• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(والبينة على المدعي واليمين على من أنكر ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظنة كذلك قضى حكام أهل المدينة، وقد قال عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.
وإذا نكل المدعى عليه لم يقض للطالب حتى يحلف فيما يدعي فيه معرفة، واليمين بالله الذي لا إله إلا هو، ويحلف قائما وعند منبر الرسول ﷺ في ربع دينار فأكثر وفي غير المدينة يحلف في ذلك في الجامع وموضع يعظم منه.
ويحلف الكافر بالله حيث يعظم.
وإذا وجد الطالب بينة بعد يمين المطلوب لم يكن علم بها قضي له بها وإن كان علم بها فلا تقبل منه وقد قيل: تقبل منه.
ويقضى بشاهد ويمين في الأموال، ولا يقضى بذلك في نكاح أو طلاق أو حد ولا في دم عمد أو نفس إلا مع القسامة في النفس وقد قيل: يقضى بذلك في الجراح).
الشرح
الأقضية: جمع قضاء ويستعمل لغة: بمعنى الحكم، والفراغ، والهلاك، والأداء، والإنهاء، والمضي، والصنع، والتقدير.
واصطلاحا: ما قال ابن رشد: القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام، وهو من فروض الكفاية؛ أي: عند تعدد من يقوم به لما فيه من
[ ٣ / ١٢٨٢ ]
المصالح التي لا بد منها (^١).
وقد يعرض له الوجوب العيني كما إذا انفرد إنسان بشروطه، وخاف ضياع الحق على أربابه أو نفسه إن لم يتول القضاء، وقد تعرض له الحرمة ككونه جاهلا أو قاصدا به تحصيل الدنيا، أو جائرا، والحكم بالعدل من أفضل أعمال البر، والجور في الأحكام من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا﴾ [الجن: ١٥].
ومن شروطه الاجتهاد، فلا تصح ولاية مقلد مع وجود مجتهد.
وبدأ المصنف بحديث صحيح فقال: (والبينة على المدعي واليمين على من أنكر) كما قال النبي ﷺ (^٢)، فعن ابن أبي مليكة قال: كتب إلي ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم ادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». - وفي رواية: «كتبت إلى ابن عباس فكتب إلي أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه» (^٣). ومن حديثه أيضا بلفظ: «لكن اليمين على المدعى عليه»؛ قال في «فتح الباري»: اتفقوا على أنها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء حتى تقرن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها (^٤). قال بعض الشيوخ: المدعي هو الذي يقول: كان، والمدعى عليه هو الذي يقول: لم يكن.
وجعلت البينة على المدعي لأن جانبه أضعف من أجل أنه يريد أن يثبت، وجعلت اليمين على من أنكر لأنه أقوى جانبا من أجل أنه يدعي الأصل إذ الأصل براءة الذمة.
_________________
(١) الثمر الداني (٦٠٤)، وحاشية العدوي (٢/ ٤٣٩)، ومواهب الجليل (٨/ ٦٤).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢١٧٣٣). قال الحافظ ابن عبد البر: وهذا الحديث وإن كان في إسناده لين فإن الآثار المتواترة في حديث هذا الباب تعضده التمهيد (٢٣/ ٢٠٤).
(٣) البخاري (٣/ ١٨٧) (٢٥١٤)، ومسلم (٥/ ١٢٨) (٤٤٩٠)، وأبو داود (٣٦١٩)، والترمذي (١٣٤٢).
(٤) فتح الباري (١٢/ ٢٠١).
[ ٣ / ١٢٨٣ ]
قال ابن دقيق العيد: «الحديث دليل على أنه لا يجوز الحكم إلا بالقانون الشرعي، الذي رتب، وإن غلب على الظن صدق المدعي» (^١).
(ولا يمين)؛ أي: ولا يقضى بيمين (حتى يثبت الخلطة أو الظنة) بكسر الظاء التهمة، وتثبت الخلطة بإقرار المدعى عليه أو بشهادة عدلين أو عدل واحد ويحلف المدعي معه، والظنة إنما تكون في حق السارق والغاصب، فالخلطة في المعاملات، والظنة لأهل الغصوبات.
(وكذلك قضى حكام أهل المدينة) وإجماع أهل المدينة ﵃ حجة، فيخصص به الحديث؛ أي: قوله ﷺ: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»؛ أي: فإن ظاهر الحديث أن اليمين متوجهة مطلقا، فيخصص بأن يكون بينهما خلطة.
فقد روى مالك في «الموطأ» (^٢) عن حميد بن عبد الرحمن المؤذن أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز وهو يقضي بين الناس فإذا جاءه الرجل يدعي على الرجل حقا نظر فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف الذي ادعى عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك لم يحلفه؛ قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا أنه من ادعى على رجل بدعوى نظر، فإن كانت بينهما مخالطة أو ملابسة أحلف المدعى عليه فإن حلف بطل ذلك الحق عنه، وإن أبى أن يحلف ورد اليمين على المدعي فحلف طالب الحق أخذ حقه. اه.
وإن ذلك من الأقضية المحدثة بقدر ما أحدث الناس من الفجور، وأكد ذلك بقوله: (وقد قال عمر بن عبد العزيز ﵁: تحدث للناس أقضية)؛ أي: أحكام مستنبطة بحسب الاجتهاد مما ليس فيه نص (بقدر ما أحدثوا من الفجور) ولا يخفى أن عمر بن عبد العزيز من الأئمة المقتدى بهم قولا وفعلا (^٣)، ولا يعارض هذا بقوله: وترك كل ما أحدثه المحدثون، لأن ذلك فيما لم يستند إلى كتاب ولا سنة ولا إجماع.
_________________
(١) إحكام الأحكام لابن دقيق العيد (١/ ٤٧٠).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤٩٩).
(٣) انظر ترجمته الزكية في سير أعلام النبلاء (٥/ ١١٥).
[ ٣ / ١٢٨٤ ]
(وإذا نكل المدعى عليه) بأن قال: لا أحلف مثلا (لم يقض)؛ أي: لم يحكم (للطالب) وهو المدعي بمجرد نكول المدعى عليه (حتى يحلف) الطالب (فيما يدعي فيه معرفة)؛ أي: علما بصفة الشيء المدعى فيه وقدره، وهذا في دعوى التحقيق، قال ابن رجب: «كل عين لم يدعها صاحب اليد، فمن جاء فوصفها بأوصافها الخفية فهي له».
وأما دعوى التهمة كأن يتهم شخصا بسرقة مال، فإنه لا يحلف الطالب بل يغرم المدعى عليه بمجرد نكوله ولا ترد على المدعي إلا في دعوى التحقيق. (واليمين) في الحقوق كلها (بالله)؛ أي يقول: والله ﴿الذي لا إله إلا هو﴾ ولا يزيد على ذلك ولا ينقص عنه وهذا عام في جميع الناس المسلم والكتابي؛ لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال لرجل حلفه: «احلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما له عندك شيء»؛ يعني: للمدعي (^١).
وقيل: لا يزاد على الكتابي الذي لا إله إلا هو، بل يقول: والله فقط.
(ويحلف قائما) تغليظا عليه، فلو حلف جالسا لم يجز بناء على أن التغليظ واجب وهو المعتمد. (وعند منبره ﷺ في ربع دينار فأكثر) إن كان بالمدينة المشرفة لأن ذلك أردع للحالف لما قدمناه في القسامة إلا كون الحلف عند منبر النبي ﷺ يكون في ربع دينار فأكثر فإنه لم يتقدم له ذكر هناك ودليله أن الموضع يلزم تعظيمه فلا يحلف فيه على الشيء التافه لأنه ابتذال له وربع دينار جعله الشارع حدا لما يقطع فيه فدل على اعتباره إذ لو كان تافها لما قطعت يد الآدمي المحترم فيه.
(و) إن كان (في غير المدينة) المشرفة (يحلف في ذلك)؛ أي: في ربع دينار فأكثر (في الجامع) الذي تصلى فيه الجمعة (و) يكون ذلك (بموضع يعظم منه) بكسر الظاء وهو المحراب فإن أبى أن يحلف هناك عد نكولا منه.
(ويحلف الكافر) كتابيا أو مجوسيا (بالله حيث يعظم) بكسر الظاء؛
_________________
(١) أبو داود (٢٦٢٢٣) وضعفه الألباني.
[ ٣ / ١٢٨٥ ]
أي: في المكان الذي يعتقد تعظيمه فاليهودي يحلف في بيعته، والنصراني في كنيسته، والمجوسي في بيت النار.
(وإذا وجد الطالب) وهو المدعي (بينة بعد يمين المطلوب) وهو المدعى عليه (و) الحال أن المدعي لم يكن يعلم بها؛ أي: بالبينة (قضى له بها) سواء كانت حاضرة أو غائبة غيبة قريبة لأن اليمين لا تبرئ الذمة، وإنما شرعت لقطع الخصومة، قال ابن الماجشون: وإنما يقضى له بها بعد أن يحلف أنه ما علم وبهذا كان يحكم شريح ويقول: «البينة العادلة أحق من اليمين الفاجرة» (^١)، (و) أما (إن) كان (علم بها)؛ أي: بالبينة وهي حاضرة (فلا تقبل منه) على المشهور (وقد قيل: تقبل منه) وصححه ابن القصار.
(ويقضى بشاهد ويمين في الأموال) وما أدى إلى الأموال مثل أن يدعي أحدهما أن البيع وقع على الخيار، والآخر على البت، فالقول قول مدعي البت إلا أن يأتي مدعي الخيار بشاهد ويمين، وعبر بمثل ليدخل في ذلك الإجارة وجراحات الخطأ والكتابة.
لحديث عمرو بن دينار عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد» (^٢)، وفي رواية: قال عمرو في الأموال، وزاد أحمد في رواية،
_________________
(١) رواه البخاري معلقا والبغوي في الجعديات، وورد من قول طاووس وإبراهيم وشريح كما في البخاري (٢٧ - باب من أقام البينة بعد اليمين)، وانظر: الفتح (٥/ ٢٨٨) قال الحافظ: وقول شريح فوصله البغوي في الجعديات من طريق ابن سيرين عن شريح قال: من ادعى قضائي فهو عليه حتى يأتي ببينة الحق أحق من قضائي الحق أحق من يمين فاجرة، وذكر بن حبيب في الواضحة بإسناد له عن عمر قال: البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة. قال أبو عبيد: إنما قيد اليمين بالفاجرة إشارة إلى أن محل ذلك ما إذا شهد على الحالف بأنه أقر بخلاف ما حلف عليه فتبين أن يمينه حينئذ فاجرة، وإلا فقد يوفى الرجل ما عليه من الحق ويحلف على ذلك وهو صادق ثم تقوم عليه البينة التي شهدت بأصل الحق ولم يحضر الوفاء فلا تكون اليمين حينئذ فاجرة، وأخرجه البيهقي (١٠/ ١٨٢).
(٢) مسلم (٥/ ١٢٨) (٤٤٩٢)، وأبو داود (٣٦٠٨)، والنسائي في «الكبرى» (٥٩٦٨)، وابن ماجه (٢٣٧٠).
[ ٣ / ١٢٨٦ ]
قال زيد بن الحباب: سألت مالك بن أنس عن اليمين والشاهد، هل يجوز في الطلاق والعتاق؟ فقال: «لا، إنما هذا في الشراء، والبيع، وأشباهه» (^١).
(ولا يقضى بذلك)؛ أي: بالشاهد واليمين (في نكاح أو طلاق أو حد) وإنما يقضى في هذه المذكورات بعدلين.
قال في «المدونة»: «ومن ادعى نكاح امرأة وأنكرت فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهدا» (^٢).
ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين وصورة ذلك في الطلاق أن تدعي المرأة أن زوجها طلقها وأقامت شاهدا واحدا لا تحلف معه ولا يلزمه الطلاق، ومثال ذلك في الحد أن يدعي رجل على آخر أنه قذفه وأقام شاهدا واحدا لا يحلف معه ولا يحد القاذف.
(و) كذلك (لا) يقضى بشاهد ويمين (في دم عمد) كأن يدعي شخص على آخر أنه جرحه عمدا وأقام شاهدا واحدا، فإنه لا يحلف معه، وإنما ترد اليمين على الجاني فإن حلف برئ، وإن نكل سجن، فإن طال سجنه دين وأخرج.
(أو) قتل (نفس) لما سبق من قول عمرو بن دينار أن ذلك في الأموال، ولحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «قضى الله ورسوله في الحق بشاهدين، إن جاء بشاهدين أخذ حقه، وإن جاء بشاهد واحد حلف مع شاهده» (^٣)، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «قضى النبي ﷺ بيمين وشاهد في الحقوق» (^٤) وروى البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه: «أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد؛ يعني: في الأموال». قال الحافظ: وحديث القضاء بالشاهد واليمين جاء من
_________________
(١) أحمد (٢٩٦٨).
(٢) المدونة (٥/ ٤٧).
(٣) الدارقطني (٤/ ٢١٣) (٣٢).
(٤) البيهقي (٢١١٧٤) وقال: هو مرسل.
[ ٣ / ١٢٨٧ ]
طرق كثيرة مشهورة بل ثبت من طرق صحيحة متعددة، فمنها ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ «قضى بيمين وشاهد» (^١) وقال مسلم في «التمييز»: «إنه حديث صحيح لا يرتاب في صحته، وقال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في صحته ولا إسناده» (^٢). وروى إسماعيل القاضي بسنده عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون: «لا تكون اليمين مع الشاهد في الطلاق، ولا العتاق، ولا الفرية»، وقال مالك في «الموطأ»: بلغني أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار سئلا: هل يقضى باليمين مع الشاهد فقالا: نعم، قال مالك: مضت السنة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد يحلف صاحب الحق مع شاهده، ويستحق حقه، فإن نكل وأبى أن يحلف أحلف المطلوب، فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه، قال مالك: «وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة، ولا يقع ذلك في شيء من الحدود، ولا في نكاح، ولا في طلاق، ولا في عتاقة، ولا في سرقة، ولا في فرية» (^٣).
ثم استثنى من عدم قبول الشاهد واليمين في قتل النفس، قوله:
(إلا مع القسامة في النفس) مراده أنه يقضى بالقسامة مع الشاهد الواحد من غير يمين، وإن كان ظاهر اللفظ لا يعطيه، فإن ظاهره أنه لا يقضى بالشاهد واليمين في قتل نفس عمدا إلا مع القسامة في النفس فيقضى بالشاهد واليمين مع القسامة، وهذا لم يقل به أحد.
(وقد قيل يقضى بذلك)؛ أي: بالشاهد واليمين (في الجراح) مطلقا سواء كان عمدا أو خطأ لحكم عمر بن عبد العزيز بذلك، وبقول بعضهم أنه استحسان، وقد اعترض على المصنف بتعريضه لهذا القول مع أنه المشهور، وتقديم غيره عليه مع أنه خلاف المشهور.
_________________
(١) مسلم: الأقضية ح (١٧١٢) فؤاد عبد الباقي.
(٢) الفتح (٥/ ٢٨٢) التمهيد (٢/ ١٥٣)، وشرح الزرقاني (٣/ ٤٩٢).
(٣) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤٩٤).
[ ٣ / ١٢٨٨ ]
• المسائل التي تجوز فيها الشهادة والتي لا يجوز:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال ومائة امرأة كامرأتين وذلك كرجل واحد يقضى بذلك مع رجل أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال وشبهه جائزة.
ولا تجوز شهادة خصم.
ولا ظنين ولا يقبل إلا العدول.
ولا تجوز شهادة المحدود.
ولا شهادة عبد ولا صبي ولا كافر.
وإذا تاب المحدود في الزنا قبلت شهادته إلا في الزنا.
ولا تجوز شهادة الابن للأبوين ولا هما له.
ولا الزوج للزوجة ولا هي له.
وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه.
ولا تجوز شهادة مجرب في كذب.
أو مظهر لكبيرة.
ولا جار لنفسه.
ولا دافع عنها (^١).
ولا وصي ليتيمه وتجوز شهادته عليه).
الشرح
المسائل التي تجوز فيها شهادة النساء:
(ولا تجوز شهادة النساء) فيما هو شأن الرجال (إلا في الأموال) وما
_________________
(١) في نسخة الحلبي: ولا جار لنفسه (نفعا) ولا دافع عنها (ضررا).
[ ٣ / ١٢٨٩ ]
يتعلق بها كالإجارة لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه …﴾ إلى قوله … ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] فنص على ذلك في السلم كما قال ابن عباس في تفسير الآية وقد تقدم حديثه في السلم، وقيس عليه المال وكل ما يقصد به المال، أما غير المال فلا تجوز شهادة النساء فيه لأن الله لم ينص على شهادتهن إلا في الأموال، ونص على الرجال في القذف فقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤] وقال في الطلاق: ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن …﴾ إلى قوله … ﴿فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] فلم ينص على النساء إلا في الأموال فدل على اختصاص شهادتهن بها.
ولما جاء عن الزهري قال: «مضت السنة من رسول الله ﷺ والخليفتين بعده أنه لا تجوز شهادة النساء في الحدود، والنكاح، والطلاق» (^١).
وعلل القرطبي قبول الشهادة في الأموال دون غيرها فقال: «لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها.
فجعل فيها التوثق تارة بالكتابة، وتارة بالإشهاد، وتارة بالرهن، وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك النساء مع الرجال» (^٢).
(ومائة امرأة كامرأتين) وذلك كرجل واحد يقضي بذلك مع رجل أو مع اليمين (فيما يجوز فيه شاهد ويمين، وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال) وهو النطق بأن يشهدن أنه نزل مستهلا، وفائدة ذلك الإرث له أو منه، (وشبهه) مثل عيوب الفرج أو البدن (جائزة) ولا يعارض هذا الحصر في قوله: ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال لأن ذلك مخصوص بما قيدنا به كلامه من قولنا فيما هو من شأن الرجال.
_________________
(١) التحقيق في أحاديث الخلاف لابن الجوزي (٢/ ٢٦٩)، وتلخيص الحبير (٤/ ٢٠٧).
(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٣/ ٣٩١).
[ ٣ / ١٢٩٠ ]
وعن ابن شهاب قال: «مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، من ولادات النساء وعيوبهن» (^١).
وعن ابن عمر قال عمر ﵁: «لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه إلا هن من عورات النساء، وما يشبه ذلك من حملهن وحيضهن». وروي أيضا مثل ذلك عن سعيد بن المسيب (^٢).
• شهادة الخصم والمتهم:
(ولا تجوز شهادة خصم على خصمه (ولا) شهادة (ظنين) بالظاء وهو المتهم في دينه بارتكاب أمر لا يجوز شرعا، لحديث عمرو بن شعيب الآتي قريبا، وما رواه مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين» ووصله البزار في «مسنده» من طرق عن عمر ﵁، واعتمد الشافعي هذا الخبر (^٣).
(ولا يقبل) في الشهادة إلا العدول) ليست العدالة أن يتمحض الرجل للطاعة حتى لا يشوبها معصية لأن ذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الصديقون ولكن المراد من كانت الطاعة أكثر أحواله وهو مجتنب للكبائر. لقوله تعالى: ﴿ذوا عدل منكم﴾ [المائدة: ٩٥]، (و) كذلك (لا) تجوز (شهادة المحدود في الزنى) مثلا ما لم يتب، أما إن تاب فسينص عليه. قال تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور: ٤]، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه» (^٤)، الغمر: الحقد، ورواه أحمد وأبو داود بدون ذكر
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (٧/ ٣٣٢)، والمصنف لابن أبي شيبة (٥/ ٨٢).
(٢) مصنف عبد الرزاق (٨/ ٣٣٣).
(٣) شرح الزرقاني (٣/ ٤٩٠)، وقال البيهقي: أخرجه أبو داود مع حديث الأعرج في المراسيل (٢١٣٨١). قال الحافظ: ليس له إسناد صحيح لكن له طرق يتقوى بعضها ببعض، أفاده الشوكاني.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (٢١٠٧٧)، وسنده ضعيف، وحسنه الألباني في سنن ابن ماجه.
[ ٣ / ١٢٩١ ]
الحد ولفظهما عنه: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة» ورد شهادة القانع لأهل البيت، وأجازها لغيرهم (^١).
وفي كتاب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى ﵁: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد، أو مجربا في شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو قرابة» (^٢).
• حكم شهادة العبد:
(و) كذا (لا) تجوز (شهادة عبد) في حال رقه لأن الشهادة رتبة عظيمة فهي من المناصب الشرعية التي هي سبب في إلزام الغير ما يحكم به عليه وليس العبد أهلا لها، لأن الله تعالى قال: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ [البقرة: ٢٨٢] قالوا: ورجالنا أحرارنا لا المماليك الذين يغلبهم من يملكهم على كثير من أمورهم، ولأن الشهادة من باب الولاية، وهو لا يلي نفسه فأولى أن لا نثبت له الولاية على غيره، ولأن الشهادة أمر لا يتبعض بل على التفاضل فلم يكن للعبد فيه مدخل كالميراث، والتقييد بحال الرق لإخراج ما إذا تحمل في حال الرق، وأدى بعد العتق فإنها تقبل (^٣).
• حكم شهادة الصبي:
(و) كذا (لا) تقبل شهادة (صبي) في حال صباه، لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، والصبي ليس من الرجال المكلفين، ولأن الله تعالى جعل المرأة بدل الرجل إذا فقد ولم يجعل الصبي بدله، ولأن الله تعالى قال: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾، وليس الصبي كذلك. ولقوله ﷺ في الحديث السابق مرارا: «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى
_________________
(١) والقانع الذي ينفق عليه أهل البيت. قال في التلخيص لابن حجر: وسنده قوي.
(٢) الدارقطني (٤/ ٢٠٧) (١٦)، والبيهقي (٢١٠٤٢).
(٣) انظر: إجماعات ابن المنذر فيما تقدم (من كتاب الإجماع ٦٤).
[ ٣ / ١٢٩٢ ]
حكم شهادة الكافر
يفيق»، ولأنه إذا لم يؤتمن على حقوقه فعلى غيره أولى. وسينص على قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض.
حكم شهادة الكافر: (و) كذا (لا) تجوز شهادة (كافر) في حال كفره لا على مسلم ولا على كافر. وأما إن تحمل حال الكفر وأدى حال الإسلام فإنها تقبل ما لم ترد في حال كفره فإنها لا تقبل بعد إسلامه، لأنه يتهم على إزالة النقص الذي ردت شهادته لأجله، لما جبلت عليه الطبائع البشرية في دفع المعرة. وقال الشافعي ومالك: لا تجوز شهادة الكافر على المسلم لا في الوصية أثناء السفر ولا في غيرها. والآية منسوخة عندهم وهي قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ [المائدة: ١٠٦]، ولقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] والكافر ليس بعدل وقوله تعالى: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ [البقرة: ٢٨٢] ونحن لا نرضى بغير أهل ديننا وملتنا.
• متى تقبل شهادة المحدود في الزنا ونحوه:
(وإذا تاب المحدود في الزنى قبلت شهادته) لقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم﴾ [النور: ٤، ٥]، وسواء كان كالحد في الزنا أو غيره، قال مالك في «الموطأ»: «فالأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أن الذي يجلد الحد، ثم تاب، وأصلح تجوز شهادته، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك وذكر أنه بلغه عن سليمان بن يسار وغيره أنهم سئلوا عن رجل جلد الحد أتجوز شهادته فقالوا: نعم إذا ظهرت منه التوبة قال: وسمعت ابن شهاب يسأل عن ذلك فقال: مثل ما قال سليمان بن يسار». اه (^١).
ولأن عمر بن الخطاب ﵁ لما حد أبا بكرة في قصته المشهورة في
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤٩١)
[ ٣ / ١٢٩٣ ]
شهادته على المغيرة بن شعبة قال له: «تب إلى الله اقبل شهادتك» (^١).
(إلا في الزنى) فإنها لا تقبل، ولا خصوصية للزنى بل إذا تاب المحدود في غير الزنى، فإن شهادته لا تقبل إلا في غير ما حد فيه، ولأجل هذا التعميم قال المصنف: (وفيما حد فيه) ولو صار بعد توبته من أحسن الناس لأنه يتهم على التأسي بإثبات مشارك له في صفته.
قال أبو الحسن في تحقيق المباني نقلا عن يوسف بن عمر: «ولو قال أبو محمد: إذا تاب المحدود قبلت شهادته إلا فيما حد فيه لكان أبين على قول سحنون وجماعة من أصحاب مالك إلا ابن القاسم فإنه يقول: تجوز شهادته في كل شيء». اه (^٢). والمشهور قول سحنون ووجهه الفاكهاني بأنه يتهم أن يكون قد قصد أن يكون غيره مشاركا له فيما أتى من المعرة التي تلحقه اه.
• شهادة الأقارب بعضهم لبعض:
(و) كذا (لا) تجوز (شهادة الابن للأبوين) لحديث عائشة السابق قريبا وفيه: «ولا شهادة الولد لوالده، ولا شهادة الوالد لولده». وفقه المسألة: أن الفرع لا يشهد لأصله ولا الأصل لفرعه، وأما شهادة الفرع للفرع على أصله أو عكسه فتجوز، وكذا تجوز شهادة أحد الأبوين لأحد أولاده على ولده الآخر إن لم يظهر ميل للمشهود له، وإلا امتنعت كما لو شهد الوالد لابنه البار على الفاجر.
(و) كذا (لا) تجوز (شهادتهما)؛ أي: الأبوين (له)؛ أي: للابن.
(و) كذا (لا) تجوز شهادة (الزوج للزوجة ولا) شهادتها (هي له) في حال العصمة ولو حكما فتدخل المطلقة طلاقا رجعيا. وأما بعد العصمة فتجوز. وفي بعض روايات الحديث السابق: «لا تقبل شهادة المرأة لزوجها،
_________________
(١) تقدم تخريجه في الحدود.
(٢) حاشية العدوي (٢/ ٤٤٩).
[ ٣ / ١٢٩٤ ]
ولا شهادة الزوج لامرأته». وأخذ بهذا مالك وأحمد وأبو حنيفة.
(وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه) لعموم قوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ ولأن الشرع لم يجعل نفس أحدهما كنفس الآخر في العتق، ولا ماله كماله في النفقة، ولكن تكون الشهادة في الأموال خاصة والجراحات التي فيها المال لا فيما يلتمس فيه لأخيه شرفا أو جاها كشهادته له، بأنه تزوج ممن يحصل له بنكاحها شرف أو جاه، لكونها من ذوي القدر.
وهذا بلال ﵁ عندما خطب لأخيه امرأة قرشية فقال لأهلها: نحن من قد عرفتم، كنا عبدين فأعتقنا الله تعالى، وكنا ضالين فهدانا الله تعالى، وكنا فقيرين فأغنانا الله تعالى، وأنا أخطب إليكم فلانة لأخي فإن تنكحوها له فالحمد لله تعالى، وإن تردونا فالله أكبر.
فأقبل بعضهم على بعض فقالوا: بلال ممن عرفتم سابقته ومشاهده ومكانه من رسول الله ﷺ، فزوجوا أخاه فزوجوه، فلما انصرفوا قال له أخوه: يغفر الله لك ما كنت تذكر سوابقنا ومشاهدنا مع رسول الله ﷺ، وتترك ما عدا ذلك.
قال: فقلت له: مه - اسم فعل بمعنى كف - يا أخي، صدقت فأنكحك الصدق.
قال الترمذي: «والعمل عند أهل العلم في هذا أن شهادة القريب جائزة لقرابته، واختلف أهل العلم في شهادة الوالد للولد، والولد لوالده، ولم يجز أكثر أهل العلم شهادة الوالد للولد، ولا الولد للوالد، وقال بعض أهل العلم: إذا كان عدلا فشهادة الوالد للولد جائزة، وكذلك شهادة الولد للوالد، ولم يختلفوا في شهادة الأخ لأخيه أنها جائزة وكذلك شهادة كل قريب لقريبه» (^١).
وما ورد في بعض الأحاديث من عدم صحة شهادة القريب لقريبه فقد قال الترمذي: «لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا الوجه، ولا يصح عندنا إسناده، وكذلك تجوز شهادة الصديق لصديقه. وقال مالك: لا تقبل
_________________
(١) الجامع الصحيح للترمذي عند الحديث رقم (٢٢٩٨).
[ ٣ / ١٢٩٥ ]
شهادة الأخ المنقطع إلى أخيه والصديق الملاطف (^١).
• حكم شهادة المجرب عليه الكذب:
(ولا) تجوز (شهادة مجرب في كذب) حرام (^٢) وتكرر منه ذلك. لحديث عائشة السابق، وحديث موسى بن أبي شيبة مرسلا: «أن النبي ﷺ جرح شهادة رجل في كذبة كذبها» (^٣).
ففي كتاب سيدنا عمر إلى أبي موسى ﵄: «والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادة، إلا مجلود في حد، أو مجرب عليه شهادة الزور، أو ظنين في ولاء أو قرابة، فإن الله ﷿ تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان» (^٤)، وأما المرة الواحدة فلا أثر لها لأنها صغيرة ما لم يترتب عليها مفسدة فكبيرة، ولذلك قدحت في شهادته.
(أو مظهر لكبيرة) أو يباشر صغير الخسة كسرقة لقمة، أو تطفيف حبة في الكيل، وأما صغائر غير الخسة كنظرة لأجنبية فلا يقدح إلا بشرط الإدمان عليها. وقوله مكرر لأنه تقدم (ولا يقبل إلا العدول).
(و) كذا (لا) تجوز شهادة (جار لنفسه نفعا)؛ أي: من يجر بشهادته لصاحبه منفعة يستفيد منها مثل أن يشهد لشريكه في شيء من مال الشركة.
صورة ذلك: أن أحد الشريكين ادعى على رجل بمال، والحال أن ذلك المال المدعى به من مال الشركة فلا يجوز لشريكه أن يشهد له لأنه يجر نفعا لنفسه. (و) كذا (لا) تجوز شهادة (دافع عنها)؛ أي: عن نفسه (ضررا) مثل أن يكون لرجل على آخر دن فادعى عليه رجل آخر بدين فشهد له هذا أنه قضاه دينه، فهذا يتهم أن يكون دفع عن نفسه المخاصمة؛ أي: بينه وبين
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل (٦/ ٤٢٦).
(٢) احترازا مما إذا كان مباحا في إصلاح ونحوه.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ١٩٦)، وقال: وهذا أصح وهو مرسل.
(٤) البيهقي (٢٠٥٣٧)، وانظر: الاستذكار (٧/ ١٠٣).
[ ٣ / ١٢٩٦ ]
المدعي الآخر بحيث يقول له: إني أقاسمك في مال المدين، أو أنا أستقل به، أو أنت ليس لك دين.
(ولا وصي ليتيمه) هذا داخل في قوله: ولا جار لنفسه لأنه يجر بشهادته مالا يتصرف فيه، وإنما كرره ليرتب عليه قوله: (وتجوز شهادته عليه) ولفظ المدونة: وكل من لا تجوز شهادته له فشهادته عليه جائزة (^١).
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يجوز تعديل النساء ولا تجريحهن.
ولا يقبل في التزكية إلا من يقول: عدل رضا، ولا يقبل في ذلك ولا في التجريح واحد.
وتقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا أو يدخل بينهم كبير).
الشرح
(ولا يجوز تعديل النساء، ولا تجريحهن) لا للرجال ولا للنساء؛ أي: فيما لا تجوز شهادتهن فيه ولا في غيرهما ولا يطلع عليه إلا الرجال في غالب الأحوال، فأشبه الشهادة في القصاص، ولأن النساء ناقصات عقل ودين، والتعديل والتجريح يحتاج إلى فطنة وذكاء وعقل ودين كاملين، ولأن من شرط التعديل تقدم المعرفة بالشاهد وطول الخبرة به وذلك متعذر في حق النساء غالبا.
(ولا يقبل في التزكية إلا من يقول: عدل رضا) لقوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ وهذا عام في كل شهادة، فإن المعدل شاهد بالعدالة أو بالتجريح.
والعدالة: هيئة راسخة في النفس تحمله على ملازمة التقوى، قال في المراقي (^٢):
_________________
(١) انظر: الفواكه الدواني (٢/ ٢٢٦).
(٢) انظر: نثر الورود للشيخ الأمين الشنقيطي (٢/ ٤٠١)، تحقيق: محمد ولد سيدي ولد حبيب، ط: دار المنارة جدة، ١٤١٥ هـ.
[ ٣ / ١٢٩٧ ]
والعدل من يجتنب الكبائرا … ويتقي في الأغلب الصغائرا
وما أبيح وهو في العيان … يقدح في مروءة الإنسان
(ولا يقبل في ذلك)؛ أي: في التزكية (ولا في التجريح واحد) إذا زكاه في العلانية، وأما في السر فيجوز فيه واحد.
(وتقبل شهادة الصبيان فيما يقع بينهم في الجراح) لما في «الموطأ» عن هشام بن عروة «أن عبد الله بن الزبير ﵄ كان يقضي بشهادة الصبيان فيما بينهم من الجراح»، قال أبو عمر: اختلف عن ابن الزبير في ذلك، والأصح أنه كان يجيزها إذا جيء به في حال نزول النازلة، وروى مثله عن علي ﵁ من طرق ضعيفة (^١).
وعن عبد الله بن أبي مليكة قال: أرسلت إلى ابن عباس ﵄ أسأل عن شهادة الصبيان فقال: قال الله ﷿: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ وليسوا ممن نرضى.
قال: فأرسلت إلى ابن الزبير أسأله فقال: بالحري إن سئلوا أن يصدقوا قال: فما رأيت القضاء إلا على ما قال ابن الزبير (^٢).
وللعمل حكاه مالك في «الموطأ» فقال: «الأمر المجتمع عليه عندنا: أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم، وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم من الجراح وحدها، لا تجوز في غير ذلك» (^٣)، إذا كان ذلك (قبل أن يفترقوا) لأن تفريقهم مظنة تعليمهم، (أو يدخل بينهم كبير) لأنه أيضا مظنة تعليمهم أو يخببوا، فإن افترقوا فلا شهادة لهم إلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يفترقوا، وكذا تقبل شهادتهم في القتل على المشهور فيه.
_________________
(١) شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١٠/ ١٦٢).
(٣) الموضع السابق من شرح الزرقاني.
[ ٣ / ١٢٩٨ ]
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع، ثم يأخذ المبتاع، أو يحلف ويبرأ.
وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما، حلفا وقسم بينهما، وإن أقاما بينتين قضي بأعدلهما، فإن استويا حلفا وكان بينهما.
وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أخرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور، قاله أصحاب مالك.
ومن قال: رددت إليك ما وكلتني عليه، أو على بيعه أو دفعت إليك ثمنه أو وديعتك أو قراضك فالقول قوله؛ ومن قال: دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان فعلى الدافع البينة وإلا ضمن، وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم، وإن كانوا في حضانته صدق في النفقة فيما يشبه).
الشرح
(وإذا اختلف المتبايعان)؛ أي: البائع والمشتري في قدر الثمن بأن يقول البائع: بعتها بدينار، ويقول المشتري: بل بنصف دينار (استحلف البائع) أولا، فالمذهب وجوب تبدئة البائع باليمين فيحلف على نفي دعوى صاحبه وإثبات دعواه في يمين واحدة فيقول: والله ما بعتها بنصف دينار، ولقد بعتها بدينار.
(ثم) بعد حلفه (يأخذ المبتاع) السلعة بما حلف عليه البائع (أو يحلف) هو؛ أي: المبتاع على نفي دعوى صاحبه وإثبات دعواه، فيقول في المثال المذكور: والله لم أشترها بدينار، ولقد اشتريتها بنصف دينار.
(ويبرأ) من لزوم البيع فهو مخير بين أن يأخذ السلعة بما قال البائع أو يحلف ويبرأ. لحديث عبد الملك بن عبيد قال: حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود أتاه رجلان تبايعا سلعة، فقال أحدهما: أخذتها بكذا وبكذا، وقال: هذا بعتها بكذا وكذا، فقال أبو عبيدة: أتي ابن مسعود في مثل هذا،
[ ٣ / ١٢٩٩ ]
فقال: حضرت رسول الله ﷺ أتي بمثل هذا: «فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك» (^١).
وروى إسماعيل القاضي بسنده عن أبي الزناد عن الفقهاء الذين ينتهى إلى قولهم من أهل المدينة كانوا يقولون: «إذا تبايع الرجلان بالبيع واختلفا في الثمن احتلفا جميعا (أي: طلب منهما أن يحلفا)، فأيهما نكل لزمه القضاء فإن حلفا جميعا كان القول ما قال البائع، وخير المبتاع، إن شاء أخذ بذلك الثمن، وإن شاء ترك» (^٢). وللحديث الصحيح: «لو أن الناس أعطوا بدعواهم ادعى ناس من الناس دماء ناس وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه». وقد تقدم، والمختلفان كل منهما مدع ومدعى عليه، فالبائع مدع أنه باع بعشرة ومدعى عليه أنه باع بخمسة، والمشتري مدع أنه اشترى بخمسة ومدعى عليه أنه اشترى بعشرة فتوجه اليمين إلى كل منهما.
(وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما) كل منهما يدعيه لنفسه، ولم يقم لواحد منهما دليل على صدقه ولا بينة، ولم ينازعهما فيه أحد، وهو مما يشبه أن يكتسبه كل واحد منهما (حلفا وقسم بينهما) لأنهما تساويا في الدعوى ولم يترجح أحدهما على الآخر، ومن نكل عن اليمين سقط حقه للذي حلف. لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ «عرض على قوم اليمين، فتسارعوا إليه، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين، أيهم يحلف؟» (^٣) .. ولحديث أبي موسى الأشعري به «أن رسول الله ﷺ اختصم إليه رجلان، بينهما دابة، وليس لواحد منهما بينة، فجعلها بينهما نصفين» (^٤).
(وإن أقاما بينتين)؛ أي: أقام كل بينة تشهد له، وكانت إحداهما
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٥١١)، والنسائي (٧/ ٣٠٢)، والبيهقي (١١١٢٢)، وصححه الألباني.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١١١٢٩).
(٣) البخاري (٣/ ٢٣٤).
(٤) أبو داود (٣٦١٣) وفي (٣٦١٤)، والنسائي (٨/ ٢٤٨)، وابن ماجه (٢٣٣٠)، وضعفه الألباني.
[ ٣ / ١٣٠٠ ]
راجحة على الأخرى بالأعدلية (قضى بأعدلهما) بعد أن يحلف من أقامها أنه ما باع ذلك الشئ ولا وهبه، ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، ولأنه ولا بد أن إحداهما كاذبة والتي معها زيادة عدالة معها زيادة ورع وتثبت فيقضي بها، (فإن لم تترجح) إحدى البينتين بما ذكر (بل استويا) كان الواجب استويتا؛ أي: البينتان في العدالة ولا ترجيح بكثرة عدد إلا أن يبلغ حد التواتر لإفادته العلم (حلفا، وكان) الشيء المتنازع فيه (بينهما) نصفين لأن الحكم بإحداهما ليس بأولى من الأخرى. لحديث أبي موسى الأشعري ﵁، وحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم ذكرهما.
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «بينما امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب، فذهب بابن إحداهما، فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمنا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجنا على سليمان بن داود ﵇، فأخبرناه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما، فقالت الصغرى: لا يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به للصغرى» (^١).
(وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أغرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور، قاله أصحاب مالك) قال ابن ناجي: ظاهر كلامه يقتضي أن جميع أصحاب مالك يفرقون بين أن يعترف بأنه شهد زورا أو لا يعترف، فيغرم في الأول دون الثاني، وليس كذلك، بل قال مطرف وابن القاسم وأصبغ في الواضحة: إنه يغرم مطلقا لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
وعن الشعبي «أن رجلين شهدا عند علي ﵁ على رجل بالسرقة فقطع علي يده، ثم جاء بآخر فقالا: هذا هو السارق لا الأول فأغرم عليه ﵁ الشاهدين دية يد المقطوع الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما، ولم يقطع الثاني» (^٢).
_________________
(١) البخاري (٣٤٢٧)، ومسلم (١٧٢٠).
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٢١٧٢٤)، ومصنف عبد الرزاق (١٨٤٦٠)، وأخرجه البخاري =
[ ٣ / ١٣٠١ ]
(ومن قال) لموكله: (رددت لك ما وكلتني عليه) مثاله أن يوكله على دفع دين لزيد فلم يجده فرده لموكله، فلو نازعه الموكل، فالقول قول الوكيل في رده لأنه أمين (أو على بيعه، أو) قال له: (دفعت إليك ثمنه، أو) قال المودع لمن استودعه شيئا: رددت عليك (وديعتك أو) قال العامل لمن دفع إليه مالا قراضا فيطلبه فيقول له: دفعت إليك (قراضك فالقول قوله)؛ أي: قول كل واحد من الوكيل والمودع والمقارض.
قال الأزهري: ويحتمل أن المؤلف ماش على ما قاله شيوخ المدونة: أنه إذا قال فيها: القول قوله فلا بد من اليمين، فيكون القول قوله؛ أي: بيمين، وإذا قال: صدق فبغير يمين.
(ومن قال: دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان) بأنه لم يصل إليه ما أمره بدفعه إليه (فعلى الدافع البينة) أنه دفع إليه، فيجب عليه الأشهاد لقوله تعالى: ﴿فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم﴾ [النساء: ٦] (وإلا ضمن) إن لم يقم بذلك بينة.
(وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم) إذا نازعوه في أصل الإنفاق بأن ادعوا أنه لم ينفق عليهم، أو نازعوه في مقدار ما أنفق إذا لم يكونوا في حضانته بأن كان ينفق عليهم مساناة، أو مشاهرة، لقوله: (وإن كانوا في حضانته صدق في النفقة فيما يشبه) مع يمينه لما يدركه من صعوبة الإشهاد، فخفف عليه الأمر.
الصلح
• قال المصنف رحمه الله تعالى: (والصلح جائز إلا ما جر إلى حرام ويجوز على الإقرار والإنكار. والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها، وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له.
_________________
(١) = (٤١/ ٢١٦)، كتاب الديات، باب: إذا أصاب قوم من رجل، تعليقا بصيغة الجزم قبل حديث (٦٨٩٦).
[ ٣ / ١٣٠٢ ]
ومن استحق أمة قد ولدت فله قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم، وقيل: يأخذها وقيمة الولد، وقيل: له قيمتها فقط إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها، ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد، وولده رقيق معها لربها).
الشرح
(والصلح) تعريفه في اللغة: قطع المنازعة، وهو اسم مصدر لـ (صالحه مصالحة وصلاحا) بكسر الصاد، قال الجوهري: «والاسم الصلح يذكر ويؤنث، وقد اصطلحا وصالحا واصالحا مشدد الصاد وصلح الشيء بضم اللام وفتحها» (^١).
وفي الشرع: عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين. وقال ابن عرفة: «انتقال عن حق، أو دعوى بعوض لرفع نزاع، أو خوف وقوعه» (^٢)، ويتنوع أنواعا منها الإصلاح بين المسلمين وأهل الحرب، وصلح بين أهل العدل وأهل البغي، وصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما؛ وهذا الباب للصلح بين المتخاصمين في الأموال.
ويسمى كل واحد من المتعاقدين مصالحا، ويسمى الحق المتنازع فيه، مصالحا عنه. ويسمى ما يؤديه أحدهما لخصمه قطعا للنزاع: مصالحا عليه أو بدل الصلح.
والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، من أجل أن يحل الوفاق محل الشقاق، ولكي يقضي على البغضاء بين المتنازعين.
ففي الكتاب يقول الله: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩]، ومن
_________________
(١) المطلع (٢٥٠).
(٢) شرح حدود ابن عرفة (٤٢١).
[ ٣ / ١٣٠٣ ]
السنة عن عمرو بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: «الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا، أو أحل حراما» (^١).
وقال عمر ﵁: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن» (^٢).
وقد أجمع المسلمون على مشروعية الصلح بين الخصوم (^٣)، وهو (جائز إلا ما جر إلى حرام)؛ أي: أدى إلى ارتكاب محرم شرعا كما تقدم في الحديث، كأن يصالحه عن الذهب المؤجل بالورق ولو على الحلول. (ويجوز) الصلح (على الإقرار) ويكون بيعا إن وقع على أخذ غير المقر به كأن يكون له عرض أو حيوان ويصالح عنه بدراهم للحديث السابق. ولحديث كعب بن مالك ﵁ أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٦٦)، وأبو داود (٣٥٩٤)، وأخرجه الترمذي (١٣٥٢)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفيه وكثير بن عبد الله، قال النسائي في الضعفاء والمتروكين رقم (٥٢٩): متروك الحديث، وذكره الدارقطني أيضا في الضعفاء والمتروكين (٤٤٦). وقال الحافظ في التقريب (٢/ ١٣٢) رقم (١٧): ضعيف منهم من نسبه إلى الكذب، وقد عقب الذهبي في الميزان (٣/ ٤٠٦)، على تصحيح الترمذي لهذا الحديث فقال: وأما الترمذي فروى من حديثه - أي: كثير بن عمرو بن عوف -: «الصلح جائز بين المسلمين» وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي اهـ. وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٤٨٧): وفي تصحيح الترمذي هذا الحديث نظر، فإن في إسناده كثير بن عبد الله بن عوف وهو ضعيف جدا، قال فيه الشافعي، وأبو داود: هو ركن من أركان الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وتركه أحمد، وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه قال الذهبي: أما الترمذي فروى من حديثه: «الصلح جائز بين المسلمين» وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. وقال ابن كثير في إرشاده: وقد نوقش أبو عيسى - يعني: الترمذي - في تصحيحه هذا الحديث وما شاكله. اهـ. وصححه الألباني.
(٢) البيهقي (١١٦٩٤)، وابن أبي شيبة (٢٣٣٤٩).
(٣) وذكر ابن حزم أن لا إجماع في الصلح، مراتب الإجماع (٦٠).
[ ٣ / ١٣٠٤ ]
عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته، ونادى كعب بن مالك قال: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ: «قم فاقضه» (^١).
(و) على (الإنكار) لعموم قوله ﵊: «الصلح جائز بين المسلمين» ولقول عمر ﵁: «ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن» كما تقدم.
وصورته أن يدعي دارا مثلا فينكر المدعى عليه ثم يصالحه على أن يدفع له شيئا من ماله، ثم إن الجواز بالنظر إلى العقد.
وأما بالنظر إلى الباطن فإن كان الصادق المنكر فالمأخوذ منه حرام، وإلا فهو حلال.
(والأمة) القن (الغارة) بمقالها أو بشاهد حالها بأنها حرة لمن يريد أن يتزوجها فـ (تتزوج على أنها حرة) ثم يظهر خلافه (فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له بها) وعلى الزوج الأقل من المسمى وصداق المثل، وإنما يأخذ قيمة الولد من أبيه إذا لم يكن الولد ممن يعتق على السيد، فإن كان يعتق على السيد فإنه لا غرامة على الأب المغرور بدفع قيمة ولده، كما لو غرت الولد أمة أبيه، أو أمة جده من أب أو أم، فتزوجها ظانا حريتها وأولدها، ثم علم بعد ذلك برقها، فإن الولد يعتق على جده أو جدته ولا قيمة فيه. وقد قيل إن على هذا إجماع الصحابة، قال ابن رشد: القياس أن الولد رق لمالك أمه لإجماعهم على أن ولد الأمة من غير سيدها ملك له، وترك هذا القياس لإجماع الصحابة على حريته خلافا لأبي ثور وداود في قولهما إنه رق. اهـ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٤)، والبخاري (١/ ١٢٣، ٣/ ١٦٠، ٢٤٦).
[ ٣ / ١٣٠٥ ]
وذكر غير واحد أن الذي قضى به من الصحابة عمر وعلي وابن عباس ﵃، وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سليمان بن يسار أن أمة أتت قوما فغرتهم، وزعمت أنها حرة فتزوجها رجل فولدت له أولادا فوجدوها أمة، فقضى عمر بقيمة أولادها في كل مغرور غرة (^١).
وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان ﵄ قضى أحدهما في أمة غرت رجلا بنفسها فذكرت أنها حرة فتزوجها رجل فولدت له أولادا فقضى أن يفدي أولاده بمثلهم قال مالك: وتلك القيمة عندي (^٢).
(ومن استحق أمة) والحال أنها (قد ولدت) من حر غير غاصب سواء وطئها بملك أو هبة أو ميراث أو شراء أو غير ذلك من وجوه الملك (فله)؛ أي: لمستحق الأمة قيمتها وقيمة الولد وتعتبر القيمة (يوم الحكم) ويكون الولد حرا ثابت النسب (وقيل: يأخذها)؛ أي: الأمة لأنها ملكه ولقول النبي ﷺ: «من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ويتبع البيع من باعه» (^٣)، وروى سعيد بن منصور عن الحسن «أن رجلا باع جارية لأبيه وأبوه غائب فلما قدم أبى أبوه أن يجيز بيعه، وقد ولدت من المشتري فاختصموا إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقضى للرجل بجاريته، وأمر المشتري أن يأخذ بائعه بالخلاص فلزمه، فقال أبو البائع: مر فليخل عن ابني، فقال عمر ﵁: وأنت فخل عن ابنه. وروي أيضا عن الشعبي في رجل وجد جاريته في يد رجل قد ولدت منه فأقام البينة، وأنها جاريته، وأقام الذي في يده الجارية البينة أنه اشتراها فقال: قال علي: يأخذ صاحب الجارية جاريته ويؤخذ البائع بالخلاص» (^٤).
و(قيمة الولد) لأنه تخلق على اعتقاد أبيه أن الجارية ملكه، وذلك
_________________
(١) المصنف لابن أبي شيبة (٥/ ١٢٣).
(٢) شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٢).
(٣) أحمد (٢٠٢٠٢)، وأبو داود - البيوع - (٣/ ٢٨٩) (٣٥٣١)، والبيهقي (٦/ ١٠٠) (١١٨٧٨).
(٤) السنن الكبرى للبيهقي (١١٨٧٩)، والمحلى لابن حزم (١٠/ ٣٦).
[ ٣ / ١٣٠٦ ]
يوجب له الحرية ولما كان هذا مفوتا له عن سيد الجارية الأصلي وجبت له قيمته (وقيل له قيمتها فقط) يوم وطئها والأقوال الثلاثة لمالك (إلا أن يختار الثمن فيأخذه من الغاصب الذي باعها له وإذا اختار الثمن كان كالمقرر لبيع الغاصب، (و) أما لو كانت الأمة المستحقة بعد الولادة (بيد الغاصب) علم بغصبه (فعليه)؛ أي: الغاصب (الحد) لأنه زان وولده رقيق معها)؛ أي: مع الأمة (لربها) إذا كان غير أب، ولو قال: وولدها بالإضافة إلى ضمير الأنثى لكان أحسن لأنه لاحق بها لا به، وحكم من اشتراها من الغاصب عالما بغصبه كحكم الغاصب؛ أي: في قطع نسب الولد وحده حيث شهدت بينة على إقراره بعلمه قبل الوطء أنها مغصوبة.
بعض مسائل الاستحقاق:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومستحق الأرض بعد أن عمرت يدفع قيمة العمارة قائما، فإن أبى دفع إليه المشتري قيمة البقعة براحا، فإن أبى كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد، والغاصب يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره، وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك النقض والشجر ملقى بعد قيمة أجر من يقلع ذلك، ولا شيء عليه فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم، ويرد الغاصب الغلة ولا يردها غير الغاصب).
الشرح
الاستحقاق: يقال: استحق فلان الشيء؛ أي: استوجبه؛ أي: كان حقا له.
(ومستحق الأرض)؛ أي: ومن استحق أرضا من يد مشتر أو غيره، ممن ليس بغاصب (بعد أن عمرت) بفتح الميم من العمارة؛ أي: بعد أن تصرف فيها بالبناء والغرس ونحوه، فإن المستحق (يدفع) لمن أعمرها (قيمة العمارة قائما) ويأخذ أرضه بما فيها فإن أبى أن يدفع قيمة ما أعمر فيها (دفع إليه المشتري) أو من في منزلته قيمة البقعة (براحا)؛ أي: لا شيء فيها
[ ٣ / ١٣٠٧ ]
(فإن أبى) المشتري من ذلك، وفي نسخة أبيا بلفظ التثنية؛ أي: المستحق والمشتري؛ أي: أبى كل واحد منهما من دفع ما نسب إليه (كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد منهما) فالمستحق بقيمة أرضه والذي أعمر بقيمة عمارته، فإذا كانت قيمة البقعة عشرة دنانير وقيمة العمارة عشرين دينارا فيكون بينهما أثلاثا، وتعتبر القيمة في ذلك يوم الحكم على المشهور لا يوم البناء (والغاصب)؛ أي: لعرصة ببنائها أو غرسها (يؤمر بقلع بنائه وزرعه وشجره) من الأرض المستحقة، لما في حديث عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق» (^١) وروى أبو داود «عن عروة قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر. فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: «فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس، وإنها لنخل عم حتى أخرجت منها»» (^٢)
(وإن شاء أعطاه ربها قيمة ذلك النقض) بضم النون وسكون القاف (و) قيمة (الشجر ملقى)؛ أي: مقلوعا، فيعتبر الشجر حطبا والبناء أنقاضا، ولا يجوز أن يتفقا على إبقائه في الأرض على أن يدفع له الكراء لأنه يؤدي إلى بيع الزرع قبل بدو صلاحه على التبقية، لأن المالك لما كان قادرا على أخذه مجانا في القسم الأول أو بقيمته مقلوعا في هذا القسم الثاني يعد بائعا له، وإن أعطاه ربها قيمة نقضه وزرعه فإنما يكون ذلك بعد قيمة أجر من يقلع ذلك مثال ذلك: أن تكون قيمته مقلوعا عشرة دراهم وأجر من يقلعه أربعة دراهم، فإنه يعطيه ستة دراهم (ولا شيء عليه)؛ أي: لا يغرم شيئا للغاصب (فيما لا قيمة له بعد القلع والهدم) كالنقش؛ أي: أو الزرع أو الشجر قبل بلوغه حد الانتفاع (ويرد الغاصب الغلة) ومثله اللص والخائن والمختلس ونحوهم من كل ما لا شبهة له فيما اغتله، ولقوله عليه الصلاة
_________________
(١) مالك (١٤٢٤)، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٥ - ٣٦).
(٢) أبو داود (٣٠٧٣) (٣٠٧٥)، والترمذي (١٣٧٨). والعم: جمع عميمة والمراد: أنها تامة في طولها والتفافها.
[ ٣ / ١٣٠٨ ]
والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» (^١) ولحديث: «ليس لعرق ظالم حق».
ولا يردها غير الغاصب وهو صاحب الشبهة ولو كان مشتريا من الغاصب حيث لا علم عنده لقوله ﵊: «الخراج بالضمان» من حديث عائشة (^٢).
وفي رواية لأحمد والبيهقي: «الغلة بالضمان» فإنه محمول على ما إذا وقع في يده بشبهة لا بغصب، لخبر: «ليس لعرق ظالم حق».
• قال المصنف رحمه الله تعالى: (والولد في الحيوان وفي الأمة إذا كان الولد من غير السيد يأخذه المستحق للأمهات من يد مبتاع أو غيره.
ومن غصب أمة ثم وطئها فولده رقيق وعليه الحد).
الشرح
لما كان الولد غير داخل في الغلة وخشي توهم دخوله نبه عليه بقوله: والولد في الحيوان غير الآدمي.
وفي الأمة إذا كان الولد من غير السيد الحر (يأخذ المستحق للأمهات من يد مبتاع أو غيره) كالموهوب له والمتصدق عليه لأن حكم الولد حكم الأم في كونه ملكا لمن هي له ملك فيأخذه المستحق لأنه ليس بغلة.
ومن غصب أمة ثم وطئها فولده رقيق وعليه الحد ولا صداق عليه، وإنما يلزمه أرش نقصها بوطئه.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢)، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، انظر: تهذيب الكمال (٥/ ٢٤٨ - ٢٤٩) (٤٦٥٩)، وجزء الحديث الأخير: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» صحيح ورد من حديث جماعة من الصحابة. انظر: إرواء الغليل ٥/ ٢٧٩ - ٢٨٢.
(٢) تقدم تخريجه.
[ ٣ / ١٣٠٩ ]
ما يجب على الجار نحو جاره من إصلاح السفل ومنع الضرر:
قال المصنف ﵀:
(وإصلاح السفل على صاحب السفل، والخشب للسقف عليه وتعليق الغرف عليه إذا وهى السفل وهدم حتى يصلح ويجبر على أن يصلح أو يبيع ممن يصلح ولا ضرر ولا ضرار فلا يفعل ما يضر بجاره من فتح كوة قريبة يكشف جاره منها أو فتح باب قبالة بابه أو حفر ما يضر بجاره في حفره وإن كان في ملكه ويقضى بالحائط لمن إليه القمط والعقود)
الشرح
وإذا كان لرجل بيت ولآخر غرفة عليه وضعف السفل وخاف عليه الهدم (فإصلاح السفل على صاحب السفل) ليتمكن صاحب العلو من المنفعة (و) كذلك (الخشب لحمل السقف عليه)؛ أي: على صاحب السفل (و) كذلك (تعليق الغرف عليه)؛ أي: على صاحب السفل (إذا وهى السفل) وضعف (وهدم)؛ أي: قارب أن ينهدم، وقوله: (حتى يصلح) غاية لتعليق الغرف؛ والمعنى: أن صاحب البناء الأسفل إذا وهى بناؤه وقارب أن ينهدم، فيجب عليه أمران، ويقضى عليه بهما:
١ - أن يعلق الغرف التي فوق بنائه، ليتمكن صاحب العلو من المنفعة.
٢ - وأن يصلح الأسفل أو يبيعه ممن يصلحه، وإلى هذا الإشارة بقوله: (ويجبر)؛ أي: صاحب السفل على أن يصلح سفله (أو يبيعه ممن يصلحه) فإذا باعه لشخص وامتنع أيضا، فإنه يقضى عليه بالإصلاح أو البيع ممن يصلح وهكذا. وقوله: (ولا ضرر ولا ضرار) (^١)؛ أي: لا
_________________
(١) رواه الدارقطني (٣/ ٧٧) و(٤/ ٢٢٨)، والحاكم (٢/ ٥٧)، والبيهقي (٦/ ٦٩) وفي المعرفة له (٣٧٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري بزيادة «من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه»، وأخرجه: ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ١٥٩)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، ورواه مالك في الموطأ (٢١٧١) برواية الليثي عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلا لم يقل عن أبي سعيد، ورجحه جمع من الحفاظ،
[ ٣ / ١٣١٠ ]
تضر من لم يضرك، وهو معنى لا ضرر، وقوله: (ولا ضرار)؛ أي: لا تفعل معه زيادة على ما فعل معك فتعد ضارا. وأما مثل فعله أو أنقص منه فجائز، قال تعالى: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤] هذا بالنسبة للعامة.
وأما أكابر الناس وخواصهم فيقابلون الإساءة بالمعروف (فلا يفعل ما يضر بجاره من فتح كوة بفتح الكاف هي الطاقة، أو ما يسمى بالنافذة أو الشباك، وأفهم كلامه أن الكوة السابقة على بيت الجار لا يقضى بسدها وهو كذلك، ولكن يمنع من التطلع على الجار منها لا سيما إذا كانت قريبة يكشف جاره منها بحيث يميز الذكور من الإناث، أو فتح باب قبالة بابه)؛ أي: قبالة باب جار الفاتح، فإن فعل منع من ذلك، لأنه يلزم منه الاطلاع على عورة جاره أو حفر ما يضر بجاره في حفره وإن كان الحفر في ملكه كحفر بئر ملتصقة بجداره أو حاصل لمرحاضه.
(ويقضى بالحائط لمن إليه)؛ أي: عند القمط والعقود القمط بكسر القاف وسكون الميم: الخشب الذي يجعل في وسط الحائط ليحفظه من الكسر والعقود تناكح الأحجار؛ أي: تداخل بعض البناء في بعض. لحديث جارية بن ظفر أن دارا كانت بين أخوين فحظرا في وسطها حظارا ثم هلكا، وترك كل واحد منهما عقبا فادعى عقب كل واحد منهما أن الحظار له من دون صاحبه فاختصم إلى النبي ﷺ فأرسل حذيفة بن اليمان يقضي بينهما فقضى بالحظار لمن وجد معاقد القمط تليه، ثم رجع فأخبر النبي ﷺ فقال: النبي ﷺ: «أصبت» أو قال: «أحسنت» (^١) ولأن العرف جار بأن من بني حائطا جعل وجه الحائط إليه.
_________________
(١) = ورواه ابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قضى أن لا ضرر ولا ضرار. ورواه ابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عباس، وفي كل أسانيده مقال لكنه اعتضد بتعددها وبوجود شواهد.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١١٧٠٣) (٦/ ٦٧)، والدارقطني (٤/ ٢٢٩) (٨٨). وأصله في سنن ابن ماجه مختصرا.
[ ٣ / ١٣١١ ]
وجوب الرفق بالمحتاجين للماء ونحوه مما لا يضر بالمعطي:
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ولا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ.
وأهل آبار الماشية أحق بها حتى يسقوا، ثم الناس فيها سواء.
ومن كان في أرضه عين أو بئر فله منعها، إلا أن تنهدم بئر جاره وله زرع يخاف عليه فلا يمنعه فضله، واختلف هل عليه في ذلك ثمن أم لا.
وينبغي أن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز خشبه في جداره، ولا يقضى عليه.
وما أفسدت الماشية من الزرع والحوائط بالليل فذلك على أرباب الماشية، ولا شيء عليهم في فساد النهار).
الشرح
(ولا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ)؛ أي: ولا يجوز أن يمنع من له ماء فاضل عن حاجته أن يمنعه ممن هو في حاجة إليه لما رواه مالك من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، فقال «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلا» (^١)، وصورة ذلك أن يكون بإزاء الماء مرعى ينزل فيه قوم يريدون الرعي فيه فيمنعهم أهل الماء من الشرب ليرتحلوا عن مرعاهم.
وفي النهي عن بيع الماء أحاديث كثيرة منها: ما هو في مطلق النهي كحديث: «نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء» (^٢).
ومنها ما فيه وعيد على منعه كحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من منع فضل مائه، أو فضل كلئه، منعه الله».
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٣٥٤)، ومسلم (٤٠١٢).
(٢) مسلم (١٥٦٥)، وأبو داود (٣٤٧٨)، والترمذي (١٢٧١)، وصححه الترمذي، وانظر: كلام ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٢٦).
[ ٣ / ١٣١٢ ]
فضله، يوم القيامة» (^١).
(وأهل آبار الماشية أحق بها)؛ أي: بماء الآبار، (حتى يسقوا) ثم المسافرون لسقيهم، ثم ماشية أهل الآبار، ثم ماشية المسافرين (ثم الناس) بعدهم (فيها)؛ أي: في الآبار؛ أي: في فضل مائها شركاء (سواء، ومن كان في أرضه عين أو بئر فله منعها إلا أن تنهدم بئر جاره) أو يغور ماؤها (و) الحال أن (له)؛ أي: للجار (زرع يخاف عليه فلا يمنعه)؛ أي: لا يجوز له أن يمنعه (فضله) بل يلزمه بذله، ويقضى عليه بذلك بشروط ثلاثة:
١ - أن يكون الجار زرع على أصل ماء فانهارت بئره.
٢ - وأن يخاف على زرعه التلف.
٣ - وأن يشرع في إصلاح بئره ولا يؤخر.
(واختلف: هل عليه)؛ أي: على الجار (في ذلك) الفضل ثمن لصاحب الماء، لأنه ينتفع به لنفسه، وصاحب المشقة كانت له كلفة في استخراجه، وهو محكي عن مالك (أم لا) لأنه لا يجوز منع فضل الماء، وهو قول في «المدونة» (^٢)، ووجهه أن بذل فضل مائه واجب على طريق الإعانة فلم يكن له أخذ العوض عنه، ووجه الأول أنه انتفع بمال الغير لإحياء مال نفسه.
• كراهية منع الجار من غرز خشبة في جدار جاره:
(وينبغي)؛ بمعنى: ويستحب (أن لا يمنع الرجل جاره أن يغرز)؛ أي: يدخل (خشبه في جداره). فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبه في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩) (٦٦٧٣) وفي (٢/ ٢٢١) (٧٠٥٧).
(٢) المدونة (٤/ ٤٦٨).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤٦٤)، والبخاري (٢٤٦٣)، ومسلم (٤١٣٧)، وأبو داود (٣٦٣٤)، والترمذي (١٣٥٣)، وابن ماجه (٢٣٣٥).
[ ٣ / ١٣١٣ ]
واختلف العلماء في معنى الحديث، هل هو على الندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره أم على الإيجاب، وفيه قولان للشافعي وأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين الندب.
وقوله: (ولا يقضى عليه) تأكيد للندب المستفاد من قوله: وينبغي أن لا يمنع إلخ، وإشارة إلى رد قول ابن كنانة والشافعي أنه يقضى عليه وجوبا (^١).
اختلاف الحكم في إفساد الماشية للزرع بين الليل والنهار:
(وما أفسدت الماشية من الزروع والحوائط بالليل فذلك على أرباب الماشية، ولا شيء عليهم في إفساد النهار) وهذا التفصيل في «الموطأ» وغيره، فقد روى مالك في «موطئه»: «أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته عليهم، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل» (^٢)، ومحل كون ضمان ما أتلفته ليلا على ربها ما لم يكن معها راع، وإلا فالضمان عليه.
الفلس
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن وجد سلعته في التفليس فإما حاصص وإلا أخذ سلعته إن كانت تعرف بعينها وهو في الموت أسوة الغرماء.
والضامن غارم وحميل الوجه إن لم يأت به غرم حتى يشترط أن لا يغرم ومن أحيل بدين فرضي فلا رجوع له على الأول وإن أفلس هذا إلا أن يغره منه.
وإنما الحوالة على أصل دين وإلا فهي حمالة.
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد (٤/ ١٢٣).
(٢) رواه مالك (٣٦) كتاب الأقضية، (٢٨) باب: القضاء في الضواري والحريسة، حديث (٣٩)، وأخرجه أبو داود موصولا (٢٢) كتاب البيوع، (٩٠)، باب: المواشي تفسد الزرع قوم، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٤٧).
[ ٣ / ١٣١٤ ]
ولا يغرم الحميل إلا في عدم الغريم أو غيبته.
ويحل بموت المطلوب أو تفليسه كل دين عليه ولا يحل ما كان له على غيره). الشرح
الفلس: قال في مختار الصحاح: ف ل س جمع الفلس في القلة أفلس، وفي الكثير فلوس، وقد أفلس الرجل صار مفلسا كأنما صارت دراهمه فلوسا وزيوفا (^١).
ومن وجد سلعته التي باعها من رجل لم تفت، ولم يقبض ثمنها حتى أفلس مشتريها، فالبائع حينئذ؛ أي: (في التفليس) بالخيار (فإما حاصص بها)؛ أي: دخل مع الغرماء في جملة المال فيأخذ نصيبا بنسبة ماله منه، (وإلا أخذ سلعته إن كانت تعرف بعينها وكانت من ذوات القيم كالدواب والرقيق. وأما إن كانت من ذوات الأمثال كالقمح فليس له إلا الحصاص، والموضوع: أن الفلس طارئ على الشراء، وإلا فلا يكون أحق بسلعته بل يحاصص الغرماء.
(وهو) أي: صاحب السلعة إذا وجدها في الموت)؛ أي: موت من ابتاع السلعة وصاحب السلعة لم يقبض ثمنها حتى مات المبتاع (أسوة الغرماء) وليس أحق بسلعته بل يحاصص لحديث أبي بكر بن عبد الرحمن مرسلا أن رسول الله ﷺ قال: «أيما رجل باع متاعا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء» (^٢)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعنا
_________________
(١) مختار الصحاح (مادة فلس).
(٢) رواه مالك في الموطأ كتاب البيوع، باب ما جاء في إفلاس الغريم رقم الباب (٤٢). والحديث رقمه (٨٧)، وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٤١٧)، وعبد الرزاق (١٥١٦٠)، ووصله أبو داود وقال: حديث مالك أصح، وأصله في الصحيحين: البخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (٣٩٨٩).
[ ٣ / ١٣١٥ ]
رسول الله ﷺ يقول: «من أدرك ماله بعينه عند رجل - أو إنسان - قد أفلس فهو أحق به من غيره» (^١).
(والضامن غارم) عند تعذر الاستيفاء من الغريم لحديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكر حديثا وفيه: «… العور مؤداة - أي: العارية -، والمنحة مردودة، والدين مقضي، والزعيم غارم» (^٢).
(وحميل الوجه) وهو من التزم إحضار الغريم وقت الحاجة إليه إن أتى بوجه من تحمل به عند الأجل برئ و(إن لم يأت به) عند الأجل (غرم) المال الذي عليه لعموم قوله ﷺ: «الزعيم غارم» كما سبق، (حتى)؛ بمعنى: إلا أن يشترط أن لا يغرم فلا يلزمه إن تغيب الغريم غرامة المال، لأن المسلمين على شروطهم كما في الحديث، قال ابن عمر: إلا أن يكون أمكنه الإتيان به ففرط، فإنه يغرم.
(ومن أحيل بدين فرضي فلا رجوع له على الأول وإن أفلس هذا) المحال عليه، لأن الحوالة إما أن تكون تحويل حق، أو بيع حق، وأيهما كان وجب أن تبرأ به ذمة المحيل، والحديث أبي هريرة الله عن النبي ﷺ قال: ﴿مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على ملي فليتبع﴾ (^٣)، وفي رواية: «ومن أحيل على ملي فليحتل» (^٤).
فشرط الملاءة في الحوالة، وذلك يقتضي أنه لا رجوع على المحيل إذ لو كان له الرجوع لما كان الشرط الملاءة معنى لأنه لا يخاف تلف دينه بإفلاسه، (إلا أن يغره منه)؛ أي: يغر المحيل المحال، وقوله: منه؛ أي: فيه، أي المدين الذي هو المحال عليه مثل أن يعلم أنه عديم، وأحال عليه، فإنه لا يبرأ ويرجع عليه المحال بدينه.
_________________
(١) أشرنا إلى روايتهما في الحديث السابق.
(٢) أبو داود (٢٨٧٠ و٣٥٦٥)، وابن ماجه (٢٠٠٧ و٢٢٩٥ و٢٣٩٨ و٢٧١٣)، والترمذي (٦٧٠).
(٣) أخرجه مالك في «الموطأ» (٤١٨)، والبخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (٤٠٠٧).
(٤) أحمد (٢/ ٤٦٣) (٩٩٧٤) قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣ / ١٣١٦ ]
(وإنما الحوالة على أصل دين) لأن حقيقتها نقل الدين من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى، ولأنها عقد لازم، ولا يتصور لزومه مع عدم لزوم الدين (وإلا)؛ أي: وإن لم تكن على أصل دين (فهي حمالة)؛ أي: ضمان لأن الحوالة مأخوذة من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة، فإن لم يكن هناك أصل دين لم تكن حوالة، ولو وقعت بلفظ الحوالة.
وفائدة ذلك أن للمحتال أن يرجع على المحيل، ولا تبرأ ذمته بذلك، لأن الضمان لا يبرئ ذمة المضمون عنه، وإنما هو شغل ذمة أخرى، فلو كانت حوالة لبرئت بها ذمته، ولم يكن للمحتال الرجوع عليه.
وقوله: (ولا يغرم الحميل إلا في عدم الغرم أو غيبته) راجع إلى قوله: والضامن غارم، ومحل كون الحميل يغرم في غيبة الغريم البعيدة إذا لم يكن للغريم مال حاضر يمكن الاستيفاء منه، وإلا فلا يغرم.
وجه مشابهة الفلس بالموت:
(ويحل بموت المطلوب أو تفليسه كل دين عليه) المراد به حكم الحاكم بخلع ماله لا مجرد قيام الغرماء، فلا يحل به ما أجل، أما حلول الديون المؤجلة بالموت فلأن الدين كان متعلقا بالذمة، وبالموت قد خربت ولم يبق للغريم ما يتعلق به، فوجب أن يحل ما كان مؤجلا، وأن ينتقل من الذمة إلى التركة، لأنه لا يتعلق بغيرهما، فإذا ذهبت إحداهما فلم يبق غير الأخرى. لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (^١).
وأما حلوله بالفلس فلأن الغرماء لما دخلوا على ذمة عامرة، وبالفلس قد خربت فأشبه ذلك موته.
وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أنه قال: مضت السنة بأن دين الميت حل حين مات (^٢) لأنه لا يكون له ميراث إلا بعد قضاء الدين، وأما التفليس فلأن الفلس معنى يفسد الذمة فاقتضى حلول الديون كالموت.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٠) (٩٦٧٧)، والترمذي (١٠٧٩)، وابن ماجه (٢٤١٣).
(٢) المدونة (٤/ ٨٣).
[ ٣ / ١٣١٧ ]
(ولا يحل) بموت المطلوب أو تفليسه (ما كان له على غيره) من الديون؛ لأن محلها وهي الذمم لم تفت بل هي باقية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا تباع رقبة المأذون فيما عليه، ولا يتبع به سيده.
ويحبس المديان ليستبرأ، ولا حبس على معدم.
وما انقسم بلا ضرر قسم من ربع وعقار، وما لم ينقسم بغير ضرر، فمن دعا إلى البيع أجبر عليه من أباه، وقسم القرعة لا يكون إلا في صنف واحد، ولا يؤدي أحد الشركاء ثمنا، وإن كان في ذلك تراجع لم يجز القسم إلا بتراض.
ووصي الوصي كالوصي.
وللوصي أن يتجر بأموال اليتامى، ويزوج إماءهم.
ومن أوصى إلى غير مأمون فإنه يعزل.
ويبدأ بالكفن، ثم الدين، ثم الوصية، ثم الميراث).
الشرح
(ولا تباع رقبة) العبد (المأذون) له في التجارة (فيما عليه) من الديون، وإنما تتبع ذمته (ولا يتبع به)؛ أي: مما على العبد (سيده) إلا إذا قال لهم: عاملوه، وما عاملتموه به فذلك علي.
(ويحبس المديان) المجهول الحال (ليستبرأ)؛ أي: يستبين أمره فإن ثبت عدمه بشهادة عدلين أنهما لا يعرفان له مالا لا ظاهرا ولا باطنا فلا يطلق، حتى يستحلف ما له مال ظاهر ولا باطن، وتكون يمينه على البت، ويزيد عليها: وإن وجدت مالا لأقضينه عاجلا. لحديث عمرو بن الشريد عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» (^١).
_________________
(١) أبو داود (٣٦٢٨)، والنسائي (٧/ ٣١٦)، وفي «الكبرى» (٦٢٤٢)، وابن ماجه (٢٤٢٧)، وعلقه البخاري (٣/ ١٥٥)، عقب (٢٤٠٠).
[ ٣ / ١٣١٨ ]
وقال أحمد: قال وكيع: عرضه شكايته، وعقوبته: حبسه.
وقال البيهقي: قال سفيان؛ يعني: عرضه أن يقول: ظلمني في حقي وعقوبته بسجن، وأسنده أيضا من طريق ابن المبارك ثم قال: - يعني ابن المبارك -: عرضه يغلظ له وعقوبته يحبس (^١).
(ولا حبس على معدم) لتأكد المفسدة الحاصلة عليه دون فائدة. لحديث أبي سعيد ﵁ قال: قال: أصيب رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ: «تصدقوا عليه»، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله ﷺ لغرمائه: «خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك» (^٢).
وروى البيهقي عن عبد الله بن عمار بن ربيعة: «أن أبا بكر الصديق وعمر بن الخطاب ﵄ كانا يستحلفان المعسر: بالله ما تجد ما تقضيه من عرض، ولا فرض، أو قال: ناض، ولئن وجدت من حيث لا يعلم لتقضينه، ثم يخليان سبيله» (^٣).
(وما انقسم بلا ضرر قسم) فيقسم كل ما كان قابلا للقسمة للكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ﴿وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين﴾ [النساء: ٨] الآية وقال النبي ﷺ: «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» كما سبق.
وقسم النبي ﷺ خيبر على ثمانية عشر سهما، وكان يقسم الغنائم.
وحكى الإجماع على جواز القسمة جماعة، ولأن بالناس حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف في نصيبه، ويتخلص من سوء المشاركة، وكثرة الأيدي (من ربع) وهو البناء (وعقار) وهي الأرض وغيرها كالحيوان والعروض والمكيل والموزون لحديث الشفعة المذكور
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (١١٠٦٠) (١١٠٦٢).
(٢) مسلم (٤٠٦٤)، وأبو داود (٣٤٧١)، والترمذي (٦٥٥).
(٣) البيهقي (١١٦٢١).
[ ٣ / ١٣١٩ ]
وحديث ثور بن زيد الديلي قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أو أرض أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام» (^١).
والمراد أن كل ما كان قابلا للقسمة وتنافسوا فيه، فبعضهم يطلب القسمة وبعضهم يأباها، أجبر الممتنع عليها.
(وما لم ينقسم بغير ضرر) بأن لم يقبل القسمة كالعبد الواحد فإن في قسمته إتلاف عينه، أو يقبلها بضرر كالخفين، فإن في قسمتهما إتلاف منفعتهما (فإنه لا يجوز قسمه) فإن تشاح الشركاء في شيء من ذلك ولم يتراضوا على أن ينتفعوا به مشاعا وأراد أحدهم البيع وأباه بعضهم (ف) إن (من دعا إلى البيع أجبر عليه من أباه) لأنه لا يجوز قسمه حتى يحسم مادة النزاع فتعين البيع، وأجيب له من طلبه لقطع النزاع. لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» (^٢).
(وقسم القرعة لا يكون إلا في صنف واحد)؛ أي: جنس واحد فلا يجوز في قسم القرعة الجمع بين جنسين أو نوعين متباعدين كالتفاح والخوخ، بل كل منهما يقسم على حدة، لأن جمعهما في قسمة واحدة غرر بين.
(ولا يؤدي أحد الشركاء ثمنا) لأنه إذا أداه صار صنفين، والقرعة لا تكون إلا في صنف واحد.
(وإن كان في ذلك تراجع لم تجز القسمة إلا بتراض) فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال النبي ﷺ: «إنما البيع عن تراض» (^٣).
مثال ذلك: أن يوجد ثوبان ثمن أحدهما ديناران، وثمن الآخر دينار
_________________
(١) مالك في «الموطأ» (١٥٠٤)، وقال الزرقاني في «شرح الموطأ» (٤/ ٤٥): قال أبو عمر: تفرد بوصله إبراهيم بن طهمان، وهو ثقة، عن مالك، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس، وأخرجه أبو داود (٢٩١٤)، وابن ماجه (٢٤٨٥).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) ابن ماجه (٢١٨٥) قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله موثقون، رواه ابن حبان في صحيحه (٤٩٦٧)، قال الشيخ الألباني: صحيح. انظر حديث رقم (٢٣٢٣) في صحيح الجامع، وقال شيخنا شعيب الأرنؤوط: إسناده قوي.
[ ٣ / ١٣٢٠ ]
فيقرع عليهما، فمن صار في سهمه الذي ثمنه ديناران على صاحبه خمسة دراهم ليتعادلا، فهذا لا يجوز إلا بتراض بأن يقول أحدهما للآخر: لك الخيار إما أن تختار الذي ثمنه ديناران وتعطي خمسة دراهم، أو تأخذ الذي ثمنه دينار وتأخذ خمسة دراهم.
بعض مسائل الوصية:
(ووصي الوصي كالوصي) إن كان الأصلي بوصية الأب لا بوصية القاضي، فإذا كان مقاما من قبل القاضي فليس له الوصاية.
(وللوصي أن يتجر في أموال اليتامى ويزوج إماءهم) لقوله ﷺ: «اتجروا - من التجارة - في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة» (^١)، وروى البيهقي من طريق الشافعي عن القاسم بن محمد قال: «كانت عائشة ﵂ تزكي أموالنا، وإنها ليتجر بها في البحرين» (^٢).
لكن ليس له أن يتجر بها بنفسه، فإن فعل ذلك تعقبه الإمام فإن رآه خيرا أمضاه وإلا أبطله.
(ومن أوصى إلى غير مأمون فإنه يعزل) لأنه غير عدل والفاسق لا تجوز وصايته لأنه لا حظ في نظره للطفل ولا للميت، ولأن المراد من الوصي حفظ مال الطفل والقاصر، والوصي إذا كان خائنا ساوى القاصر في سوء تصرفه فلم تصح له وصاية عليه ولا تثبت له ولاية.
(ويبدأ بالكفن) يريد بعد المعينات مثل أم الولد والمعتقة لأجل ونحو ذلك (ثم بالدين) الثابت ببينة أو إقرار في صحته أو مرضه لكن لمن لا يتهم عليه لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ١١]، ولأن الدين تستغرقه حاجته فقدم على غيره بعد مؤنة التجهيز بالإجماع، وإنما قدمت
_________________
(١) «الموطأ» (٥٨٩) فذكره، بلاغا، موقوفا على عمر ﵁، وانظر: شرح الزرقاني (٢/ ١٤٢)، والطبراني في الأوسط (٤١٥٢)، من حديث أنس بن مالك ﵁، والبيهقي في السنن من حديث يوسف بن ماهك مرسلا.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (١١٣٠٤).
[ ٣ / ١٣٢١ ]
الوصية في الآية لشبهها بالميراث من جهة أخذها بغير عوض فقدمت عليه للمسارعة لإخراجها، ولذا أتى بأو للتسوية بينهما في الوجوب وليفيد تأخر الإرث عنهما مجتمعين ولحديث علي ﵁ قال: «قضى النبي ﷺ بالدين قبل الوصية» (^١)، (ثم) بعد الدين (بالوصية) إن كان أوصى لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ [النساء: ١١]، (ثم الميراث) إلا قدر كفنه، فإن لم يترك إلا قدر كفنه كان أحق به.
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن حاز دارا عن حاضر عشر سنين تنسب إليه وصاحبها حاضر عالم لا يدعي شيئا فلا قيام له، ولا حيازة بين الأقارب والأصهار في مثل هذه المدة.
ولا يجوز إقرار المريض لوارثه بدين أو بقبضه.
ومن أوصى بحج أنفذ، والوصية بالصدقة أحب إلينا.
وإذا مات أجير الحج قبل أن يصل فله بحساب ما سار، ويرد ما بقي، وما هلك بيده فهو منه إلا أن يأخذ المال على أن ينفق على البلاء، فالضمان من الذين واجروه، ويرد ما فضل إن فضل شيء).
الشرح
ومن حاز دارا مثلا أو عقارا فهو أعم من الدار (على حاضر)؛ أي: مع حاضر؛ أي: مع موجود حاضر رشيد أجنبي غير شريك (عشر سنين) وهي (تنسب)؛ أي: تضاف (إليه) كأن يقال: دار فلان (وصاحبها) المنازع (حاضر عالم) بأنها ملكه، وأما إذا لم يعلم بأن هذا المحل المحاز عنه ملكه بأن قال: لا أعلم أنه ملكي في حال تصرف هذا الحائز وما وجدت الوثيقة
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٠٩٤)، وابن ماجه (٢٧١٥)، وحسنه الألباني، ورواه البيهقي (١٢٧٤٩)، وأخرجه البخاري تعليقا عند (٩ - باب تأويل قول الله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النساء: ١١]) من كتاب الوصايا.
[ ٣ / ١٣٢٢ ]
إلا عند فلان، أو كان وارثا وادعى أنه لا يعلم أنه ملكه فإنه يقبل قوله: (لا يدعي شيئا ولم يمنعه مانع من المطالبة، أما إذا كان الحائز ذا شوكة فإن له القيام ولو طال الزمن وتسمع دعواه (فلا قيام) له؛ أي: بعد ذلك ولا تسمع بينته، لما رواه ابن وهب عن سعيد بن المسيب يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أنه قال: «من حاز شيئا عشر سنين فهو له» (^١)؛ قال عبد الجبار وحدثني عبد العزيز بن المطلب عن زيد بن أسلم عن النبي ﷺ مثله قال: عبد الجبار عن ربيعة أنه قال: إذا كان الرجل حاضرا وماله في يد غيره فمضت له عشر سنين وهو على ذلك، كان المال الذي هو في يديه بحيازته إياه عشر سنين إلا أن يأتي الآخر بينة على أنه أكرى أو أسكن أو أعار عارية أو صنع شيئا من هذا وإلا فلا شيء له اهـ (^٢). ولأن العرف يكذبه، إذ لو كانت له لما سكت عن الدعوى بها في هذه المدة هذا كله في غير حق الله. وأما هو فلا يفوت بالحيازة ولو طالت المدة. كما لو حاز طريق المسلمين أو جزء منها أو مسجدا أو محلا موقوفا على غيره.
بعض مسائل الإقرار:
(ولا يجوز) بمعنى لا يصح (إقرار المريض) مرضا مخوفا (لوارثه بدين) له في ذمته، أو بقبضه)؛ أي: بقبض دين كان له عليه صورة الإقرار بالدين، أن تقول: لفلان علي كذا وكذا.
وصورة الإقرار بقبضه أن يقول: الدين الذي لي على فلان قبضته، وهذا مقيد بأن يكون هناك تهمة بأن كان الوارث له ابنته وابن عمه، فالميل لابنته يقضي بالتهمة، وإن إقرارا لها بدين أو بقبضه ليس الغرض منه إلا محاباتها.
_________________
(١) أخرجه ابن القاسم في المدونة (٥/ ١٩٢ - نشر دار صادر) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا، وفي إسناده «عبد الجبار بن عمر الأيلي» وهو ضعيف كما في ترجمته من التهذيب لابن حجر (٦/ ١٠٣ - ١٠٤، ط. دائرة المعارف العثمانية)، وانظر: السلسلة الضعيفة للألباني (٤٨٥٣) (١٠/ ٣٥٦).
(٢) مسالك الدلالة للغماري (٣٨١) العلمية، وانظر: مواهب الجليل (٦/ ٢٢١)، وتبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك (٢/ ٣٦٢، ٣٦٣).
[ ٣ / ١٣٢٣ ]
(ومن أوصى بحج أنفذ من الثلث) على المشهور، (والوصية بالصدقة أحب إلينا)؛ أي: إلى المالكية من الإيصاء بالحج لأنه لا خلاف فيها، ولا خلاف في انتفاع الميت بها، ووصول ثوابها إليه اتفاقا لقوله ﵊: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له» (^١).
وأما الحج فمختلف فيه بين أهل العلم هل ينتفع به الميت أم لا؟ ومذهب مالك أنه لا ينتفع به الميت، وأهم من هذا أن الصدقة بر يتعدى نفعه للغير، وحج النفل مقصور الفضل على فاعله والله أعلم.
حكم موت أجير الحج:
(وإذا مات أجير الحج)؛ أي: من استؤجر لأن يحج عمن أوصى بحج في أثناء الطريق (قبل أن يصل) إلى مكة أو قبل أن يقضي أفعال الحج (فله بحساب ما سار من الطريق؛ أي: من حيث الصعوبة والسهولة والأمن والخوف، لا من حيث المسافة فقد يكون ربعها يساوي نصف الكراء (ويرد ما بقي)، لأنه لا يستحق كل الأجر إلا بتمام العمل، (وما هلك بيده فهو)؛ أي: ضمانه (منه)، لأن عليه معاوضته؛ أي: لأنه تقرر عليه وتحمل عليه عوضه وهو العمل إلا أن يأخذ المال على أن ينفق على البلاغ فـ إنه إذا هلك يكون (الضمان من الذين واجروه) صوابه آجروه بغير واو، وإنما كان الضمان منهم لتفريطهم بعدم إجارة الضمان التي هي أحوط.
وصورة إجارة البلاغ أن يعطى الأجير مالا ليحج به فإن أكمل العمل كان له، وإن لم يكمله لم يستحق منه شيئا، وإن احتاج إلى زيادة رجع بها على المستأجر ويرد ما فضل إن فضل شيء) ولا يجوز له صرف شيء منه في غير الحج.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٢)، والبخاري في الأدب المفرد (٣٨)، ومسلم (٥/ ٧٣)، وأخرجه أبو داود (٢٨٨٠)، والنسائي (٦/ ٢٥١).
[ ٣ / ١٣٢٤ ]