن المراد ثلاث مرات. وقول مالك أولى، لقوله ﵇: «ثلاثة أيام». قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول: أحرج (^١) عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا. وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح ﵇، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان ﵇، فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فاقتلوه».
قلت: وهذا يدل بظاهره أنه يكفي في الإذن مرة واحدة، والحديث يرده. والله أعلم. وقد حكى ابن حبيب عن النبي ﷺ أنه يقول: «أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان ﵇ ألا تؤذينا وألا تظهرن علينا» (^٢)، (ولا تؤذن) الحيات (في الصحراء) ونحوها كالطرقات (ويقتل ما ظهر منها) في الحل والحرم بغير استئذان لحديث ابن مسعود ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا قد حل دمه» (^٣)، وحديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل حية، فله سبع حسنات، ومن
_________________
(١) التحريج: أي في حرج ومشقة وضيق إن ظهرت مرة أخرى.
(٢) الجامع لأحكام القرآن القرطبي (١/ ٣١٧) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾ [البقرة: ٣٦].
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٢/ ١٧٢)، وأحمد (١/ ٣٩٥ و٤٢١)، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٢٥٦)، والطبراني في الكبير (٣/ ١/ ٦٤)، ورواه البزار (١٢٢٩ - كشف الأستار)، وضعفه الألباني كما في السلسلة الضعيفة (٤٦٢٧)، وانظر: التمهيد حيث نقل خلاف العلماء في قتل الحيات (١٦/ ٢٣).
[ ٣ / ١٥٢٣ ]
قتل وزغا، فله حسنة، ومن ترك حية مخافة عاقبتها فليس منا» (^١).
(ويكره قتل القمل والبراغيث) وغيرهما كالبق والبعوض (بالنار) للنهي عن التعذيب بالنار لما في حديث ابن عباس ﵄، ولأمره ﷺ بالإحسان في القتل بقوله: «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة …» من حديث شداد بن أوس ﵁ (^٢) ما لم تضر لكثرتها فيجوز.
(ولا بأس إن شاء الله بقتل النمل إذا آذت ولم يقدر على تركها) قال الأزهري: وأتى الشيخ بالمشيئة كأنه من عنده لم يقف فيه لمالك على شيء؛ ويمكن الاستشهاد على ذلك بحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار، فأوحى الله إليه: فهلا نملة واحدة» (^٣) قلت: بل ذكر في «الجامع»: «أن مالكا سئل عن النمل يؤذي السقف قال: إن قدرتم أن تمسكوا عنها فافعلوا وإن أضرت بكم ولم تقدروا على تركها فأرجو أن يكون من قتلها في سعة». اه (^٤).
(ولو لم تقتل) النمل (كان أحب إلينا) إن كان يقدر على تركها بأن أمكنه التبعد عنها، لحديث ابن عباس ﵄ «إن النبي ﷺ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد» (^٥)
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣٩٨٤)، وقال في المجمع (٤/ ٥٦): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح، إلا أن المسيب بن رافع لم يسمع من ابن مسعود والله أعلم.
(٢) تقدم تخريجه في الذكاة.
(٣) البخاري (٣٣١٩).
(٤) الجامع لابن أبي زيد القيرواني (٢٧٤).
(٥) أخرجه أبو داود (٥٢٦٧)، وابن ماجه (٣٢٢٤)، وعبد الرزاق (٨٤١٥)، وأحمد (٣٤٧)، والدارمي (٢/ ٨٨ - ٨٩)، وابن حبان (١٠٧٨) موارد، والبيهقي (٩/ ٣١٧)، وله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٠٧٤)، (٣٢٢٣)، من طريق إبراهيم بن الفضل عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ: «عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد. قال البوصيري في =
[ ٣ / ١٥٢٤ ]
(ويقتل الوزغ) حيث وجد لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل وزغا في أول ضربة كتبت له مائة حسنة، وفي الثانية دون ذلك، وفي الثالثة دون ذلك» (^١) وفي رواية لمسلم، ولأبي داود: «من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة، لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة، لدون الثانية» (^٢).
ويكره قتل الضفادع ما لم تؤذ وإلا جاز قتلها. لحديث عبد الرحمن بن عثمان «أن طبيبا سأل النبي ﷺ عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه النبي ﷺ عن قتلها» (^٣)، وحديث عبد الله بن عمرو قال: «نهى النبي ﷺ، عن قتل الضفدع» وقال: «إن نقيقها تسبيح» (^٤).
(وقال النبي ﵊: «إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها» والعبية (^٥) التكبر والتجبر، بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي)؛ أي: لأنكم ما بين مؤمن تقي؛ أي: ممتثل للمأمورات مجتنب للمنهيات فيكون مرتفعا عند الله بتقواه وإن لم يكن نسيبا، أو فاجرا؛ أي: كافر شقي بعدم تقواه، ولو كان نسيبا فالتفاضل بالآباء لا يكسب شيئا (أنتم بنو آدم وآدم من تراب) فكيف تتكبرون وتفتخرون، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم
_________________
(١) = «الزوائد» (٣/ ٦٥): هذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن الفضل المخزومي. انظر: التلخيص (٢/ ٥٨٤).
(٢) رواه مسلم (٢٢٤٠).
(٣) مسلم (٥٩٠٧) وفي (٥٩٠٨)، وأبو داود (٥٢٦٣).
(٤) أبو داود (٣٨٧١ و٥٢٦٩)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، وفي «الكبرى» (٤٨٤٨).
(٥) رواه البيهقي (٩/ ٣١٨)، وقال الحافظ: موقوف. تلخيص الحبير (٢/ ٥٨٤). ورواه الطبراني في الصغير كما في المجمع (٦٠٩١)، وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه المسيب بن واضح وفيه كلام وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٦) عبية، وعبية بالضم والكسر، وأصله من العبء وهو الثقل.
[ ٣ / ١٥٢٥ ]
جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخراء بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب) (^١).
وقال النبي ﵊ في رجل تعلم أنساب الناس مثل أن يقول: فلان ابن فلان من بني فلان، وبنو فلان يجتمعون مع بني فلان: (علم لا ينفع في الدنيا ولا في الآخرة وجهالة لا تضر) (^٢).
وقال عمر بن الخطاب ﵁: (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر (^٣)، وعن سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ يقول على المنبر: تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء لو كان يعلم ما بينه وبينه من دخلة الرحم؛ لردعه ذلك عن انتهاكه (^٤)، وقد ورد مرفوعا إلى النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ (^٥) وغيره فكان ذكره أولى،
_________________
(١) أبو داود (٥١١٨)، والترمذي (٣٩٥٥، ٣٩٥٦)، وقال الترمذي: واللفظ له حديث حسن، قال الشيخ الألباني: «صحيح». انظر: حديث رقم (٥٤٨٢) في صحيح الجامع.
(٢) كما قال في الكنز (٢٩١٥٦): رواه ابن عبد البر في كتابه الجامع في بيان العلم وفضله، عن أبي هريرة. وقال الألباني في الضعيفة (٣٨٧٢): ضعيف. قال الغماري في مسالك الدلالة (٤٩٢): وقد جزم غير واحد من الحفاظ ببطلان هذا الحديث كابن رجب وغيره، وقال الحافظ: إن بقية لا يحتمل مثل هذا الباطل والمتهم به سليمان فإن توبع فلعله مما دلسه بقية فلا يقال لمن جهله جاهل
(٣) رواه الترمذي (١٩٧٩) عن أبي هريرة ﵁. انظر: حديث رقم (٢٩٦٥) في صحيح الجامع، وله أصل في صحيح البخاري: «من سره أن يبسط الله له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه».
(٤) البخاري في الأدب المفرد (٧٢)، مسند الشاميين (٣٢٠٢)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٥٣).
(٥) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٤) (٨٨٥٥) م. والترمذي (١٩٧٩)، وحسنه. كما قال الحافظ وسكت عنه في الفتح (١٠/ ٤١٥).
[ ٣ / ١٥٢٦ ]
والنسب: وهو كل من بينك وبينه قرابة (وقال مالك الله: (وأكره أن يرفع في النسبة فيما قبل الإسلام من الآباء مثل أن يعد أجداده المسلمين حتى يبلغ الكفار لحديث أبي ريحانة ﵁ قال النبي ﷺ: «من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وكرما، فهو عاشرهم في النار» (^١).
وقوله: (والرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ومن رأى في منامه ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا وليتعوذ من شر ما رأى) تكرار مع ما تقدم ولا ينبغي)؛ بمعنى: يحرم أن يفسر الرؤيا من لا علم له بها لأنه يكون كاذبا ومخالفا لقوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ [الإسراء: ٣٦]، ولا يعبرها)؛ أي: الرؤيا المعبر (على الخير وهي عنده على المكروه) وهذا نهي تحريم لأنه كذب وغرر بالرائي فإن ظهر له خير ذكره، وإن ظهر له مكروه يقول: خيرا إن شاء الله وقد تقدم الكلام قريبا عن هذا وغيره.
• حكم إنشاد الشعر ونظمه:
(ولا بأس بإنشاد الشعر) إذا لم يكن فيه ذم أحد (وما خف من إنشاد (الشعر) ونظمه لقوله ﷺ: «إن من الشعر حكمة» من حديث أبي بن كعب ﵁ (^٢)، ولأن الشعر أنشد بين يدي رسول الله ﷺ وأنشده هو واستنشد غيره كأبي بكر وعائشة ﵄ وذلك في وقائع متعددة يطول ذكرها، وقد ذكر التاج السبكي الكثير منها في مقدمة الطبقات الكبرى، فهو أحسن ولا ينبغي أن يكثر منه و) لا (من الشغل به) لأن ذلك بطالة مما كان أولى واشتغال بغير الأولى وقد قال الشافعي رحمه الله تعالى:
ولولا الشعر بالعلماء يزري … لكنت اليوم أشعر من لبيد
_________________
(١) رواه أحمد (٤/ ١٣٤)، وأبو يعلى (١٤٣٩)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/ ٣٢٥ و٢/ ٣٦٣)، والبيهقي في «الشعب» (٢/ ٨٨/ ١)، وابن عساكر (٨/ ٦٥/ ١)، وضعفه الألباني كما في السلسلة الضعيفة (٢٤٣١).
(٢) البخاري (٨/ ٤٢) (٦١٤٥)، وفي «الأدب المفرد» (٨٥٨)، وابن ماجه (٣٧٥٥).
[ ٣ / ١٥٢٧ ]
قد قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: «ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا قد قال الشعر، أو تمثل به، أو سمعه، فرضيه ما كان حكمه مباحا ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى» (^١).
• أفضل العلوم وأشرفها:
(وأولى العلوم وأفضلها وأقربها)؛ أي: التي يتقرب بها (إلى الله تعالى علم دينه)؛ أي: العلم المشتمل على العقائد الدينية كتوحيد الباري ومعرفة أسمائه وصفاته (و) علم (الشرائع) وهو علم الحلال والحرام والشرائع النسب التامة (مما أمر الله (به) من الواجبات والمندوبات ونهى عنه) من المحرمات والمكروهات (ودعا إليه وحض عليه في كتابه) وعلى لسان نبيه محمد ﷺ (والفقه في ذلك)؛ أي: في فهم دين الله وعلم شرائعه، لقول النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (^٢) من حديث معاوية، وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة» (^٣).
قال الغزالي رحمه الله تعالى: «العلم عبادة القلب، وصلاة السر، وقربة الباطن، وكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر عن الأحداث والأخباث، فكذلك لا تصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته عن خبائث الأخلاق وأنجاس الأوصاف» (^٤).
وكان الإمام الزاهد داود بن نصير الطائي (^٥) رحمه الله تعالى يقول:
_________________
(١) جامع أحكام القرآن، (١٣/ ١٥١).
(٢) رواه البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧).
(٣) انظر: جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٥٥)، وقال ابن القيم في مفتاح السعادة (١/ ١٢٠)، وحسبه أن يصل إلى معاذ ﵁.
(٤) الإحياء للغزالي (١/ ٤٨)، وانظر: تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة (٦٧)، وتوشيح حلية طالب العلم للمؤلف.
(٥) قال الذهبي: مناقب داود كثيرة كان رأسا في العلم والعمل، ولم يسمع بمثل جنازته حتى قيل: بات الناس ثلاث ليال مخافة أن يفوتهم شهوده. السير في ترجمته.
[ ٣ / ١٥٢٨ ]
«كفى باليقين زهدا، وكفى بالعلم عبادة، وكفى بالعبادة شغلا» (^١).
فدل على أن الفقه في الدين أشرف العلوم وأفضلها وأولاها بالعناية وهو بمعنى قوله: (والفهم فيه والتهمم)؛ أي: الاهتمام (برعايته)؛ أي: بحفظه وقد قال ﷺ: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم» من حديث عن ابن عباس ﵄ في قصة وفد عبد القيس (^٢)، وفيه فائدة جليلة في حفظ الشريعة صدرا وكتابة.
(والعمل به) وإنما كان العمل به أفضل وأقرب إلى الله تعالى لأن ثمرة العلم العمل ثم بين أفضل الأعمال فقال: (والعلم أفضل الأعمال) أراد به علم الدين وعلم الشرائع لحديث ابن عم ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع» (^٣)، ولحديث حذيفة ابن اليمان ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ: «العلم خير من فضل العبادة وخير دينكم الورع» (^٤)، وأدلة تفضيل العلم على العبادة وكونه أشرف الأعمال كثيرة منها عقلية ونقلية وهي مبسوطة في محلها (وأقرب العلماء إلى الله تعالى وأولاهم به أكثرهم له خشية) قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «أصل العلم خشية الله تعالى». وروى الخطيب بسنده عن الحسن البصري أنه قال: كان الرجل يطلب العلم، فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه، وهديه ولسانه، وبصره، ويده (^٥).
_________________
(١) حلية الأولياء (٣٤٣/ ٧)، والسير (٤٢٤/ ٧).
(٢) أخرجه البخاري في (٢ - كتاب الإيمان: ٤٠ باب أداء الخمس من الإيمان)، ومسلم (١٢٥).
(٣) رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه محمد بن أبي ليلى ضعفوه لسوء حفظه، كما في المجمع (٤٧٩) (١٤٤/ ١)، وضعفه الألباني فقال «ضعيف». انظر: حديث رقم (١٠٢٤) في ضعيف الجامع.
(٤) كما في المجمع (٤٧٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار وفيه عبد الله بن عبد القدوس وثقه البخاري وابن حبان وضعفه ابن معين وجماعة. وكما ترى حسنه الغماري، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (١/ ١٦ و٢/ ١٥٢). وسنده حسن.
(٥) الجامع (٢/ ٢٥٨).
[ ٣ / ١٥٢٩ ]
قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم. وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله تعالى.
وقد قيل: العلم بلا عمل جنون، وعمل بلا علم لا يكون.
إذا لم يزد علم الفتى قلبه هدى … وسيرته عدلا، وأخلاقه حسنا
فبشره أن الله أولاه فتنة … تغشيه حرمانا وتوسعه حزنا (^١)
(و) أكثرهم (فيما عنده رغبة)؛ أي: رجاء (والعلم دليل إلى الخيرات وقائد إليها) قال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقا يلتمس فيها علما سهل الله له طريقا إلى الجنة» (^٢) (واللجأ) بفتح اللام والجيم؛ أي: الاستناد والرجوع (إلى كتاب ﷿)؛ أي: القرآن (و) إلى (سنة نبيه) محمد ﷺ وهي أقواله وأفعاله وتقريراته، (و) إلى (اتباع سبيل)؛ أي: طريق (المؤمنين) المراد بها هنا الإجماع قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ [النساء: ١١٥]، (و) اتباع (خير القرون) وهم الصحابة ﵃ أجمعين (من خير أمة أخرجت للناس) قال النبي ﷺ: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله» (^٣).
وقال تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له﴾
_________________
(١) انظر: توشيح حلية طالب العلم للمؤلف، ط: دار ابن حزم ..
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ١٩٦) (٢٢٠٥٩)، وأبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣) وقال الألباني: «صحيح». انظر: حديث رقم (٦٢٩٧) في صحيح الجامع.
(٣) الموطأ (١٧٢٧) كتاب الجامع «باب النهي عن القول بالقدر»، قال الإمام الزرقاني: مر أن بلاغه صحيح كما قال ابن عيينة، وقد أخرجه ابن عبد البر من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وعزاه للحاكم، شرح الموطأ (٤/ ٣٠٧)، ط: دار الكتب العلمية بيروت، قلت: له شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه الحاكم (١/ ٩٣) وقد صح من غير بلاغ الموطأ في غير حديث.
[ ٣ / ١٥٣٠ ]
معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤] قال ابن عباس: «تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة»، ثم قرأ هذه الآية.
وقوله: (نجاة) خبر اللجأ ثم بين ثمرة الرجوع إلى هذه الثلاثة بقوله: (ففي المفزع)؛ أي: اللجأ (إلى ذلك)؛ أي: الكتاب والسنة والإجماع والسلف الصالح (العصمة)؛ أي: الحفظ (وفي اتباع) سبيل (السلف الصالح) وهم أهل القرون الثلاثة الأول من العلماء العاملين ومن اتصف بأوصافهم من المتأخرين (النجاة)؛ أي: الخلاص، وقال عبد الله بن مسعود ﵁ كما في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: «من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد ﷺ؛ فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا، قوما اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدي المستقيم» (^١).
وفيه أيضا: «أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الناس أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ».
وفيه عن عروة بن الزبير أنه قال: «السنن! السنن! فإن السنن قوام الدين» (^٢).
ولقد أحسن من قال:
دين النبي محمد أخبار … نعم المطية للفتى آثار
لا ترغبن عن الحديث وأهله … فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر الهدى … والشمس بازغة لها أنوار
وقال آخر وأحسن فيما قال:
الفقه في الدين بالآثار مقترن … فاشغل زمانك في فقه وفي أثر
_________________
(١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (٢/ ٩٧).
(٢) وانظر: فتح الباري (١٣/ ٣٠١).
[ ٣ / ١٥٣١ ]
فالشغل بالفقه والآثار مرتفع … بقاصد الله فوق الشمس والقمر
وكرر المصنف ما تقدم ليرتب عليه قوله: (وهم القدوة في تأويل ما تأولوه، واستخراج ما استنبطوه) وكما قال الإمام مالك في كلمته المشهورة عنه: «لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها» (^١). (وإذا اختلفوا في الفروع والحوادث)؛ أي: النوازل (لم يخرج عن جماعتهم)؛ أي: الصحابة لأن إجماعهم حجة يجب إتباعه وتحرم مخالفته (والحمد لله الذي هدانا)؛ أي: وفقنا (ل) تأليف (هذا) الكتاب والاقتدار عليه (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) ثم بين أنه وفى بما شرطه في ديباجة كتابه فقال: (قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: قد أتينا على ما شرطنا في أول كتابنا أن نأتي به في كتابنا هذا) من المسائل (مما ينتفع به إن شاء الله تعالى من رغب في تعليم ذلك من الصغار، ومن احتاج إليه من الكبار وفيه ما يؤدي)؛ أي: يبلغ (الجاهل إلى علم ما يعتقده من دينه) وهو ما ذكره في العقيدة ويعمل به من فرائضه كالطهارة والصوم والحج (و) (يفهم كثيرا من أصول الفقه وفنونه)؛ أي: فروعه (و) يفهم كثيرا (من السنن والرغائب والآداب) كما علمت ذلك كله ولله الحمد (وأنا أسأل الله ﷿)؛ أي: أطلب منه (أن ينفعنا وإياك بما علمنا ويعيننا وإياك على القيام بحقه فيما كلفنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وصحبه) وأزواجه وذريته (وسلم تسليما كثيرا).
_________________
(١) انظر: تنقيح تحقيق أحاديث التعليق لابن عبد الهادي (٢/ ٤٢٣).
[ ٣ / ١٥٣٢ ]