• قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب في الأيمان والنذور: «ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه.
ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله ﷿ أو بشيء من أسمائه وصفاته.
ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء وقال: إن شاء الله ووصلها بيمينه قبل أن يصمت، وإلا لم ينفعه ذلك.
والأيمان بالله أربعة: فيمينان تكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت أو يحلف ليفعلن، ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك في يقينه ثم يتبين له خلافه فلا كفارة عليه ولا إثم، والأخرى الحالف متعمدا للكذب أو شاكا فهو آثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله ﷾.
والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدا لكل مسكين بمد النبي ﷺ.
وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد. وذلك بقدر ما يكون من وسط عيشهم في غلاء أو رخص، ومن أخرج مدا على كل حال أجزاه.
وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قميص وخمار.
أو عتق رقبة مؤمنة.
فإن لم يجد ذلك ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن فإن فرقهن أجزاه.
[ ٢ / ٨٨٥ ]
وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده، وبعد الحنث أحب إلينا).
الشرح
(باب في الأيمان والنذور) بيان ما يجوز الحلف به من (الأيمان) وما لا يجوز، وما يلزم منها، وما لا يلزم (و) في بيان ما يجوز من (النذور) وما لا يجوز، وما يلزم منها، وما لا يلزم وغير ذلك؛ أي: الجائز وغير الجائز واللازم، وغيره في البابين كالكفارة.
واليمين: «أصلها في اللغة اليد، وأطلقت على الحلف، لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه، وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء فسمى الحلف بذلك.
ويجمع اليمين على أيمان وأيمن كرغيف وأرغف.
وعرفت شرعا: «بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله»، وهذا أخصر التعاريف وأقربها (^١).
والأصل في مشروعيتها وثبوت حكمها قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، وغيرها من الآيات ومن السنة قول النبي ﷺ: «وإني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» (^٢).
وحكمها أنها كما في «المقدمات»: «أن الحلف مباح إذا كان بالله تعالى وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ ومحرم وهو الحلف باللات والعزى وما يعبد من دون الله تعالى، لأن الحلف تعظيم وتعظيم هذه الأشياء كفر؛ ومكروه وهو الحلف بما عدا ذلك» (^٣).
(ومن كان حالفا فليحلف بالله)؛ أي: أن من أراد الحلف فليحلف
_________________
(١) الفتح (١١/ ٥٢٥)، وانظر: الذخيرة للقرافي (٤/ ٥).
(٢) الموطأ (١٠١٧)، والبخاري (٩/ ١٤٥) (٤١٢٤)، وفي غير موضع، ومسلم (١٦٤٩).
(٣) الذخيرة للقرافي (٤/ ٦).
[ ٢ / ٨٨٦ ]
باسم الله أو اسم لا يتسمى به سواه كالرحمن، ولا يجوز الحلف بالنبي ولا بغيره مما هو معظم شرعا، أو غير معظم، فعن سعد بن عبيدة قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عمر فجئت سعيد بن المسيب وتركت عنده رجلا من عندة فجاء الكندي مروعا، فقلت: ما وراءك؟ قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر آئفا، فقال: أحلف بالكعبة، فقال: احلف برب الكعبة؛ فإن عمر كان يحلف بأبيه فقال له النبي ﷺ: «لا تحلف بأبيك فإنه من حلف بغير الله فقد أشرك» (^١).
وقال قتادة: «يكره الحلف بالمصحف، وبالعتق، والطلاق» (^٢)، ويجوز أن يحلف بصفة من صفاته كعزة الله تعالى، وعظمته وجلاله وكبريائه وكلامه فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم جميعا وذلك لأن النبي ﷺ كان يحلف فيقول: «لا ومقلب القلوب» (^٣) وجاء عنه ﷺ: «أن جهنم تقول: وعزتك وكرمك» (^٤) إلى آخر الصفات، (أو ليصمت)؛ أي: لا يحلف لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله، وإنما كان منهيا عن الحلف بغير الله لما صح من حديث ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ﴿إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت﴾ (^٥)، فأمر بالصمت عما عدا اليمين بالله؛ أي: فاللام لام الأمر، فظاهره الوجوب وهو مستلزم لتحريم اليمين بغير الله قاله ابن عبد السلام (^٦)؛ قال اللخمي: «الحلف بالمخلوقات كالنبي ﵇ والكعبة ممنوع، فمن فعل فليستغفر الله تعالى» (^٧).
(ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق) إذا كان بالغا عالما معتادا للحلف بذلك، ويكون ذلك جرحة في شهادته، وظاهر كلامه أنه يؤدب حنث أو لم
_________________
(١) أحمد (٢/ ٣٤ (٤٩٠٤)، وأبو داود (٣٢٥١)، والترمذي (١٥٣٥).
(٢) انظر أثر ابن الزبير وقتادة في: الاستذكار (٥/ ٢٠٣).
(٣) البخاري (٨/ ١٥٧) (٦٦١٧)، والترمذي (١٥٤٠).
(٤) البخاري (٦/ ١٧٣) (٤٨٤٨)، ومسلم (٨/ ١٥٢) (٧٢٧٩).
(٥) الموطأ (٣/ ٨٧) واللفظ له، والبخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (٤٢٦٧).
(٦) الثمر الداني (٤٢٣).
(٧) الذخيرة للقرافي (٤/ ٦).
[ ٢ / ٨٨٧ ]
يحنث، والأدب عند مالك غير محدود، بل على ما يراه الإمام من ضرب أو شتم أو غيره، ويختلف باختلاف الأشخاص والأحوال (و) مع تأديب من حلف بطلاق أو عتاق (يلزمه) ما حلف به من طلاق أو عتق إذا أيقن بالحنث، بل لو شك في الحنث أو توهمه أو ظنه فإنه يحنث على المشهور، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة» (^١)، وفي لفظ: «النكاح والطلاق والعتاق»؛ وأما لو شك هل قال: أنت طالق أو لم يقل؟ أو شك هل حلف وحنث أو لم يحلف ولم يحنث؟ فلا شيء عليه.
(ولا) تنفع (ثنيا)؛ أي: استثناء بمشيئة الله تعالى مثل أن يقول الحالف بعد تلفظه بالمحلوف به: إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله (^٢) لقول ابن عباس ﵄: «إذا قال الرجل لامرأته أنت طالق إن شاء الله فهي طالق» (^٣)؛ قال الحافظ: «واحتج من قال: لا يدخل في الطلاق بأنه لا تحله الكفارة وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلما لم يحله الأقوى لم يحله الأضعف». اه (^٤)، ولهذا القول في عدم نفع الاستثناء معارض أقوى من هذا كما هو عند الجمهور ورواية عن مالك، كما في حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه»، ولفظ أبي داود فيه: «فقد استثنى» (^٥)، ورواية الدارقطني لحديث معاذ المتقدم:
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ورواه ابن ماجه (٢٠٣٩).
(٢) وانظر: مسألة الاستثناء والكلام عليها في القبس لابن العربي (٦٨٦/ ٢)، والذخيرة للقرافي (٢١/ ٤)، وللأخير كلام في الفروق تحت عنوان: الفرق الخامس بين قاعدتي الشرط والاستثناء في الشريعة ولسان العرب، وانظر: الجمع لأحكام القرآن للقرطبي (١/ ٤٣١)
(٣) المحلى (١٠/ ٢٨)، وقد صح هذا عن سعيد بن المسيب وبعض التابعين، وهو أحد قولى الاوزاعي ومالك، انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٨٢).
(٤) الفتح (١١/ ٦١٢).
(٥) أحمد (٢/ ٦) (٤٥١٠) و(٢/ ٤٨) (٥٠٩٣)، وأبو داود (٣٢٦١)، والترمذي (١٥٣١)، =
[ ٢ / ٨٨٨ ]
«إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله لم تطلق» (^١).
(و) كذلك (لا) تنفع (كفارة) كما لا تنفع ثنيا، ومعنى عدم نفعهما أنهما لا يفيدان في شيء من الأيمان (إلا في اليمين بالله ﷿)؛ أي: بهذا الاسم العظيم؛ أي: والنذر المبهم كاليمين بالله كما في «المدونة» (^٢) وكذا سائر ما فيه كفارة يمين كحلفه بالكفارة، ويمكن دخول هذا في قول المصنف إلا في اليمين بالله؛ أي: حقيقة أو حكما.
والمراد به ما فيه كفارة يمين وليس من أسمائه تعالى ولا من صفاته أو بشيء من أسماء الله غير هذا الاسم كالعزيز والباري (وصفاته)؛ أي: أو بشيء من صفاته كالسمع والبصر، وظاهر كلامه أن الثنيا لا تنفع في الطلاق المعلق مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، وفيه تفصيل فقد قال ابن الماجشون: إن رده للفعل وهو دخول الدار مثلا نفعه ذلك، ومذهب ابن القاسم أنه لا ينفعه ولو رده للفعل وأنه متى دخل الدار وقع عليه الطلاق، وهو الذي ذهب إليه العلامة خليل وهو المشهور (^٣).
(ومن استثنى) في اليمين بالله أو بصفة من صفاته (فلا كفارة عليه) بشروط ثلاثة:
أحدها: (إذا قصد الاستثناء)؛ أي: قصد حل اليمين، لا فرق في القصد بين أن يكون قبل الحلف أو في أثنائه أو بعد تمامه فإنه ينفعه كما شهره التتائي لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث»، وقال: «فله ثنياه» والنسائي وقال: «فقد استثنى» (^٤)، أما
_________________
(١) وقال: حديث حسن، وابن ماجه (٢١٠٥).
(٢) إلا أن كلا الروايتين ضعيفتين؛ فرواية الدارقطني قال عنها: تفرد به حميد بن مالك وهو مجهول واختلف عليه في إسناده فقيل هكذا وقيل: عنه عن مكحول عن مالك بن يخامر عن معاذ، وقيل: عنه عن مكحول عن معاذ وهو منقطع.
(٣) المدونة (٣/ ١٠٠).
(٤) مواهب الجليل (٦/ ١٨٠)، والقبس لابن العربي (٢/ ٦٧٢).
(٥) أحمد (٢/ ٦) (٤٥١٠) و(٢/ ٤٨) (٥٠٩٣)، وأبو داود (٣٢٦١)، والترمذي (١٥٣١)، وابن ماجه (٢١٠٥).
[ ٢ / ٨٨٩ ]
لو جرى على لسانه من غير قصد كما لو نطق سهوا أو تكلم به تبركا فلا ينفعه في حل اليمين.
(و) ثانيها: إذا (قال)؛ أي: تلفظ ب (إن شاء الله) فلا تكفي النية وحدها.
(و) ثالثها: إن (وصلها)؛ أي: إن شاء الله (بيمينه قبل أن يصمت)؛ أي: يسكت ما لم يضطر لتنفس أو سعال فإن اضطر لم يضر، قال ابن العربي: «قال سائر العلماء، عن بكرة أبيهم يكون الاستثناء بعد اليمين نسقا لا يكون بينهما من الفصل ما يقطع الاتصال» (^١)، (وإلا)؛ أي: وإن لم يقصد الاستثناء أو لم ينطق به أو لم يصله بيمينه (لم ينفعه ذلك) الاستثناء.
• أقسام اليمين:
(والأيمان بـ) ـــــاسم (الله أربعة) وفي نسخة أربع: (فيمينان تكفران وهو)؛ أي: ما يكفر يمينان أحدهما:
اليمين المنعقدة وهي: أن تكون اليمين منعقدة على بر وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه موافقا لما كان عليه من البراءة الأصلية مثل (أن يحلف بالله إن فعلت كذا) أو لا أفعل كذا، ثم يفعل المحلوف عليه.
والأخرى: أن تكون اليمين منعقدة على حنث وحقيقتها أن يكون الحالف بأثر حلفه مخالفا لما كان عليه من البراءة الأصلية مثل أن يحلف إن لم يفعل كذا (أو يحلف ليفعلن كذا) ثم لم يفعل المحلوف عليه لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون﴾ [المائدة: ٨٩]، ولحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ السالف، واليمين على الحنث مقيدة بما إذا لم يؤجل، أما إن أجل
_________________
(١) القبس لابن العربي (٢/ ٦٧٠).
[ ٢ / ٨٩٠ ]
فإنه على بر إلى الأجل مثل أن يقول: إن لم أفعل كذا قبل شهر فإنه على بر إلى الأجل، وإن ولي صيغة الحنث حرف شرط كقوله: والله إن لم أتزوج لا أقيم في هذه البلدة. وفي صيغة البر حرف نفي إذا لم يكن ثم جزاء نحو: والله إن كلمت فلانا معناه والله لا أكلم فلانا لأن كلم هنا وإن كان ماضيا معناه الاستقبال إذ الكفارة لا تتعلق إلا بالمستقبل، وإن كان ثم جزاء فهي مع الجزاء شرط كقولك: والله إن كلمت فلانا لأعطينك مائة.
• حكم يمين اللغو ويمين الغموس في الكفارة:
(ويمينان لا تكفران إحداهما لغو اليمين) وهو؛ أي: لغو اليمين على المشهور في تفسيره (أن يحلف على شيء يظنه) بمعنى يتيقنه هذا جواب عما يقال: إن قوله يظنه يقتضي أن اليمين على الظن لغو (^١)، وليس كذلك بل من أقسام الغموس أفاده الحطاب (^٢). والمراد بالتيقن الاعتقاد لا الجزم المطابق لدليل لقوله: ثم تبين له خلافه (كذلك في يقينه) المعنى يعتقده في عقله مماثلا لنا في نفس الأمر فالمشار له ما في نفس الأمر، ومثل الاعتقاد الظن القوي، لا إن كان غير قوي فغموس وأولى الشك (ثم يتبين له خلافه) قال مالك: أحسن ما سمعت في هذا. أن اللغو حلف الإنسان على الشيء، يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك. فهو اللغو، وليس فيه كفارة اه (^٣).
وقال ابن الحاجب: «ولا كفارة في لغو اليمين، وهي اليمين على ما يعتقده، ثم تبين خلافه ماضيا أو مستقبلا» (^٤)، قال في «التوضيح»: مثال الماضي: والله ما جاء زيد وهو يعتقد ذلك، ومثال المستقبل: والله ما يأتي غدا وهو يعتقده، انتهى (^٥).
_________________
(١) انظر: شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٢١٢).
(٢) مواهب الجليل (٩/ ١٩٠).
(٣) الاستذكار (٥/ ١٩٠)
(٤) جامع الأمهات (٢٣١).
(٥) التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٢٨٩).
[ ٢ / ٨٩١ ]
وقوله: (فلا كفارة عليه) تكرار ذكره ليترتب عليه قوله: (ولا إثم) وإنما لم يكن عليه إثم لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، وروى عمر بن قيس عن عطاء عن عائشة في هذه الآية قالت: «هو حلف الرجل على علمه، ثم لا تجده على ذلك، فليس فيه كفارة» (^١).
وقيل: لغو اليمين ما يسبق إليه اللسان من غير عقد قاله القاضي إسماعيل والأبهري واللخمي وجماعة، وقال ابن عبد السلام: هو الأقرب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ [البقرة: ٢٢٥] ولحديث عائشة في قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو﴾ الآية، أنها كانت تقول: «لغو اليمين قول الإنسان: لا والله، وبلى والله» (^٢)؛ قال في «المدونة»: ولا لغو إلا في اليمين بالله أو نذر لا مخرج له؛ أي: النذر المبهم كقوله: «إن فعلت كذا فعلي نذر، ولا يفيد اللغو في نحو طلاق أو عتق أو نذر غير مبهم» (^٣).
(والأخرى) اليمين الغموس قيل: سميت بذلك، لأنها تغمس صاحبها في النار، وفسرها بأنها (الحالف متعمدا للكذب) مثل أن يحلف أنه لقي فلانا بالأمس وهو لم يلقه، أو يقول: والله لقد كان كذا يوم أمس وهو متيقن أنه لم يكن ونحو ذلك (أو شاكا) مثل أن يحلف، أنه لقيه وهو شاك هل لقيه أم لا؟ ومثل الشك الظن؛ أي: غير القوي وظاهر قوله: (فهو)؛ أي: الحالف متعمدا للكذب أو شاكا (آثم) وإن وافق ما حلف عليه؛ أي: فهو آثم مطلقا وافق أم لا على الراجح.
_________________
(١) قال الزيلعي في نصب الراية (٣/ ٢٩٣) رواه البيهقي في المعرفة (وعمر بن قيس ضعيف)، ورواه ابن وهب وابن أبي حاتم في التفسير من طريقه وهو ضعيف شاذ لمخالفته ما رواه الثقات عنها .. قال ابن عبد البر: وأخطأ فيه عمر بن قيس فرواه بخلاف ذلك، الاستذكار (٥/ ١٨٨)، والرواية الصحيحة هي التي أوردناها بعد هذه.
(٢) رواه البخاري (٦٦٦٣)، ومالك (١٧٢٩) واللفظ له في باب: لغو اليمين.
(٣) المدونة (٣/ ١٠١).
[ ٢ / ٨٩٢ ]
قال مالك (^١): فأما الذي يحلف على الشيء، وهو يعلم أنه آثم، ويحلف على الكذب، وهو يعلم ليرضي به أحدا، أو ليعتذر به إلى معتذر إليه، أو ليقطع به مالا، فهذا أعظم من أن تكون فيه كفارة.
وحجتهم قوله ﷺ: «من اقتطع مال امرئ بيمينه حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار» (^٢). فذكر الجزاء في الآخرة ﷺ في اليمين الغموس، ولم يذكر كفارة ولو كان فيها كفارة لذكرها، والله أعلم.
(ولا تكفر ذلك) الحلف (الكفارة)؛ أي: فلا كفارة في الغموس إن تعلقت بماض، وأما إن تعلقت بالحال أو الاستقبال كفرت، واللغو كذلك إن تعلقت بمستقبل، وإن تعلقت بماض أو حال لم تكفر (و) إذا كانت الكفارة لا تكفر اليمين ف (ليتب من ذلك إلى الله ﷾) لأنها من الكبائر قال تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما﴾ [النساء: ٣١]، ولحديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس …» (^٣).
ويتقرب إليه بما قدر عليه من عتق وصدقة وصوم فـ «إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين» (^٤) قال ابن مسعود ﵁: «كنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه» (^٥).
• كفارة اليمين:
(والكفارة) في اليمين بالله تعالى تتنوع إلى أربعة أنواع:
_________________
(١) الاستذكار (٥/ ١٩١)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٦٧).
(٢) رواه مالك في الأقضية حديث (١١).
(٣) البخاري (٨/ ١٧١) (٦٦٧٥)، وغيره.
(٤) رواه إسماعيل القاضي في الأحكام، ونقل ابن المنذر ومحمد بن نصر وابن عبد البر اتفاق الصحابة على أنه لا كفارة في اليمين الغموس. الفتح (١١/ ٥٦٦).
(٥) ذكره ابن قدامة في المغني (١٣/ ٥٠٦).
[ ٢ / ٨٩٣ ]
ثلاثة على التخيير وهي: الإطعام والكسوة والعتق، وواحد مرتب بعد العجز عن هذه الثلاثة وهو: الصوم. قال ابن عباس ﵄: ما كان في كتاب الله (أو) فهو مخير فيه وما كان (فمن لم يجد) فالأول الأول ذكره الإمام أحمد (^١) في التفسير اه.
وأفضلها الإطعام ولذا بدأ به فقال: (إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار، مدا لكل مسكين بمد النبي ﷺ) لقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفرته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩]، وأخذ من كلام المصنف أن الإطعام له شروط خمسة:
١ - العدد معتبر من قوله: عشرة، فلا يجزئ إعطاؤه لأكثر ولا لأقل ولا لواحد مرارا، فإذا أعطى خمسة مدين مدين بنى على خمسة وكمل لخمسة أخرى، وله نزع الزائد بشرط أن يبقى بيد المسكين لم يتلفه، وكان وقت الدفع له بين أنها كفارة.
وإن أطعم عشرين نصف مد نصف مد لم يجزه.
٢ أن يكونوا مساكين، فلو دفعها لأغنياء مع علمه بذلك فإنه لا يجزئه.
٣ - أن يكونوا مسلمين، فلو دفعها لفقراء أهل الذمة فإنها لا تجزئه قياسا على الزكاة.
٤ - أن يكونوا أحرارا فلو دفعها لرقيق فلا يجزئ.
٥ - أن يكون المعطى مدا لكل مسكين بمده ﵊ فلا يجزئ دونه، لما روى مالك من حديث عبد الله بن عمر ﵄: «أنه كان إذا حنث أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين مدا من حنطة بالمد الأول» (^٢).
وعن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان يقول: «من حلف بيمين
_________________
(١) الاستذكار (٥/ ٢٠٠)، والمصنف ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧٤).
(٢) الاستذكار (٥/ ١٩٩).
[ ٢ / ٨٩٤ ]
فوكدها، ثم حنث، فعليه عتق رقبة، أو كسوة عشرة مساكين؛ ومن حلف بيمين فلم يؤكدها، ثم حنث، فعليه إطعام عشرة مساكين، لكل مسكين مد من حنطة، فمن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام» (^١).
ويقوم مقام المد شيئان على سبيل البدل: إما رطلان من الخبز مع أدم زيت أو لبن أو لحم، وإما شبعهم غداء وعشاء، أو غداءين، أو عشاءين، ولا يكفي غداء أو عشاء ولو بلغ مدا.
(وأحب إلينا) يعني نفسه (أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك)؛ أي: استحباب الزيادة على المد (بقدر ما يكون من وسط عيشهم) ما مصدرية؛ أي: بقدر وجود؛ أي: حال عيشهم الوسط، ووسط العيش الحب المقتات غالبا (^٢).
قال أبو عمر (^٣): من ذهب إلى مد بمد النبي ﷺ كل مسكين تأول قول الله ﷿: ﴿من أوسط ما تطعمون﴾ [المائدة: ٨٩] أنه أراد الوسط من الشبع، ومن ذهب إلى مدين من البر، أو صاع من شعير أو تمر، ذهب إلى الشبع، وتأول في: ﴿أوسط ما تطعمون أهليكم﴾ [المائدة: ٨٩] الخبز، واللبن، أو الخبز، والسمن، أو الخبز، والزيت، قالوا: والأعلى: الخبز، واللحم، فالأدنى خبز دون إدام، فلا يجوز عندهم للأدنى؛ لقول الله ﷿: ﴿من أوسط ما تطعمون﴾.
وقوله: (في غلاء) راجع لقوله: ثلث مد، وقوله: (أو رخص) راجع إلى نصف مد (ومن أخرج مدا على كل حال)؛ أي: في كل بلد وفي كل زمان من غير زيادة (أجزأه) لأنه هو الواجب (وإن كساهم)؛ أي: وإن اختار كسوة العشرة مساكين (كساهم للرجل قميص، وللمرأة قميص وخمار) المراد بالرجل الذكر وبالمرأة الأنثى، لأنه لا فرق بين الصغير والكبير في إعطاء الكسوة
_________________
(١) انظر: البيان والتحصيل (١٧/ ١٢٨).
(٢) نفس المرجع السابق (ص ٢٠٢).
(٣) انظر: الاستذكار (٥/ ٢٠٢).
[ ٢ / ٨٩٥ ]
والإمداد، ولأنه أحسن ما سمعه مالك في ذلك كما قاله في «الموطأ» (^١) وقال: وذلك أدنى ما يجزئ كلا في صلاته.
ولحديث عائشة عن النبي ﷺ في قوله: «أو كسوتهم» قال: «عباءة لكل مسكين» (^٢)؛ وحديث حذيفة قال: قلنا: يا رسول الله أو كسوتهم ما هو؟ قال: «عباءة عباءة» رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ولا يشترط في الكسوة أن تكون من وسط كسوة أهله لأن الله تعالى شرط ذلك في الإطعام دون الكسوة.
(أو عتق رقبة) شرطوا فيها شروطا:
أحدها: أشار إليه بقوله (مؤمنة) حملا للمطلق في العتق على المقيد في آية كفارة القتل فلا تجزئ الكافرة، ولحديث معاوية بن الحكم السلمي ﵁ في الجارية التي سألها النبي ﷺ عن الله فأشارت إلى السماء فقال ﵊: «اعتقها فإنها مؤمنة» (^٣).
وثانيها: أن تكون سليمة من العيوب التي تشين كالعمى والهرم والعرج الشديدين أما ما لا يشين كقطع الظفر فيجزى.
ثالثها: أن تكون ممن يستقر ملكه عليه بعد الشراء لا ممن يعتق عليه بمجرد الشراء أو يشتريه بشرط العتق.
رابعها: أن تكون كاملة لا إن كانت مشتركة.
خامسها: أن لا يكون فيها عقد حرية فلا تجزئ أم الولد ولا المكاتب (^٤).
فإن عجز عن الخصال الثلاثة وهي: الإطعام والكسوة والعتق انتقل إلى
_________________
(١) رواه الطبراني وابن مردويه، كما في الدر المنثور للسيوطي (٣/ ١٥٣).
(٢) مالك (١٤٦٨)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٦)، ومسلم (٢/ ٧٠) (١١٣٦) و(٧/ ٣٥) (٥٨٧٣).
(٣) المدونة (٣/ ١٢٦)، الجامع لأحكام القرآن (٦/ ٢٨١).
(٤) مالك في الموطأ (١٠٧٩)، وانظر: الاستذكار (٣/ ٣٥٠)؛ لأن القراءة التفسيرية يجوز الأخذ بها في توضيح الأحكام كما هو مقرر، وهي وإن لم تثبت قرآنا متواترا فلها حكم خبر الآحاد، أو تكون من قبيل تفسير الصحابي وله حكم الرفع على خلاف فيه.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
الخصلة الرابعة وهي: الصيام وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (فإن لم يجد) المكفر (ذلك)؛ أي: العتق؛ أي: أو الكسوة بدليل قوله: (ولا إطعاما فليصم ثلاثة أيام يتابعهن استحبابا لقوله تعالى ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩] لما روى في التتابع عن أبي بن كعب وابن مسعود ﵄ أنهما كانا يقرآن الآية: ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ (^١)، ولأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى (فإن فرقهن)؛ أي: الأيام الثلاثة (أجزأه) لأنه يصح حمل الآية على التتابع والافتراق، ولكن لا بد من تبييت النية في كل ليلة (^٢)
(و) يباح (له) أي: للحالف أن يكفر قبل الحنث وبعده) ظاهره مطلقا سواء كانت يمينه على بر أو على حنث كانت كفارته بالصوم أو غيره، لحديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» (^٣)، وفي رواية لهما: «إلا كفرت عن يميني، وفعلت الذي هو خير» (^٤) وفي أخرى لهما: «إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني» (^٥).
وحديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فائت الذي هو خير وكفر عن يمينك» (^٦)، وفي رواية لهما: «فكفر عن يمينك، وانت الذي هو خير»، (و) لكن تكفيره (بعد الحنث أحب إلينا) ليكون تكفيرا لما قد وقع فعلا، ويعني بقوله: (إلينا) نفسه إشارة إلى الرد على أشهب القائل بعدم الإجزاء أو على من يقول بعدم جواز تقديم الصوم دون غيره، والله أعلم.
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٢٨٣).
(٢) البخاري (٢٩٦٤)، ومسلم (١٦٤٩).
(٣) البخاري (٤٦١٤).
(٤) البخاري (٦٦٢١).
(٥) البخاري (٨/ ١٥٩) (٦٦٢٢)، ومسلم (٥/ ٨٦) (٤٢٩٢) و(٦/ ٥) (٤٧٤٢).
(٦) شرح حدود ابن عرفة للرصاع (٢١٨).
[ ٢ / ٨٩٧ ]
النذور
• قال المصنف رحمه الله تعالى:
(ومن نذر أن يطيع الله فليطعه.
ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولا شيء عليه.
ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق عبد غيره لم يلزمه شيء.
ومن قال إن فعلت كذا فعلي نذر كذا، وكذا لشيء يذكره من فعل البر من صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو صدقة شيء سماه فذلك يلزمه إن حنث كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين.
وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال فعليه كفارة يمين.
ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو شبهه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه وليستغفر الله.
وإن حلف بالله ليفعلن معصية فليكفر عن يمينه ولا يفعل ذلك، وإن تجرأ وفعله أثم ولا كفارة عليه ليمينه.
ومن قال: علي عهد الله، وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان.
وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة.
ومن قال: أشركت بالله وهو يهودي أو نصراني إن فعل كذا فلا يلزمه غير الاستغفار.
ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له فلا شيء عليه إلا في زوجته فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج.
ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزاه ثلثه.
ومن حلف بنحر ولده فإن ذكر مقام إبراهيم أهدى هديا يذبح بمكة وتجزئه شاة، وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه. ومن حلف بالمشي إلى مكة فحنث فعليه المشي من موضع حلفه فليمش إن شاء في حج أو عمرة.
فإن عجز عن المشي ركب ثم يرجع ثانية إن قدر فيمشي أماكن
[ ٢ / ٨٩٨ ]
ركوبه فإن علم أنه لا يقدر قعد وأهدى، وقال عطاء: لا يرجع ثانية، وإن قدر ويجزئه الهدي، وإذا كان صرورة جعل ذلك في عمرة فإذا طاف وسعى وقصر أحرم من مكة بفريضة، وكان متمتعا والحلاق في غير هذا أفضل، وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج.
ومن نذر مشيا إلى المدينة أو إلى بيت المقدس أتاهما راكبا إن نوى الصلاة بمسجديهما، وإلا فلا شيء عليه.
وأما غير هذه الثلاثة مساجد فلا يأتيها ماشيا ولا راكبا لصلاة نذرها وليصل بموضعه.
ومن نذر رباطا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه).
الشرح
بعد أن أنهى المصنف رحمه الله تعالى الكلام عن الأيمان انتقل يتكلم على النذور.
النذور جمع نذر: وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرفه ابن عرفة: بأنه «إيجاب امرئ على نفسه لله تعالى أمرا» (^١)، وقال الراغب: «إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر».
أو نقول هو شرعا: التزام ما يلزم من القرب.
والأصل في النذر الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾ [الحج: ٢٩].
وأما السنة فروت عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» (^٢).
وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة ولزوم الوفاء به، ولا يستحب، لأن ابن عمر ﵄ روى عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر وأنه قال:
_________________
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١٠٣١)، والبخاري (٦٣٢٢).
(٢) البخاري (٨/ ١٥٥) (٦٦٠٨)، ومسلم (٥/ ٧٧) (٤٢٤٧).
[ ٢ / ٨٩٩ ]
«لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل» متفق عليه (^١)، وهذا النهي الوارد نهي كراهة لا نهي تحريم، لأنه لو كان حراما لما مدح الموفين به، لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحبا لفعله النبي ﷺ وأفاضل أصحابه رضوان الله عليهم (^٢).
قال: (ومن نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ولفظ المصنف هو نص حديث عائشة ﵂ المتقدم قريبا.
وهو على قسمين: نذر طاعة يجب الوفاء به، ونذر معصية: لا يجب الوفاء به ومع عدم وجوب الوفاء به فلا كفارة عليه على مذهب الجمهور (^٣) وإليه أشار بقوله: (ولا شيء عليه) لأنه نذر غير منعقد فلم يوجب شيئا كاليمين غير المنعقدة لحديث عائشة المذكور، وحديث ابن عباس ﵄ قال: «بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم». فقال النبي ﷺ: «مره فليتكلم وليستظل وليقعد، وليتم صومه» (^٤)، قال مالك (^٥): ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بكفارة، وقد أمره أن يتم ما كان الله طاعة، ويترك ما كان الله معصية اه.
(ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق) رقبة (عبد غيره) كره، و(لم يلزمه شيء) لحديث عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد» (^٦)، فلا يلزمه صدقة ولا عتق ما لم
_________________
(١) انظر: الفتح (١١/ ٥٨٤)، والاستذكار (٥/ ١٦٣)، والمغني لابن قدامة (١٣/ ٦٢١)، ولابن دقيق كلام دقيق في إحكام الأحكام (الحديث: ٣٦٩: إن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل).
(٢) بداية المجتهد (٣٤٠/ ١).
(٣) رواه البخاري (٦٢١٠).
(٤) الاستذكار (١٨٣/ ٥).
(٥) مسلم (٤٢٥٥).
(٦) الذخيرة للقرافي (٩٥/ ٤).
[ ٢ / ٩٠٠ ]
يعلق، فإن علق على شرط لزم عند وجود الشرط على المشهور نحو: الله علي أن أعتق عبد فلان إن ملكته فإن حصل المعلق لزمه (^١). وقال القرافي: ومتى التزم ما ليس في ملكه فالمشهور لزومه إذا ملكه (^٢).
(ومن قال: إن فعلت كذا) سواء كان واجبا أو حراما (فعلي نذر كذا) أي: منذور هو كذا فإنه يلزمه ما نذر إن فعل ما شرطه.
(وكذا) إن قال (لشيء) اللام زائدة؛ أي: وكذا إن ذكر شيئا بلسانه أو بقلبه فقوله: (يذكره) توكيد وقوله: (من فعل البر) بيان لشيء، وإضافة فعل لما بعده من إضافة العام للخاص، فهي للبيان وقوله: (من صلاة)؛ أي: صلاة تطوع بيان لفعل البر، واحترز به من الحرام والمباح فلا يلزمه (^٣) (أو صوم) كذلك (أو حج) كذلك (أو عمرة أو صدقة شيء سماه)؛ أي: بين قدره لفظا أو نية فالتعميم الأول متعلق بأصل العبادة وهذا متعلق ببيان القدر (فذاك)؛ أي: كل واحد مما ذكر من الصلاة وما بعدها يريد ونحو ذلك من القرب كالعتق والذكر (يلزمه) ما سماه لحديث عائشة المتقدم، ولحديث عمر ﵄ أنه قال: يا رسول الله ﷺ إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له رسول الله ﷺ: «أوف بنذرك» (^٤)، ولما روى ابن عباس: «أن أخت عقبة بن عامر، نذرت أن تمشي إلى البيت فأمرها النبي ﷺ: أن تركب وتهدي هديا» (^٥)، وغيرها من الأحاديث، (إن حنث)، أما إذا لم ينو الصلاة؛ أي: لم ينو قدرها ولا سماه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصلاة وهو ركعتان، وكذا الصوم إذا لم يسمه فيلزمه أقل ما يطلق عليه اسم الصوم وهو يوم. وأما إن قال: إن كلمت فلانا فعلي المشي إلى مكة فكلمه لزمه المشي في حج أو عمرة.
_________________
(١) المرجع السابق (٤/ ٧٤).
(٢) إلا أنه يشكل عليه ضرب المرأة بالدف على رأس رسول الله ﷺ إن رجع سالما فأمرها بأن تف بنذرها، وهو أمر مباح في حقها على الأقل.
(٣) البخاري (٣/ ٦٣) (٢٠٣٢)، ومسلم (٥/ ٨٨) (٤٣٠٤).
(٤) أبو داود (٣٢٩٨).
(٥) كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن (٢/ ٣٦).
[ ٢ / ٩٠١ ]
وأما الصدقة إذا لم يسم شيئا فيلزمه ثلث ماله، أما إذا سمى فظاهر كلامه أنه يلزمه ما سماه، ولو كان كل ماله.
قال ابن عمر الأنفاسي: «فإن ذكر الدار ولم يكن عنده إلا هي لزمه ذلك. وهذا بخلاف قوله بعد: ومن جعل ماله صدقة أو هديا أجزأه ثلثه»، فقال الشيوخ قوله: ومن جعل إلى آخره يريد إذا جعله كله ولم يستثن منه شيئا ولا سماه أما إذا سماه فإنه يلزمه ما سمى وهو الذي قال هنا هذا هو المشهور. انتهى (^١).
(كما يلزمه لو نذره مجردا من غير يمين)؛ أي: وكذلك يلزمه المقيد بوقوع شيء عند وقوع ذلك الشيء، كما يلزمه الذي لا تعليق فيه نحو: الله علي صوم أو صلاة أو غيرهما.
(وإن لم يسم لنذره مخرجا من الأعمال)؛ أي: لم يسم لنذره شيئا يخرج منه النذر؛ أي: يتحقق به من تحقق الكلي في بعض جزئياته. كقوله: الله علي نذر ولم يسم هل هو صلاة أو صوم أو حج أو ما أشبه ذلك (فعليه كفارة يمين) على المذهب كما في حديث عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين» (^٢)، وحديث ابن عباس ﵁ قال: «من نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا أطاقه فليف به» (^٣).
(ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر) هو المسكر من ماء العنب أو شبهه كالنبيذ وهو المسكر من غير ماء العنب (أو) نذر (ما ليس
_________________
(١) الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، غريب العارضة (٧/ ٧)، وأصله عند مسلم (٣/ ١٢٦٥).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٢٢)، وابن ماجه (٢١٢٨)، قال أبو داود: روى هذا الحديث وكيع وغيره، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، أوقفوه على ابن عباس، قال الألباني: الموقوف أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ١٧٣) وصحح وقفه، (الإرواء (٨/ ٣١٤).
(٣) حسن صحيح: أخرجه أحمد (٢/ ١٨٥) (٦٧٣٢)، وأبو داود (٢١٩٠).
[ ٢ / ٩٠٢ ]
بطاعة ولا معصية) كالمباح والمكروه (فلا شيء)؛ أي: لا كفارة (عليه ليمينه) في الفرعين لقوله ﷺ: «ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ولم يأمر بكفارة، وقال ﷺ: «لا نذر إلا ما ابتغي به وجه الله» (^١)، (وليستغفر الله)، لأنه نذر ما لا يبتغي به وجه الله تعالى، وهل الاستغفار راجع لنذر المعصية فقط، أو له ولما بعده؟ الراجح الثاني، وإن حلف إنسان (ب) اسم (الله) أو بصفة من صفاته (ليفعلن معصية) من المعاصي كشرب الخمر، أو قتل النفس، أو سب من لا يجوز سبه، (فليكفر عن يمينه) الذي حلفه (ولا يفعل ذلك) المحلوف عليه، لما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» (^٢).
(وإن تجرأ)؛ أي: اقتحم (وفعله)؛ أي: وإن ارتكب فعل المحلوف عليه مع علمه بأنه معصية ولم يبال بعقوبة عاقبته (فهو آثم) لفعله المعصية (ولا كفارة عليه ليمينه) لأنه بر في يمينه.
(ومن قال: علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان) لأن العهد يمين، والميثاق يمين قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١]، وقال سبحانه: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به﴾ [المائدة: ٥]، فإذا جمعهما فقد حلف يمينين، وما ذكره خلاف المشهور، والمشهور ما في التوضيح من عدم تعدد الكفارة سواء قصد الحالف التأكيد أو الإنشاء أو لا قصد له إلا أن ينوي كفارات (^٣).
(وليس على من وكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة) قال مالك: فأما التوكيد فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد مرارا يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين كقوله: والله لا أنقصه من كذا وكذا يحلف بذلك مرارا
_________________
(١) أبو داود (٣٢٩٠)، والترمذي (١٥٢٥)، قال ابن عبد البر: وهو حديث معلول وحديث عائشة أصح منه وأثبت، وبالله التوفيق.
(٢) التوضيح (٣/ ٢٩٧).
(٣) الاستذكار (٥/ ١٩٧).
[ ٢ / ٩٠٣ ]
ثلاثا أو أكثر من ذلك قال: فكفارة ذلك كفارة واحدة مثل كفارة اليمين اه، قال أبو عمر: وذكر ابن أبي شيبة، قال: حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه عن مجاهد قال: خرج ابن عمر، وبعث غلاما له في وجه من الوجوه، فأبطأ، فقال له ابن عمر: إنك تغيب عن امرأتك تخرج كذا، فطلقها، قال: لا والله لا أطلقها، قال: والله لتطلقنها، قال: والله لا أطلقها، فقال: والله لتطلقنها، قال: والله لا أطلقها، قال: فذهب عنه العبد.
قال مجاهد: فذكرت له أيمانه، قال: إنها يمين (^١).
ومفهوم في شيء واحد أنه لو كررها في شيئين أو أكثر مثلا لزم لكل كفارة يمين نحو: والله لا أكلم فلانا، والله لا آكل من هذا الطعام، والله لا ألبس هذا الثوب.
(ومن قال:) - والعياذ بالله - (أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني) أو هو عابد وثن ونحو ذلك (إن فعل كذا ثم فعله فلا شيء)؛ أي: لا كفارة (عليه)؛ أي: في شيء من ذلك لأن الحلف بغير أسماء الله أو صفاته لا تنعقد به يمين (ولا يلزمه غير الاستغفار) المراد منه التوبة؛ أي: ولا تطلب منه الشهادة فلا ينافي أنه يطلب منه زيادة على الاستغفار التقرب بشيء من أنواع القربات:
كعتق أو صدقة أو صوم لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حلف منكم، فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله …»، وهذا قول جمهور العلماء، وقال الخطابي: وهذا الحديث دليل على أن لا كفارة على من حلف بغير الإسلام وإن أثم، به لكن تلزمه التوبة لأنه أمره بكلمة التوحيد فأشار إلى أن عقوبته تختص بذنبه ولم يوجب عليه في ماله شيئا (^٢).
ولحديث الضحاك بن قيس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من حلف على
_________________
(١) رواه البخاري (٦٦٥٠)
(٢) الفتح (٥٤٥/ ١١).
[ ٢ / ٩٠٤ ]
ملة غير الإسلام، فهو كما قال (^١)، قال الحافظ: أراد التغليظ حتى لا يجترئ أحد عليه اه، ولو قال: إن فعل كذا يكون مرتدا، أو على غير ملة الإسلام، أو يكون واقعا في حق رسول الله فكذلك.
(ومن حرم على نفسه شيئا مما أحل الله له) من طعام أو شراب أو غير ذلك (فلا شيء)؛ أي: لا كفارة (عليه) ويلزمه الاستغفار لأنه أثم بذلك، لأن المحلل والمحرم هو الله تعالى. وقد ذم الله تعالى من فعل ذلك بقوله تعالى: ﴿قل أرءيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]، ولحديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يحرم الحرام الحلال» (^٢)، وقد عاتب الله نبيه ﷺ في تحريمه على نفسه العسل وزوجتيه كما في سورة التحريم، ولأن تحريم الحلال قلب للمشروع فلا ينعقد به تصرف مشروع وهو اليمين؛ ويستثنى مما قال مسألتان أشار إلى إحداهما بقوله: (إلا في زوجته) إذا قال: هي علي حرام (فإنها تحرم عليه) لأن تحريمها طلاقها ثلاثا لا تحل له (إلا بعد زوج) هذا في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فيلزمه فيها الثلاث إلا أن ينوي أقل.
والمسألة الثانية: إذا حرم أمته ونوى بها العتق، فإنها تصير حرة بذلك تحرم عليه لا يطؤها إلا بنكاح جديد. وأما إذا لم يقصد العتق فهي كتحريم الطعام والشراب فلا يلزمه إلا الاستغفار.
(ومن جعل ماله كله صدقة) لله تعالى كما فعل أبو لبابة ﵁ حين تاب الله عليه فقال: يا رسول الله. اهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأجاورك، وأنخلع من مالي؛ صدقة إلى الله، وإلى رسوله. فقال
_________________
(١) البخاري (٢/ ١٢٠) (١٣٦٣)، ومسلم (١/ ٧٣) (٢١٧).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٢٠١٥)، وقال الحافظ: وإسناده أصلح من الأول (أي: من حديث لعائشة ذكره في الفتح ٩/ ١٥٧)، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (٣٨٥ و٣٨٧).
[ ٢ / ٩٠٥ ]
رسول الله ﷺ: «يجزيك من ذلك الثلث …» (^١)، (أو) نذر ماله (هديا) يبعثه (إلى بيت الله) الحرام (أجزأه ثلثه) كذلك كما جاء عن عائشة أم المؤمنين أنها سئلت عن رجل، قال: مالي في رتاج الكعبة (^٢). فقالت عائشة: «يكفره ما يكفر اليمين» (^٣)
وقال مالك في الذي يقول: «مالي في سبيل الله، ثم يحنث، قال: يجعل ثلث ماله في سبيل الله» (^٤).
(ومن حلف بنحر ولده) مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي نحر ولدي (فإن ذكر مقام إبراهيم) الخليل ﵊؛ أي: قصته مع ولده (أهدى هديا) أعلاه بدنة، ثم بقرة، ثم شاة (يذبح بمكة) بعد أن يدخل به من الحل، أو بمنى إن أوقفه بعرفة، واختلف هل الهدي المذكور مستحب وهو قول عبد الوهاب، أو واجب وهو ظاهر قول الشيخ (^٥)، ورجحه الأزهري (^٦).
(وتجزئه شاة)؛ أي: مع الكراهة مع القدرة على أعلى منها والمراد بها هنا الذكر والأنثى لحديث القاسم بن محمد قال: أتت امرأة إلى عبد الله بن عباس، فقالت: إني نذرت أن أنحر ابني، فقال ابن عباس: لا تنحري ابنك، وكفري عن يمينك، فقال شيخ، عند ابن عباس: وكيف يكون في هذا كفارة؟.
فقال ابن عباس: «إن الله قال: ﴿الذين يظهرون منكم من نسائهم﴾ [المجادلة: ٢]. ثم جعل فيه من الكفارة ما رأيت» (^٧)، والراجح أن الأجنبي مثل ولده في لزوم الهدي إذا حلف بنحره وذكر مقام إبراهيم كما تقدم من
_________________
(١) الموطأ (١٠٢٢)، شرح الزرقاني (٣/ ٩٠).
(٢) الرتاج: الباب، وأراد بقوله: جعلت مالي في رتاج الكعبة؛ أي: جعلته لها.
(٣) شرح الزرقاني (٣/ ٩٣)
(٤) الاستذكار (٥/ ٢٠٧).
(٥) كفاية الطالب الرباني (٢/ ٤١).
(٦) الثمر الداني لصالح بن عبد السميع الآبي الأزهري (المتوفى: ١٣٣٥ هـ) (٤٣٢).
(٧) مالك في الموطأ (١٧٢٥).
[ ٢ / ٩٠٦ ]
ترجيح الأزهري (وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه) لا هدي ولا كفارة، وإنما عليه الاستغفار من ذلك، قال أبو عمر: الصحيح عندي في هذه المسألة ما قاله مسروق وغيره، وذلك سقوط الكفارة عن من نذر نحر ابنه أنه لا يلزمه في ذلك شيء من الأشياء لما ترك نحره؛ لحديث عائشة، عن النبي ﷺ: «ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (^١)؛ ونحر المسلم معصية، لا شك فيه. ومن جعل فيه كفارة يمين، فللحديث: «لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين» وهو حديث معلول وحديث عائشة أصح منه وأثبت، وبالله التوفيق (^٢) اهـ.
(ومن حلف بالمشي إلى مكة) مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة (فحنث فعليه المشي) لزوما (من موضع حلفه) يريد من البلد الذي حلف فيه لا من المكان الذي هو مستقر فيه حال حلفه، إلا أن يعين موضعا بعينه وما ذكره من التخيير في قوله: (فليمش إن شاء في حج أو عمرة) محله إذا لم تكن له نية في أحدهما وهو المشهور (^٣)، أي: إن التخيير عند عدم النية هو المشهور وذكر مبدأ المشي ولم يذكر منتهاه، ومنتهاه في العمرة بعد الفراغ من السعي، وفي الحج بعد الفراغ من طواف الإفاضة وما ذكره من لزوم المشي إلى مكة للحالف به محله إن استطاعه (فإن عجز عن المشي) إليها بعد أن شرع في المشي (ركب ثم يرجع) مرة (ثانية) ماشيا (إن قدر) عليه لتلافي ما ركب، فإن لم يقدر فإنه يلزمه الهدي (فيمشي أماكن ركوبه) ويركب التي مشى إذا علم ما ركب فيه وما مشى ويهدي لتفرقة المشي بدنة، فإن لم يجدها فبقرة فإن لم يجدها فشاة، وإن لم يعلم ما مشى وما ركب فإنه يمشي الطريق كله فإن علم هذا مقابل قوله: إن قدر عليه؛ أي: ظن (أنه لا يقدر) على المشي (قعد وأهدى) ولا يلزمه الرجوع مرة ثانية لما روى مالك، عن عروة بن أذينة الليثي؛ أنه قال: خرجت مع جدة لي عليها مشي إلى
_________________
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الاستذكار (٥/ ١٨٧).
(٣) انظر: التوضيح على جامع الأمهات (٣/ ٣٦٦).
[ ٢ / ٩٠٧ ]
بيت الله. حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها يسأل عبد الله بن عمر، فخرجت معه. فسأل عبد الله بن عمر، فقال له عبد الله بن عمر: «مرها فلتركب، ثم لتمش من حيث عجزت». قال مالك: ونرى عليها، مع ذلك، الهدي (^١).
(وقال عطاء) (^٢)؛ أي: ابن أبي رباح من المجتهدين (لا يرجع) مرة (ثانية وإن قدر) على المشي ثانيا، (ويجزئه الهدي) وذكر مالك في هذا الباب، عن يحيى بن سعيد؛ أنه قال: كان علي مشي، فأصابتني خاصرة، فركبت، حتى أتيت مكة، فسألت عطاء بن أبي رباح وغيره. فقالوا: عليك هدي. فلما قدمت المدينة، سألت علماءها فأمروني أن أمشي مرة أخرى من حيث عجزت، فمشيت (^٣).
قال أبو عمر: فيما ذكره مالك ما يوضح لك أن فتوى أهل مكة، بالهدي بدلا من المشي، وفتوى أهل المدينة بالمشي من حيث عجز من غير هدي. وأجمع مالك عليه الأمرين جميعا احتياطا لموضع تعديه المشي الذي كان يلزمه في سفر واحد، وجعله في سفرين، قياسا على المتمتع والقارن، والله أعلم - فخالف بذلك الطائفتين معا، إلا أنه قد روي مثل قول مالك عن طائفة من السلف (^٤).
ما ذكر من التخيير المتقدم إذا كان غير صرورة (و) أما (إذا كان صرورة)
_________________
(١) الموطأ، باب: فيمن نذر مشيا إلى بيت الله فعجز الحديث، رقم (٤).
(٢) الاسم: عطاء بن أبي رباح: أسلم القرشي الفهري أو الجمحي، مولاهم، أبو محمد المكي، المولد: ب ١ الجند (قيل ذلك)، الطبقة: ٣ من الوسطى من التابعين، الوفاة: (١١٤ هـ)، على المشهور، وقيل بعدها، روى له: خ م د ت س ق (البخاري مسلم أبو داود - الترمذي - النسائي ابن ماجه)، رتبته عند ابن حجر: ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، وقيل: تغير بأخرة، ولم يكثر ذلك منه، رتبته عند الذهبي: أحد الأعلام.
(٣) الموطأ، باب: فيمن نذر مشيا إلى بيت الله فعجز (٥).
(٤) الاستذكار (٥/ ١٧٥).
[ ٢ / ٩٠٨ ]
بالصاد المهملة وهو من لم يحج قط إذا حلف بالمشي إلى مكة وحنث أو نذر (جعل ذلك) المشي (في عمرة) وجوبا على ما في المختصر إذا لم تكن له نية، قلت: لأنها المتيسرة طول السنة، وقال في «التوضيح»: وأما من بعد كأهل المغرب فإنما يمشي في حج لأن أكثرهم لا يعرف العمرة ومن يعرفها لا يقصدها بسفر، وهذا في القرون الماضية ولا شك أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. وفي «الجواهر»: إذا كان الحالف من أهل الأقطار البعيدة، فهل يتعين عليه الحج، أو يتخير بينه وبين العمرة؟ قولان للمتأخرين. اه (^١).
أما إذا كان له نية مشى فيما نوى (فإذا طاف وسعى وقصر أحرم) من الحل استحبابا فإن لم يحرم منه أحرم (من مكة) ويستحب له أن يحرم من المسجد؛ أي: من جوفه على مذهب «المدونة» (^٢)، أو بابه على قول ابن حبيب (بفريضة) وهي حجة الإسلام (وكان متمتعا) إذا صادفت عمرته أو بعضها أشهر الحج والحلاق في غير هذا التمتع (أفضل) من التقصير (وإنما يستحب له التقصير في هذا) التمتع (استبقاء للشعث في الحج) «لأن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يقصروا» (^٣)، ولأنه مرغب في الشعث أيام الحج فعن أبي هريرة ﵁ قال: «إن الله يباهي بأهل عرفات ملائكة أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي هؤلاء جاؤوني شعثا غبرا» … الحديث (^٤)، (ومن نذر مشيا إلى المدينة) المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأكمل السلام (أو إلى بيت المقدس) مثل أن يقول: الله علي أن أمشي إلى مدينة النبي ﷺ أو أمشي إلى بيت المقدس، وكذا إذا حلف بالمشي إليهما (أتاهما راكبا) إن شاء أو ماشيا على المشهور، وقال ابن وهب: يلزمه الإتيان إليهما ماشيا، واستحسنه اللخمي والمازري وغيرهما لأنها طاعة يجب الوفاء بها ولا يلزمه الإتيان إليهما إلا إن نوى الصلاة المفروضة، وقيل: والنافلة
_________________
(١) التوضيح (٣/ ٣٦٦).
(٢) المدونة (٢/ ٣٧٦).
(٣) تقدم في كتاب الحج.
(٤) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٤) (٧٠٨٩)، وابن خزيمة ٢٨٤٠، وابن حبان (٣٨٥٢).
[ ٢ / ٩٠٩ ]
(بمسجديهما) ومثل الصلاة الصوم والاعتكاف (وإلا)؛ أي: وإن لم ينو الصلاة فيهما (فلا شيء عليه) لأن مجرد المشي ليس بعبادة.
(وأما غير هذه الثلاثة مساجد) المفهومة من السياق (فلا يأتيها) من نذر المشي إليها (ماشيا ولا راكبا) قربت داره أو بعدت (ل) أجل (صلاة نذرها)؛ أي: يصليها فيها وليصدها (بموضعه) لما في الصحيحين من قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (^١). وفي رواية لمسلم: «إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد» (^٢)، ولحديث جابر ﵁ أن رجلا يوم الفتح قال: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: صل ها هنا، فسأله، فقال: صل ها هنا، فسأله فقال: شأنك شأنك إذا» (^٣)، وإذا كان هذا في بيت المقدس، لأنه ليس أفضل من المسجد الحرام، ففي غيره أولى، لأنه ليس مسجد أولى من غيره بالصلاة بعد الثلاثة المذكورة فلا يجب الوفاء بإيقاع المنذور به. وهذا الحديث مخصص الحديث: ﴿من نذر أن يطيع الله فليطعه﴾.
(ومن نذر رباطا بموضع من الثغور) ولو كان من أهل مكة والمدينة (فذلك) المنذور واجب عليه (أن يأتيه) لأن الرباط قربة، ومن التزم قربة لزمته بلا خلاف. «ومن نذر أن يطيع الله فليطعه … . الحديث» تقدم.
_________________
(١) البخاري (١١٨٩)، ومسلم (٣٣٦٤).
(٢) رواه مسلم (٣٣٦٦).
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٣ (١٤٩٨١)، وأبو داود (٣٣٠٥).
[ ٢ / ٩١٠ ]